قوله: (وليس في الحملان) إلى آخره: لما فرع من بيان أحكام الكبار؛ شرع في بيان أحكام الصغار.
الفصلان: جمع الفصيل، وكذا الناقة، من فصل الرضيع عن أمه.
والحملان: بضم الحاء، وفي الديوان: بكسرها، جمع الحمل، والعجاجيل: جمع العجول، من الأولاد البقر حين تضعه إلى شهر. كذا في المغرب (^١).
ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء عن أبي يوسف أنه قال: دخلت على أبي حنيفة ﵁ فقلت: ما تقول فيمن يملك أربعين حملا؟، فقال: فيها شاة مسنة، فقلت: ربما يأتي قيمة الشاة على أكثرها أو جميعها، فتأمل ساعة، ثم قال: ولكن يؤخذ واحد منها، فقلت: أتؤخذ الحملان في الزكاة؟، فتأمل ساعة، فقال: لا، إذا لا يجب فيها شيء. فأخذ بقوله الأول: زفر، وبقوله الثاني: أبو يوسف، وبقوله الثالث: محمد، وهذا من مناقبه؛ حيث تكلم في مجلس بثلاثة أقاويل، فلم يضع شيء من أقاويله (^٢).
وقال محمد بن شجاع: لو قال قولًا رابعًا لأخذت به (^٣).
ومن المشايخ من ردَّ هذا وقال: هذا من الصبيان محال، فما ظنك بأبي حنيفة.
وقال بعضهم: لا معنى لرده؛ فإنه مشهور؛ لكن أن يوجه إلى ما يليق بحاله، فقال: إنه امتحن أبا يوسف، أنه هل يهتدي إلى طريق المناظرة؟، فلما عرف أنه يهتدي إليه؛ قال قولًا عول عليه، كذا في الفوائد الظهيرية (^٤).
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٣٠٥).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٥٨)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٨٧).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٦٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٤٤).
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٦٦)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ٢٠١).
[ ٢ / ٥٩٨ ]
مَعَهَا كِبَارٌ)، وَهَذَا آخِرُ أَقْوَالِهِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا: يَجِبُ فِيهَا مَا يَجِبُ فِي المَسَانٌ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَمَالِكِ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: فِيهَا وَاحِدَةٌ مِنهَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ (*) وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
(وهو قوله محمد): وبه قال أحمد في رواية (^١).
(وهو قول أبي يوسف): وبه قال الشافعي (^٢)، وأحمد في رواية.
قال شيخ الإسلام: صورة المسألة: ما إذا كان له خمس وعشرون من النوق، أو ثلاثون من البقر، أو أربعون من الغنم، فلما مضى عليها عشرة أشهر مثلًا ولدت أولادًا وهلكت الأمهات، ثم تم الحول عليها، فهل يجب فيها شيء؟، فيه الخلاف المذكور، وإنما صوّرنا نصاب النوق ولم نصور خمسة، ولأن أبا يوسف أوجب واحدة منها، وذلك لا يتصور في أقل منها (^٣).
وقيل: صورتها: ما إذا اشترى خمسة وعشرين فصيلا، أو ثلاثين عجولا، أو أربعين حملا، أو وهب له، هل ينعقد الحول؟، فعلى قول أبي يوسف ومحمد: لا ينعقد، وفي قول الباقين: ينعقد.
وفي الإيضاح: في جامع الكردري: هذا الخلاف فيما إذا لم يكن مع الصغار كبار، فأما إذا كان؛ فيجب بالإجماع، حتى لو كان في تسع وثلاثين حملا مسن؛ يجب (^٤).
ويؤخذ المسن، وكذا في الإبل والبقر؛ لأن اسم الكبار يتناول الصغار مع الكبار، ولقوله ﵇: «تعدَّ الصغار والكبار» (^٥)، ولقول عمر للساعي: عُدَّ السخلة عليهم، ولو جاء بها الراعي يحملها على كفه (^٦).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ١٢٦)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٥١).
(٣) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٣٧٩)، والمجموع للنووي (٥/ ٤٢٣).
(٤) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٦٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٣٤).
(٥) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٦٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٣٤).
(٦) لم أقف عليه بهذا اللفظ وفي معناه ما رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٨، رقم ٩٩٨٦) بسنده عن الحسن بن مسلم، بعث رسول الله ﷺ سفيان بن عبد الله على الصدقة، فقال: «خذ ما بين الغذية، والهرمة» يعني: بالغذية: السخلة.
(٧) أخرجه بنحوه عبد الرزاق (٤/¬١٠، رقم ٦٨٠٦) بسنده عمر ﵁ وفيه قصة.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وَجْهُ قَوْلِهِ الأَوَّلِ: أَنَّ الاِسْمَ المَذْكُورَ فِي الخِطَابِ يَنْتَظِمُ الصِّغَارَ وَالكِبَارَ.
وَوَجْهُ الثَّانِي:
(وجه قوله الأول): وهو قول زفر (^١)، ومالك (^٢).
(أن الاسم المذكور): من اسم الشاة والبقر والإبل، في النص يتناولهما كاسم الآدمي، ولهذا لو حلف لا يأكل لحمهم، فأكل لحم فصيل وتبيع وحمل؛ يحنث في يمينه بالإجماع، ولأن الواحدة من الخمس لو كانت بنت مخاض؛ يجب فيها شاة بالإجماع، ولا يجب شاة في تلك الواحدة؛ بل في الكل، فإذا اختار إيجاب أربعة أخماس الشاة باعتبار واحد من الفصلان؛ جاز إيجاب شاة باعتبار خمس منه. كذا ذكره المحبوبي (^٣).
وفي الأسرار: ولأن الصغار يكمل بها نصاب الكبار نصابًا بأنفسها، كالمهازيل وعكسه الحمر مع الإبل؛ فإنه لا يكمل بها نصاب الإبل، فلا يكون نصابا في نفسها (^٤).
(وجه الثاني)؛ أي: القول الثاني، وهو قول أبي يوسف؛ حديث أبي بكر أنه قال: لو منعوني عناقا مما كانوا يؤدونه في عهد رسول الله ﷺ لقاتلتهم (^٥)؛ فدل أن العناق مدخلا في الزكاة، فلا يكون ذلك إلا في الصغار.
ولأن الصغار مال، فلا يخلو عن واجب، ويستوي فيه الصغير والكبير كما في صدقة الفطر، ويعتبر نقصان السن بنقصان الوصف، فإن كل واحد منهما ينقص المالية، ونقصان الوصف لا يسقط أصلا؛ حتى أن العجاف والمهازيل؛ نصاب تجب الزكاة بحسبها، فكذا نقصان السن.
وفي الأسرار: لو أوجبنا فيها ما يجب في المسن، وهو لا يوجد فيها لتضرر صاحب المال، فلهذا لا يوجب السمينة فيها، ولو لم تجب أصلا لتضرر
_________________
(١) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ١٠٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٤٣).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٣٥٦)، والتاج والإكليل للمواق (٣/ ٨٢).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٨٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٤٥).
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٦٧).
(٥) أخرجه البخاري (٢/ ١٠٥، رقم ١٣٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
تَحْقِيقُ النَّظَرِ مِنْ الجَانِبَيْنِ كَمَا يَجِبُ فِي المَهَازِيلِ وَاحِدٌ مِنهَا. وَوَجْهُ الأَخِيرِ: أَنَّ
الفقراء؛ لأن الصغار نصاب على ما قلنا، فأوجبنا واحدة منها كما في المهازيل؛ تحققها للنظر من الجانبين (^١).
وفي الأسرار: اختار قول أبي يوسف؛ لأنه أعدل (^٢)، فإنا رأينا النقصان في الهزال رد الواجب الأصلي إلى واحدة منها، ولم تبطل أصلا، فكذلك النقصان بالسن مع قيام الإسامة واسم الإبل، إلا أن الرد إلى واحدة منها يمنعنا من ترتيب السن؛ إذ لا سن لما عنده ولم يمنعنا في المهازيل، فعلمنا بقدر الإمكان؛ لأن السبب متى تم ثبت حكمه إلا بقدر المانع.
وجه قول محمد - وهو المُعوّل عليه -: حديث سويد بن غفلة: أتانا مصدق رسول الله ﷺ فسمعته يقول: في عهدي - أي: في كتابي - أن لا أخُذَ من راضع اللبن شيئًا (^٣)؛ فيه دليلان:
أحدهما: أن لا يجب في الصغار شيء.
والثاني: أن لا يؤخذ في الصغار في صدقة.
وقال عمر للساعي: عد عليهم السخلة، ولو جاء بها الراعي يحملها على كفه لا تأخذها منهم (^٤)؛ فقد نهى عن أخذه عند الاختلاط.
والمعنى: أن حق الله تعالى بأسنان معلومة كما ذكرنا، فلا مدخل للصغار فيها كالهدايا والضحايا، وبهذا فارق العجاف؛ فإن في تلك الأسنان يؤخذ منها، وإيجاب المسنة منه إجحاف بأرباب الأموال؛ قال ﵇: «إياكم وكَرائِمُ أموال الناس» الحديث (^٥)، بخلاف ما إذا كانت الواحدة مسنة؛ فإنها هي الأصل، والصغار تبع لها، وقد ثبت الحكم بها تبعا في المحل، ولا يثبت
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٦٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٨٧).
(٢) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٦٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٤٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ١٠٢، رقم (١٥٧٩) وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٥/ ٢٩٨، رقم ١٤٠٩).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) أخرجه البخاري (٢) ١٢٨، رقم ١٤٩٦) ومسلم (١/¬٥٠، رقم ١٩) من حديث ابن عباس ﵁.
[ ٢ / ٦٠١ ]
المَقَادِيرَ لَا يَدْخُلُهَا القِيَاسُ، فَإِذَا امْتَنَعَ إِيجَابُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ امْتَنَعَ أَصْلًا، وَإِذَا كَانَ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْ المَسَانٌ جَعَلَ الكُلَّ تَبَعًا لَهُ فِي انْعِقَادِهَا نِصَابًا، دُونَ تَأْدِيَةِ الزَّكَاةِ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ الأَرْبَعِينَ مِنَ الحُمْلَانِ وَفِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ العَجَاجِيلِ، وَيَجِبُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الفُصْلَانِ وَاحِدٌ، ثُمَّ لَا يَجِبُ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ مَبْلَغَا لَوْ كَانَتْ مَسَانَّ يُثَنَّى الوَاجِبَ، ثُمَّ لَا يَجِبُ شَيْءٌ حَتَّى
قصدًا كالشرب والطريق في البيع.
وأما حديث أبي بكرٍ ﵁؛ فمحمول على أنه قال ذلك على سبيل المبالغة والتمثيل؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ ألا ترى أنه قال في بعض الروايات: لو منعوني عقالا (^١)، وهذا لا يدل على أن للعقال مدخلا في الزكاة. كذا في المبسوط (^٢).
وأما قياسه على صدقة الفطر فلا يصح؛ لعدم تعلقها بالحول، فيستوي فيه الصغير والكبير، بخلاف الزكاة فإنها تتعلق بالحول، واسم الإبل لا يتناول الصغار حالة الانفراد، فإن من مر بفصلان لا يستجر من نفسه أن يقول: لمن هذه الإبل؛ ولو كان مخطئًا في كلامه كذا في جامع الإسبيجابي.
قوله: (جعل الكل تبعًا) وفي فتاوى الولوالجي: هذا إذا كان عدد الواجب من الكبار موجودًا فيها، أما إذا لم يكن؛ فلا يجب بيانه ما إذا كانت له مائة وتسعة عشر حملا ومسنتان؛ تجب مسنتان، أما لو كانت مائة وعشرون حملا ومسنة؛ فعند أبي حنيفة ومحمد: تجب مسنة واحدة، وعند أبي يوسف: مسنة وحمل، وعلى هذا القياس فصل الإبل والبقر (^٣). وهكذا في الإيضاح.
قوله: (يُثَنى الْوَاجِبَ)؛ وهو ستة وتسعون، فحينئذ يجب اثنان منها إلى مائة وخمسة وأربعين، فحينئذ تجب ثلاثة منها.
قال محمد: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه ﵇ أوجب في خمس
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٥٩).
(٣) فتاوى الولوالجي (١/ ١٨٨).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
تَبْلُغَ مَبْلَغَا لَوْ كَانَتْ مَسَانَّ يُثَلَّثُ الوَاجِبُ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فِي رِوَايَةٍ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي الخَمْسِ خُمْسُ فَصِيلٍ، وَفِي العَشَرِ خُمُسَا فَصِيلٍ
وعشرين واحدة؛ في حال اعتبر قبله أربعة، نصب، وأوجب في ست وسبعين ثنتين؛ في موضع اعتبر ثلاثة نصب بينها وبين خمس وعشرين، ففي المال الذي لا يمكنه اعتبار هذه النصيب لو أوجبنا شيئًا؛ كان بالرأي لا بالنص (^١).
وجه أبي حنيفة: أن يعين الواجب بالنص كان باعتبار العدد والسن، وقد تعذر اعتبار أحدهما وهو السن في الفصلان، فبقي الآخر، وهو العدد معتبرا.
(ولا يجب فيما دون خمس وعشرين في رواية)؛ أي: عن أبي يوسف. وعنه: عن أبي يوسف، وهو رواية ابن شجاع عنه.
ووجهه: أنه اعتبر البعض بالجملة.
(وعنه)؛ أي: عن أبي يوسف، وهو رواية الحسن بن أبي مالك عنه.
وجهها: أن في الكبار الواجب في الخمس شاة؛ للتيسير، حتى لو أدى الواحد منها جاز، وكذا بعدها إلى خمس وعشرين، فكذلك في الصغار يؤخذ على ذلك القياس يسيرًا. كذا في المبسوط (^٢).