(وَفَرْضُ الغُسْلِ: المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ وَغَسْلُ سَائِرِ البَدَنِ مَرَّةً) وَعِنْدَ
وهو حدث عمد كالفصد والحجامة ولا يبني على صلاتة، وفي الكافي: والأصح أن المخرج ناقض، وفي الفوائد الظهيرية مثل ما ذكر في الكتاب (^١).
وقيل في الفرق أن فيهما بعد قطع الجلدة يخرج الدم بنفسه ولا كذلك في المخرج.
(فَصْلٌ فِي الْغُسْلِ)
الفصل مهما فصل لا ينوّن ومهما وصل ينوّن؛ لأن الإعراب يستحق بعد العقد والتركيب على ما عرف في المفصل، وقدم الوضوء على الغسل اقتداءً بكتاب الله تعالى فإنه ذكر فيه على هذا الترتيب، أو باعتبار شدة الحاجة إلى علم الوضوء لكثرة وقوعه حتى أنه تعالى ذكر الوضوء بكلمة ﴿إِذَا﴾ لأنه من الأمور الكائنة.
والجنابة بكلمة [إِنَّ] (^٢) وهي تستعمل في الأمور المترددة على ما بينا أولا، ولأن محل الوضوء بعض البدن، ومحل الغسل كله، والبعض مقدم على الكل، ثم يعقب الغسل عليه باعتبار أنها طهارتان تعلقتا على البدن.
(الغُسل) بالضم اسم الاغتسال الذي هو مصدر، وبالفتح مصدر غسل، وبالكسر ما يغسل به الرأس من الخطمي ونحوه.
و(فرض): أي المفروض، ذكر المصدر وأراد به المفعول كما يقال: هذا الدرهم ضرب للأمير، أي مضروبه، وفي الكشاف: المصدر يذكر ويراد به الزمان والمكان والفاعل والمفعول.
و(السائر) الباقي، ومنه السؤر، والجنب يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الأجناب، كذا في
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٦٠)، والفتاوى الهندية (١/¬١١).
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبتناه من النسخة الثانية.
[ ١ / ١٤٢ ]
الشَّافِعِيِّ ﵀: هُمَا سُنَّتَانِ فِيهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «عَشْرٌ مِنْ الفِطْرَةِ» أَيْ مِنْ
الكشاف (^١).
وأطلق اسم الفرض على المجتهد؛ فإن عند الشافعي ومالك سنتان في الجنابة والوضوء، وعند أحمد فرض فيهما، وقد مر؛ لأن ظاهر النص يتناول المضمضة والاستنشاق لأنه أمر بالمبالغة في التطهير، وذلك إنما يكون بإيصال الماء ما أمكن إيصاله إليه.
(عشر من الفطرة) أي السنة، خمس في الرأس: الفرق، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وخمس في الجسد: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والاستنجاء، وقد جمعها الشاعر:
فهُنَّ فَرْقٌ وقَصٌّ ومَضْمَضَةٌ … والاستِيَاكُ والاستِنْشَاقُ فِي الرَّاس
قَلْمٌ وخَتْن ونتف الإبط رابعُها … أن يستَحِدَّ ويَستَنْجِي مِنَ الأرجاس
ولأنهما لا يجبان في غسل الميت، ولو وجبا في غسل الحي لوجبا في غسل الميت، ولأنهما لو وجب غسلهما لكانا من الوجه، ولو كانا منه لوجب غسلهما في الوضوء، كذا في شرح الوجيز.
ولنا: قوله جل وعلا: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والاطهار: الاغتسال ومعناه أبدانكم كذا في الكشاف (^٢)، فالبدن اسم للظاهر والباطن وهو ساقط بالإجماع لعدم إمكان غسله فاستحال التكليف بما ليس في الوسع، كما يسقط الظاهر إذا كان به جراح أو عدم الماء، وباطن الأنف والفم يمكن غسلهما؛ فإنهما يغسلان عادةً وعبادة نفلًا في الوضوء، وفرضًا في النجاسة الحقيقية فيتناولهما الأمر.
ثم لا يجب إدخال الماء في العينين لتعسره، والمتعسر منفي كالمتعذر بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وفي غسلهما من الحرج ما لا يخفى فإن العين شحم لا يقبل الماء، وقد كف بصر من تكلف له من الصحابة كابن عمر، وابن عباس، ولهذا لا تغسل العين إذا تكحل بكحل نجس.
وقوله ﵇: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، ألا فبلُّوا الشعرة،
_________________
(١) تفسير الزمخشري الكشاف (١/ ٥١٤).
(٢) تفسير الزمخشري الكشاف (١/ ٦١٠).
[ ١ / ١٤٣ ]
السُّنَّةِ، وَذَكَرَ مِنْهَا المَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَلِهَذَا كَانَا سُنَّتَيْنِ فِي الوُضُوءِ. وَلَنَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَهُوَ أَمْرٌ بِتَطْهِيرِ جَمِيعِ البَدَنِ، إِلَّا أَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ النَّصّ، بِخِلَافِ الوُضُوءِ، لِأَنَّ الوَاجِبَ
وأنقوا البشرة» (^١)، وفي الأنف شعرة، وفي الفم بشرة.
وروى أبو داود عن زاذان، عن علي: أنه ﵇ قال: «مَنْ ترك موضع شعرةٍ منَ الجنابة لم يُصِبْها الماءُ فعَلَ به كذا وكذا من النَّارِ»، قال علي: فمن ثم عاديت رأسي (^٢)، وروى ذا الدارقطني عن ابن سيرين قال: أمر رسول الله ﷺ بالاستنشاق في الجنابة (^٣).
وعنه عن ابن عباس أنه قال: إذا نسي المضمضة فيها أعادهما، [واستأنف] (^٤) الصلاة، وكذلك قال ابن عرفة، والثوري (^٥).
(خارج): أي عن النص مثل إدخال الماء في العينين.
قوله: (لأن الواجب) في الأسرار فاعتباره بالوجه ساقط لأنه اسم لما يواجه الناظر، وباطن الفم والأنف لا يواجهه أحد، ألا ترى أنه لا يجب غسل ما تحت الشعر في الحدث الأصغر، وفي الأكبر يجب، وكذلك الحدث الأصغر لا يحل بالرّجل بالخف وهذا يحل، فعلم أن ذلك مقصور على الظاهر، وهذا يعم الظاهر والباطن لغلظه إلا ما لا يمكن غسله.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٦٥، رقم ٢٤٨)، والترمذي (١/ ١٦٧، رقم ١٠٦)، وابن ماجه (١/ ١٩٦، رقم ٥٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁. وضعفه أبو داود، والترمذي.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٦٥، رقم ٢٤٩)، وابن ماجه (١/ ١٩٦، رقم ٥٩٩)، وأحمد (١/ ٩٤، رقم ٧٢٧). ضعفه النووي في خلاصة الأحكام (٤٨٣)، وقال ابن حجر: وإسناده صحيح فإنه من رواية عطاء بن السائب وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط، أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث حماد، لكن قيل إن الصواب وقفه على علي. تلخيص الحبير (١/ ٣٨٢).
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٦، رقم ٤٠٧).
(٤) في الأصل: (واستنشاق الصلاة)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٥) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٧، رقم ٤١١) وضعفه.
[ ١ / ١٤٤ ]
فِيهِ غَسْلُ الوَجْهِ، وَالمُوَاجِهَةُ فِيهِمَا مُنْعَدِمَةٌ، وَالمُرَادُ بِمَا رَوَى حَالَهُ الحَدَثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊: «إِنَّهُمَا فَرْضَانِ فِي الجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الوُضُوءِ».
قَالَ: (وَسُنَّتُهُ: أَنْ يَبْدَأَ المُغْتَسِلُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ وَيُزِيلَ نَجَاسَةٌ … … … …
قوله: (منعدمة) انعدم خطأ عند أهل التصريف؛ لأن انفعل للمطاوعة، وهو يختص بالعلاج والتأثير وصوابه: معدومة.
(إنهما) لما روى أي الشافعي.
(حاله الحدث) أي: الوضوء وإنما لم يجبا في غسل الميت لتعذر إخراج الماء منهما ولهذا لم يسنا فيه أيضًا، وقال مالك: الدلك شرط فيه (^١)، وهو اختيار المزني (^٢)، ورواية عن أبي يوسف (^٣)؛ لأن ملاقاة الماء جميع البشرة فرض فلا يتم ذلك إلا بالدلك عادة فكان من ضروراته.
وقلنا: ماهية الغسل الماء على البشرة والدلك من المتممات فكان مستحبًا، وفي شرح الوجيز قال ﵇: "أنا أفيض الماء على رأسي ثلاث حثيات " فأنا إذا قد طهرت رتب الطهارة على الإفاضة ولم يتعرض للدلك فيغسل يديه فالسنة في غسلهما إلى الرسغ.
قوله: (ويزيل النجاسة)، وفي بعض النسخ: (ويزيل نجاسته)، واستحسنه صاحب الكتاب وهو الصحيح؛ لأن اللام تكون للعهد، ولا معهود هاهنا، أو للجنس أو للاستغراق وهو غير مراد بالإجماع، ولأن كون النجاسة كلها في بدنه محال ولا نفس الجنس؛ لأن الجنس يقع على الأدنى فيحتمل الكل والأدنى وهو مقدار الجزء الذي لا يتجزأ غير مراد أيضًا؛ لأنه علل ذلك بقوله: (لكيلا تزداد النجاسة بإصابة الماء)، وهذا القليل لا يزداد بإصابة الماء لما أنه ذكر التمرتاشي في جامعه: لو أصابه النجاسة مثل رؤوس الإبر ثم أصاب ذلك الموضع الماء لم ينجس، إلا أن الرواية اشتهرت باللام في النسخ فوجب حمل
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٣٠٩)، والتاج والإكليل (١/ ٣١٥).
(٢) انظر: حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ٢٤٣).
(٣) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني (١/ ٨٣)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٧٩).
[ ١ / ١٤٥ ]
إِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ … … … … … … … … … ..
اللام على تحسين النظم كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ [الجمعة: ٥] الآية (^١).
وكقول الشاعر (^٢):
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
وقوله: (إن كانت على بدنه): جملة فعلية لا تصلح صفة للمعرفة وهي النجاسة؛ لأن الجمل نكرات.
ثم احترز بقوله: (وضوءه للصلاة) عما روى الحسن، عن أبي حنيفة: أنه يتوضأ ولا يمسح رأسه (^٣)، لعدم فائدة المسح لوجود إسالة الماء من بعد، وذلك بعدم معنى المسح، بخلاف الغسل لأنه يسيل فلم يكن التسييل بعد معدما له، والصحيح ظاهر الرواية لما أنه ﵇ فعل هكذا.
وقال داود: يجب الوضوء والغسل في الجنابة المجردة بأن يأتي الغلام أو البهيمة أو لف ذكره بخرقة فأنزلت، وفي أحد قولي الشافعي ﵁ يلزم الوضوء في الجنابة مع الحدث، وفي قوله الآخر: يقتصر على الغسل لكن يلزمه أن ينوي الحدث والجنابة في قول، وفي قول: تكفي نية الغسل.
وقلنا: الوضوء يحصل بغسل جميع البدن فلا يحتاج إليه ولأن مبنى الأسباب الموجبة للطهارة على التداخل ألا ترى أن الحائض إذا أجنبت يكفيها غسل واحد، ومن العلماء من أوجب الوضوء بعد الإفاضة قياسًا على غسل الرجلين وهو غير صحيح، لأنه روي عن علي وابن مسعود إنكار ذلك، كذا في
_________________
(١) انظر: البناية للعيني (١/ ٣١٨)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ١٥٧).
(٢) صدر بيت من الكامل، عجزه: فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي وقد نسب لرجل من سلول في الدرر (١/ ٧٨)، وشرح التصريح (٢/¬١١)، وشرح شواهد المغني (١/ ٣١٠)، والكتاب (٣/¬٢٤)، ولشمر بن عمرو الحنفي في الأصمعيات (ص ١٢٦)، ولعميرة بن جابر الحنفي في حماسة البحتري (ص ١٧١).
(٣) انظر: العناية للبابرتي (١/ ٥٨)، والبناية للعيني (١/ ٣١٩).
[ ١ / ١٤٦ ]
إِلَّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضَ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَتَنَحَّى عَنْ ذَلِكَ
المبسوطين (^١).
فكان قوله: (وإنما يؤخر غسل رجليه) جوابًا لرواية الحسن عن أبي حنيفة، ولقياس من أوجب الوضوء بعد الإفاضة.
قوله: (إلا رجليه): يعني يؤخر غسل رجليه، وهو رواية ميمونة عنه ﵇، وأكثر المشايخ أخذوا بها وعند بعض مشايخنا، والأصح من رواية الشافعي لا يؤخر غسلهما بل قدمه على الغسل، وهو رواية عائشة عنه ﵇، وفي شرح الغاية: وقول عائشة أرجح لطول الصحبة والضبط في الحديث (^٢).
وفي شرح الوجيز: كلا الطرفين سنة والكلام في الأولى، وفي الْمُجْتَبى: والأصح أنه إن لم يكن في مستنقع الماء يقدم وهو التوفيق بين الروايتين، وفي المبسوط: إنما يؤخر غسلهما إلا إذا كانا فيه، حتى لو كان على حجر أو لوح أو آجر لا يؤخر (^٣)، كما ذكر في المتن.
(ثم يفيض الماء على رأسه): قال الحلواني: كيفية الإفاضة أن يفيض الماء على منكبه الأيمن ثلاثًا، ثم الأيسر ثلاثًا، ثم على رأسه وسائر جسده ثلاثا (^٤).
وقيل: يبدأ به ثلاثا، ثم بالرأس، ثم بالأيسر.
وقيل: يبدأ بالرأس كما أشار إليه في القدوري، وهكذا قال في كتب أصحاب الشافعي (^٥).
وفي الْمُجْتَبى: ويحرك القرط الضيق والخاتم الضيق ليصل الماء إليه، ولو لم يكن فيه قرط لا يتكلف في إيصال الماء إليه إذا دخل الماء الثقبة عند
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٤٤).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٥٢)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥٨).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٥) ولفظه: وإنما يؤخر غسل القدمين عن الوضوء لأن رجليه في مستنقع الماء المستعمل، حتى لو كان …
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/¬١٤)، ودرر الحكام لابن فرامرز (١/¬١٨).
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/ ٥٦)، والمجموع للنووي (٢/ ١٨٠).
[ ١ / ١٤٧ ]
المَكَانَ فَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ)، هَكَذَا حَكَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ اغْتِسَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُمَا فِي مُسْتَنْقَعِ المَاءِ المُسْتَعْمَلِ، فَلَا يُفِيدُ الغَسْلُ، حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى لَوْحٍ لَا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الحَقِيقِيَّةِ كَيْ لَا تَزْدَادَ بِإِصَابَةِ المَاءِ. (وَلَيْسَ عَلَى المَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ ضَفَائِرَهَا فِي الغُسْلِ إِذَا بَلَغَ المَاءُ أُصُولَ
المرور، ويدخل إصبعه في سرته، والماء في القلفة من الأقلف، وإن ترك جاز (^١).
وفي النوازل: لا يجزؤه، ويجب غسل الفرج الخارج كالقلفة وكالفم عند أبي يوسف، وإحدى الروايتين عن محمد. وعنه لا يجب كالقصبة. وعن الصفار: لا يجب عليها إدخال الإصبع في قبلها، وبه يفتى.
وفي شرح أبي ذر للصلاة: إذا انغمس الجنب في الماء الجاري جاز وترك السنة، وإن مكث فيه ساعة تسع الوضوء والغسل فقد أكمل السنة (^٢).
ولو أراد الجنب أن يشرب مضمض أولا لأنه لو شرب قبل المضمضة يكون شاربًا للماء المستعمل، ولو شرب الماء غبا يغني عنها، ومصا لا.
وقيل: شرب الجاهل أو القروي يغني لأنه يعبه، بخلاف العالم أو المصري، وعن أبي يوسف: لا يجزئه ما لم يمجه.
ولو كان سنّه مجوفًا، أو بين أسنانه طعام أو درن رطب فغسله يجزئه على الأصح، والدرن اليابس في الأنف والخبز المصنوع والعجين وجلد السمك يمنع تمام الغسل، ودرن الأظفار لا يمنع، وقد بينا الاختلاف فيه في الوضوء.
قوله: (وليس على المرأة) إلى آخره، الضفر فتل بعض الشعر وإدخال بعضه في بعض، والضفيرة الذؤابة، ثم الأصل في النساء أن لا يذكرن لأن مبنى حالهن على الستر، ولهذا لم يذكر في القرآن حتى شكون فنزلت ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]، إلا إذا كان الحكم مخصوصا بهن كهذه المسألة، وكما ذكر في الجامع: امرأة صلت وربع ساقها، وكما في مسألة المحاذاة، ثم
_________________
(١) المجتبى شرح مختصر القدوري (١/ ٢٠٨).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬١٠)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/¬١٤).
[ ١ / ١٤٨ ]
الشَّعْرِ)، لِقَوْلِهِ ﵊ لِأُمِّ سَلَمَةَ ﵂: «أَمَا يَكْفِيكَ إِذَا بَلَغَ المَاءُ
إنهن مخصوصات بالضفائر، ولهذا كره لهن الحلق، وشرع لهن القص في الحج وعن صاحب المنتخب في تخصيص المرأة إشارة إلا أن حكم الرجل بخلافها (^١).
وفي المبسوط: الرجل إذا ضفر شعره كما يفعله العلويون والأتراك هل يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر فظاهر الحديث أنه لا يجب، وذكر الصدر الشهير أنه يجب، والاحتياط إيصال الماء.
لأم سلمة روي عنها أنها قالت: إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضها إذا اغتسلت قال ﵇: «لا، يكفيك إذا بلغ الماء أصول شعرك» (^٢)، وفي رواية: «يكفيك أن تحثي الماء على رأسك وعلى سائر جسدك ثلاث حثيات» (^٣)، وبلغ عائشة أن ابن عمر يأمر المرأة بنقض ضفيرتها، فقالت: لقد كَلَّفَهُنَّ شططًا - أي ذا شطط -، ألا أمر بجز نواصيهنَّ، كذا في المبسوط (^٤).
وقال الشافعي: نعم يجب نقضها إذا كان الماء لا يصل إلى باطنها إلا بالنقض مع بل الشعر لقوله ﵇: «بُلُّوا الشعر» (^٥)، وإن وصل بدون النقض فلا حاجة إليه (^٦)، وعن مالك: أنه لا يجب نقض الضفائر ولا إيصال الماء إلى منابت الشعور الكثيفة وما تحتها لدفع الحرج (^٧)، وعن أحمد: تنقض الحائض شعرها دون الجنب لكثرة وقوع الجنابة (^٨).
وفي مبسوط بكر: في وجوب إيصال الماء إلى شعب عقاصها اختلاف
_________________
(١) انظر: العناية للبابرتي (١/ ٦٠)، والبناية للعيني (١/ ٣٢٢).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٢٥٩، رقم ٣٣٠).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٢٥٩، رقم ٣٣٠).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٥).
(٥) قال البيهقي: قال الشافعي: وأما ما روي عن النبي ﷺ: "تحت كل شعرة جنابةٌ فَبُلُّوا الشعر، وأنقوا البشرة "، فإنه ليس بثابت. الخلافيات (٢/ ٤٤٦).
(٦) انظر: الأم للشافعي (١/ ٥٦)، والوسيط للغزالي (١/ ٣٤٦).
(٧) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٣١٣)، والتهذيب في اختصار المدونة لابن البراذعي (١/ ١٨٤).
(٨) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٦٥)، ومنار السبيل لابن ضويان (١/¬٤٠).
[ ١ / ١٤٩ ]
أُصُولَ شَعْرِكَ. وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَلُّ ذَوَائِبِهَا، هُوَ الصَّحِيحُ، بِخِلَافِ اللَّحْيَةِ، لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي إِيصَالِ المَاءِ إِلَى أَثْنَائِهَا.
المشايخ.
وقوله: (هو الصحيح): احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة أنها تبل ذوائبها ثلاثا مع كل بلة عصر ليبلغ الماء شعب قرونها كذا ورد في حديث أم سلمة.
وفي ظاهر الرواية لا يجب دفعًا للحرج، وفي المبسوط: يشهد للأول ظاهر قوله ﵇: "بُلُّوا الشعرَ " بخلاف اللحية وشعر الرجال، وعن الفقيه أبي جعفر: إذا كانت ذوائبها منقوضة يجب إيصال الماء إليه، وفي وجوب نقض ذوائب الرجال اختلاف الرواية والمشايخ، وذكر البزدوي والصدر الشهيد غسل ظاهر المسترسل من ذوائبها موضوع، وفي صلاة النعالي: الصحيح أنه يجب غسلها وإن تجاوزت القدمين.
وفي الإيضاح وأدنى ما يجزئ في الغسل صاع، وفي الوضوء مُد؛ لأن السنة هي الإسالة من غير تقتير وإسراف، وذلك يتأدى بهذا القدر، فإن زاد أو نقص جاز.
وفي المبسوط والتقدير في الوضوء إذا كان لا يحتاج فإن احتاج استنجى برطل ويتوضأ بِمُدِّ إن كان مع الخف ولا يحتاج إليه يكفيه رطل، ولو أراد تقديم الوضوء في الغسل زاد مدا، وكل هذه التقادير غير لازمة (^١).
فإن قيل: في حديث أم سلمة نسخ الكتاب بخبر الواحد لأنها مأمورة بالإطهار وقد أمكنها النقض فيجب كالرجل.
قلنا: الأمر يتناول تطهير البدن والشعر ليس منه من كل وجه بل هو متصل بالبدن نظرًا إلى أصولها، وينفصل عنه نظرًا إلى رؤوسها فعملنا بالاتصال في حق من لم يلحقه حرج وهو الرجل، وبالانفصال في حق المرأة لأنه يلحقها الحرج، حتى قال بعضهم: لا يجب النقض على الأتراك والعلويين لهذا، كذا
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٥).
[ ١ / ١٥٠ ]
قَالَ: (وَالمَعَانِي المُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ: إِنْزَالُ المَنِيّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ مِنْ
في المستصفى، وفي الخبازية (^١).
وقيل: في جوابه خص من النص مواضع الضرورة كداخل العين فتخص ضفائر المرأة بالحديث لما أن النص عام خُص منه البعض.
قوله: (المعاني الموجبة للغسل)، قيل: هذه المعاني موجبة للجنابة على المذهب الصحيح من علمائنا وكانت ناقضة له لا موجبة إذ الناقض للشيء لا يكون مثبتا له، وفي مبسوط شيخ الإسلام: سبب وجوب الغسل إرادة الصلاة، أو إرادة ما لا يحل فعله بالجنابة عند عامة المشايخ فكان إضافة الوجوب إلى الشروط مجازا كما يقال صدقة الفطر، وعند بعضهم سببه الجنابة (^٢).
وقيل: هذه المعاني موجبة للغسل بواسطتها كما في قوله ﵇: «شراء القريب إعتاق».
(على وجه الدفق): أي من الرجل.
(والشهوة) أي من المرأة سواء كان بجماع، أو بمس، أو تقبيل، أو نظر، أو فكر في اليقظة والنوم، وهذا يستقيم على قول أبي يوسف، أما عندهما لا يستقيم لأنهما لم يجعلا الدفق شرطًا، بل تكفي الشهوة حتى قالا بوجوبه إذا زايل المني عن مكانه بشهوة، وإن خرج بلا دفق، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٣).
وبقول أبي يوسف قال مالك (^٤)، وأحمد، وعن أحمد: لو انتقل المني عن الظهر إلى الإحليل وجب الغسل وإن لم يخرج (^٥).
وقيل: إنما قال هاهنا (المعاني الموجبة)، وفي الوضوء: (المعاني الناقضة) بناءً على حال المسلم أن يكون على الطهارة دائما، فكانت الأحداث
_________________
(١) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٣٢).
(٢) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ٦٠)، والجوهرة النيرة للقدوري (١/¬١١).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٥٦)، والبناية للعيني (١/ ٣٢٥).
(٤) انظر: منح الجليل لعليش (١/ ١١٩)، والفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد (١/ ١١٢).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٤٧)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٢٧٦).
[ ١ / ١٥١ ]
الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، حَالَةَ النَّوْمِ وَاليَقِظَةِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: خُرُوجُ المَنِيِّ كَيْفَمَا كَانَ يُوجِبُ الغُسْلَ، لِقَوْلِهِ ﵊: «المَاءُ مِنْ المَاءِ» أَيْ: الغُسْلُ مِنْ المَنِي، وَلَنَا: أَنَّ الأَمْرَ بِالتَّطْهِيرِ يَتَنَاوَلُ الجُنُبَ، وَالجَنَابَةُ فِي اللُّغَةِ: خُرُوجُ المَنِيِّ
نواقضا لها، أما الغسل فإن المرء لا يكون على الجنابة دائما فكان الغسل كالأمر العارض.
(كيفما كان)، يعني سواء خرج بشهوة ودفق، أو بغيرهما لمرض، أو لحمل شيء ثقيل، أو طفرة، وفي النظم: وهو قول محمد وزفر لقوله ﵇: «الماء من الماء» (^١).
(ولنا: أن الأمر بالتطهير)، يعني أن الله تعالى علق وجوب الاغتسال بالجنابة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] لا بخروج المني، ويقال: أجنب الرجل في اللغة إذا قضى شهوته من المرأة (^٢).
قيل: قيد من المرأة ليخرج الأكل والشرب بالشهوة؛ فإن فيه قضاء الشهوة ولا تحصل الجنابة.
وفي المحيط: أجنب الرجل قضى شهوته، فقيل: ذكر المرأة خرج مخرج العادة لأنه ﵇ أوجبه عن الاحتلام فسقط اعتبار المرأة، وروي أن أم سليم قالت: يا رسول الله المرأة يجامعها زوجها في المنام هل تغتسل؟ قال: «هل تجد لذة؟» قالت: نعم، قال: «عليها الاغتسال إذا وجدت الماء» (^٣)، بين ﵇ أن الشهوة والماء شرط يؤيده تفسير عائشة ﵂ المني أبيض ينكسر منه الذكر، والانكسار لا يكون إلا من شهوة.
وفي الخبازية: قيل الجنابة البعد، قال تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ، عَنْ جُنُبِ﴾
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٦٩، رقم ٣٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) انظر: العين للخليل بن أحمد (٦/ ١٥٠)، ولسان العرب لابن منظور (١/ ٢٧٩).
(٣) أخرجه مسلم (٣١٣) من حديث أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول لله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم، إذا رأت الماء»، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟ فقال: «تربت يداك، فبم يشبهها ولدها؟».
[ ١ / ١٥٢ ]
عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، يُقَالُ: أَجْنَبَ الرَّجُلُ إِذَا قَضَى شَهْوَتَهُ مِنْ المَرْأَةِ، وَالحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى خُرُوجِ المَنِي عَنْ شَهْوَةٍ، ثُمَّ المُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ انْفِصَالُهُ عَنْ مَكَانِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: ظُهُورُهُ أَيْضًا (*) اعْتِبَارًا لِلْخُرُوجِ بِالْمُزَايَلَةِ، … … … … .
[القصص: ١١] ومنه سمي الأجنبي والغريب جنبًا لبعد الأجنبي عن القرابة، والغريب عن وطنه، والبعد عن ذكر الله تعالى بسبب الاشتغال بهذه الشهوة هو الذي يوجب التطهير لا بعد آخر بالإجماع.
في الأسرار: إذا خرج من غير شهوة لا يعلم أنه مني أو رطوبة، وقد قيل في علم الطبائع: المني دم في الأصل لكنه يتبيض بتصعيد الشهوة كما يتبيض ماء الورد الأحمر بالنار، حتى إذا أكثر الجماع وفترت الشهوة خرج أحمر، فعلى هذا خروجه أبيض بغير شهوة يدل على أنه ليس بمني، والحديث محمول على الشهوة لما بينا من حديث أم سليم جمعًا بينهما، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وفي المستصفى والخبازية: قوله ﵇: «الماءُ مِنَ الماءِ» يتناول الودي، والمذي، والمني عن شهوة، وغير شهوة، ولا يمكن إجراؤه على العموم بالإجماع فيراد به أخص الخصوص، والمني عن شهوة يراد بالإجماع فلا يبقى غيره مرادًا، وفيه نوع تأمل (^١).
(بالمزايلة): يعني وصف الجنابة يتعلق عن الانفصال والخروج والشهوة شرط في الجنابة فيشترك فيهما أنه أي الغسل متى وجب من وجه يعني خروج من الشهوة باعتبار الانفصال، وإنما عدم الدفق والشرط مطلق الشهوة لا كماله، فباعتبار ما وجد يجب الغسل، وباعتبار ما عدم لا يجب، فرجح جانب الوجوب احتياطا لأمر العبادة.
فإن قيل: يلزم على هذا الريح الخارج من قبل المفضاة فينبغي أن يجب الوضوء احتياطا لأمر العبادة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٣٧).
[ ١ / ١٥٣ ]
إذ الغُسْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، وَلَهُمَا: أَنَّهُ مَتَى وَجَبَ مِنْ وَجْهِ فَالِاحْتِيَاطُ فِي الإِيجَابِ.
وحيث لم يجب قلنا: جاء الشك هناك من الأصل بتعارض الدليل الموجب مع الدليل الغير الموجب لتساويهما في القوة فتساقطا، فعملنا بالأصل الذي كان ثابتا بيقين كما في مخبر النجاسة والطهارة.
وأما هاهنا جاء دليل عدم الوجوب من الوصف وهو الدفق، ودليل الوجوب من الأصل وهو نفس وجوده، أما الموصوف بالشهوة فكان في الإيجاب ترجيح لجانب الأصل على جانب الوصف وهو صحيح، وفيه تأمل.
ولأن دليل الوجوب قد سبق هاهنا وهو الانفصال بشهوة، والخروج بالدفق بقاء ذلك، والسبق من أسباب الترجيح، وأما هناك فاقترن الدليلان على سبيل التدافع فلا يثبت بل يبقى ما كان على ما كان، وفيه تأمل أيضًا.
وفي الْمُجْتَبى: ثمرة الخلاف تظهر في خمس مسائل: أحدها: ما أمنى بكفه، والثانية: جامع امرأته فيما دون الفرج والثالثة: احتلم، فلما انفصل المني عن مكانه بشهوة أخذ إحليله حتى سكنت شهوته ثم خرج المني فعندهما يجب الغسل، وعنده لا، والرابعة: اغتسل بعد الجماع قبل النوم أو البول، ثم أمني يعيد الغسل عندهما خلافًا له (^١).
وفي المبسوط، والسير الكبيرة: بعد البول أو النوم لا غسل عليه بالاتفاق، وعند الشافعي يجب في الحالين، وعن مالك: لا يجب في الحالين (^٢)، وقال أحمد: إن خرج قبل البول يجب، وبعده لا (^٣) كمذهبنا، كذا في شرح الوجيز.
والخامسة: أن المستيقظ يجد بفخذه أو ثوبه بللا لا يتذكر الاحتلام، فإن تيقن أنه مذي أو ودي لا غسل عليه، وإن تيقن أنه مني عليه الغسل، وإن شك أنه مني أو مذي يجب الغسل عندهما خلافًا له؛ لاحتمال خروجه عن غير شهوة (^٤).
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٠).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٣٦)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٢٣).
(٣) انظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ٢٣١)، والمبدع لابن مفلح (١/ ١٥٢).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٠).
[ ١ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لهما ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «مَنْ أصبح فوجد ماءً وَلَمْ يتذكر الاحتلام عليه الغُسلُ، ومَن احتلم ثم أصبح على جفاف فلا غُسل عليه».
ثم إن أبا حنيفة في هذه المسألة ومسألة المباشرة الفاحشة، ومسألة الفأرة المنتفخة أخذ بالاحتياط، وأبا يوسف وافقه في الاحتياط في مسألة المباشرة الفاحشة لوجود فعل هو سبب خروج المذي، وخالفه في الفصلين الآخرين لانعدام الفعل منه، ومحمد وافقه في الاحتياط في مسألة النائم لأنه غافل عن نفسه، فكان موضع الاحتياط بخلاف الفصلين الآخرين فإن المباشر ليس بغافل عن نفسه فنجس بما يخرج منه، كذا في المبسوط (^١).
وفي الذخيرة: بقول أبي يوسف أخذ أبو الليث، وخلف بن أيوب في المني، وفي نوادر هشام عن محمد: إن كان ذَكَرُهُ منتشرًا قبل النوم لا يجب وإلا فيجب، قال الحلواني: هذه يكثر وقوعها والناس غافلون عنها.
ولو تذكر الاحتلام ولذة الإنزال ولم ير بللا لا يجب الغسل، وعن محمد في المرأة يجب، وفي ظاهر الرواية لا يجب؛ لأن خروج منيها إلى فرجها الخارج شرط لوجوب الغسل عليها وعليه الفتوى.
وفي المحيط: احتلمت ولم يخرج الماء إلى ظاهر فرجها عليها الغسل، ولو أفاق السكران والمغمى عليه فوجد مذيًا لا غسل عليه، ولو وجد الزوجان منيا بينهما ولم يذكران الاحتلام قال الفضلي: يجب عليهما الغسل احتياطا (^٢).
وقيل: إن كان غليظا أبيض فمن الرجل، وإن كان رقيقا أصفر فمن المرأة.
وفي القنية: منيها أصفر ومنيه أبيض هكذا جاء في الحديث، وفائدته تظهر فيما لو اغتسلت عن جماع ثم خرج منيا، فإن كان أصفر فعليها الغسل، وإن كان أبيض فلا غسل عليها (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٦٩).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٨٦).
(٣) انظر: البناية للعيني (١/ ٣٣٢)، وحاشية الطحطاوي (ص ٩٦).
[ ١ / ١٥٥ ]
(وَالتِقَاءُ الخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَتَوَارَتِ الحَشَفَةُ … … …
وقيل: إن وقع طولًا فمن الرجل وإلا فمنها، وكذا لو استيقظ ورأى ماءً رقيقا يخرج من إحليله ولم يتذكر الاحتلام لا يجب الغسل عند أبي يوسف لأنه مذي، ولا يوجب الغسل في حالة اليقظة فبالأحرى لا يوجبه في المنام، وعندهما يجب لإمكان أنه كان منيًا قد انفصل عن شهوة ورق بطول المكث، والاحتياط لازم في باب العبادات كما لو تذكر احتلامًا ورأى ماءً رقيقا.
قوله: (والتقاء الختانين) أي مع تواري الحشفة فإن نفس الملاقاة لا توجب الغسل ولكن توجب الوضوء عندهما خلافًا لمحمد، فكان ذكره في الحديث لإزالة ذلك الوهم، والختان موضع القطع من الذكر والأنثى، والتقائهما كناية عن الإيلاج كذا في المغرب (^١).
وذكر الختانين بناء على عادة العرب فإنهم يختنون النساء، قال ﵇: «الخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَلِلنِّسَاءِ مَكْرُمٌ» (^٢)، أي في حق الزوج فإن جماع المختونة ألذ، أو يكون على طريق التغليب كالعمرين والقمرين.
وفي نظم الفقه: الختان سنة فيهما غير أنه لو تركه يجبر، ولو تركته لا تجبر.
وفي فوائد القدوري: قوله: (وتوارت الحشفة) ليس بقيد بل ذكر تأكيدا لأن التقاء الختانين مستلزم لتواريها (^٣).
قال شيخي ﵀: يحتمل أن ذكره للإشارة إلى المعنى المؤثر في إيجاب الغسل كما أن ذكر، ذُكر في قوله ﵇ ما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر إشارة إلى علة العصوبة أو نفي لقول الشافعي فإن عنده يجب الغسل
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ١٣٨).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٧٥، رقم ٢٠٧٣٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٥، رقم ١٨٠٢٢) من حديث أسامة بن عمير ﵁. وضعفه البيهقي.
(٣) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري للحدادي (١/¬١١)، والبناية للعيني (١/ ٣٣٢).
[ ١ / ١٥٦ ]
وَجَبَ الغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ»
إذا تحاذى الفرجان، ولكن ذكر في كتبهم أن إيلاج الحشفة يوجب الغسل (^١).
وفي النهاية الشامية: إنما قال وتوارت الحشفة كيلا يظن أن المراد من الالتقاء القرب أو الوصول.
وقوله: (من غير إنزال) (^٢): لبيان أن نفسه كاف لا أنه قيد، إذ الالتقاء مع الإنزال موجب أيضًا، أو لرد قول من يشترط الإنزال مع الالتقاء من الصحابة.
وفي المبسوط: التقاء الختانين يوجب الغسل أنزل أو لا، وهو قول المهاجرين: عمر، وعلي وابن مسعود، وأما الأنصار كأبي بن كعب، وحذيفة، وزيد بن ثابت قالوا: لا يجب الغسل بالإكسال ما لم يُنزل لظاهر قوله ﵇: «الماءُ مِنَ الماءِ»، وبه أخذ سليمان الأعمش، وهشام بن عروة، وابن عينية، وداود الظاهري (^٣).
وقيل: إنهم رجعوا عن ذلك، وقال داود الالتقاء لا يوجب بحال (^٤)، ولا فرق فيه بين فرج البهيمة والآدمي الحي والميت عند الشافعي لأنه إيلاج في الفرج فيتناول الحديث.
وعندنا: لا يجب الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة أو الميت أو صغيرة لا تجامع بلا إنزال؛ لأن في هذه المواضع سببية الإيلاج ناقصة، فإن استطلاق وكاء المني لا يحصل في المواضع ظاهرًا، ووصف الجنابة متوقف على خروجه تحقيقا أو تقديرًا، ولا تقدير هاهنا لنقصان السببية، فعلم أن المراد إيلاج يفضي إلى خروج المني.
وفي المبسوط: الأصح أن عمر ﵁ لم يوسع للأنصار هذا الاجتهاد حتى قال لزيد: أي عَدُوٌّ نفسِهِ ما هذه الفتوى التي تتشعب (^٥) عنك؟ فقال: سمعت
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٥٣)، والإقناع للماوردي (ص ٢٧).
(٢) انظر المتن ص ١٥٦.
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٦٨).
(٤) انظر: المُحَلَّى لابن حزم (١/ ٢٤٧).
(٥) في النسخ الخطية: (ما هذا الفتوى الذي تتشعب).
[ ١ / ١٥٧ ]
وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الإِنْزَالِ وَنَفْسُهُ يَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِهِ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ، فَيُقَامُ مَقَامَهُ، وَكَذَا الإِيلَاجُ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ،
عمومتي من الأنصار يفعلن هكذا، فجمعهن عمر وسألهن، فقلن: كنا نفعل على عهد النبي ﷺ ولا نغتسل، فقال عمر ﵁: أو كان يعلم به رسول الله؟ فقلن: لا، فقال: هذا ليس بشيء.
وبعث إلى عائشة فسألها، فقالت: فعلت ذلك مع رسول الله ﷺ فاغتسلنا، فقال عمر لزيد: لئن عدت إلى ذلك لأدبتك (^١).
واحتج علي على الأنصار فقال: توجبون الرجم ولا توجبون صاعا من الماء.
(ولأنه) أي الالتقاء سبب للإنزال.
(ونفسه) أي نفس الخروج، أو نفس المني.
(فيقام) أي الالتقاء، (مقامه) أي مقام الخروج أو (الإنزال) يعني على تقدير انحصار وجوب الغسل من المني، فالمني ثابت في الالتقاء تقديرا، والغالب في مثله الإنزال، وقد يخفى عليه أثر الإنزال لقلته فأقيم السبب الظاهر مقامه، فيكون الماء موجودًا تقديرًا فيجب الغسل بالحديث فكان هذا ماء قولا بموجب العلة، ولأنه لما قام الالتقاء مقام الإنزال في وجوب الحد لأن يقوم مقامه في حق وجوب الاغتسال أولى، كذا في المستصفى (^٢).
وقوله: (قد يخفى) جواب السؤال وهو أن يقال: يعلم المرء خروج المني وإن كان غائبا عن بصره، يقال: قد يخفى يعني يحتمل أن لا يعلم لفرط الشبق، أو لقلة المني.
قوله: (لكمال السببية) فإن الدبر مثل القبل في الحرارة واللين حتى رجح الفسقة قضاء الشهوة من الدبر على قضاء الشهوة من القبل، وذكر المرغاسوني (^٣)
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٦٩).
(٢) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٤٠).
(٣) هو الإمام أبو بكر محمد بن يوسف المرغاسوني الحنفي، وله كتاب نوادر الأصول في الفروع.
[ ١ / ١٥٨ ]
وَيَجِبُ عَلَى المَفْعُولِ بِهِ احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ البَهِيمَةِ وَمَا دُونَ الفَرْجِ، لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ نَاقِصَةٌ.
قَالَ: (وَالحَيْضُ)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بِالتَّشْدِيدِ (وَ) كَذَا (النَّفَاسُ) لِلْإِجْمَاعِ.
في نوادر الصلاة عن محمد: إذا حاذى الأمرد رجلا في الصلاة تفسد صلاة غير الأمرد لأنه يخطر بباله الشهوة، وفي ظاهر الرواية لا تفسد لا لاعتبار عدم الشهوة بل باعتبار أن الفساد بالمحاذاة ثبت بخلاف القياس فلا يتعدى إلى غير المرأة، حتى إن محاذاة عجوز تنفر الطباع عنها مفسدة مع عدم الشهوة، وكذا لو حاذت ابنها أو أباها كذا في جامع المحبوبي (^١).
(احتياطا): لأنه يحتمل أن يتلذذ بذلك ويخرج الماء ولا يعلم به.
(وما دون الفرج): أي التفخيد؛ لأن السببية ناقصة، يعني في هذين الموضعين لا يجب الغسل بنفس الالتقاء لأنه ناقص في كونه سببًا للإنزال لأنهما ليسا نظير الفرج في استطلاق وكاء المني.
وفي المحيط: أتى امرأته وهي بكر لا غسل عليه ما لم ينزل؛ لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت فعليها الغسل لوجود الإنزال لأنه لا حبل بدونه وإنزالها يوجب الغسل (^٢).
قوله: (والحيض) أي الخروج منه؛ لأن الحيض إذا حصل نقض الطهارة الكبرى ولم يجب الغسل مع سيلان الدم لأنه ينافيه، والشيء لا يبقى مع منافيه، فإذا انقطع وجب الغسل بالحدث السابق؛ لأن الانقطاع طهارة فلا يوجب الطهارة، كذا في الإيضاح (^٣).
قال مولانا حميد الدين: الخروج عن الحيض مستلزم له فوجد الاتصال فصحب الاستعارة.
_________________
(١) انظر: البناية للعيني (١/ ٣٣٦)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٧٥).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازة (١/ ٨٣).
(٣) انظر: البناية للعيني (١/ ٣٣٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٦٣).
[ ١ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجه التمسك: أن حرمة القربان مؤقت إلى غاية الاغتسال، والاغتسال لو لم يكن واجبًا عليها تصير الحرمة مطلقة، وهو نقض المشروع فلا يجوز.
وجه آخر: أن حق الزوج ثابت في الحال، أي حال انقطاع الحيض، وهو ممنوع عن التصرف في ملكه للاغتسال، فلو لم يكن الاغتسال واجبًا لما صح المنع لأن بالمباح والتطوع لا يصير ممنوعًا، ألا ترى أنه حق نقض صومها إذا كان تطوعًا، وليس له حق نقض الصوم إذا كان فرضًا، وهاهنا قد منع من القربان فعلم أنه واجب.
واستدل مولانا حميد الدين به من حيث إنه إخبار، وإخبار الشارع أكد من الأمر؛ لأن وجود المأمور به ليس بشرط لصحة الأمر، ووجود المخبر به شرط لصحة الأخبار، ولأنه أنهى حرمة القربان إلى غاية فيقتضي وجود الغاية ليتحقق كونه مغيًا إليها، فقلنا بالوجوب ليحمله على الوجود.
وجه آخر: أن الزوج لما منع عن القربان إلى غاية فيحرم عليها التمكين ضرورة، ويجب عليها التمكين إذا طلبه منها، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب لوجوبه، وإذا ثبت هذا فيما دون العشرة ثبت في العشرة لأنا نعلم أن وجوب الاغتسال هاهنا باعتبار خروج الدم، وقد وجد فيها فيثبت الحكم في العشرة بدلالة النص.
ثم لما صار الاغتسال شرطًا لحل القربان لهذه الآية مع أن طهارة المرأة ليست بشرط لحل القربان سوى الطهارة عن الحيض والنفاس في صورة من الصور فلأن يشترط الاغتسال لحل قربان الصلاة بالطريق الأولى، مع أن الحال أن الطهارة عن جميع النجاسات الحكمية والحقيقية شرط دائم للصلاة.
فإن قيل: إنما وجب الاغتسال فيما دون العشرة لتتأكد به صفة الطهارة عن الحيض وزوال الأذى ليثبت الحل للزوج، ولهذا يثبت الحل بمضي وقت صلاة عليها وإن لم تغتسل لوجود التأكيد بصيرورة الصلاة دينا عليها، وفي العشرة قد تأكد صفة الطهارة بنفس الانقطاع فانعدم المعنى الموجب؛ فلا يمكن الإلحاق
[ ١ / ١٦٠ ]
قَالَ: (وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ وَالْإِحْرَامِ)، نَصَّ
بطريق الدلالة كما لا يمكن إثبات الحد في اللواطة، وشرب البول بمعنى الحرمة لانعدام المعنى الموجب للحد بعد الحرمة وهو كثرة الوقوع.
قلنا: ليس كذلك، بل المعنى الموجب موجود لأنه إما الحدث أو أداة الصلاة على حسب ما اختلفوا فيه كلاهما ثابت هاهنا، فأما الفرق الذي يدعيه فإنما يثبت إذا كان وجوب الاغتسال لثبوت الحل وليس كذلك، ألا ترى أنها لو لم تكن ذات زوج يجب عليها الاغتسال مع انعدام المعنى الذي يدعيه، ولكنه وإن وجب بسبب آخر جعل غاية للحرة فيما دون العشرة فإن الحيض به ينتهي فتنتهي الحرمة المبنيّة عليه، فعرفنا بعبارة النص في القراءة بالتشديد حرمان القربان معنى إلى الاغتسال فيما دون العشرة، وبإشارته، وجوبه، وبدلالته وجوبه في العشرة، كذا قرره شيخي ﵀.
يؤيده قوله ﵇ لفاطمة بنت حبيش: «إذا أقبلَتِ الحيضة فدَعِي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصَلّي» (^١)، أمرها بالغسل، والأمر للوجوب.
فإن قيل: لما علّق حل الوطء بالاغتسال ينبغي أن لا يحل بمضي وقت الصلاة بلا غسل أو تيمم.
قلنا: علقه بالأطهار وهو الاغتسال، أو ما قام مقامه من مضي وقت الصلاة أو التيمم.
قوله: (وسن رسول الله ﷺ) إلى آخره، اعلم أن الغسل أحد عشر نوعًا، خمسة فريضة: من التقاء الختانين، ومن الإنزال، ومن الحيض والنفاس، ومن الاحتلام، وأربعة سنة: غسل يوم الجمعة، والعيدين، ويوم عرفة، وعند الإحرام، وواحد واجب وهو غسل الميت، وآخر مستحب وهو غسل الكافر إذا أسلم، وقال مالك (^٢) وأحمد (^٣) رحمهما الله: هو واجب.
وفي المحيط، والمبسوط: هذا إذا لم يكن جنبًا، فإن كان يجب في ظاهر
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٧١، رقم ٣٢٠)، ومسلم (١/ ٢٦٢، رقم ٣٣٣) من حديث عائشة ﵂.
(٢) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ١٨٥)، والذخيرة للقرافي (١/ ٣٠٥).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٩)، والإقناع للحجاوي (١/¬٤٥).
[ ١ / ١٦١ ]
عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَقِيلَ: هَذِهِ الأَرْبَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَسَمَّى مُحَمَّدٌ الغُسْلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَسَنًا فِي الأَصْلِ. وَقَالَ مَالِكُ الله: هُوَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَتَى الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ»، وَبِهَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ عَلَى الاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى النَّسْخِ، … .
الرواية وهو الأصح، وقال بعض مشايخنا: لا يلزمه لأن الكفار لا يخاطبون بالشرائع (^١).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: غسل يوم الجمعة والعيدين مستحب، وبه قال الشافعي (^٢)، ومالك (^٣)، وأحمد (^٤)، وقال الحسن البصري: واجب (^٥).
وفي التحفة: ويستحب غسل الصبي والمجنون عند البلوغ والإفاقة، وفي أمالي قاضي خان بلغت الصبية بالحيض عليها الغسل، وفي الصبي إذا بلغ بالاحتلام اختلاف المشايخ، والأصح هو الوجوب (^٦).
قوله: (وقال مالك: هو واجب) بالحديث المشهور المذكور في المتن بقوله: «غسل الجمعة واجب على كلِّ مُحتَلِم»، ذكره في الصحيح، وفي شرح المجمع: ليس المراد بالوجوب ما يعاقب تاركه، بل المراد به تأكيد السنة؛ فإن مشاهير كتب أصحاب مالك ناطقة بالسنة والأفضلية.
قوله: (أو على النسخ) فدليل النسخ ما ذكر في المبسوط: روي عن عائشة ﵂ وابن عباس قالا: كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يلبسون الصوف ويعرقون فيه والمسجد قريب السمك، وكان يتأذى بعضهم برائحة البعض فأمروا بالاغتسال لهذا، ثم انتسخ هذا حين لبسوا غير الصوف وترك العمل بأيديهم (^٧).
(فبها ونعمت): أي فبالسنة أخذوا، نعمت هذه الخصلة.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٩٠)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٨٣).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٦٥)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ٩١).
(٣) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ١٥٣)، والمقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٦٦).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٧٤)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٢٤٧).
(٥) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٢/ ٢٣٩).
(٦) انظر: فتاو قاضي خان (١/¬٢١).
(٧) المبسوط للسرخسي (١/ ٨٩).
[ ١ / ١٦٢ ]
ثُمَّ هَذَا الغُسْلُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: هُوَ الصَّحِيحُ، لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهَا عَلَى الوَقْتِ وَاخْتِصَاصِ الطَّهَارَةِ بِهَا، وَفِيهِ خِلَافُ الحَسَنِ، وَالعِيدَانِ بِمَنْزِلَةِ الجُمُعَةِ، لِأَنَّ فِيهِمَا الاجْتِمَاعَ، فَيُسْتَحَبُّ الاِغْتِسَالُ دَفْعًا لِلتَّأَنِّي بِالرَّائِحَةِ. وَأَمَّا فِي عَرَفَةَ وَالإِحْرَامِ فَسَنُبَيِّنُهُ فِي المَنَاسِكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وقيل: فيها أي بالرخصة أخذوا نعمت الخصلة هذه، وهذا أولى أي الأول؛ لأنه قال: «وإن اغتسل فالغسل أفضل»، فتبين أن الوضوء سنة لا رخصة، كذا في الطلبة.
والضمير في (فيها) يعود إلى غير المذكور، ويجوز ذلك إذا كان مشهورًا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ [ص: ٣٢] أي الشمس على الاختلاف.
(ثم هذا): أي غسل يوم الجمعة لأجل الصلاة عند أبي يوسف لأنها مؤداة بجمع عظيم فلها من الفضيلة ما ليس لغيرها.
وعند الحسن بن زياد، وداود، وفي الكافي عند محمد لليوم إظهارًا لفضيلة اليوم كما قال ﵇: «سَيِّدُ الأيام يوم الجمعة»، كذا في المبسوط (^١).
وفائدة الخلاف تظهر فيمن اغتسل بعد الجمعة، أو أول اليوم ونقض وتوضأ وصلّى يكون مستنا عنده خلافًا لأبي يوسف.
وفي المحيط: رواية عن أبي يوسف: لهما.
وفي صَلَاةِ الْجَلَّائِيِّ: لو اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استن بالسنة لحصول المقصود وهو قطع الرائحة، ولو اتفق يوم الجمعة ويوم العيد أو عرفة وجامع ثم اغتسل ينوب عن الكل، والمراد بالنسخ نسخ صفة الوجوب دون شرعيته كما في صوم يوم عاشوراء، وحملنا على الاستحباب عملا بالحديثين بقدر الإمكان فإنه محتمل قوله: (فليغتسل)، ولئلا يلزم مخالفة الكتاب بخبر
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٨٩).
[ ١ / ١٦٣ ]
قَالَ: (وَلَيْسَ فِي المَدْيِ وَالوَذْيِ غُسْلٌ، وَفِيهِمَا الوُضُوءُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «كُلُّ فَحْلٍ يُمْنِي، وَفِيهِ الوُضُوءُ»
الواحد؛ لأنه يوجب غسل الأعضاء الأربعة عند كل قيام إلى الصلاة مطلقا، فلو وجب الغسل لكان زيادة عليه بخبر الواحد فلا يثبت الوجوب، ولا يثبت السنية لمعارضة حديث آخر.
قوله: (وليس في المذي والودي) إلى آخره، وبه قال الشافعي، وأحمد في رواية، وقال أحمد في رواية: يجب الغسل، وقال مالك: يغسل ذكره من المذي، كذا في الحلية (^١).
إنما ذكرهما هاهنا لا في فصل نواقض الوضوء لأنهما يشابهان المني كما ذكر في تفسيرهما.
قوله: (كُلُّ فحل يُمْذِي) رواه أبو داود بإسناد صحيح، وحديث مقداد معروف رواه البخاري ومسلم وفيهما الوضوء.
فإن قيل: استفيد وجوب الوضوء بقوله: (كل ما خرج من السبيلين)، فما فائدة إعادته؟
قلنا: هذا إثبات بعد النفي لتأكيد النفي الأول كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكُ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] كذا في البدرية، وفيها والمجتبى: فيه احتراز عن قول مالك حيث لا يوجب [الوضوء] (^٢) فيهما (^٣).
وفي الكاثي: إنما قاله اتباعًا للأثر فإنه قال فيه هكذا.
فإن قيل: لما وجب الوضوء بالبول، فما فائدة وجوبه بالودي؟
قيل: في جوابه وجوه، أحدها: ما ذكره الحلواني أن المراد به نفي الاغتسال، والثاني: وجوب الوضوء به لا ينافي في وجوبه بالودي، فقد ذكر الحلواني أن من بال، ثم بال، ثم بال يجب الوضوء لكل مرة، إلا أن الوضوء
_________________
(١) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (١/ ١٧٠).
(٢) في الأصل: (يوجب الوجوب)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٣).
[ ١ / ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الواحد يكفي للكل؛ لأن الموجبات إذا اجتمعت تداخلت بدليل ما ذكر في نوادر ابن سماعة: أن من حلف لا يتوضأ من الرعاف فبال ثم رعف وتوضأ حنث، وكذا لو حلف لا يغتسل من فلانة فجامع امرأة غيرها، ثم جامعها، ثم اغتسل حنث، ويكون الاغتسال منهما، وعن أبي حنيفة هكذا، وقال الجرجاني: الاغتسال من الأول دون الثاني مطلقا (^١).
وقال الهندواني: إن اتحد الجنس بأن بال، ثم بال فالوضوء من الأول، وإن اختلف الجنس بأن بال، ثم رعف فالوضوء منهما جميعا، وعلى ظاهر الجواب الوضوء والغسل منهما جميعًا، كذا في الذخيرة (^٢).
والثالث: ما ذكر في مبسوط فخر الإسلام: ولا يظهر حكمه بعد البول إلا أن يتخلل بينهما وضوء بأن بال فتوضأ، ثم خرج الودي يجب فيه الوضوء. والرابع: تظهر فائدته فيمن به سلس البول إذا أودى في الوقت يتوضأ. وفي القنية: لا ينقض وضوء من به سلس البول بالودي في الوقت (^٣).
وقال شهاب الإمامي: ينقض لأنه حدث آخر، والخامس: أن الإشكال يرد على هذا التفسير، فأما على ما فسره في الخزانة والحصائل (^٤) ونظم الزندويستي (^٥): لو جامع وبال ثم اغتسل فخرج منه شيء لزج بعده فهو الودي لا يرد، وفي الْمُجْتَبى: وهذا الكلام حسن يجب حفظه (^٦).
والسادس: ما ذكره في البدرية أن الوضوء يجب في الودي لو تصور الانتقاض به كما يقول في بعض مسائل المزارعة، ويجوز في قياس قول أبي
_________________
(١) انظر: الذخيرة البرهانية للمرغيناني (١/ ٤٨٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٤/ ٢٧٨).
(٢) انظر: الذخيرة البرهانية للمرغيناني (١/ ٤٨٦).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬١٢)، والبناية للعيني (١/ ٣٤٨).
(٤) الحصائل في المسائل لنجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النسفي الحنفي، المتوفى سنة ٥٣٧.
(٥) الحسين بن يحيى البخاري الزندويستي له كتاب روضة العلماء ونظم الفقه وترجمته في الجواهر المضية ١: ٦٢١ باسم «علي بن يحيى» والفوائد البهية: ٢٢٥ وتاج التراجم: ٩٤ رقم ١٠٣ وكشف الظنون ١: ٩٢٨.
(٦) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٣).
[ ١ / ١٦٥ ]