(لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ الغَنَمِ السَّائِمَةِ صَدَقَةٌ، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ سَائِمَةً وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهِ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعَمِائَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهِ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) هَكَذَا وَرَدَ البَيَانُ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي كِتَابِ أَبِي بَكْرِ ﵁،
وذلك في الابتداء. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (لا يحنث في يمينه)؛ أي بعدم العرف، حتى لو كثر في موضع؛ ينبغي أن يحنث. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
فإن قيل: اسم البقرة يتناول الوحشي، ولا يجب فيها زكاة.
قلنا: الجاموس أهلي، وذلك وحش، والوحشيات من البقر والغنم وغيرهما؛ لا يعتد في النصاب، وكذا المتولد من أهلي ووحشية.
(فصل في الغنم)
قدم ذكر الغنم على الخيل؛ لكثرة وجودها، أو لكون ركوبه مجمعًا عليه.
قوله: (في كتاب أبي بكر): وهو ما كتبه لأنس كما ذكرنا، واجتمعت الأمة على ذلك. كذا في الإيضاح، والمبسوط (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٧).
(٢) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٦٣)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١١٨).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٢).
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ (وَالضَّانُ وَالمَعْزُ سَوَاءٌ) لِأَنَّ لَفْظَةَ الغَنَمِ شَامِلَةٌ لِلْكُلِّ وَالنَّصُّ وَرَدَ بِهِ. وَيُؤْخَذُ الثَّنِيُّ فِي زَكَاتِهَا وَلَا يُؤْخَذُ الجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّنِيُّ مِنهَا مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ، وَالجَذَعُ مَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُهَا. وَعَنْ
وقيل: أصحابنا لم يعملوا بجميع ما في كتاب أبي بكر، والعمل ببعضه دون بعضه غير صواب؛ بل الأولى فيه التمسك بكتاب عمرو بن حزم.
(سواء)؛ أي: في تكميل النصاب، لا في أداء الواجب لما سيأتي، والنص ورد به؛ وهو ما كتب في كتاب النبي ﵇ «في أربعين من الغنم شاة إلى مائة وعشرين» (^١) الحديث. كذا في المبسوط (^٢).
وفيه والأصل في وجوب زكاة الغنم؛ قوله ﵇: «ما مِنْ صاحب غَنَم لم يُؤدِّ زكاةَ غنمِهِ إِلا يُطِحَ بها بقاعِ قَرْقَرَ …» الحديث (^٣)، وهو [في] (^٤) المصابيح (^٥).
والثني منها؛ أي: من الغنم.
(ما تمت له سنة): هذا تفسير كتب الفقه من المبسوط (^٦)، وغيره. من المُجْتَبَى: الجذعة: ما تمت له سنة وطعنت في الثانية، والثني: ما تم له حولان (^٧).
وفي جامع الإسبيجابي: الجذع: ما أوتي عليه ستة أشهر، والثني: ما أتى عليه حول (^٨).
وفي كتب اللغة - كالصحاح، والديوان، والمغرب، وغيرها -: الذي
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٢).
(٣) أخرجه مسلم (٢/ ٦٨٠، رقم ٩٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها النص.
(٥) مشكاة المصابيح للتبريزي (١/ ٥٥٥).
(٦) المبسوط للسرخسي (١٠/¬١٢).
(٧) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٥٥).
(٨) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٥٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٣٣).
[ ٢ / ٥٩٠ ]
أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا: إِنَّهُ يُؤْخَذُ عَنْ الجَذَعِ (*) لِقَوْلِهِ ﵊: إِنَّمَا حَقْنَا الجَذَعُ وَالثَّنِيُّ وَلِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ الأُضْحِيَّةُ فَكَذَا الزَّكَاةُ. وَجْهُ الظَّاهِرِ
يلقي ثنية، ويكون ذلك في الظلف، والحافر في السنة الثانية، وفي الإبل في السنة السادسة، والجمع: ثنيان وثنًا، وللأنثى ثنية، والجمع: ثنياة، والجذع قبل التثني، والجمع: جذعان وأجذاع، وللأنثى جذعة، والجمع: جذعات، ويقال لولد الشاة في السنة الثانية: جذع، ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة (^١).
قوله: (والضأن والمعز): الضأن: جمع ضائن؛ كركب: جمع راكب من ذوات الصوف والضأن اسم للذكر، والنعجة للأنثى، والمعز: ذات الشعر اسم للأنثى، واسم الذكر: التيس. كذا في شرح القدوري (^٢).
(ورد به)؛ أي: بلفظ الغنم؛ لحديث أنس: كتب كتابه وقال: «في أربعين من الغنم». كذا في المبسوط (^٣).
(ولأنه يتأدى)؛ أي: بالجذع (الأضحية).
وفي الإيضاح: باب التضحية أضيق؛ ألا ترى أنها بالتبيع والتبيعة لا يجوز، ويجوز أخذهما في الزكاة، فإذا كان للجذع مدخل فيه، ففي الزكاة أولى (^٤)، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو قولهما، والشافعي (^٥)، وأحمد (^٦).
الجذع من المعز لا يجوز؛ لما روى سويد بن غفلة عن مصدق، عن النبي ﵇ أنه أمرنا بالجذعة من الضأن، والثنية من المعز.
_________________
(١) (*) الراجح: هو القول الثاني يعني ما رواه الصاحبان عن أبي حنيفة، ولا يؤخذ في الزكاة إلا الثني، ولا يؤخذ الجذع من الضأن.
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٢٩٥)، والمغرب في ترتيب المعرب (ص ٧١).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٣٣)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٧٧).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٢).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١٨٢٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٣٤).
(٦) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/ ١١٧)، والبيان للعمراني (٣/ ١٩٢).
(٧) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٩١)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٥٢).
[ ٢ / ٥٩١ ]
حَدِيثُ عَلِيٌّ ﵁ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: «لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ إِلَّا النَّنِيُّ فَصَاعِدًا» وَلِأَنَّ الوَاجِبَ هُوَ الوَسَطُ وَهَذَا مِنْ الصِّغَارِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ فِيهَا الجَذَعُ مِنْ المَعْزِ، وَجَوَازُ التَّضْحِيَةِ بِهِ عُرِفَ نَصَّا. وَالمُرَادُ بِمَا رُوِيَ الجَذَعَةُ مِنْ الإِبِلِ (وَيُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الغَنَمِ الذُّكُورُ وَالإِنَاتُ) لِأَنَّ اسْمَ الشَّاةِ يَنْتَظِمُهُمَا، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
ولا يجوز التضحية بالجذع من المعز، مع أن باب التضحية أضيق كما ذكرنا، فكذا في الزكاة.
ثم عند الشافعي: الثنية: التي لها سنتان، وهو قول أهل اللغة، والجذعة: التي لها سنة (^١).
وقال بعض أصحاب الشافعي: الجذعة التي لها ثمانية أشهر، والثنية: التي لها سنة. وقال بعضهم: الجذعة: التي لها سبعة أشهر.
(هو الوسط)؛ أي: بالنص كما يجيء.
(وهذا)؛ أي: الجذع من الضأن من الصغار.
(لا يجوز فيه)؛ أي: في الأخذ من الزكاة.
(الجذع من المعز): بالاتفاق.
(وجواز التضحية به)؛ أي: بالجذع.
(عرف نصًا)؛ وهو قوله ﵇: «نِعمَتِ الأضحية الجذع من الضأن» (^٢)، فلا يتعدى من الأضحية، مع أن القياس يقتضي المفارقة؛ وهي أن المقصود منها إراقة الدم، وفي ذلك تقارب الجذع بالثني؛ لما أن جوازه فيها مقيد بكونه سمينًا، بحيث لو اختلط بالثنيات لا يمكن تمييزه قبل العامل.
وأما هاهنا، فما دون الثني لا يقارب الثني في المقصود؛ لأن منفعة النسل لا تحصل به، والمقصود به الانتفاع المطلق، فلا يقارب الأدنى الأعلى.
قوله: (ويؤخذ في زكاة الغنم الذكور والإناث): وهو ظاهر قول أحمد (^٣).
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/ ١١٨)، والبيان للعمراني (٣/ ١٩٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٣/ ١٣٩، رقم ١٤٩٩) من حديث أبي كباش ﵁، وضعفه الشيخ الألباني في الضعيفة (١/ ١٥٥، رقم ٦٠).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٤٣١)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٣١٧).
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وَالسَّلَامُ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ».