قال الإِسْبِيجَابِيُّ: في ظاهر الرواية: يُؤَزَّرُ الميتُ أولًا، ثم يُقَمَّصُ كحال الحياة، وعن محمد: يُقَمَّصُ أولًا، ثم يُؤَزَّرُ فوق القميص، ثم اللفافة، والأصح: بَسْطُ الإزارِ طُولًا، وقيل: عَرْضًا (^١).
وفي صلاة الجُلَّابِيِّ: يُكَفَّنُ الخُنْثَى المُشْكِلُ كما تُكَفَّنُ الجارية، ويُنْعَشُ ويُسَجَّى قبره (^٢).
فصل في الصلاة على الميت
وهي فرض على الكفاية عند الكل، إلا عند أَصْبَغَ من أصحاب مالك؛ فإنها سنة عنده (^٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٣]، والأمر للوجوب. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وعامة الجوامع (^٤)، ولكن ذكر أئمة التفسير أن المراد هاهنا الدعاء عند أخذ الصدقة.
وفي تفسير العتابي: المراد: صلاة الجنازة (^٥)، فحينئذ يتم الاستدلال.
ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
في المنافع: فالنهي عن الصلاة على المنافق يشعر بثبوتها على المسلم (^٦).
ولقوله ﵊: «صَلُّوا على كُلِّ بَرٍّ وفاجرٍ» (^٧)، وقوله ﵊: «صلُّوا على صاحبكم» (^٨)، وقوله ﵇: «صَلُّوا عَلَى من
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٧٢)، والنافع الكبير للكنوي (ص ١١٦).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٣٥٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٩١).
(٣) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٢٣٤)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ٢٠٨).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٨)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١١).
(٥) انظر: روح البيان لأبو الفداء (٣/ ٤٩٦).
(٦) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٣٨)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١٠٦).
(٧) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٤/¬١٩، رقم ٧٠٨٠) وضعفه البيهقي فقال: روي في الصلاة على كل بر وفاجر، والصلاة على من قال لا إله إلا الله أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف. وبنحوه أخرجه أبو داود (٣/¬١٨، رقم ٢٥٣٣) وضعفه الدارقطني في السنن (٢/ ٤٠٤، رقم ١٧٦٨) لعدم سماع مكحول من أبي هريرة ﵁.
(٨) أخرجه البخاري (٣/ ٩٤، رقم ٢٢٨٩) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^١)، وقوله ﵊: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى [الْمُسْلِمِ] (^٢) سِتُّ حُقُوقٍ»، وذكر منها: الصلاة عليه إذا مات (^٣)، ولأنها سنة ماضية من وقت آدم ﵊ كما روينا؛ لكن إذا قام بها البعض سقط عن الباقين؛ لأن حقه صار مؤدى بإقامة البعض، فيسقط عن الباقين كالتكفين. كذا في الإيضاح، ومبسوط شيخ الإسلام (^٤).
روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الإمام الأعظم وهو الخليفة أولى بها إن حضر، فإن لم يحضر فإمام المصر، وإن لم يحضر فالقاضي، فإن لم يحضر فصاحب الشرط - بالسكون، والحركة: خفار الجند، والمراد: أمير البلدة كأمير بخارى -، فإذا لم يحضر فإمام الحي، فإن لم يحضر؛ فالأقرب من ذوي قرابته، وبهذه الرواية أخذ كثير من المشايخ (^٥).
وذكر محمد في كتاب الصلاة: أن إمام الحي أولى من غيره؛ لأنه رضيه إماما في صلاته حال حياته، فكذا بعد وفاته، حتى قال الإمام العتابي: إمام مسجد الجامع أولى من إمام المحلة، وقال بعض المشايخ: لا اختلاف بين الروايتين؛ لأن ما ذكر محمد محمول على ما إذا لم يحضر واحد مما ذكرنا، وإنما قدم محمد إمام الحي في كتاب الصلاة؛ لأن الخليفة والسلطان لا يوجدان في كل بلد. كذا في الذخيرة (^٦).
وفي الخلاصة: فلو حضروا إلى المصر والقاضي؛ فالوالي أولى، فإن لم يحضر الوالي ولكن حضر خليفته؛ فخليفته أحق من القاضي وصاحب الشرط (^٧).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٤٠١، رقم ١٧٦١) من حديث ابن عمر، وضعف سنده ابن حجر في بلوغ المرام (ص: ١٢٣، رقم ٤٢٢).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة يقتضيها النص.
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٨)، وحاشية الشِّلْبِيِّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٣٦).
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١١٨).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٠٨).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمختار: أن الإمام الأعظم أولى، فإن لم يحضر فسلطان المصر، فإن لم يكن فإمام المصر أو القاضي، فإن لم يكن فإمام الحي، والحاصل: أن إمام الحي أولى من الأولياء عند أبي حنيفة، ومحمد.
وفي الفتاوى: إنما يستحب تقديم إمام الحي على الولي إذا كان أفضل من الولي، وعند أبي يوسف - وهو رواية الحسن عنه -: الولي أحق، وفي غريب الرواية: الحق للولي وهو تقديم السلطان وغيره (^١)، وبه قال الشافعي في الجديد، وقال في القديم: الوالي أولى من إمام الحي (^٢).
والحاصل: أن إمام الحي أولى من الولي، وبه قال مالك (^٣)، وأحمد (^٤)، وهو قولنا.
وجه قول أبي يوسف، والشافعي: قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] مطلقا من غير فصل بين الحياة والممات، والاعتبار بولاية الإنكاح، ولأن معظم الفرض هاهنا الدعاء على الميت، فمن يختص بزيادة الشفقة دعاؤه أقرب إلى الإجابة، بخلاف سائر الصلوات.
ولنا: ما روي أن الحسن بن علي ﵁ لما مات خرج الحسين والناس لصلاة الجنازة، فقدم الحسين ﵁ سعيد بن العاص وكان أميرا بالمدينة من جهة معاوية، فأبى سعيد أن يتقدم، فقال له الحسين: تقدم، ولولا السنة ما قدمتك (^٥).
ولأن هذه صلاة تقام بالجماعة غالبا، فيكون السلطان أولى بإقامتها، ولأن الوالي نائب الرسول ﵊، وهو الذي كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فينوب نائبه منابه في التقدم، ولأن ولايته وولاية القاضي عامة.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٩٤).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٤٥)، والبيان للعمراني (٣/ ٥٦).
(٣) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٧٣)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٦٧).
(٤) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٧٣)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/ ١١٠).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٤٧١ رقم ٦٣٦٩) بنحوه.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
(وَأَوْلَى النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى المَيِّتِ السُّلْطَانُ إِنْ حَضَرَ) لِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ ازْدِرَاء بِهِ (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَالقَاضِي) لِأَنَّهُ صَاحِبُ وِلَايَةٍ (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ إمَامِ الحَيِّ) لِأَنَّهُ رَضِيَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. قَالَ: (ثُمَّ الوَلِيُّ وَالْأَوْلِيَاءُ عَلَى التَّرْتِيبِ المَذْكُورِ فِي النِّكَاح).
وأما الآية فقلنا: هي محمولة على المواريث وعلى ولاية الإنكاح، وليس ولاية الإمامة كولاية الإنكاح؛ لأن ولاية الإنكاح مما لا يتصل بالجماعة، فكان القريب أولى، كالتكفين والغسل.
وأما قولهم: (دعاء القريب أولى بالإجابة)؛ فقلنا: لا؛ بل دعاء الإمام أقرب؛ لما روي أنه ﵊ قال: «ثلاث لا يُحجَبُ دُعاؤهم …» (^١) وذكر منهم الإمام. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط (^٢).
قوله: (على الترتيب المذكور في النكاح) فلو اجتمع الأب والابن؛ ذكر في كتاب الصلاة: الأب أولى من مشايخنا من قال: هذا قول محمد، فأما على قول أبي حنيفة: الابن أولى (^٣)، وبه قال مالك (^٤).
وقال أبو يوسف: الولاية لهما؛ لكن الابن يقدم الأب تعظيما له، كما في النكاح.
وقيل: لا، بل الأب أولى قول الكل، وبه قال الشافعي (^٥)، وأحمد (^٦).
وفي المحيط: وهو الأصح؛ لأنه أكثر شفقة وأرق قلبًا، فكان هو أولى بالدعاء (^٧)، لكن أبو حنيفة يقول: الاعتبار للولاية، فكان الابن أولى كما في
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه بنحوه الترمذي (٤/ ٢٥٣، رقم ٢٥٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁ وقال: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي وليس هو عندي بمتصل، ورواه الترمذي (٥/ ٤٧٠، رقم ٣٥٩٨) من حديث أبي هريرة مختصرا، وقال: حديث حسن، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ١٥٢).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٨).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٠٩).
(٤) انظر: التلقين للثعلبي (١/ ٥٦)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٧٦).
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣١٣)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٤٦).
(٦) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ٣١٠)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٣٠٦).
(٧) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٨).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عصوبة الميراث.
ولو اجتمع أخوان لأب وأم، أو لأب؛ فأكبرهم سنًا أولى، وبه قال الشافعي في قول؛ لأنه ﵊ أمر بتقديم الأسن، ولو أراد الأسن أن يقدم الأجنبي؛ ليس له ذلك إلا برضا الآخر؛ لأن الحق لهما، لكن قدمناه بالسنة، ولا سنة في تقديم من قدمه.
وفي قول منه: الأعظم الأتقى أولى، وهو الظاهر من قوله (^١).
وفي فتاوى العتابي: الزوج كالأجنبي، وبه قال الشافعي (^٢)، ومالك (^٣).
وعن أصحابنا: الزوج أولى منه، وكذا الجار.
وفي مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط: أن عم المرأة أولى من زوجها إذا لم يكن لها ابن من الزوج؛ لأن النكاح انقطع بموت المرأة، فصارت كالأجانب، والقرابة لا تنقطع إلا أن يكون للزوج منها ولد، فحينئذ يكون الزوج أحق (^٤)، خلافًا للشافعي، ومالك.
وقال القدوري: وسائر القرابات أولى من الزوج، وكذا مولى العتاقة وابنه؛ لأنهما عصبة (^٥). وقال الشافعي: الزوج أولى منهما (^٦).
وفي الْمُجْتَبى: المولى أحق بالصلاة على عبده من عصبة العبد لولايته، ولا ولاية للنساء والصغار من الذكور، ولو تركت المرأة أبا وزوجا وابنا؛ لا يقدم الابن أباه إلا برضا جده (^٧).
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/¬٤٦)، والبيان للعمراني (٣/ ٥٥).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٥٣)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٢٠).
(٣) انظر: التلقين للثعلبي (١/ ٥٦)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٧٦).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١١٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢١٠).
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٨)، وحاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٤٠).
(٦) انظر: المجموع للنووي (٥/ ٢٢٠)، وفيه: قال أصحابنا: لا حق للزوج في الإمامة في صلاة الجنازة …، وشذ عنهم صاحب العدة فقال: الزوج أولى بالإمامة عليها من المولى المعتق.
(٧) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥١٣).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
(فَإِنْ صَلَّى غَيْرُ الوَلِيّ وَالسُّلْطَانِ أَعَادَ الوَلِيُّ) … … … … ..
ويستحب لابن الابن أن يقدم جده وإن تساويا في العصوبة، ولو لم يحضر أحد إلا النساء؛ صلين على الميت بالجماعة، وعند الشافعي له منفردات (^١)، وبه قال مالك (^٢).
قوله: (فإن صلى غير الولي والسلطان): قيد بالسطان؛ لأنه لو صلّى السلطان فلا إعادة لأحد؛ لأنه هو المقدم على الولي، ثم هو ليس بمنحصر عليه؛ بل كل من كان مقدّمًا على الولي في ترتيب الإمامة في صلاة الجنازة على ما ذكر، فصلى هو؛ لا يعيدها الولي ثانيًا. كذا في فتاوى الولوالجي، والظهيرية (^٣).
وكذا لو صلّى إمام مسجد الجامع لا يعاد. كذا في فتاوي العتابي (^٤)؛ لأن هؤلاء هم الأولون منه، وإن كان غيرهم فله الإعادة.
وفي التجنيس، وفتاوى الظهيرية: ولو صلّى الإمام وحده جاز؛ لأن الجماعة ليست بشرط، ولو كان الواحد هو الولي؛ ليس للقوم الإعادة (^٥)، ولو اقتدى بعض الأولياء مع رجل وصلّى؛ ليس للباقين ولاية الإعادة؛ [لأن لكل واحد ولاية متكاملة، فإذا سقط الحق بأداء أحدهم؛ لم يكن للباقين حق الإعادة، ولم يذكر في الكتاب أن للسلطان ولاية الإعادة،] (^٦) ولكن ذكر في نوادر المبسوط مسألة يشهد عليها، وقال: وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز للإمام أن يصلي على الجنازة بالتيمم في المصر، قال عيسى: وهو الصحيح؛ لأن التيمم لا يكون طهارة إلا عند الضرورة؛ وهي خوف الفوت، وهذا لم يوجد في حق الإمام الذي يكون له حق الصلاة على الجنازة؛ لأن
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣١٤)، والمجموع للنووي (٥/ ٢١٥).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٦٣)، والتاج والإكليل للمواق (٣/ ٧٤).
(٣) الفتاوى الولوالجية (١/ ١٥٥).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٢٠)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٩٥).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٢٦)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١٠٦).
(٦) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
يَعْنِي: إِنْ شَاءَ، لِمَا ذَكَرْنَا: أَنَّ الحَقَّ لِلْأَوْلِيَاءِ (وَإِنْ صَلَّى الوَلِيُّ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ
الناس ينتظرونه، ولو لم ينتظروا؛ لكان له حق الإعادة، فلا يجزئه الأداء بالتيمم؛ لعدم الضرورة (^١).
وقيد بقوله: (إن شاء)؛ لأنه لو لم يقيده بفهم الوجوب.
وقيل: ذكر في التقويم: إن صلى غير الولي؛ كانت الصلاة باقية على الولي (^٢).
وفي الإيضاح: لو تقدم غير الولي؛ كان للولي أن يصلي عليه؛ لأن له حق التقدم (^٣)، أما تقدم غيره بإذنه فقد أسقط حقه، فبقي الأول فرضا، وهاتان الروايتان تدلان على الوجوب.
قوله: (وإن صلى الولي): تخصيص الولي غير مفيد؛ لما ذكرنا من رواية الولوالجي: أن كل من له حق الصلاة لو صلى؛ ليس لأحد أن يصلي بعده.
وفي الْمُجْتَبى: هذا إذا لم يحضر من يقدم عليه وحق الصلاة للولي، أما لو حضر السلطان وصلى عليه الولي؛ يعيد السلطان (^٤).
ولكن ذكر في المنافع: ليس له ولاية الإعادة.
وفي المستصفى: نقل عن شمس الأئمة الكردري: الصلاة في الأصل حق الأولياء؛ لأنهم أقرب الناس إليه وأولاهم به، غير أنه والإمام الأعظم يقدم لعارض الإمامة والسلطنة؛ فلهذا قيد بالشرط فقال: إن حضر فلان في التقديم عليه ازداد عليه، وفيه فساد أمر المسلمين (^٥).
وفي شرح القدوري: تقديمه على طريق الأفضل؛ فلهذا قال: فإن صلى الولي ليس لأحد أن يصلي بعده بطريق العموم (^٦)، وكذا يستحب تقديم إمام
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٢٦).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٧)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدن (٢/ ٢٢٣).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١١)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٠١).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥١٣).
(٥) المستصفى للنسفي (١/ ٦٥٤).
(٦) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٤٠)، والمستصفى للنسفي (١/ ٦٥٤).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
يُصَلِّيَ بَعْدَهُ) لِأَنَّ الفَرْضَ يَتَأَدَّى بِالْأَوْلَى وَالتَّنَفُلَ بِهَا غَيْرُ مَشْرُوعِ،
الحي بعارض أنه رضي بإمامته حال حياته، فعلم أن الحق للأولياء.
ثم انظر كيف راعى الترتيب؛ حيث قال: (إن حضر)، (ويستحب)، (وإن صلى غير الولي)، وبهذا يظهر الفقه والمتانة والرعاية والإرشاد على العوارض، وهذا يؤيد رواية المنافع.
ولو أوصى إلى رجل ليصلي عليه؛ لم تجز الوصية في ظاهر الرواية، وبه قال الشافعي (^١)، وعليه الفتوى.
وفي رواية النوادر: يجوز (^٢)، وبه قال أحمد (^٣)، فيؤمر أن يصلي عليه؛ لكن قال: هو لم يكن أولى من الأولياء. وقال أحمد: يقدم عليهم بحكم الوصية، وبه قال بعض مشايخنا.
قوله: (والتنفل بها)؛ أي: بصلاة الجنازة (غير مشروع)؛ يعني: لو صلّى الولي يقع فرضًا، فلا يعيدها غيره؛ لأنه بها غير مشروع.
وفي المبسوط: صلى قوم على جنازة جماعة، ثم حضر آخرون؛ لم يصلوا عليها ثانية جماعة وفرادى، إلا أن يصلي غير الولي؛ فله ولاية الإعادة (^٤)، وبه قال مالك (^٥)، والثوري، والأوزاعي، والليث، والحسن بن حي.
وقال الشافعي: يصلون جماعة وفرادى، وصلاتهم تقع فرضًا كالأول، أما من صلى عليها منفردًا؛ فلا يستحب له إعادتها في جماعة على الأصح، وسواء حضر الآخرون قبل الدفن أو بعده؛ لأن الصلاة على القبر جائزة (^٦)، وبه قال أحمد (^٧)، لكن إلى شهر عنده؛ فإنه روي أن بن معرور مات والنبي عليه الصلاة
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٤٧)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٢٠).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٠٥)، وحاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٣٩).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦٢)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٢٢٥).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٧).
(٥) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٧٦)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١٣٧٢).
(٦) انظر: المجموع للنووي (١/¬٢٧)، وروضة الطالبين للنووي (٢/ ١٣٠).
(٧) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٢).
[ ٢ / ٤٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والسلام غائب، فلما حضر صلّى عليه (^١). وقيل: إنه كان بعد شهر.
وروي أنه ﵊ مر بقبر جديد، فسأل، فقيل: قبر فلانة وهي امرأة من الأنصار. وقيل: هي المسكينة، فقال ﵊: «هلا آذنتموني بالصَّلاة»؟، فقالوا: دفنت ليلا فخشينا عليك هوام الليل، فقام وصلّى على قبرها (^٢).
وروي أنه ﵊ صلّى على حمزة ﵁ سبعين صلاة (^٣)، ولأن الصحابة صلوا على النبي ﵊ فوجا فوجا (^٤).
ولنا: ما روي أنه ﵊ صلى على جنازة، فحضر عمر ﵁ وأراد أن يصلي عليها فيها، فنهاه، وقال: «إنا قد صلينا مرة»، وقال له: «إنَّ الصلاة عليها لا تعاد» (^٥).
وما روي عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ أنهما فاتتهما صلاة على الجنازة، فلما حضرا ما زادا على الاستغفار له، وعبد الله بن سلام فاتته صلاة على جنازة عمر ﵁ فقال: إن سبقت بالصلاة عليه لم أُسْبَق بالدعاء له.
ولأن حق الميت يؤدى بالصلاة عليه من الفريق الأول، فيقع من الفريق الثاني نفلا، والتنفل بها غير مشروع، وإلا لتنفل الناس بالصلاة على قبر النبي ﵊، فإنه الآن في قبره كما وضع؛ لأن لحوم الأنبياء ﵈ حرام على هوام الأرض؛ تكريما لهم، بذلك ورد الخبر (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/¬٤١، رقم ١١٩٣٣) بسنده عن حميد بن هلال أن البراء بن معرور، توفي في صفر قبل قدوم رسول الله ﷺ المدينة بشهر، فلما قدم صلى عليه.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٩٩، رقم ٤٥٨) ومسلم (٢/ ٦٥٩، ٩٥٦) من حديث أبي هريرة ﵄.
(٣) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد (١/ ٤٦٣، رقم ٤٤١٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٠، رقم ١٠٠٧٢): فيه عطاء بن السائب؛ وقد اختلط.
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٨١، رقم ٢٠٧٨٥) من حديث أبي عسيبة ﵁ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/¬٣٧، رقم ١٤٢٧٣) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد.
(٥) لم أقف عليه بعد البحث.
(٦) أخرجه أبو داود (١/ ٢٧٥، رقم ١٠٤٧) والنسائي (٣/ ٩١، رقم ١٣٧٤) من حديث أوس بن أوس ﵁، وصححه الحاكم (١)، رقم (١٠٢٩) على شرط البخاري وأقره الذهبي.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما قيل: إن الصلاة على قبره لا تجوز؛ خوفًا أن يتخذ قبره ﵊ مسجدا؛ غير قوي؛ إذْ جوزوا أن يُصلَّى عند قبور أهل العلم والولاية، مع شدة اعتقاد العامة.
وما قالت الحنابلة: لا يصلى على قبره بعد شهر؛ غير قوي أيضًا؛ إذ التقدير بشهر لا أصل له في السنة، وما قال به أحد؛ ولهذا لم يصلوا على النبي ﵊ بعد دفنه قبل شهر.
فإن قيل: حق الميت وإن صار مقضيا بالصلاة مرة، فلا يوجب سقوطه أصلا؛ لأنها في الحقيقة دعاء الميت، وهو باق، كالوضوء شرع لإقامة الصلاة، والفرض يسقط بواحد، لكن لو أعاده لكل صلاة كان حسنًا.
قلنا: الأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فينبغي على هذا أن لا ينتفع الميت بالصلاة عليه، وأن لا يقضي حقه بعمل غيره، وإنما عرف هذا بخلاف القياس شرعًا.
ولما كان كذلك، وأنه سقط بالمرة الواحدة، فلم يتصور الثاني قضاء من عندنا بلا توقيف بخلاف الدعاء والاستغفار؛ بأن التوقيف فيه باق، كما بقي الأمر بالصلاة على النبي ﵊ على سبيل الدعاء.
وأما تأويل فعله ﵊: أن الحق كان له؛ قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فكان هو الولي؛ فله الإعادة، وكذا فعل الصحابة؛ فإن أبا بكر ﵁ كان مشغولًا بتسوية الأمور، وتسكين الفتنة؛ ولهذا توفي ﵊ يوم الاثنين ودفن يوم الأربعاء، مع أن التأخير في غيره مكروه بالإجماع، فكان يصلون عليه فوجا فوجا قبل حضور أبي بكر ﵁، وكان الحق له؛ إذ هو الخليفة، فلما فرغ أبو بكر صلى عليه، ثم لم يصل بعده أحد.
وتأويل ما روي من الصلاة على حمزة ﵁ سبعين مرة: أنه كان موضوعًا بين يديه، فيؤتى بواحد واحد، فظن الراوي أنه ﵊ صلى على
[ ٢ / ٤٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حمزة في كل مرة، فقال: صلِّي على حمزة ﵁ سبعين صلاة. كذا في المبسوط (^١).
وفي الأسرار: يحتمل أن تكون الصلاة عليه، ﵊، فرض عين على الصحابة؛ لعظم حقه، كالدعاء اليوم على المسلمين مرة واحدة بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فكان التكرار الصلاة عليه من كل أحد لأداء الفرض عليه (^٢).
وفي الإيضاح: إنما كرر الصحابة الصلاة عليه ﵊ لإحراز فضيلته، فلم يبق في حق غيره مشروعًا، وإلا لم يبق فضيلة (^٣).
قيل: يجوز أن يكون المراد من قول الراوي: صلى على حمزة ﵁؛ دعاء، وهو حقيقة لغوية.
وفي المبسوط: وعلى هذا الأصل قال علماؤنا: لا يصلى على ميت غائب (^٤)، وبه قال مالك (^٥).
وقال الشافعي (^٦)، وأحمد (^٧): يصلى عليه بالنية، سواء كان الميت الغائب في جهة القبلة أو لا، والمصلي مستقبل القبلة بكل حال، إلا إذا كان في البلد؛ ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كالغائب عن البلد، وأصحهما: أنه لا يجوز؛ لتيسر الحضور.
كذا في شرح الوجيز (^٨).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٥٠).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢١٣)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٩١).
(٣) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٩١).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٧).
(٥) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٢٨٠)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ١٤١).
(٦) انظر: الأم للشافعي (٧/ ٢٢٢)، والتنبيه للشيرازي (ص ٥١).
(٧) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٢).
(٨) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٩١).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
وَلِهَذَا رَأَيْنَا النَّاسَ تَرَكُوا عَنْ آخِرِهِم … … …
له: ما روي أنه ﵊ نعى الناس أن النجاشي مات بأرض حبشة، فخرج إلى المصلى وصلى عليه.
وقلنا: تعلق الصلاة بالميت كتعلقها بالإمام؛ ولهذا لا يجوز التقديم على الجنازة بالإجماع كالتقدم على الإمام، وعند الشافعي: يجوز تقدمه عليه في قول، كما في الصلاة على الغائب، ولكن الصحيح عنده أنه لا يجوز. كذا في تتمتهم (^١)، ولهذا شرطت طهارة الميت كطهارة الإمام.
وبعد المسافة بين الإمام والمأموم تفسد الصلاة، فكذا بين الميت.
وما روي أنه ﵊ صلى على النجاشي؛ فلأن الأرض طويت له، فكان البعيد قريبًا له، والغائب حاضرًا، وهو أولى للأولياء؛ لما روينا، فأعادها، ولا يوجد مثل ذلك في حق غيره. كذا في المبسوط والمختلفات (^٢).
ولا يلزم عليه فعل الصحابة ﵃؛ لأن حضور الجنازة شرط في حق الإمام، أو لأن فعلهم بطريق التبع. كذا قيل.
وفي الإيضاح: وإنما خص النجاشي؛ فضيلة له، فلم يبق في حق غيره مشروعًا، وإلا لم يبق فضيلة؛ ولهذا لم يصل ﵊ على زيد بن حارثة، وعلى جعفر الطيار، ولا على أحد مات غائبا من المهاجرين والأنصار (^٣).
وقيل: وقع عند الناس أن النجاشي على غير الإسلام، فأراد النبي ﵊ أن يعلم [الناس] (^٤) كلهم بإسلامه؛ حتى يرفع اللعن المتوجه إلى قومه؛ ولهذا لم يصل على أحد بعده.
(من آخرهم)؛ أي: من أولهم إلى آخرهم، وتجيء الصلاة على قبر النبي
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/ ٥٣)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٦٢).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٧).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٢)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٨٢).
(٤) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﵊ وَهُوَ الْيَوْمَ كَمَا وُضِعَ.
(وَإِنْ دُفِنَ المَيِّتُ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَسَّخَ وَالمُعْتَبَرُ
﵊ مفصلا عند الشافعي.
قوله: (صُلِّيَ على قبره …) إلى آخره وبه قال الشافعي (^١)، وأحمد (^٢)، هذا إذا دفن بعد الغسل، أما لو دفنوه بعد ما صُلِّيَ عليه، ثم تذكروا أنهم لم يغسلوه، فإن لم يُهَلَّ التراب عليه؛ يُخرج ويُغسل ويصلى عليه، وإن أهالوا التراب؛ لم يخرج.
وقال الشافعي: يُخرج ويُصلى عليه (^٣)، وبه قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥).
وقلنا: التسليم إلى الله تعالى، ثمّ وخرج من أيدي الناس؛ قال ﵊: «القبر أول منزل من منازل الآخرة» (^٦) ما لم يهل التراب؛ لأنه لم يتم التسليم. كذا في المبسوط (^٧).
وفي الْمُجْتَبى، والمحيط: وكذا لو صلى عليه من لا ولاية له؛ أن يُصلَّى على قبره، وفيما دفنوه بعد الصلاة قبل الغسل ولم يُخرَج، هل يصلي عليه ثانيا؟
قال الكرخي: يصلي عليه ثانيًا.
وفي النوادر عن محمد: القياس أن [لا] (^٨) يصلي عليه؛ لأن طهارة الميت شرط جواز الصلاة ولم يوجد (^٩).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٠٩)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٧).
(٢) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٢).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٠٩)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٦٢).
(٤) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٢٥٥)، وحاشية العدوي على شرح خلل (٢/ ١٣٠).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٤١٢)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٣٨٩).
(٦) أخرجه الترمذي (٤/ ١٣٠، رقم ٢٣٠٨) وابن ماجه (٢/ ١٤٢٦، رقم ٤٢٦٧) من حديث عثمان قال الترمذي: حسن غريب.
(٧) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٩).
(٨) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٩) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٦)، والمجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥١٤).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِاخْتِلَافِ الحَالِ وَالزَّمَانِ وَالمَكَانِ.
وفي الاستحسان: يصلي عليه؛ لأن تلك الصلاة لم يعتد بها؛ لترك الطهارة مع الإمكان، والآن زال الإمكان وسقطت فرضية الغسل؛ فيصلي عليه. أو يقول: إن هذه الصلاة دعاء من وجه، فلو كانت صلاة من كل وجه لا تجوز بدون الطهارة، ولو كانت دعاء من كل وجه تجوز بدونها، فإذا كانت بينهما فقلنا بشرطيتهما حالة القدرة، ويقدم شرطيتهما حالة الضرورة.
فأما إذا صلى عليه قبل الغسل ولم يدفن؛ فإنه يغسل وتعاد الصلاة، وكذا لو غسلوه وبقي عضوا وقدر لمعة. كذا في المبسوط، والمحيط (^١).
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما روي عن أبي يوسف أنه يُصلّى عليه إلى ثلاثة أيام، وبعدها لا يُصلَّى، وهكذا روى ابن رستم في نوادره عن محمد عن أبي حنيفة ﵀؛ لأن الصحابة كانوا يصلون على النبي ﵊ إلى ثلاثة أيام (^٢).
والصحيح: أن هذا ليس بتقدير لازم؛ لأنه يختلف باختلاف حال الميت من السمن والهزال، وباختلاف الزمان من الحر والبرد، وباختلاف المكان من الصلابة والرخاوة، فكان المعتبر فيه أكبر الرأي.
وما روي أنه ﵊ صلّى على شهداء أحد بعد ثمان سنين؛ معناه: دعا لهم، ونقل أنهم كانوا كما دفنوا ولم تتفرق أعضاؤهم، وهكذا وجدوا حين أراد معاوية أن يحولهم فتركهم، وما روي من فعل الصحابة كان قبل الدفن كما ذكرنا، مع أنه لا يمكن التمزق على الأنبياء ﵈ لما ذكرنا.
أما لو تمزق لا يُصلّى عليه؛ لأن الصلاة مشروعة على الميت لا على أعضائه، بخلاف ما إذا وجد أكثر الآدمي؛ فإنه في حكم الكل. كذا في المبسوط، والمحيط (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٣)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٦).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٣١٥١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٢١).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٩)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٦٢).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المجتبى: قيل: الصلاة على القبر مقدار ثلاثة أيام.
وقيل: إلى عشرة أيام. وقيل: إلى شهر. والصحيح: أنه مفوض إلى الاجتهاد؛ لتفاوت الأشخاص والأزمنة والأمكنة كما ذكرنا (^١).
وبقولنا قال مالك (^٢).
وقال الشافعي (^٣)، وأحمد (^٤) ﵏: يصلي على القبر، سواء كان المصلي وليًا أو لا، ثم له في التقدير أربعة أوجه؛ أحدها: إلى شهر؛ لما روي أنه ﵊ صلى على قبر ابن المعرور بعد شهر كما روينا (^٥)، وبه قال أحمد ﵀.
والثاني: يصلي عليه ما لم ينفسخ؛ لأن الصلاة مشروع عليه لا على عضوه.
والثالث: يصلي عليه من كان أهلًا على الصلاة عليه عند موته، حتى لو كان مجنونًا أو صبيًا عند موته وأفاق وبلغ بعده؛ لا يصلي عليه؛ لأن حكم الخطاب تعلق بمن هو أهل عند موته.
والرابع: أنه تجوز الصلاة عليه أبدًا؛ لورود الصلاة على القبر، ولم ينقل زمان أولى من زمان آخر، فعلى طريقة من قال: إلى شهر؛ لا تجوز الصلاة على قبر النبي ﷺ في هذا الزمان، وعلى طريقة من قال: هو أقل عند موته كذلك، وعلى طريقة من قال: أبدًا؛ وجهان:
أحدهما: أنه تجوز الصلاة على قبره ﵊؛ كما تجوز على سائر القبور.
والثاني: لا تجوز؛ لأنه ﵊ قال في مرضه: «لعن الله اليهود
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥١٤).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٧٣)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٤٣٥).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٥٩)، والتنبيه للشيرازي (ص ٥١).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٨١)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٢٥٩).
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٤٩، رقم ٧٢٧٣) وفيه: بعد سنة. قال البيهقي: كذا وجدته في كتابي والصواب بعد شهر وهذا مرسل.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^١)، وإنما قال ذلك؛ تحذيرا لأمته على الصلاة على قبره. كذا في تتمتهم (^٢).
وفي شرح الوجيز وعلى طريقة من قال: [ما] (^٣) لم ينفسخ، ليس امتناع الصلاة باعتبار أنه يبلى؛ لأن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ﵈ (^٤)، لكن بما روي أنه ﵊ قال: «أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث» (^٥).
ووجه خامس: وهو إلى ثلاثة أيام، فعلى هذا لا يصلى على قبره بعده؛ لما روينا، فعلم من هذا التفصيل أن ما ذكر في الكتاب من قوله: (ولهذا لا يصلي على قبره)؛ لتوضيح عدم مشروعية التطوع بها مشكل؛ لأن الخصم لم يمنع عدم الصلاة على قبره ﵊ باعتبار عدم مشروعية التنفل؛ لجواز أن يكون عدم الصلاة على قبره لمعنى آخر كما ذكرنا.
قوله: (يحمد الله تعالى): ولم يعين هاهنا في الثناء شيئًا، وفي سائر الصلوات: غير سبحانك اللهم، إلى آخره كما ذكرنا.
[قال شمس الأئمة: اختلف المشايخ في هذا الثناء؛ قال بعضهم: يحمد الله تعالى كما في ظاهر الرواية، وقال بعضهم: يقول: سبحانك اللهم، إلى آخره] (^٦) في سائر الصلوات، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ (^٧).
ولا يقرأ الفاتحة، وبه قال مالك (^٨).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦/ ١١١، رقم ٤٤٤١)، ومسلم (١/ ٣٧٠، رثم ٥٢٩) من حديث عائشة ﵂.
(٢) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٧٤)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٤٧).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٩٨).
(٥) قال ابن حجر في الفتح (٦/ ٤٨٧): لا أصل له.
(٦) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٧) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٧٨)، ومنحة الخالق لابن عابدين (٢/ ١٩٣).
(٨) انظر: الذخيرة للقرافي (١٣/ ٢٤٧)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ٢١٥).
[ ٢ / ٤٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي دعاء الاستفتاح؛ للشافعي ﵀ قولان: أحدهما: أنه يسن كسائر الصلوات.
والثاني: لا يسن؛ لأن هذه الصلوات مبناها على التخفيف (^١)؛ ولهذا لا ركوع ولا سجود ولا قعدة فيها، وقراءة الفاتحة واجبة عنده، وبه قال أحمد (^٢)، وداود؛ لما روى جابر ﵁ أنه ﵊ كان يقرأ فيها بأم القرآن (^٣)، وقرأ ابن عباس الفاتحة، وجهر، ثم قال: عمدًا فعلت؛ ليعلم أنه سنة (^٤)، وقال ﵊: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٥)، ولأنها صلاة وجب فيها القيام؛ فتجب فيها القراءة كسائر الصلوات.
ولنا: قول ابن مسعود ﵁ أنه ﵊ لم يوقت لنا في الصلاة على الجنازة دعاء ولا قراءة، كبر ما كبر الإمام، واختر من الدعاء أطيبه، وهكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمر؛ فإنهما قالا: ليس فيها قراءة شيء من القرآن.
وتأويل حديث جابر: أنه ﵊ كان قرأ على سبيل الثناء لا على وجه القراءة، وعنده لو قرأ الفاتحة على سبيل الثناء والدعاء لا يكفيه.
وقال الترمذي: حديث جابر، وابن عباس إسناده ليس بقوي (^٦)، ولأن هذه ليست بصلاة حقيقة، وإنما هي دعاء واستغفار للميت؛ ولهذا يسن فيها أركان الصلاة، وسميت بالصلاة؛ لما قلنا: إن الصلاة لغة: الدعاء، واشتراط الطهارة واستقبال القبلة بها لا يدل على كونها صلاة حقيقة كسجدة التلاوة.
_________________
(١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٧٧)، والمجموع للنووي (٣/ ٣١٩).
(٢) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦٥)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٦٢).
(٣) أخرجه الشافعي في المسند - ترتيب سنجر - (٢/ ٨٩، رقم ٥٨٤) وفي سنده إبراهيم بن أبي يحيى متروك.
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٨٣، رقم ٤٧٣٩) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/¬٣٢، رقم ٤١٥٩): فيه يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف.
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) انظر: سنن الترمذي (٢/ ٣٣٦).
[ ٢ / ٤٦٨ ]
[كَيْفِيَّةُ صَلَاةِ الجَنَازَةِ]
(وَالصَّلَاةُ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةً يَحْمَدُ اللَّهَ عَقِيبَهَا، ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يُصَلِّي فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يَدْعُو فِيهَا لِنَفْسِهِ وَلِلْمَيِّتِ … …
كذا في المبسوط (^١).
قوله: (ويصلي على النبي ﵊؛ أي: يقول: اللهم صل على محمد، إلى قوله: إنك حميد مجيد؛ لأن ذكر الله تعالى يليه ذكر النبي ﵊؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، أي: لا أذكر إلا وتذكر معي.
وفي خلاصتهم، وتتمتهم التكبيرات الأربع أركان، وقراءة الفاتحة ركن بعد التكبيرة الأولى، والصلاة على النبي ﵊ ركن بعد التكبيرة الثانية، ودعاء الميت ركن بعد الثالثة؛ لقوله ﵊: «لا صلاة لمن لم يصل علي» (^٢)، وقياسًا على سائر الصلوات (^٣).
وروى أبو هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا الدعاء له» (^٤)، والأمر للوجوب. وليس عقيب الرابعة ذكر مفروض، ولكن يسلم إن شاء تسليمتين، وإن شاء واحدة، وهو الركن الأخير؛ لأنه روي كلاهما.
وعندنا: التكبيرات الأربع قائمة مقام أربع ركعات، وهي فرض، وأما الثناء، والصلاة على النبي، والدعاء، والسلام؛ سنة؛ لاختلاف الآثار فيها، وقياسًا على سائر الصلوات.
(يدعو فيها لنفسه)؛ كي يغفر له فيستجاب دعاؤه.
(وللميت)؛ لأنه المقصود.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٤٠، رقم ٤٠٠) وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٦٠، رقم ١٦٦) لاتفاقهم على ضعف عبد المهيمن.
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٥٥)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٤٧).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٢١٠، رقم ٣١٩٩) وابن ماجه (١/ ٤٨٠، رقم ١٤٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه ابن حبان (٧/ ٣٤٥، رقم ٣٠٧٦).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
وَلِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ …
(وللمسلمين)؛ لأنهم كانوا كالبنيان يشد بعضهم بعضًا.
وليس في الدعاء شيء مؤقت، ولو دعا بما روت عائشة ﵂ أنه ﵊ قال: «اللهم اغفر لحينا وميتنا …» (^١) إلى آخره؛ حسن.
وفي المبسوط: يذكر هذا المروي إن كان يحسنه، وإلا يذكر ما يدعو في التشهد من قوله: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، إلى آخره (^٢).
وفي الْمُجْتَبى (^٣): وروي أنه ﵊ كان يقول: «اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وأصْلِحْ ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واجعل قلوبنا على قلوب أخيارنا» (^٤).
وفي شرح المجمع: والمحفوظ من دعائه ﵊؛ ما رواه عوف بن مالك قال: صلينا مع النبي ﵊ على جنازة، فحفظنا من دعائه: «اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعْفُ عَنه، وَأَكرِم نُزُلَه ووسع مدخلَهُ، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّهِ مِنَ الخَطَايَا كَما يُنقَّى الثَّوبُ الأَبيضُ مِنَ الدَّنَس، وأنزله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجًا خَيرًا من زوجه، وأدخله الجَنَّة، وأعذه من عذاب القبرِ وَمِنَ النَّارِ» (^٥). قال عوف: تمنيت أن أكون ذلك الميت (^٦).
ولكن لم يعين أصحابنا دعاء خاصا؛ بل يذكر ما يتهيأ له، ولعل ذلك أقرب إلى رقة القلب وحضوره من المروي، ثم يكبر الرابعة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢١١، رقم ٣٢٠١) من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الشيخ الألباني في المشكاة (١/ ٥٢٧، رقم ١٦٧٥).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٤).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥١٥).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٣٨، رقم ٣٢٦٥) من حديث الحارث ﵁ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/¬٣٣، رقم ٤١٦٦): فيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة، لكنه مدلس.
(٥) أخرجه مسلم (٢/ ٦٦٣، رقم ٩٦٣) من حديث عوف بن مالك ﵁.
(٦) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٦٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٩٧).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
وَيُسَلِّمُ) لِأَنَّهُ ﵊ كَبَّرَ أَرْبَعًا فِي آخِرِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فَنَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا.
في المبسوط (^١): ليس بعدها دعاء سوى السلام، واختار بعض مشايخنا ما يختم به سائر الصلوات: «ربنا آتنا في الدُّنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وَقِنَا برحمتِكَ عَذاب القبر وعَذَابِ النَّارِ» (^٢)، وهو رواية عن بعض أصحاب الشافعي (^٣).
وقال بعضهم: يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله (^٤).
وفي الْمُجْتَبى: قيل: مخير بين الدعاء والسكوت.
وقيل: يقول: ربنا لا تزغ قلوبنا، إلى آخره (^٥).
وقيل: يقول: سبحان ربك رب العزة، إلى آخره.
(ويسلم)؛ أي: تسليمتين، وهو من المشهور من الشافعي (^٦)، وبه قال مالك (^٧)؛ لأنه المشهور المتوارث من النبي ﵊.
وقال الشافعي ﵀ في الإملاء: يسلم تسليمة، ويبدأ من تلقاء وجهه، ويختمها ملتفتًا إلى يساره فيدير وجهه وهو فيها. وقيل: يأتي بها تلقاء وجهه بغير التفات.
وقيل: يزيد على قوله: السلام عليكم ورحمة الله. كذا في شرح الوجيز (^٨).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٠٦، رقم ٧٥٧١) من حديث ابن مسعود ﵁ وفي سنده نهشل بن سعيد كذبه ابن راهويه كما في تهذيب الكمال (٣٠/¬٣٢).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٥٧)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٣٩).
(٤) انظر: التنبيه للشيرازي (ص ٥١)، ونهاية المطلب للجويني (٣/ ٥٧).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥١٥).
(٦) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٠٩)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٥١).
(٧) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٧٦)، وفيه: ويسلم تسليمة واحدة خفيفة يسمع بها نفسه، كتسليمه من الصلاة المكتوبة، وحاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٤٢٦).
(٨) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٥٢١).
[ ٢ / ٤٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
معراج الدراية في شرح الهداية الجزء الثاني
وقال أحمد: يسلم تسليمة واحدة عن يمينه لشرفه (^١).
وأما الاقتصار على تسليمة واحدة؛ لما أن مبنى هذه الصلاة على التخفيف، خوفًا من التغييرات التي تحدث في الميت بعد غسله.
ثم تكبيرات الجنازة أربع عند الأئمة الأربعة (^٢)، وداود، وقال ابن سيرين: يكبر ثلاثًا، وقالت الشيعة: يكبر خمسا، وبه قال ابن أبي ليلي، وأبو يوسف في رواية (^٣)؛ لما روي أن عليًا ﵁ كبر خمسا على أهل بيته، وعلى سائر الناس أربعًا، وعنه أنه كبر على أبي قتادة سبعًا وكان بدريًا، وعنه أنه كبر على سهل بن حنيف سنا وكان بدريًا.
وعن ابن مسعود أنه ﵊ كبر على الجنائز سبعًا، وتسعًا، وخمسا، وأربعا، وقال: فكبروا ما كبر الإمام (^٤)، ولا يزيد على تسع.
وعن علي ﵁[أنه كان] (^٥) يكبر على أصحاب رسول الله غير أهل بدر خمسا، وعلى سائر الناس أربعًا (^٦). ولما اختلفت الآثار والروايات في فعله؛ أخذنا بآخر فعله وهو الأربع، فنسخ ما قبله.
وعن عمر ﵁ أنه جمع الصحابة حين اختلفوا في عدد التكبيرات، وقال لهم: إنكم اختلفتم، فمن يأتي بعدكم أشد اختلافًا، فانظروا إلى آخر صلاة صلاها النبي ﵊ على جنازة فخذوا بذلك، فنظروا، فوجدوا أنه ﵊ صلى على امرأة وكبر عليها أربعًا.
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٦٦)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٣١٥).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٢)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٧٦)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٤٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٦٢).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٣)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٢).
(٤) أخرجه أبو حنيفة كما في شرح مسند أبي حنيفة (١/ ١٣١) وفي معناه ما رواه مسلم (١/ ٣٠٩، رقم ٤١٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) ليست في النسخ وأثبتها من مصنف ابن أبي شيبة.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٩٦، رقم ١١٤٥٤).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: صلى على النجاشي آخرًا وكبَّر أربعًا، فاتفقوا على ذلك، وحل محل الإجماع، وإجماع المتأخرين يرفع الخلاف المتقدم.
ولأنه ﵊ كبّر في العيد أربعًا، وقال: «أربع كأربع الجنائز لا يشتبه» (^١) (^٢) كما روينا.
وفي المبسوط: روي أن عليًا كبر على أهل بيته خمسا، وعلى سائر الناس أربعا؛ افتراء عليه، فإنه روي أنه كبر على فاطمة أربعًا (^٣).
ثم لا يرفع الأيدي فيها سوى تكبيرة الافتتاح الإمام، والقوم فيه سواء، وبه قال مالك ﵀ (^٤).
وقال الشافعي (^٥)، وأحمد (^٦)، ومالك في رواية: يرفع عند كل تكبيرة كما في تكبيرة الافتتاح، وبه قال أكثر مشايخ بلخ (^٧)؛ لما روي أن عمر وأنسًا ﵄ كانا يرفعان في جميع التكبيرات، ولأن هذه تكبيرات يؤتي بها في قيام مستو فيرفع اليد فيها كتكبيرات العيد وتكبير القنوت، والفقه ما بينا من الحاجة إلى إعلام الأصم خلفه.
ولنا: قوله ﵊: «لَا تُرفَعُ الأيدِي …» (^٨) الحديث، وصلاة الجنازة ليست من السبع، وعن علي، وابن عمر أنهما قالا: لا ترفع الأيدي فيها إلا عند تكبيرة الافتتاح.
والمعنى: أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وكما لا يرفع الأيدي في كل
_________________
(١) في النسخ يشتبه والتصويب من المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٨).
(٢) ذكره السرخسي في المبسوط (٢/¬٣٨).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٣).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٥٢)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٦٣).
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٠٩)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٤٧).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦٤)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٦٦).
(٧) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٤).
(٨) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
(وَلَوْ كَبَّرَ الإِمَامُ خَمْسًا لَمْ يُتَابِعْهُ المُؤْتَمُ) خِلَافًا لِزُفَرَ، لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِمَا رَوَيْنَا، وَيَنْتَظِرُ تَسْلِيمَةَ الإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
ركعة في سائر الصلوات، فكذلك هاهنا. كذا في المبسوط (^١).
وفي المختلف: روي أنه ﵊ كان يكبر للافتتاح ثم لا يعود (^٢). رواه الدارقطني.
وفي النوازل: كان محمد بن سلمة، ومحمد بن الأزهر، وعصام بن يوسف يرفعون أيديهم، وقال نصر، ومحمد بن مقاتل: أرفع تارة ولا أرفع أخرى، ولكن الصحيح: ظاهر الرواية أنه لا يرفع. كذا ذكره في المبسوط أيضًا (^٣).
قوله: (لم يتابعه) وبه قال الشافعي (^٤)، ومالك (^٥) ﵏ خلافًا لزفر (^٦)، وبه قال أحمد (^٧)، وابن أبي ليلى، والظاهرية (^٨)، والشيعة.
وفي الْمُجْتَبى: وقال أبو يوسف: يتابعه (^٩).
وفي النهاية: وهو رواية عن أبي يوسف (^١٠).
ووجهه: أنه مجتهد فيه كما قلنا، فيتابعه المقتدي كما في تكبيرات العيد.
وقلنا: إنه منسوخ؛ لما روينا من قبل، ولا متابعة في المنسوخ؛ بخلاف تكبيرات العيد فإنها مجتهد فيها، ولا يثبت النسخ فيها؛ ولهذا لو تجاوز الإمام فيها حد الاجتهاد لا يتابعه، وإذا لم يتابعه فيها ماذا يصنع؟
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٥).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٢٠)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٤).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٥٥)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٣١).
(٥) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٢١٥)، والتاج والإكليل للمواق (٣/¬١٢).
(٦) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٣).
(٧) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦٥)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٣).
(٨) انظر: المحلى لابن حزم (٣/ ٣٤٧).
(٩) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥١٥).
(١٠) أي: ورد عن أبي يوسف رواية بأن التكبيرات في الجنازة خمس تكبيرات. انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٣)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٢).
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وَالإِتْيَانُ بِالدَّعَوَاتِ اسْتِغْفَارٌ لِلْمَيِّتِ، وَالبُدَاءَةُ بِالثَّنَاءِ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ سُنَّةُ الدُّعَاءِ،
في رواية عن أبي حنيفة ﵀: يسلم ولا ينتظر تحقيقا للمخالفة.
وفي رواية عنه: ينتظر ويسلم مع الإمام؛ ليصير متابعًا فيما وجبت المتابعة فيه (^١).
وفي الواقعات: وعليه الفتوى (^٢)، وبه قال مالك في رواية (^٣). وفي الحلية: حكي في الحاوي في الانتظار وجهين (^٤).
وفي روضة الزندوستي (^٥): لا يتابعه إذا كان يسمع من الإمام، أما إذا سمع من المنادي؛ يكبر كما في تكبيرات العيد (^٦).
قوله: (سنة الدعاء)؛ في المحيط: الدليل عليه: قوله ﵊: «إذا أراد أحدكم أن يدعو فليحمد الله، وليصل على النبي ثمَّ يَدعُو» (^٧)، واعتبرها بالتشهد في الصلاة (^٨).
وفي التجنيس: ولا يجهر بشيء من الحمد والثناء والصلاة على النبي ﵊ والدعاء؛ لأن هذا ذكر كله، والإخفاء في الذكر والدعاء أولى (^٩).
وقال بعض المشايخ: السنة أن يسمع الصف الثاني ذكر الصف الأول،
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٣).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٢١).
(٣) انظر: حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٤٢٥)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٤١١).
(٤) الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٥٥).
(٥) في النسخ البردوسي، والمثبت هو الموافق للمصادر مثل تبيين الحقائق (٥/ ١٢٥)، وفي بعض المصادر مثل البناية (٣/ ٢٢٢): (الزيدوسي).
(٦) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٩٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٢٢).
(٧) أخرجه بنحوه أبو داود (٢/ ٧٧، رقم ١٤٨١) والترمذي (٥/ ٣٩٤، رقم ٣٤٧٧) والنسائي (٣/¬٤٤، رقم ١٢٨٤) من حديث فضالة بن عبيد ﵁ قال الترمذي: حسن صحيح.
(٨) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٧٨).
(٩) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٠٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٢٢).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وَلَا يَسْتَغْفِرُ لِلصَّبِيِّ وَلَكِنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا، وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا وَذُخْرًا، وَاجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا مُشَفَّعًا. (وَلَوْ كَبَّرَ الإِمَامُ تَكْبِيرَةً أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ، لَا يُكَبِّرُ الْآتِي حَتَّى يُكَبِّرَ أُخْرَى بَعْدَ حُضُورِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكَبِّرُ حِينَ
ويسمع الثالث ذكر الثاني (^١).
وعن أبي يوسف: أنهم لا يجهرون كل الجهر، ولا يسرون كل السر، وينبغي أن يكون بين ذلك (^٢).
قوله: (ولا تستغفر للصبي)؛ وذلك أنه مرفوع القلم، ولا ذنب له، فلا حاجة إلى الاستغفار.
(ولكن يقول: اللهم اجعله لنا فَرَطًا وذخرا)؛ أي: أجرًا يتقدمنا، وأصل الفارط والفرط فيمن يتقدم الواردة.
ومنه قوله ﵊: «أنا فرطكم على الحوض»؛ أي: متقدمكم. كذا في المغرب (^٣).
ويقال بالفارسية: يسر روو.
(ذخرا)، أي: خيرا باقيًا مدخرا.
(مشفعًا)؛ أي: مقبول الشفاعة.
وفي تتمتهم: ويدعو بهذا الدعاء له بعد ما دعا بما روت عائشة (^٤).
قوله: (وقال أبو يوسف): تفسير المسألة عنده: أنه كبر هذا الرجل حين حضر ولم يصر مسبوقًا بشيء، وبقوله قال الشافعي (^٥)، ومالك في رواية (^٦).
وعندهما: ينتظر حتى يكبر الإمام الثانية فيكبر معه، وبه قال أحمد (^٧)،
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٠٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢١٨).
(٢) انظر: حاشية الشَّلْبِيُّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٤١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢١٨).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٣٥٨).
(٤) انظر: المجموع للنووي (٥/ ٢٣٨)، وروضة الطالبين للنووي (٢/ ١٢٧).
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٥٨)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٤٩).
(٦) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٧٧)، والبيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٢٤٢).
(٧) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦٦)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٧٠).
[ ٢ / ٤٧٦ ]
يَحْضُرُ) (*) لِأَنَّ … …
ومالك في رواية، ويقضي ما فاته بعد سلام الإمام.
وكذا الخلاف لو جاء وكبَّر الإمام تكبيرتين أو ثلاثًا؛ فعنده يكبر حين حضر، وعندهما: يقضيها بعد السلام ما لم ترفع الجنازة، ولو رفعت بالأيدي ولم توضع على الأكتاف؛ يكبر في ظاهر الرواية.
وعند محمد: إن كانت إلى الأرض أقرب يكبر، وإن كانت إلى الأكتاف أقرب لا يكبر (^١)، ويدعو فيها إن لم يخف فوتها، وإن خاف ترك الدعاء ووالى بين التكبيرات، ولو جاء وكبر الإمام أربعًا ولم يسلم؛ لم يدخل معه وفاتته الصلاة.
وعند أبي يوسف (^٢)، والشافعي (^٣): دخل معه ويأتي بها تسعًا إن خاف رفع الجنازة.
وفي المحيط: وعليه الفتوى (^٤).
وعند الشافعي: يقرأ الفاتحة أيضًا، سواء صار مسبوقًا بأربع أو أقل (^٥).
وظاهر مذهبه: أنه يتم الصلاة بالصفة المشروعة وإن رفعت الجنازة.
وجه قول أبي يوسف: قوله ﵊: «اتبع إمامك في أي حال أدركته» (^٦)، والقياس على سائر الصلوات؛ فإنه يتابعه فيها؛ أي: في أي حال
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٢٤).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٦)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٤).
(٤) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٨٤)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٤٠).
(٥) انظر: حاشية الشَّلْبِيُّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٤١).
(٦) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٨٣)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٣٣).
(٧) بنحوه أخرجه الطبراني في الكبير كما في كنز العمال (٧/ ٦٤٥، رقم ٢٠٧٠٠) من حديث معاذ ﵁ مرفوعا: قد سن لكم معاذ فاقتدوا به إذا جاء أحدكم وقد سبق بشيء من الصلاة فليصل مع الإمام بصلاته، فإذا فرغ فليقض ما سبق به. وهو عند أحمد (٥/ ٢٤٦، رقم ٢٢١٧٧) وأبي داود (١/ ١٣٨، رقم ٥٠٦) بلفظ قريب، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود -الأم (٢/ ٤٢٦، رقم ٥٢٣).
[ ٢ / ٤٧٧ ]
الأُولَى لِلافْتِتَاحِ، وَالمَسْبُوقُ يَأْتِي بِهِ. وَلَهُمَا: أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ، وَالمَسْبُوقُ لَا يَبْتَدِئُ بِمَا فَاتَهُ إِذْ هُوَ مَنْسُوخٌ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا فَلَمْ يُكَبِّرُ مَعَ الإِمَامِ لَا يَنْتَظِرُ الثَّانِيَةَ بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ المُدْرِكِ.
قَالَ: (وَيَقُومُ الَّذِي يُصَلِّي عَلَى الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ القَلْبِ، وَفِيهِ نُورُ الإِيمَانِ، فَيَكُونُ القِيَامُ عِنْدَهُ إِشَارَةٌ إِلَى الشَّفَاعَةِ لِإِيمَانِهِ. وَعَنْ
أدركه، وعلى ما لو كان واقفا خلف الإمام وتأخر التكبير عن تكبيره؛ فإنه لم ينتظر التكبيرة الثانية بالاتفاق فكذا هذا، وقولهما مروي عن ابن عباس.
والمعنى فيه: أن هذه التكبيرة من تكبيرات الجنازة لم يدركها مع الإمام، فلا يأتي بها قبله؛ قياسًا على التكبيرة الثانية إذا كان مسبوقا؛ فإنه لا يأتي بها قبل تكبيرات الإمام فكذا هذا؛ وهذا لأن كل تكبيرة قائمة مقام الركعة؛ بدليل أنه لو ترك واحدة منها لا تجوز صلاته كما لو ترك ركعة؛ ولهذا قيل: أربع كأربع الظهر، فلم لم ينتظر كان قاضيًا ما فاته قبل أداء ما أدرك مع الإمام، وذلك منسوخ؛ لأن أبا يوسف يقول: لتكبيرة الافتتاح معنيان؛ معنى الافتتاح، ومعنى القيام مقام ركعة، ومعنى الافتتاح راجح فيها؛ بدليل تخصيصها برفع اليد عندها.
والجواب لهما عما كان حاضرًا خلفه؛ أنه لو كان حاضرا مع الإمام فقد أدركها معه، فكان له أن يأتي بها، وليست هذه كسائر الصلوات؛ لأن في سائرها متى كبر تكبيرة الافتتاح لا يكون متقدمًا على الإمام؛ لأنه لا يصير مسبوقا بشيء، بخلاف ما نحن فيه كذا في المبسوطين، والمحيط (^١).
وفي الإيضاح: سئل محمد هل يطيل تكبيرة الأولى على غيرها؟
فقال: ليس فيها شيء مؤقت؛ لأن الفصل بينهما بالذكر، فيعتبر قدر ما يفرغ من الذكر.
(عنده)؛ أي: عند الصدر.
(إشارة إلى الشفاعة؛ لإيمانه)؛ يعني: أنه يشفعه لإيمانه فتجاوز عن سيئاته،
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٢).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَقُومُ مِنْ الرَّجُلِ بِحِذَاءِ رَأْسِهِ، وَمِنْ المَرْأَةِ بِحِذَاءِ وَسَطِهَا (*)، لِأَنَّ أَنَسًا ﵁ فَعَلَ كَذَلِكَ وَقَالَ: هُوَ السُّنَّةُ. قُلْنَا: تَأْوِيلُهُ أَنَّ جِنَازَتَهَا لَمْ تَكُنْ مَنْعُوشَةٌ، فَحَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ.
وبه قال الطبري من أصحاب الشافعي (^١).
وقال الشافعي: يقوم الرجل عند الصدر، وللمرأة عند عجزتها وهي وسطها (^٢)، وبه قال أحمد (^٣)، وهي رواية عن أبي يوسف، ومحمد.
وفي تتمتهم: عند رأس الرجل (^٤)، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضًا.
وجه قوله: ما روى سمرة بن جندب، وأنس أنه ﷺ صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام في وسطها.
وفي جامع الإسبيجابي: يحتمل أنه قام بحذاء الصدر، وهذا قريب من الوسط، فعبر به عنه (^٥).
وقال مالك: يقوم على وسط الرجل، ومنكبي المرأة؛ لأنه قد روي هكذا (^٦).
قوله: (منعوشة): يقال: نعش جنازتها؛ أي: اتخذ لها نعش، والنعش: شبه المحفة مشبك مطبق على المرأة إذا وضعت على الجنازة. كذا في المغرب (^٧).
(وسطها): بسكون السين، هكذا كان معربًا بخط شيخي؛ لأنه بالسكون اسم لداخل الشيء؛ ولهذا كان طرفًا، يقال: جلست وسط الدار، والمحرك اسم للمذكر.
_________________
(١) (*) الراجح: هو ظاهر الرواية، لأنه موضع القلب وفيه نور الإيمان.
(٢) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٦٠)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٢٤).
(٣) انظر: الحاوي للماوردي (٣/¬٥٠)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٦٢).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٦)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٣٤٤).
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٥٠)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٢٤).
(٦) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٢)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٤٢).
(٧) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٥٢)، والتاج والإكليل للمواق (٣/¬١٤).
(٨) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٤٦٨).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
(فَإِنْ صَلَّوْا عَلَى جِنَازَةِ رُكْبَانًا أَجْزَأَهُمْ فِي القِيَاسِ) لِأَنَّهَا دُعَاءُ. (وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: لَا تُجْزِئُهُمْ) لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ وَجْهِ لِوُجُودِ التَّحْرِيمَةِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ احْتِيَاطًا وَلَا بَأْسَ بِالإِذْنِ فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ لِأَنَّ التَّقَدَّمَ حَقُّ الوَلِيِّ فَيَمْلِكُ
والمراد بالوسط في الحديث: الوسط المعنوي لا اللغوي، والوسط المعنوي هو الصدر؛ فإن فوقه الرأس مع اليدين، وتحته البطن والرجلين، وهذه قسمة عادلة كما ترى. إليه أشير في المبسوط (^١).
(لأنها دعاء)؛ ولهذا يجوز بلا ركوع وسجود وقراءة، والقهقهة فيها ليست بحدث، ولأن ركن القيام معتبر بسائر الأركان، وذلك ساقط فيها للتخفيف، فكذا القيام، وبه قال بعض المالكية (^٢).
وفي الاستحسان: لا يجوز بلا عذر، وكذا لو قعد بلا عذر، وبه قال الشافعي (^٣)، وأشهب (^٤)، وأحمد (^٥)، وآخرون؛ لأنها صلاة من وجه؛ ولهذا يشترط فيها شرائط الصلاة من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة، فصارت كمكتوبة أخرى، وإن لم يكن فيها قراءة كصلاة الأمي. ولأن فيها سنن التكبير والقيام.
ولو ترك التكبير لا يعتد بها، فكذا إذا ترك القيام بلا عذر احتياطا كما في سائر الفرائض. كذا ذكره الإمام السرخسي، وقاضي خان (^٦).
وفي جامع الكردري: ولأنه يحل بمعنى الشفاعة (^٧).
قوله: (ولا بأس بالإذن)؛ أي: إذن الولي.
وقيل: لا بأس بإذن الولي الناس بالانصراف بعد الصلاة؛ إذ لا يسعهم
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٦).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١١٨).
(٣) انظر: الحاوي للماوردي (٣/ ٥٨)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٢/ ٣٤١).
(٤) انظر: مواهب الجليل للحطاب (٢/ ٢١٥).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦٣)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٦٧).
(٦) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٩).
(٧) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٧)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٧٨).
[ ٢ / ٤٨٠ ]
إِبْطَالُهُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: لَا بَأْسَ بِالْأَذَانِ: أَي الإِعْلَامِ، وَهُوَ أَنْ
الانصراف عنها قبل الدفن إلا بإذن الولي؛ لقوله ﵊: «أميران وليسا بأميرين، ولي الجنازة والمرأة في الركب» (^١)، وإذا ثبت أنه أمير بالنص؛ لا يجوز لغيره أن يرجع بغير إذنه. كذا في جامع المحبوبي (^٢).
(وفي بعض النسخ)؛ أي: نسخ الجامع الصغير.
(أي: الإعلام): ومنه سمي الأذان أذانا.
وإنما قلنا: إنه لا بأس به؛ لما روي أنه ﵊ قال: «إذا مات أحدكم فَآذِنُونِي بالصَّلاةِ؛ فإن صلاتي رحمة له» (^٣)، ولأن في الأذان إعلام لإخوانه فيحضرون ويقضون حقه؛ لأنه ﵊ قال: «حقَّ المَسلِمِ على المسلم أن يعوده إذا مرض، وأن يتبع جنازته إذا مات» (^٤).
والمراد بالإعلام: إعلام إخوانه لا النداء في الأسواق؛ لأن ذلك مكروه؛ لمشابهته أفعال أهل الجاهلية. كذا في جامع الإسبيجابي (^٥).
وفي جامع قاضي خان: واستحسن بعض المتأخرين النداء في الأسواق للجنازة؛ ترغيبا للصلاة عليها، وهو الأصح (^٦).
وقال الإمام الهندواني: لا يفعل؛ لأنه عادة أهل الجاهلية، إلا أن يكون الميت عالمًا أو زاهدًا (^٧).
وقال الحلواني: إنما أورد هذه المسألة؛ لأن بعض العلماء كره ذلك
_________________
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢/¬٣٦، رقم ١١٤٤) من حديث جابر ﵁، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٨١، رقم ٥٦٧٧): رواه البزار وقال: لا نعلمه بهذا اللفظ من وجه أحسن من هذا.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٣٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٢٧).
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٣٨٨، رقم ١٩٤٧٠) والنسائي (٤/ ٨٤، رقم ٢٠٢٢) من حديث يزيد بن ثابت ﵁، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ١٨٥، رقم).
(٤) أخرجه النسائي (٤/ ٥٣، رقم ١٩٣٨) وهو في الصحيحين بلفظ قريب وتقدم تخريجه.
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٠٠)، وحاشية الشَّلْبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٣٥).
(٦) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٩١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٢٨).
(٧) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٦٥)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٩٣).
[ ٢ / ٤٨١ ]
يُعْلِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَقْضُوا حَقَّهُ (وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي المَسْجِدِ فَلَا أَجْرَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ بُنِيَ
باعتبار أنه إعلام بالمصيبة. كذا ذكره التمرتاشي.
قوله: (ولا يصلى على ميت في مسجد جماعة)؛ قيد به؛ لأن المسجد لو كان لا لجماعة، أوعد لصلاة الجنازة؛ لا يكره فيه، وبقولنا قال مالك (^١).
وقال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣)، وأبو يوسف في رواية (^٤): لا يكره إذا لم يخف خروج شيء يلوث المسجد؛ لما روي أن عائشة ﵂ أمرت بإدخال جنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد؛ حتى يصلي عليه أزواج النبي ﵊، ثم قالت: هل عاب الناس علينا ما فعلنا؟، فقالوا: نعم، فقالت: ما أسرع ما نسوا صلاة رسول الله ﷺ على جنازة سهل بن بيضاء في المسجد.
وقد روي عن أبي بكر، وعمر ﵄ أنهما صلياها فيه. ولأنها دعاء واستغفار؛ فالمسجد أولى به.
ولنا: حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: «من صلى على جنازة …» الحديث، رواه أبو داود (^٥).
وحديث عائشة دليلنا؛ فإن الناس في زمانها المهاجرون والأنصار، وقد عابوا عليه؛ فدل على الكراهة حيث عابوا.
وتأويل فعله ﵊: أنه كان معتكفا فلم يمكنه أن يخرج، [فوضعت الجنازة خارج المسجد] (^٦) فصلّى عليها، وهذا جائز بلا كراهة. كذا في المبسوط (^٧).
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٢٣٠)، والمدخل لابن الحاج (٢/ ٢١٩).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٥٠)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٤٥).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٦٨)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٢٦٣).
(٤) انظر: منحة الخالق لابن عابدين (٢/ ٢٠١).
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٧) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٨).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
لِأَدَاءِ المَكْتُوبَاتِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَلْوِيثَ المَسْجِدِ، وَفِيمَا إِذَا كَانَ المَيِّتُ خَارِجَ المَسْجِدِ اخْتَلَفَ المَشَايِخُ ﵏.
(وَمَنِ اسْتَهَلَّ بَعْدَ الوِلَادَةِ سُمِّيَ وَغُسْلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وكذا تأويل فعل أبي بكر، وعمر ﵄.
وفي الْمُجْتَبَى: ما رواه الشافعي منسوخ، فإن الصحابة أجمعت على الإنكار على عائشة حين دعت جنازة سعد في المسجد (^١).
وأما قوله ﵊: «في المسجدِ»؛ يحتمل أن يكون طرف الصلاة. وكذا يختلف حكم المسألة بين المشايخ، ثم لو كان الميت والصلاة فيه كلاهما يكره بالاتفاق.
وإن كان الإمام وصف من القوم خارج المسجد مع الميت؛ لا يكره بالاتفاق، وإن كان الميت خارج المسجد والإمام والقوم فيه؛ فقد اختلف فيه، فقال بعض مشايخنا - منهم سيد الإمام أبو شجاع -: يكره؛ لأن المسجد بني لأداء المكتوبات، وصلاة الجنازة جنس آخر، ولظاهر الحديث.
ولهذا كره بعض المشايخ النفل فيه، وبعضهم قالوا: لا يكره؛ لأنه تبع للفروض.
وقال بعض المشايخ - منهم السرخسي -: لا يكره؛ لعدم احتمال تلويث المسجد (^٢).
وفي التجنيس: وعليه عمل الناس اليوم بسمرقند، وهو المروي عن أبي يوسف.
وفي الأسرار: لا يصلي على جنازة فيه إلا عن عذر (^٣).
قوله: (ومن استهل): بفتح التاء على بناء الفاعل؛ لأن المراد هاهنا رفع الصوت لا الإبصار؛ فإنه ذكر في المغرب: أهلوا الهلال واستهلوه؛ رفعوا
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥١٧).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦٨).
(٣) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٢٢٦).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وَالسَّلَامُ: «إِذَا اسْتَهَلَّ المَوْلُودُ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ الاسْتِهْلَالَ دَلَالَةُ الحَيَاةِ فَتَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ سُنَّةُ المَوْتَى (وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ أُدْرِجَ فِي خِرْقَةِ) كَرَامَةٌ لِبَنِي آدَمَ (وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَيُغَسَّلُ فِي غَيْرِ الظَّاهِرِ مِنْ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مِنْ وَجْهِ،
أصواتهم عند رؤيته.
وأهل واستهل: على بناء المفعول إذا أبصروا، والمراد: رفع صوته بالبكاء عند ولادته (^١).
وفي الإيضاح: الاستهلال: أن يكون منه ما يدل على حياته من بكاء أو تحريك عضو، أو أن يطرف بعينه (^٢)، وبه قال الشافعي (^٣)، وأحمد (^٤).
وقال مالك: لا يصلّى عليه إلا أن يطول ذلك فيتحقق حياته (^٥).
وعن مالك (^٦)، وأحمد (^٧) في رواية الاستهلال: أن يستهل صارخا؛ لظاهر الحديث.
قوله: (في غير ظاهر الرواية) وروي عن أبي يوسف، ومحمد في غير رواية الأصل: أنه يغسل ويصلى عليه، وبه أخذ الكرخي، [وعن محمد: لا يغسل ولا يصلى عليه، وهو ظاهر الرواية، وبه قال أحمد] (^٨).
وعند الشافعي: لو لم يظهر فيه علامة الحياة ولو لم يكن له أربع أشهر؛ لف في خرقة ودفن بلا غسل، وإن كان قد بلغ أشهر؛ ففيه قولان، ففي القديم: يغسل ويصلى عليه؛ لما روي أنه ﵊ أخبر أن الروح ينفخ فيه،
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٥٠٦).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣٠٢)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٤٣).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٠٤)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٣٠).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٩)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٣٣٦).
(٥) انظر: حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٤٣٨).
(٦) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٥٥)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٧٩).
(٧) انظر: المغني لابن قدامة (٦/ ٣٨٤)، والفروع لابن مفلح (٨/¬٤١).
(٨) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وَهُوَ المُخْتَارُ.
فيكون الظاهر أنه نفخ فيه الروح.
وفي الجديد: لا يغسل ولا يصلى عليه؛ لأنه إذا لم يظهر فيه علامة الحياة لا يكون له حكم الأشخاص؛ ولهذا لا يورث فيه بالإجماع (^١).
(وهو)؛ أي: الغسل في سقط ثم خلقه.
(هو المختار): وكذا في فتاوى الظهيرية؛ لأنه في حكم النفس من وجه، وإن كان في حكم الحر من وجه، فلا اعتبار الشبهين، قلنا: بالغسل باعتبار النفوس، وتقدم الصلاة باعتبار الأجزاء (^٢).
وأما السقط الذي لم يتم خلقه؛ ففى غسله اختلاف المشايخ، فقيل: لا يغسل ويلف في خرقة ويدفن، وبه قال الشافعي (^٣)، والمختار: أنه يغسل ولم يورث. كذا في المبسوط، والمحيط (^٤).
وفي فتاوى الظهيرية: ويحشر هذا السقط، عن أبي حفص الكبير: إذا نفخ فيه الروح يحشر، وإلا فلا (^٥).
والذي يقتضيه مذهب علمائنا: أنه يحشر إذا استبان بعض خلقه، وهو قول الشعبي، وابن سيرين.
وفي الإحياء: وينبغي أن يسمى السقط، قال عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية: بلغني أن السقط وراء أبيه يوم القيامة، يقول: أنت ضيعتني، وأنت تركتني لا اسم لي، فقال عمر بن عبد العزيز: كيف ولا ندري أغلام هو أم جارية؟، فقال عبد الرحمن: من الأسماء ما يجمعهما كحمزة، وعمارة، وطلحة (^٦).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٣١)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٥٠).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٧)، وحاشية الشَّلْبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٤٣).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٣١)، والوسيط للغزالي (٢/ ٣٧٦).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٧)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٥٩).
(٥) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٤٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٣٦).
(٦) إحياء علوم الدين للغزالي (٢/ ٥٤).
[ ٢ / ٤٨٥ ]
(وَإِذَا سُبِيَ صَبِيٌّ مَعَ أَحَدٍ أَبَوَيْهِ وَمَاتَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا (إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِالإِسْلَامِ وَهُوَ يَعْقِلُ) لِأَنَّهُ صَحَّ إِسْلَامُهُ اسْتِحْسَانًا (أَوْ يُسْلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ) لِأَنَّهُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا
قوله: (وهو يعقل)؛ أي: يعني صفة الإسلام، وصفته: ما ذكر في حديث جبريل ﵊: أن تؤمن بالله، الحديث.
وكذا لو اشترى جارية واستوصفها صفته فلم تعلم؛ لا تكون مؤمنة.
(صح إسلامه استحسانًا): وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
وفي القياس: لا يصح إسلامه، وهو ظاهر مذهب الشافعي (^١)؛ لما ذكر في الأصول.
وفي جامع أبي اليسر: أولاد المسلمين إذا ماتوا حال صغرهم قبل أن يعقلوا؛ يكونوا في الجنة، فإن فيهم أحاديث كثيرة، وقد روي عن أبي حنيفة ﵀ التوقف فيهم، وهو مردود على الراوي؛ بأن محمدًا روى عنه في آثار أبي حنيفة: أن الذين يصلون على جنازة أولاد المسلمين وهم صغار، يقولون بعد التكبيرة الثالثة: اللهم اجعله لنا فَرَطًا، إلى آخره (^٢).
وأما أولاد الكفار إذا ماتوا في صغرهم قبل أن يعقلوا، اختلف فيه أهل السنة؛ عن محمد أنه قال: أعرف أن الله تعالى لا يعذب بغير ذنب (^٣).
وبعضهم قالوا: يكونوا خُدَّامًا لأهل الجنة من المسلمين.
وبعضهم قالوا: إن كان قال يوم أخذ الميثاق: بَلَى عن اعتقاد؛ يكون في الجنة، وإن كان قال من غير اعتقاد؛ يكون في النار.
وعن أبي حنيفة: التوقف فيهم، ووكل أمرهم إلى الله تعالى (^٤).
(خير الأبوين دينًا)؛ قال ﵊: «كل مولود يولد على
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (٧/ ٣٨٦)، والمجموع للنووي (١٥/ ٣٠١).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٣٦).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٣٦).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٣٦).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
(وَإِنْ لَمْ يُسْبَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ صُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ ظَهَرَتْ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ فَحُكِمَ بِالْإِسْلَامِ كَمَا فِي اللَّقِيط.
(وَإِذَا مَاتَ الكَافِرُ وَلَهُ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ، فَإِنَّهُ يُغَسْلُهُ وَيُكَفِّتُهُ وَيَدْفِنُهُ) بِذَلِكَ أُمِرَ عَلِيٌّ ﵁ فِي حَقِّ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ، لَكِنْ يُغَسَّلُ غُسْلَ الثَّوْبِ النَّجِسِ وَيُلَفُ فِي
الفطرة …» (^١)، الحديث، وأراد بها: الدين الذي دان يوم الميثاق، فعلم أن الدين ثبت بطريق التبعية.
وقال المحبوبي: يعني في حكم الدنيا (^٢).
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُسْبَ …) إلى آخره وبه قال بعض أصحاب الشافعي تبعًا للسابي، حتى لو مات في دار الحرب بعد ما وقع في يد مسلم؛ يصلى عليه.
وقال بعضهم: هو على حكم الكفر، وهو ظاهر مذهب الشافعي (^٣)، وبه قال مالك (^٤)، وكذا لو دخل دارنا، ولكن بعض مشايخنا جعل تبعية السابي بعد تبعية الدار.
وجعل في المحيط تبعية اليد مقدمًا على تبعية الدار، وهكذا في الأصول كما في اللقيط؛ يعني: لو وجد في دار؛ يجعل تبعا لأهل تلك الدار كما يجيء (^٥).
قوله: (وَلَهُ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ): إنما ذكر لفظ الولي في الجامع؛ ليتناول كل قريب له من ذوي الأرحام، وذكر في الأصل: مات كافر وله ابن مسلم.
(بذلك أمر علي) روي أن أبا طالب لما مات، جاء علي ﵁ إلى النبي ﵊، وقال: يا رسول الله، إن عمك الضال قد مات، فقال ﵊: «اغسله وكفنه وواره ولا تُحدِث حدثًا حتَّى تلقاني» (^٦)؛ أي: لا تُصل عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ١٠٠، رقم ١٣٨٥)، ومسلم (٤/ ٢٠٤٨، رقم ٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٤٣)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٨٥).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٨/¬٤٥)، والمهذب للشيرازي (٣/ ٢٨٧).
(٤) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٧٩)، وبداية المجتهد لابن رشد (١/ ٢٥٥).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٦).
(٦) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٠٤، رقم ١٥٠٧) من حديث علي بن أبي طالب به، ثم ضي عنه نقل البيهقي قول علي بن المديني: لم نجده إلا عند أهل الكوفة، وفي إسناده بعض الشيء.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
خِرْقَةٍ وَتُحْفَرُ حُفَيْرَةٌ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ سُنَّةِ التَّكْفِينِ وَاللَّحْدِ، وَلَا يُوضَعُ فِيهَا
وسأل رجل عن ابن عباس أن أختي ماتت نصرانية؛ فقال: اتبع جنازتها واغسلها، وكفنها ولا تصل عليها وادفنها.
ولأن هذه مبرة في حقهم؛ كيلا يتركهم طعمة للسباع، والولد المسلم مندوب إلى بر والديه وإن كانا مشركن؛ قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت: ٨] الآية، والمراد بها: الوالدان المشركان بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨]، وبقولنا قال الشافعي (^١).
وقال مالك (^٢)، وأحمد (^٣): ليس له غسله ولا دفنه، ولكن قال مالك: له مواريثه، ولم يبين في الكتاب أن الابن المسلم إذا مات وله أب كافر؛ هل يمكن أبوه من القيام بغسله وتكفينه، وينبغي أن لا يمكن من ذلك؛ بل يفعله المسلمون؛ ألا ترى أن اليهودي لما آمن برسول الله عند موته؛ قال ﵊ لأصحابه: «لُوا أخاكُم» (^٤) ولم يخل بينه وبين والده اليهودي.
ويكره أن يدخل الكافر في قبر قريبه المسلم ليدفنه؛ لأن موضع الكافر موضع اللعن، والمسلم يحتاج إلى نزول الرحمة، فينزه قبره من ذلك. كذا في المحيط (^٥).
وذكر التمرتاشي: لو هناك من يقوم بذلك من أقاربه الكفرة؛ فالأولى أن
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٠٣)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٥٠).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٦١)، وبداية المجتهد لابن رشد (١/ ٢٤٠).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٥٤)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٣١٥).
(٤) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد (١/ ٤١٦، رقم ٣٩٥١) من حديث ابن مسعود به ﵁ إن الله ﷿ ابتعث نبيه ﷺ لإدخال رجل إلى الجنة فدخل الكنيسة فإذا هو بيهودي وإذا يهودي يقرأ عليهم التوراة فلما أتوا على صفة النبي ﷺ أمسكوا وفي ناحيتها رجل مريض فقال النبي ﷺ: ما لكم أمسكتم؟ قال المريض: انهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة فقرأ حتى أتى على صفة النبي ﷺ وأمته فقال: هذه صفتك وصفة أمتك أشهد أن لا إله الا الله وأنك رسول الله ثم مات فقال النبي ﷺ لأصحابه: «لوا أخاكم» وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٣١، رقم ١٣٨٨٦) فقال: فيه عطاء بن السائب وقد اختلط.
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٥).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
بَلْ يُلْقَى.
يدع ذلك لهم، ولكن يتبع الجنازة إن شاء، إلا إذا كان معها كفار ينبغي أن يمشي على ناحية منهم أو أمامها؛ ليكون معتزلا عنهم (^١).
وذكر الكشافي، والمحبوبي، وفي الكافي: إنما يغسل؛ لأنه سنة في عامة بني آدم، ولأنه حال رجوعه إلى الله تعالى يكون ذلك حجة عليه لا تطهيرا، حتى لو وقع في الماء أفسده، بخلاف المسلم إذا غسل ثم وقع في الماء؛ فإنه لا يفسده (^٢).
وقيل: الغسل يفسده، وكذا لو صلى وهو حامل ميت، إن كان قبل الغسل؛ لا تجوز صلاته، وبعد الغسل تجوز، بخلاف الكافر؛ فإنها مع حمله لا تجوز قبل الغسل وبعده.
(بل يلقى)؛ أي: كالكلب.
وفي بعض النسخ: لأن دفنه لإماطة الأذى عن طريق المسلمين.
وفي النوازل: مرتد قتل على ردته؛ يدفع إلى من يدين بدينهم (^٣).
قال أبو يوسف: لا يدفع، بل يحفر حفيرة ويلقى فيها كالكافر، وهو المذكور في الأصل، والخلاصة (^٤).