بالدعوات بعد سلام الإمام، فالأولى أن يسلم معه؛ ليكون خروجه بسلام نفسه، ولو أخر يكون خروجه بسلام الإمام عند الكل، على إطلاق جواب الكتاب، وعند محمد على ما قيل.
وهذا الخلاف فيمن لم يبق عليه شيء من واجبات الصلاة، إذ لو بقي لا يخرج عند الكل كَاللَّاحِقِ.
وفي المبسوط: يظهر الخلاف في انتقاض الوضوء بسلام الإمام قبل سلام نفسه بالقهقهة، فعنده لا ينتقض، خلافًا لهما (^١).
[فَصْلٌ فِي القِرَاءَةِ] (^٢)
لما فرغ من بيان أركان الصلاة وفرائضها وسننها؛ ذكر أحكام القراءة بفصل على حدة دون سائر الأركان؛ لزيادة أحكام تعلقت بها دون سائرها، ثم ابتدأ بالجهر دون ذكر القدر، مع أن القدر راجع إلى الذات، والجهر إلى الصفة؛ لأن وجوب الجهر وهو المراد هاهنا من صفة الأداء الكامل، والقدر يشمل الكامل والقاصر، فكان الابتداء بصفة تختص بالأداء الكامل الذي هو الأصل في شرعية الصلاة أولى. كذا قيل.
وفيه تأمل؛ لأن الأداء الكامل الصلاة بالجماعة، فينبغي أن يذكر الجهر هو صفته بعد الجماعة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام (^٣): الجهر فيما يجهر والمخافتة فيما يخافت في الصلاة التي تقام بالجماعة واجب بالسنة، وإجماع الأمة، ونوع من المعنى: أما السنة: فما روي عن عبد الله بن مسعود: ما أَسْمَعْنَا النَّبِيُّ ﵇ أَسْمَعْنَاكُمْ وما سَكَتْنَا عَنْكُمْ (^٤).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٩٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩١).
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من النسخة الثانية.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٥).
(٤) لم أقف عليه من حديث ابن مسعود ﵁، وأخرجه البخاري (١/ ١٥٤، رقم ٧٧٢) ومسلم (١/ ٢٩٧، رقم ٣٩٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٧٣٣ ]
قال (وَيَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ فِي الفَجْرِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِنْ كَانَ إِمَامًا، وَيُخْفِي فِي الأُخْرَيَيْنِ هَذَا هُوَ المَأثُورُ المُتَوَارَثُ وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ إِمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ
واجتمعت الأمة من لدن رسول الله إلى يومنا هذا على الجهر، وعلى المخافتة فيما يخافت، وكذا القياس يقتضي الجهر في الصلوات كلها؛ لأن القراءة ركن من أركان الصلاة، فيجب إظهارها كسائر الأركان، ولهذا كان النبي ﵇ يجهر في الابتداء في الصلوات كلها، إلا أن الكفار لما [كانوا] (^١) يلغونه في القراءة ويغلطونه في الظهر والعصر؛ ترك الجهر فيهما بهذا العذر، ثم تثبت هذه السُّنَّة وإن زال بهذا العذر بكثرة المسلمين، أما في المغرب والعشاء والفجر فالكفار متفرقون وأكثرهم ينامون فجهر النبي ﵇ بالقراءة فيها على ما عليه الأصل.
وقيل: في الظهر والعصر في الأغلب تكون قلوبهم مشغولة بالكسب، فيحتمل الاستماع، فيأثمون لعدم حصول فائدته وهو التفكر والتأمل، بخلاف المغرب والعشاء والفجر، أما الجمعة والعيد تؤدى في الأحايين مرة على هيئة مخصوصة من الجمع الكثير، فيكون ذلك باعثا على التأمل والاعتبار، فلا يختل للاستماع.
وإنما ذكر قوله (وأسمع نفسه)؛ لمعنيين:
أحدهما: أنه جواب سؤال مقدر؛ وهو أنه لما قال: (إن شاء جهر) فيورد عليه أن يقال: يجب أن لا يجهر؛ لعدم فائدة الجهر، فإنه للاستماع، وليس معه أحد يسمعه، فقال في جوابه: فائدة الجهر حاصله هاهنا أيضًا بقدره؛ وهو أن يسمع نفسه فيجهر لذلك.
والثاني: ما ذكره فخر الإسلام في مبسوطه: لا يجهر كل الجهر؛ لأنه ليس معه أحد يسمعه، بل يأتي بأدنى الجهر، فكان معناه على هذا: إن شاء جهر وأسمع نفسه ولا يسمع غيره؛ لما أن التخصيص في الرواية يدل على نفي ما
_________________
(١) ليست في النسخ والسياق يقتضيها.
[ ١ / ٧٣٤ ]
خَلْفَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ، وَالأَفْضَلُ هُوَ الجَهْرُ لِيَكُونَ الأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الجَمَاعَةِ وَيُخْفِيهَا الإِمَامُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَإِنْ كَانَ بِعَرَفَةَ لِقَوْلِهِ ﵊: صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ أَيْ لَيْسَتْ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ،
عداه في الغالب (^١).
وفي المحيط: المنفرد إمام في حق نفسه، فيجهر لإسماع نفسه (^٢).
فإن قيل: إذا اعتبر إماما في حق نفسه جاز له المخافتة في حق نفسه.
قلنا: القراءة له دون غيره، فكان مخافته كجهره.
قوله: (على هيئة الجماعة): وفي الشامل: قال ﵇: «من صلى على هيئةِ الجَماعةِ صَلَّتْ بصلاته صفوف الملائكة» (^٣).
وعند الشافعي: الجهر سنة للمنفرد؛ لأنه ﵇ أمر بالجهر أبا بكر وعمر في صلاة الليل وكانا منفردين، ولأنه ليس بتابع لغيره، فهو كالإمام (^٤).
قوله: (ليست فيها قراءة مسموعة): وهكذا فسره في الغريبين، وإنما فسره بهذا؛ احترازا عن قول ابن عباس، فإنه قال: لا قراءة في هاتين الصورتين بهذا الحديث، وفسره بأن لا قراءة فيها.
ولنا: حديث خباب بن الأرت أنه ﵇ قال: «لا صلاة إلا بالقِراءَةِ»، قيل له: بِمَ عرفتم قِراءَتَهُ ﵇ في هاتين الصورتين؟ قال: باضطراب لحيته (^٥).
وقال أبو قتادة: كان النبي ﵇ يسمعنا الآية والآيتين في الظهر أحيانًا (^٦).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٣).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٠٠).
(٣) لم أقف عليه بلفظه، وفي معناه أخرجه البزار (٩٧، رقم ٢٦٥٥) من حديث معاذ مرفوعا فذكر حديثا طويلا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٥٣، رقم ٣٥٣٠): رواه البزار وفيه من لم أجده.
(٤) انظر: حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١١٤).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٥٠، رقم ٧٤٦).
(٦) أخرجه البخاري (١/ ١٥٢، رقم ٧٦٢) ومسلم (١/ ٣٣٣، رقم ٤٥١).
[ ١ / ٧٣٥ ]
وَفِي عَرَفَةَ خِلَافُ مَالِكِ ﵀، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ … …
وقال أبو سعيد الخدري: سجد رسول الله ﷺ في الظهر، فظننا أنه قرأ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] السجدة (^١)، وقد كان النبي ﷺ في الابتداء يجهر بالقراءة في الصلوات كلها، وكان المشركون يؤذونه، فأنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ أي: لا تجهر بقراءتك وتخفي في هاتين الصورتين؛ لأنهم كانوا مستعدين للإيذاء فيهما، وقد صح رجوع ابن عباس عن هذا القول؛ فإن رجلا سأله أقرأ خلف الإمام؟ فقال ﵇: «أما في صَلاةِ الظُّهرِ والعَصْرِ فَنَعَمْ» (^٢).
وتأويل قوله ﵇ «صَلاةُ النَّهارِ عَجْماءُ» (^٣)؛ أي: ليس فيها قراءة مسموعة. كذا في المبسوط (^٤).
قوله: (وفي عرفة خلاف مالك)؛ فإنه يقول بالجهر بالجمع بعرفات؛ لأنها تؤدى بجمع عظيم، كما في الجمعة (^٥). (والحجة عليه)؛ أي: على مالك. (ما رويناه)؛ وهو قوله ﵇: «صَلاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» وهو عام. فإن قيل: عام خُصَّ منه البعض وهو صلاة الجمعة والعيد، فيجوز (^٦) تخصيصه بالقياس.
قلنا: القياس بالجمعة لا يصح؛ لأن الاجتماع فيها للصلاة، بخلاف الاجتماع في عرفات. كذا قيل، وفيه تأمل.
وقيل: فرضت الجمعة بالمدينة، فكان الجهر فيها على خلاف القياس، فيقتصر على مورده، والجمع بعرفات ليس في معناه من كل وجه، فلا يجوز
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٣٣٣، رقم ٤٥٢).
(٢) ورد موقوفا على ابن عباس عند الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٦، رقم ١٢١٩).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬١٧).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٣/ ٢٥٦)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ٣٦١).
(٦) أشار في هامش الأصل إلى أنه في نسخة (فيجعل).
[ ١ / ٧٣٦ ]
(ويَجْهَرُ فِي الجُمُعَةِ والعِيدَيْنِ) لِوُرُودِ النَّقْلِ المُسْتَفِيضِ بِالجَهْرِ، وَفِي التَّطَوُّعِ بِالنَّهَارِ يُخَافِتُ، وَفِي اللَّيْلِ يَتَخَيَّرُ اعْتِبَارًا بِالفَرْضِ فِي حَقِّ المُنْفَرِدِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُكَمِّلٌ لَهُ الإلحاق، وفيه تأمل أيضًا.
قوله: (ويجهر في الجمعة): وإن كانت صلاة النهار لأنها فرضت بالمدينة وكانت الغلبة للمؤمنين. وكذا في الأعياد. كذا في المبسوط (^١).
(وبالنهار يخافت)؛ أي: حتما حتى يكره الجهر.
(وفي الليل يتخير)؛ لكن الجهر أفضل والأفضلية تستفاد من اعتباره بالفرض في حق المنفرد، وقد أثبت قبل هذا أفضلية الجهر في حق المنفرد في الفرض.
وفي المبسوط (^٢): الجهر بالتطوع أفضل؛ لحديث عائشة أنه ﵇ جهر في التهجد بالليل، وكان يؤنس اليقظان، ولا يوقظ الوسنان (^٣)، ولحديث أبي هريرة أنه ﵇ خفض طورا ورفع طورا (^٤)، ومر النبي ﵇ بأبي بكر ﵁ وهو يتهجد ويخفي القراءة، وبعمر ﵁ وهو يتهجد ويجهر بالقراءة، وببلال ﵁ وهو يتنقل من سورة إلى سورة، فلما أصبحوا سأل كل واحد منهم، فقال أبو بكر: كنت أُسمِعُ مَنْ أناجيه، وقال عمر: كنت أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، وقال بلال: أتنقل من بستان إلى بستان، فقال ﵇ لأبي بكر: «ارفَعْ مِنْ صوتِكَ قليلًا»، ولعمر «اخفِضْ مِنْ صوتك قليلًا»، ولبلال «إذا ابتدأت سورةً فأتمها» (^٥).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬١٧).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬١٧).
(٣) لم أقف عليه في كتب الحديث ويذكره بعض السادة الحنفية في كتبهم مثل المبسوط، ولكن كان هدي النبي ﷺ التوسط في كل شيء وثبت عند مسلم (٣/ ١٦٢٥، رقم ٢٠٥٥) أنه إذا سلم على أهله ليلا يسلم تسليما لا يوقظ نائما، ويسمع اليقظان، وهو حديث طويل.
(٤) أخرجه أبو داود (٢/¬٣٧، رقم ١٣٢٨) والترمذي (١/ ٥٧١، رقم ٤٤٩) وقال: حسن غريب، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٥/ ٧٣، رقم ١١٩٩).
(٥) بنحوه رواه عبد الرزاق (٢/ ٤٩٥، رقم ٤٢٠٩) وهو من مراسيل سعيد بن المسيب مر النبي ﷺ بأبي بكر وهو يصلي وهو يخافت، ومر بعمر وهو يجهر، ومر ببلال وهو يخلط، فأصبحوا جميعا =
[ ١ / ٧٣٧ ]
فَيَكُونُ تَبَعًا له (وَمَنْ فَاتَتْهُ العِشَاءُ فَصَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِنْ أَمَّ فِيهَا جَهَرَ) كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَضَى الفَجْرَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بِجَمَاعَةٍ (وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ خَافَتَ حَتْمًا، وَلَا يَتَخَيَّرُ هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ الجَهْرَ يَخْتَصُّ إِمَّا بِالجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ
وقوله: (ومن فاتته صلاة العشاء) إلى قوله: (ومن قرأ في العشاء) (^١) ليس في بعض النسخ والصواب ذكرها؛ لما أن ذلك من أصل مسائل الجامع الصغير؛ حيث قال فخر الإسلام في جامعه: في هذه المسألة مسألة الكتاب، والمصنف التزم ذكر مسائله (^٢).
وقوله: (هو الصحيح): في هذه النسخة مخالف لما ذكره شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وقاضي خان، والتمرتاشي، والمحبوبي في شروحهم الجامع الصغير؛ فإنه ذكر قاضي خان: ولو صلى وحده خافت؛ لأن الجهرة سنة الجماعة والأداء في الوقت، فلا يجهر بعد خروج الوقت (^٣).
وقال بعضهم: يتخير بينهما، والجهر أفضل كما في الوقت، وهو الصحيح؛ لأن القضاء يكون على وفق الأداء، وفي الأداء المنفرد يتخير، والجهر أفضل، فكذا في القضاء. وهكذا ذكره فخر الإسلام (^٤).
وعند الشافعي: لو فاتته صلاة بالليل وأراد قضاءها بالنهار، أو على العكس؛ يعتبر وقت القضاء، وهو ظاهر مذهبه؛ فإن قضى بالنهار يُسرّ، وبالليل يَجْهَر.
_________________
(١) = عنده فقال: «مررت بك يا أبا بكر فرأيت تخافت» قال: أجل بأبي أنت وأمي قال: «ارفع شيئا» قال: «مررت بك يا عمر وأنت تجهر» قال: بأبي وأمي أُسِمعُ الرحمن، وأوقظ النائم قال: «دون - أو قال: - «اخفض شيئا قال: ومررت بك يا بلال وأنت تخلط» قال: أجل بأبي أنت وأمي، أخلط الطيب بالطيب قال: اقرأ كل سورة على نحوها». وأخرجه مختصرا أبو داود (٢/¬٣٧، رقم ١٣٢٩) والترمذي (١/ ٥٦٩، رقم ٤٤٧) من حديث أبي قتادة عنه قال الترمذي: غريب وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٥/ ٧٤، رقم ١٢٠٠).
(٢) انظر المتن ص ٧٣٩.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٦).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٧).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٧).
[ ١ / ٧٣٨ ]
بِالوَقْتِ فِي حَقِّ المُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا (وَمَنْ قَرَأَ فِي العِشَاءِ فِي الأُولَيَيْنِ السُّورَةَ وَلَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ لَمْ يُعِدْ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَإِنْ قَرَأَ فِي
وقال بعض أصحابه: يعتبر وقت الفوات، فإن كان من صلاة الليل جهر فيها، وإن كان من صلاة النهار أسر فيها. كذا في تتمتهم (^١).
وفي الخبازية: إنما قال: يصليها بعد طلوع الشمس، ولم يقل بعد طلوع الفجر وإن كانت تجوز فائتته في الوقتين؛ لتبين أن المعتبر في حكم الجهر والمخافتة حالة الأداء لا حالة القضاء، فإن حالة قضائها حالة المخافتة، بخلاف ما بعد طلوع الفجر.
قوله: (ومن قرأ في العشاء) إلى آخره: قال عيسى بن أبان: ينبغي أن يكون الجواب في المسألة على العكس؛ لأن قراءة الفاتحة واجبة، وقراءة السورة غير واجبة، والواجب أولى بالقضاء (^٢).
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه يقضيها، أما الفاتحة فلما قال، وأما السورة فلما ذكرا (^٣).
وقال أبو يوسف: لا يقضي واحد منهما، أما السورة؛ فلأنها سنة في وقتها، فكانت بدعة في غير وقتها، وأما الفاتحة؛ فلأن الشفع الثاني محل أدائها، فإن قرأ مرة تكون أداء، وإن قرأ مرتين تكون بدعة؛ لأن تكرارها في قيام واحد غير مشروع.
لكن ذكر في فتاوى العتابي: أن تكرار الفاتحة في التطوع لا يكره؛ لورود الخبر في مثله (^٤).
وجه ظاهر الرواية: أن قراءة الفاتحة واجبة في الشفع الأول، وكذا سورة معها، حتى لو تركها ساهيا يلزمه السهو، وقضاها في الشفع الثاني أو لا، إلا
_________________
(١) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٤٥٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٨).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٨).
(٤) انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢٨)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٢٥٥).
[ ١ / ٧٣٩ ]
الأوليين الفَاتِحَةَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا قَرَأَ فِي الأُخْرَيَيْنِ الفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَجَهَرَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا يَقْضِي وَاحِدَةً مِنهُمَا لِأَنَّ الوَاجِبَ إِذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُقْضَى إِلَّا بِدَلِيلٍ (*). وَلَهُمَا، وَهُوَ الفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ: أَنَّ قِرَاءَةَ الفَاتِحَةِ شُرِعَتْ عَلَى وَجْهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا السُّورَةُ، فَلَوْ قَضَاهَا فِي الأُخْرَيَيْنِ تَتَرَتَّبُ الفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ، وَهَذَا خِلَافُ المَوْضُوعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَرَكَ السُّورَةَ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا عَلَى الوَجْهِ المَشْرُوعِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ، وَفِي الْأَصْلِ … …
أنه محل لأداء الفاتحة فلم يقضها كما قال أبو يوسف، ولكن ليست بمحل لأداء السورة فجاز أن تكون محلا لقضائها.
ولأن الفاتحة في الشفع الأول وجبت على وجه تفتح بها القراءة، ويترتب عليه في السورة، فلو قضاها في الشفع الثاني لا تترتب عليها السورة، فلا يكون القضاء على وفق الأداء، أما لو قضى السورة كانت السورة مرتبة على الفاتحة، فيكون القضاء على وفق الأداء، وهذا معنى قوله: (أمكن قضاؤها على الوجه المشروع).
قوله: (إلا بدليل): والدليل شرعية ما له ليصرف إلى ما عليه؛ لأن القضاء صرف ما له إلى ما عليه، والسورة في الآخرتين غير مشروع، فلم يوجد الدليل فلا يقضي، كما إذا فات تكبيرات التشريق، وهذا البحث مذكور في الأصول.
(ثم ذكر هاهنا)؛ أي: في الجامع الصغير.
(ما يدل على الوجوب)؛ وهو قوله: (قراءة الفاتحة والسورة وجهر)؛ لأن في كل موضع فيه الجهر تكون القراءة واجبة، أو لأنه إخبار ونص في الرواية، فيكون كالوجوب.
(وفي الأصل)؛ أي: في المبسوط.
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة محمد.
[ ١ / ٧٤٠ ]
بِلَفْظَةِ الِاسْتِحْبَابِ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فَغَيْرُ مَوْصُولَةٍ بِالفَاتِحَةِ، فَلَمْ يُمْكِنُ مُرَاعَاةُ مَوْضُوعِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهِ وَيَجْهَرُ بِهِمَا هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الجَهْرِ وَالمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَنِيعٌ، وَتَغْيِيرُ النَّفْلِ - وَهُوَ الفَاتِحَةُ - أَوْلَى،
(بلفظ الاستحباب)؛ فإنه قال فيه: أحب إلي أن يقضي، وما قال يجب؛ لأنه يكون خلاف الموضوع؛ وهو عدم اتصال السورة بالفاتحة. كذا في الكافي (^١).
(ويجهر بهما): اختلفوا في قول محمد: (وجهر) أنه ينصرف إلى السورة وحدها أو إليهما؟
قال البلخي: ينصرف إليها وحدها؛ لأن قراءتها في الآخرتين تقع قضاء، والقضاء يقع بالمثل، وفي أداء السورة كانت تجهر، فكذا في القضاء؛ ليكون القضاء على وفق الأداء (^٢).
قال شيخ الإسلام في مبسوطه، والتمرتاشي في جامعة: وهو الصحيح، بخلاف الفاتحة فإنها تقع أداء في الآخرتين، وفيهما لا يُجهر بالقراءة.
وقال شمس الأئمة في مبسوطه، وقاضي خان في جامعه: والصحيح: أنه ينصرف إليهما؛ كيلا تختلف صيغة القراءة في قيام واحد (^٣).
وقوله: (وَتَغْيِيرُ النَّفْلِ): جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: فلما لم يجز الجمع بين الجهر والمخافتة وقضاء السورة أولا لا يجوز ينبغي أن تخافت السورة تبعًا للفاتحة.
فقال: يعتبر النفل وهو الفاتحة؛ إذ هي سنة في الآخرتين، والسورة واجبة لكونها قضاء، وكانت الفاتحة تبعًا في هذه السورة، فيجهر بها تبعًا للسورة، ولأن الجهر بها في القضاء مشروع، والمخافتة بالسورة بالجماعة غير مشروع أصلا، ولأن الفاتحة أداء، والأداء يقبل التغيير دون القضاء؛ اعتبارًا باقتداء
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٠٠).
(٢) انظر: النافع الكبير شرح الجامع الصغير لأبو الحسنات اللكنوي (ص ٩٧).
(٣) انظر: النافع الكبير شرح الجامع الصغير لأبو الحسنات اللكنوي (ص ٩٧).
[ ١ / ٧٤١ ]
ثُمَّ المُخَافَتَةُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَالجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الهِنْدُوَانِي لَهُ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ لَا يُسَمَّى قِرَاءَةً بِدُونِ الصَّوْتِ.
وَقَالَ الكَرْخِيُّ: أَدْنَى الجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الحُرُوفِ
المسافر بالمقيم في الوقت وخارج الوقت.
وفي مبسوط فخر الإسلام: لم يذكر هاهنا كيفية القضاء في التقديم والتأخير، قال بعضهم: يقدم السورة؛ لأنها ملحقة بالقراءة في الأوليين، فكان تقديم السورة أولى. وقال بعضهم: يؤخر، وهو الأشبه وأبعد من التغيير؛ إذ تقديمها على الفاتحة غير مشروع (^١).
قوله: (ثم المخافتة): اختلفوا في حد وجود القراءة على ثلاثة أقوال (^٢):
فشرط الهندواني والفضلي لوجودها خروج صوت يصل إلى أذنه، وبه قال الشافعي (^٣).
وشرط بشر المريسي وأحمد (^٤) خروج الصوت من الفم وإن لم يصل إلى أذنه، ولكن بشرط أن يكون مسموعًا في الجملة، حتى لو أدنى أحد صماخه إلى فيه سمع.
ولم يشترط الكرخي وأبو بكر البلخي - المعروف بالأعمش - السماع، واكتفى بتصحيح الحروف، وبه قال مالك (^٥).
في الذخيرة: لا بد من تحريك اللسان في تصحيح الحروف، حتى قال الكرخي: لا يجزئه بلا خلاف بلا تحريك اللسان، واختار شيخ الإسلام وقاضي خان وصاحب المحيط والحلواني قول الهندواني (^٦).
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٢٨)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٢٩).
(٢) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٥٣٤).
(٣) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٣٦)، والبيان للعمراني (٢/ ١٨٩).
(٤) انظر: العدة شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي (ص ٧٧)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (١/ ٥٠٨).
(٥) انظر: جامع الأمهات لابن الحاجب (ص ٩٥)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٢١٢).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٠١).
[ ١ / ٧٤٢ ]
لِأَنَّ القِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ دُونَ الصِّمَاخِ.
وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا.
وَعَلَى هَذَا الأَصْلِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
(وفي لفظ الكتاب)؛ أي: الجامع.
(إشارة إلى هذا)؛ أي: إلى قول الكرخي، حيث قال فيه: (وإن كان وحده وكان صلاة يجهر فيها؛ قرأ في نفسه، وإن شاء جهر وأسمع نفسه)، فلما فسر الجهر بكونه مسموعًا لنفسه؛ لا بد أن تكون المخافتة ما لم يكن مسموعًا، إذ لو كان إسماع نفسه داخلا في القراءة لكان مستفادًا من قوله: (قرأ في نفسه)، فعلم أن المراد من قوله: (قرأ في نفسه) تصحيح الحروف، يؤيده قول ابن مسعود: من أسمع أذنيه لم يخافت (^١).
احتج من قال: (لا يجوز ما لم يسمع نفسه) بأن القراءة كلام، وهو عبارة عما يظهر المرء ما في ضميره، ولهذا قيل: اللسان ترجمان القلب، وذلك لا يكون إلا بصوت مسموع وحروف مضمومة؛ لأن الكلام لا يوجد مع إقامة الحروف، كالكتابة فإنها لا تسمى كلامًا، وإن وجد إقامة حروف مفهومة مظهر لما في الضمير.
وأما قوله: (إن القراءة فعل اللسان). قلنا: نعم، لكن مع الصوت وإقامة الحروف.
وأما قوله: (في الكتاب إشارة إلى ما ادعاه):
قلنا: ليس كذلك، بل فيه دليل على ما قلنا؛ لأنه أراد بقوله: (وقرأ في نفسه) أن يسمع نفسه لا غير، وبقوله: (إن شاء جهر وأسمع نفسه) أن يسمع نفسه وغيره، فصار كأنه قال: المنفرد فيما يجهر بالخيار، إن شاء أسمع نفسه لا غير، وإن شاء أسمع غيره وأسمع نفسه؛ لأن الجهر عبارة عن إسماع الغير. كذا في مبسوط شيخ الإسلام والمحيط (^٢). (إلى هذا)؛ أي: إلى أن القراءة فعل
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٢٢، رقم ٣٦٨٠).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٦).
[ ١ / ٧٤٣ ]
(وَأَدْنَى مَا يُجْزِئُ مِنْ القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ آيَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ، أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ) (*) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى قَارِنَا بِدُونِهِ فَأَشْبَهَ قِرَاءَةَ مَا دُونَ الآيَةِ.
اللسان دون الصماخ وهو ثقب الأذن، وغير ذلك كالتعليق، وحكم التسمية على الذبيحة، ووجوب سجدة التلاوة وجواز الصلاة. كذا في جامع قاضي خان (^١).
قال شيخ الإسلام: وكذا الإيلاء والبيع على الخلاف (^٢).
وقيل: الصحيح في البيع أن يسمع المشتري.
وفي النصاب: سئل الفضلي عن الإمام يسمع قراءته رجل أو رجلان في صلاة المخافتة، قال: لا تكون جهرًا، والجهر أن يسمع الكل (^٣).
وعن الهندواني: كلما ازداد الإمام أو المنفرد في الجهر في صلاة الجهر فهو أفضل بعد أن لا يجهر نفسه، ولا يؤذي من خلفه وإن زاد على حاجة المقتدين (^٤).
عن أبي نصر: حرك لسانه بحروف الاستثناء جاز استثناؤه. كذا عن أبي يوسف وأبي مطيع وإبراهيم النخعي (^٥).
قال أبو نصر: وكذا القراءة في الصلاة وإن سمعت فهو أوثق.
قال أبو الليث: وبه نأخذ. كذا في الْمُجْتَبى (^٦).
قوله: (وأدنى ما يجزئ) إلى آخره وفي جامع الكردري (^٧): القراءة أنواع: فريضة، وواجبة، وسنة ومكروهة، فالفريضة عند أبي حنيفة في رواية: قدر ما يطلق عليه اسم القراءة، مقصودة لا يشوبها قصد خطاب أحد ولا جوابه، ولا
_________________
(١) (*) الراجح قول الصالحين.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٢٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٣١).
(٣) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٢٧)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ٨٢).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٠).
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٠).
(٦) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٠).
(٧) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٠).
(٨) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢٩).
[ ١ / ٧٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قصد التلقن من غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية؛ أمرنا بالقراءة مطلقا، وبإطلاقه يتناول هذا القدر.
وفي رواية عنه: آية واحدة، وهو رواية عن أحمد (^١)؛ لأن ما دونها يوجد في كلام الناس، فلا ينطلق عليه اسم القرآن.
وفي رواية عنه: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وهو قول صاحبيه؛ لأن المقصود من القراءة الإعجاز والتدبر، وأيا ما كان لا يحصل بهذا القدر، أما الواجبة فقراءة الفاتحة مع ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، وأما المسنونة فيتنوع إلى قراءة في السفر والحضر، ويجيء بعده في قول المصنف (وفي السفر يقرأ كذا)، وأما المكروه فالقراءة خلف الإمام، والقراءة في الصلاة في غير حالة القيام، وتعيين شيء من القرآن، والقراءة فيها من الصحف عندهما.
ثم على قول أبي حنيفة، لو قرأ آية قصيرة هي كلمات أو كلمتان نحو قوله ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] وما أشبه ذلك؛ يجوز بلا خلاف بين المشايخ، أما لو قرأ آية وهي كلمة واحدة نحو قوله ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أو حرف واحد نحو قوله ﴿ق﴾ و﴿ص﴾ و﴿ن﴾، فإن هذه آيات عند بعض القراء، اختلف المشايخ فيه: قال في شرح الطحاوي، وجامع الإسبيجابي: يجوز ويكره (^٢).
ولو قرأ آية طويلة نحو آية الكرسي وآية المداينة في ركعتين، بعضها في ركعة والبعض في الأخرى، اختلف المشايخ فيه على قوله أيضًا، قال بعضهم: لا يجوز؛ لأنه ما قرأ آية تامة في كل ركعة، وعامتهم أنه يجوز؛ لأن بعض هذه الآية يزيد على ثلاث آيات قصار وتعدلها، فلا تكون قراءته أدنى من قراءة ثلاث آيات قصار. كذا في المحيط (^٣).
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٤٣)، والمحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ٦٨).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٨)، والمجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٥).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٨).
[ ١ / ٧٤٥ ]
وَلَهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ إِلَّا أَنَّ مَا دُونَ الآيَةِ خَارِجٌ، وَالآيَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ (وَفِي السَّفَرِ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَيِّ
وفي فتاوى العتابي: قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة واجبة بالإجماع، وقد روي رجوع أبي حنيفة عن آية مثل الاسم (^١).
وفي البدرية: هذا حد الجواز، أما الكراهية ثابتة ما لم يقرأ الفاتحة مع ثلاث آيات (^٢).
وفي شرح الطحاوي: قراءة الفاتحة وحدها ومعها آية أو آيتين مكروه (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: ما ذكره الطحاوي: قدر ثلاث آيات؛ يدل على أنه لو قرأ معها آية طويلة لا يكون آتيا بالواجب (^٤).
وفي مبسوط بكر: آية طويلة بمنزلة ثلاث آيات في حق إقامة السنة (^٥).
(والآية ليست في معناه)؛ أي: في معنى ما دون الآية؛ لأن الآية قرآن حقيقة وحكمًا، أما حقيقةً فظاهر، وأما حكمًا فلحرمة قراءتها على الجنب والحائض بالإجماع، وما دون الآية ليس له حكم القرآن، ولهذا ذكر الطحاوي: لا تحرم قراءته عليهما. كذا في المحيط (^٦).
إلا أنه بالنظر إلى إطلاق الآية ينبغي أن يجوز؛ لإطلاق اسم القرآن عليه حقيقة جدا، وتحرم قراءته على الجنب في الأصح كما مر. وإليه أشير في جامع الكردري (^٧).
وفي الأسرار: ما قالاه احتياطًا؛ لأن قوله ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] لا يتعارف قرآنا، وإن كانا قرآنا حقيقة؛ فالإتيان بما يكون قرآنا
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٠٣).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٠٣).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٠٣).
(٤) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٣٢).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٠٣).
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٨).
(٧) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٣٣).
[ ١ / ٧٤٦ ]
سُورَةٍ شَاءَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرِهِ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ»، وَلِأَنَّ السَّفَرَ أَثَرَ فِي إِسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ، فَلَأَنْ يُؤَثَّرَ فِي تَخْفِيفِ القِرَاءَةِ
حقيقة وعرفا احتياط (^١).
وفي المستصفى: الأصل أن المجاز المتعارف أولى عندهما من الحقيقة، وعنده الحقيقة المستعملة أولى منه (^٢)، وفيه تأمل.
وفي شرح الإرشاد لأبي حنيفة: ما روي عن ابن عباس أنه سئل عن القراءة في كل ركعة فقال: اقرأ من القرآن ما قل أو كثر (^٣)، وكذا عن أبي هريرة (^٤)، ولأنه قرأ في الصلاة ما يمنع الجنب والحائض عن قراءته، فيجزئه كما لو قرأ آية طويلة، ويلزم عليه ما دون الآية.
ولهما: أن القرآن إنما يتميز عن غيره بالإعجاز، وهذا لا يظهر إلا في سورة، وأقصر السور ثلاث آيات، وأما الآية الطويلة فالإعجاز بها يحصل أيضًا؛ لأنه عليه مراعاة السنة؛ فإنه روي أنه ﵇ قرأ في الحضر بمثله في صلاة الفجر (^٥).
وقيل: في قوله: (لأن السفر أثر في إسقاط شطر الصلاة) نظر؛ لأن السفر ما أثر في إسقاطه على مذهبنا، بل صلاة السفر من الأصل وجبت ركعتين؛ لحديث عائشة أن الصلاة فرضت ركعتين، فأُقِرُّتْ في السفر وزيدت في الحضر. رواه مسلم (^٦).
قيل في جوابه: قال ذلك بالنظر إلى الحضر مع التخفيف؛ يعني: قيام السفر في هذه الحالة أوجب التخفيف؛ لأن الحكم يدور مع العلة لا مع الحكمة؛ ألا ترى أنه يباح الفطر مع ذلك الأمن والقرار لوجود علة التخفيف.
_________________
(١) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٢٩)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٣٣).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٢٩)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٣٣).
(٣) أخرجه البيهقي في كتاب القراءة خلف الإمام (ص ١٩٨، رقم ٤٣٧).
(٤) أخرجه أبو داود (١/ ٢١٦، رقم ٨٢١) والنسائي (٢/ ١٣٥، رقم ٨٢١) وصححه ابن حبان (٥/ ٨٤، رقم ١٧٨٤).
(٥) أخرجه ابن حبان (٥/ ١٢٦، رقم ١٨١٨) من حديث عقبة بن عامر به.
(٦) أخرجه مسلم (٢/¬٤٤، رقم ١٠٩٠).
[ ١ / ٧٤٧ ]
أَوْلَى، وَهَذَا إِذَا كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ يَقْرَأُ فِي الفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ البُرُوجِ وَ«انْشَقَّتْ»، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ (وَيَقْرَأُ فِي الحَضَرِ فِي الفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِينَ آيَةً أَوْ خَمْسِينَ آيَةً سِوَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ)
قوله: (ويقرأ في الفجر في الحضر): هذا اللفظ يدل على أن أربعين آية منقسمة على الركعتين، فحينئذ يصيب كل ركعة عشرون آية، وهو خلاف الآثار، فإن ذكر في المبسوط (^١): عن مورق العجلي قال: تلقفت سورة (ق) و(اقتربت) من في رسول الله ﷺ لكثرة قراءته إياها في صلاة الفجر (^٢)، ولا يمكن حمله على أنه قرأ بعض السورة في ركعة والبعض في ركعة؛ لما ذكرنا أن المستحب قراءة سورة تامة، وقد أمر به النبي ﵇ بلالا لما ذكرنا (^٣)، وفعله ﵇ محمول على ما هو الأولى، وكذا روي عن ابن عباس أنه ﵇ كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١] (^٤) وكذا المعهود في زماننا قراءة سورة في الفجر تحتوي إلى أربعين أو خمسين، أو أزيد أو أنقص، لا أن يكتفي بسورة محتوية بعشرين في الركعة الأولى؛ كسورة البلد والغاشية، ولاشك أن أمرهم محمول على التوارث كابرًا عن كابر.
وفي المحيط (^٥): قال في الكتاب: يقرأ في الفجر في الركعتين بأربعين أو خمسين أو ستين سوى الفاتحة، ثم قال: ولم يرد بقوله (أربعين أو خمسين) في كل ركعة، بل أراد فيهما، في كل ركعة عشرون، فحينئذ يحمل ما رواه العجلي على قوله في الكتاب أو من ستين إلى مائة؛ فإنه ﵇ لما قرأ سورة
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٣).
(٢) لم أقف عليه من حديث مورق العجلي وإنما ذكره السرخسي في المبسوط (١/ ١٦٣)، وبنحوه أخرجه مسلم (٢/ ٥٩٥، رقم ٨٧٣) من حديث أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵄. وأخرج مسلم (١/ ٣٣٧، رقم ٤٥٨) عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) أخرجه مسلم (٢/ ٥٩٩، رقم ٨٧٩).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٠١).
[ ١ / ٧٤٨ ]
وَيُرْوَى: مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ وَمِنْ سِتِّينَ إِلَى مِائَةٍ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ وَرَدَ الأَثَرُ.
وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ: أَنَّهُ يَقْرَأُ بِالرَّاغِبِينَ مِائَةٌ، وَبِالكُسَالَى أَرْبَعِينَ، وَبِالْأَوْسَاطِ مَا بَيْنَ خَمْسِينَ إِلَى سِتِّينَ، وَقِيلَ: يَنْظُرُ إِلَى طُولِ اللَّيَالِي وَقِصَرِهَا، وَإِلَى كَثْرَةِ الأَشْغَالِ
(ق) في الركعة الأولى وهي خمسون أو أربعون آية؛ كان يقرأ في الثانية ما يعادلها أو يقرب منها، فكان مجموعها يقرب إلى مائة. كذا ذكره في مبسوط شيخ الإسلام (^١)، مفسرًا بهذا وقال: أنه ﵇ كان يقرأ سورة (ق) أو (اقتربت) في الركعة الأولى (^٢) وكذلك ذكر فيه أنه ﵇ قرأ في صلاة الفجر فيها ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة وفي الثانية (هل أتى) (^٣) فكان المجموع إحدى وستين؛ فإن السجدة ثلاثون آية ﴿هَلْ أَتَى﴾ إحدى وثلاثون آية، فلما اختلفت مقادير قراءة رسول الله ﷺ؛ اختلفت مقادير محمد أيضًا، وكذلك اختلفت مقادير القراءة في الآثار أيضًا.
وروي أن أبا بكر ﵁ قرأ في الفجر سورة البقرة، فلما فرغ قال له عمر: كادت الشمس تطلع يا خليفة رسول الله فقال: لو طَلَعَتْ لم تجدنا غافلين (^٤)، وعمر ﵁ قرأ فيه سورة يوسف، فلما انتهى إلى قوله ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَنِي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] خنقته العبرة فركع (^٥).
وجه التوفيق: ما ذكره محمد: المراد من الأربعين؛ إذا كانت الآي طوالا كسورة الملك، فإنها مع طولها ثلاثون آية، والمراد من الخمسين أو الستين؛ إذا كانت الآي متوسطة. كذا في المحيط (^٦).
وقيل: يبني على حالة نفسه من الخفة والثقل وحسن الصوت.
وقيل: بقدر رغبات المقتدين. وقيل: بقدر سرعة القراءة وبطولها.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٠٥).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١١٣، رقم ٢٧١١).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١١٤، رقم ٢٧١٦).
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٠٢).
[ ١ / ٧٤٩ ]
وَقِلَّتِهَا. قَالَ: (وَفِي الظُّهْرِ مِثْلَ ذَلِكَ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَعَةِ الوَقْتِ، وَقَالَ فِي الأَصْلِ: أَوْ دُونَهُ، لِأَنَّهُ وَقْتُ الاشْتِغَالِ فَيَنْقُصُ عَنْهُ تَحَرُّزًا عَنِ المَلَالِ (وَالْعَصْرُ وَالعِشَاءُ سَوَاءٌ، يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأَوْسَاطِ المُفَصَّلِ، وَفِي المَغْرِبِ دُونَ ذَلِكَ، يَقْرَأُ فِيهَا
فالحاصل أن الإمام يخفف ولا يُطَوّل على الناس؛ لحديث معاذ بن جبل، وهو مشهور.
قوله: (وفي الظهر) إلى آخره روي أنه ﵇ كان يقرأ في الظهر الم ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] السجدة (^١)، وقد روينا أنه كان يقرأ في الفجر الم ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] (^٢)، فدل أنه كان يقرأ في ركعتي الظهر مثل ما يقرأ في الفجر.
(وفي الأصل)؛ أي: المبسوط. (أو دونه)؛ روى أبو سعيد الخدري أنه ﵇ كان يقرأ في الظهر قدر ثلاثين آية (^٣) وهو نحو سورة الملك. كذا في المبسوطين (^٤).
قوله: (بأوساط المفصل)؛ عن جابر بن سمرة (^٥) أنه ﵇ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج﴾ [البروج: ١]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ٦] (^٦)، وروي أنه ﵇ كان يقرأ في المغرب المعوذتين (^٧)، وقوله ﵇ لمعاذ: «أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ﴿وَالشَّمْسِ
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٣٣٣، رقم ٤٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٧١، رقم ٨٢٨) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٠٤، رقم ٣٠٨): إسناده ضعيف زيد العمى ضعيف، والمسعودي اختلط بآخر عمره، وأبو داود سمع منه بعد الاختلاط.
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٣).
(٥) في الأصل والنسخة الثانية (سمعة) وهو تصحيف.
(٦) أخرجه أبو داود (١/ ٢١٣، رقم ٨٠٥) الترمذي (١/ ٤٠٠، رقم ٣٠٧) والنسائي (٢/ ١٦٦، رقم ٩٧٩) قال الترمذي: حديث حسن.
(٧) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٠١، رقم ٥٩٤٠) من حديث جابر بن سمرة ﵁، وصححه ابن حبان (٥/ ١٤٩، رقم ١٨٤١).
[ ١ / ٧٥٠ ]
بِقِصَارِ المُفَصَّلِ) وَالأَصْلُ فِيهِ كِتَابُ عُمَرَ ﵁ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: «أَنْ اقْرَأ فِي الفَجْرِ وَالظَّهْرِ بِطِوَالِ المُفَصَّلِ، وَفِي العَصْرِ وَالعِشَاءِ بِأَوْسَاطِ المُفَصَّلِ، وَفِي
وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] (^١)». كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط (^٢).
طوال المفصل: من سورة الحجرات إلى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج﴾ [البروج: ١]، والأوساط منها: إلى سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ [البينة: ١]، والقصار منها: إلى الآخر.
وقيل: طوال المفصل: من سورة (الحجرات) إلى (عبس)، والأوساط: من (كورت) إلى (والضحى)، والقصار منها: إلى الآخر. كذا في جامع المحبوبي، وقاضي خان (^٣).
إلا أنه ذكر في جامع قاضي خان: قيل: أول الطوال: سورة محمد، وقيل: (ق).
قوله: (بطوال): وفي بعض النسخ: (ويطول)، كذلك جرى التوارث من لدن رسول الله ﷺ.
اختلف المشايخ في التفاوت بينهما: قيل: ينبغي أن يكون بقدر الثلث والثلثين، الثلثان في الأولى، والثلث في الثانية.
وفي شرح الطحاوي: ينبغي أن يقرأ في الأولى بقدر ثلثين، وفي الثانية بقدر عشر أو عشرين، هذا بيان الأولوية، أما في الحكم لا يتفاوت وإن كانتا متساويتين (^٤).
وأما إطالة الركعة الثانية على الأولى؛ فمكروه بالإجماع. كذا في المحيط (^٥).
وعن مالك: لا يكره (^٦).
_________________
(١) وبنحوه أخرجه البخاري (١/ ١٤٢، رقم ٧٠٥) ومسلم (١/ ٣٤٠، رقم ٤٦٥) من حديث جابر ﵁.
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٠٣).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٣٥)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٣٥).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٠٦).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٠٦).
(٦) انظر: شرح التلقين للمازري (١/ ٥٧٧)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ١٨٤).
[ ١ / ٧٥١ ]
المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ» وَلِأَنَّ مَبْنَى المَغْرِبِ عَلَى العَجَلَةِ وَالتَّخْفِيفُ أَلْيَقُ بِهَا.
وَالعَصْرُ وَالعِشَاءُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا التَّأخِيرُ، وَقَدْ يَقَعَانِ بِالتَّطْوِيلِ فِي وَقْتِ غَيْرِ مُسْتَحَبُّ فَيُوَقِّتُ فِيهِمَا بِالأَوْسَاطِ وَيُطِيلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مِنْ الفَجْرِ عَلَى الثَّانِيَةِ إِعَانَةٌ لِلنَّاسِ عَلَى إِدْرَاكِ الجَمَاعَةِ.
قَالَ: (وَرَكْعَنَا الظُّهْرِ سَوَاءٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُطِيلَ الرَّكْعَةَ الأُولَى عَلَى غَيْرِهَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا) (*) لِمَا
وقال شيخ الإسلام: ينبغي أن لا يفصل بين الركعتين بسورة أو سورتين، بل يفصل بِسُورٍ، وركعتا الظهر سواء. (^١)
قال الكرخي: السنة في الفجر ثلاثين إلى ستين، وفي الثانية ما بين عشرين إلى ثلاثين، وفي ركعتي الظهر مثل الأولى من الفجر (^٢).
وفي الجامع الأصغر (^٣): خمسين أو ستين، وفي الظهر نحو ذلك أو دونه.
وقال الشافعي ﵁: المستحب أن يسوي في قدر القراءة بين الركعتين في الصلوات كلها؛ لما روى أبو سعيد الخدري [أنه ﵇] (^٤) كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر في كل ركعة ثلاثين آية (^٥).
وقال بعض أصحابه: يستحب أن يطوّل القراءة في الركعة الأولى من كل صلاة، ويستحب ذلك في الفجر أكثر، وهو مذهب محمد، وأحمد (^٦)، والثوري؛ لما روى أبي قتادة أنه ﵇ كان يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية (^٧)، ولأن فيه فائدة أن يتلاحق الناس فيدركوا أول الصلاة مع الإمام.
_________________
(١) (*) الراجح قول محمد.
(٢) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١١١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٠٩).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٦١)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٥٤٢).
(٤) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ١٣١)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٦١).
(٥) تكرر في الأصل.
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
(٧) انظر: الهداية للكلوذاني (ص) (٩٧)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٩).
(٨) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٧٥٢ ]
رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى عَلَى غَيْرِهَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا» وَلَهُمَا: أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ اسْتَوَيَا فِي اسْتِحْقَاقِ القِرَاءَةِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي المِقْدَارِ، بِخِلَافِ الفَجْرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ، وَالحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الإِطَالَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّنَاءُ وَالتَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ
كذا في تتمتهم (^١).
قوله: (فيستويان في المقدار)؛ يعني: إذا كانت آيات السور غير متفاوتة في الطول والقصر، فالتقدير بعدد الآيات، ولو كانت متفاوتة، بعضها قصيرة وبعضها طويلة؛ فالتقدير فيه بعدد الحروف.
وقوله: (بخلاف الفجر)؛ جواب قياس محمد، حيث قاس سائر الصلوات بالفجر، فإن إطالة الأولى على الثانية مسنونة بالإجماع.
وفي جامع المحبوبي: الجمعة والعيد وغيرهما في هذا الحكم سواء (^٢).
وفي نظم الزندويستي: يسوي في القراءة في الركعتين فيهما بالاتفاق (^٣).
وفي المحبوبي: ويطيل الأولى من الفجر على الثانية بقدر ثلثها.
وقيل: بقدر نصفها بالإجماع، وكذا في سائر الصلوات عند محمد، وعليه الفتوى (^٤).
قوله: (ولا معتبر بالزيادة …) إلى آخره؛ فإنه ﵇ قرأ المعوذتين في المغرب في الركعتين (^٥)، والثانية أطول من الأولى، وإطالة الركعة الثانية على الأولى بثلاث ركعات فصاعدا في الفرائض مكروه بالإجماع، وفي السنن والنوافل لا يكره؛ لأن أمرها أسهل. كذا في جامع المحبوبي (^٦).
وفي جامع التمرتاشي: هذا كله إذا كان إماما، أما إذا كان منفردا قرأ ما
_________________
(١) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٤٤٧).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣١٠).
(٣) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٥٤٢).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٠٦)، والاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٥٧).
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٣٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣١٠).
[ ١ / ٧٥٣ ]
حَرَجٍ (وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا بِحَيْثُ لَا تَجُوزُ بِغَيْرِهَا)
شاء؛ لأن على الإمام أن يراعي حق القوم، وذكر بكر: أن الأفضل للمنفرد ولو كان إمامًا لا يطول؛ تيسيرًا على الناس (^١).
وفي المجرد: قال أبو حنيفة: المنفرد كالإمام في جميع ما وصفنا من القراءة، إلا أنه ليس عليه الجهر (^٢).
وقيل: يستحب للمنفرد رجلا كان أو امرأة تطويل القراءة؛ لقول محمد: طول القنوت أحبُّ إليَّ من كثرة الركوع والسجود؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
قيل: القنوت طول القيام، وسئل النبي ﵇ أي الأعمال أفضل؟ قال: «طول القنوت». رواه مسلم (^٣)، وفي رواية أبي داود (^٤): قال: «طول القيام»، وعن النبي ﵇ أنه قال: «إذا كان أحدُكُم إمامًا فَلْيُخَفِّفْ؛ فإنه يقومُ وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة، وإذا صلّى لِنفسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شاء» (^٥). كذا في الْمُجْتَبى (^٦).
وفي القنية: القراءة المسنونة يستوي فيها الإمام والمنفرد، والناس عنها غافلون (^٧).
قوله: (قراءة سورة بعينها): وفي الإيضاح: يريد به سوى الفاتحة (^٨).
وفي الكافي (^٩): فيه نفي قول الشافعي؛ فإن عنده الفاتحة فرض على التعيين؛ لإطلاق ما تلونا، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠]، ولنهي النبي
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣١٠).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣١٠).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٥٢٠، رقم ٧٥٦) من حديث جابر ﵁.
(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٩، رقم ١٤٤٩) من حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي ﵁.
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٤٢، رقم ٧٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٩).
(٧) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٩)، وحاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٣٠).
(٨) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٥٨)، والتنبيه على مشكلات الهداية (٢/ ٥٨٣).
(٩) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٣٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣١١).
[ ١ / ٧٥٤ ]
لإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا (وَيُكْرَهُ أَنْ يُوَقِّتَ بِشَيْءٍ مِنْ القُرْآنِ لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ) لِمَا فِيهِ مِنْ
﵇ عن تجريد القرآن.
وفي الغريبين: التجريد إفراد طائفة منه لا يقرئ بغيرها (^١).
وفي الْمُجْتَبى: كرر سورة في الركعتين؛ يكره إلا في النوافل، وفي الفرائض في موضع واحد؛ وهو ما إذا قرأ في الأولى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] يكررها في الثانية، هكذا فعل أبو حنيفة في المغرب (^٢).
وقال الطحاوي: يبتدئ بالبقرة ولا يكرر، وكذا يكره تكرار سورة في ركعة في الفرائض لا في النوافل (^٣).
وعن جماعة من السلف: أنهم يحيون ليلتهم بآية العذاب أو الرحمة.
فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة بعدها؛ وهي قوله: (ويكره أن يوقت - أي: يعين - بعض القرآن لبعض الصلوات).
قلنا: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن هذه المسألة من مسائل القدوري، والتي بعدها من مسائل الجامع الصغير، والمصنف التزم ذكر مسائلها (^٤)، وفيه تأمل.
والثاني: أن هذه المسألة في تعين السورة مع إطلاق الصلوات كما قال الشافعي في الفاتحة، والثانية في تعيين السورة والصلاة كما قال الشافعي: يستحب أن يقرأ سورة السجدة و﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان: ١] لصلاة الفجر في كل جمعة (^٥)؛ لحديث ابن مسعود (^٦).
قال قاضي خان: أراد بذلك: أن لا يقرأ غيرها؛ لما فيه من وهم التفضيل وهجران غيره، وأنه خطأ فاحش، فأما من غير أن يعتقد فضيلة؛ فلا بأس بفعله
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٥).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٥).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٥).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٣٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣١٢).
(٥) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٤١)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٢٨٧).
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٧٥٥ ]
هَجْرِ البَاقِي وَإِيهَامِ التَّفْضِيلِ وَلَا يَقْرَأُ المُؤْتَمُّ خَلْفَ الإِمَامِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي
تبركا بفعله ﵇، لكن لا يواظب عليه، ويترك في بعض الأوقات؛ كيلا يظن ظان أن لا يجوز بدونها، ولهذا ذكر الحلواني: يكره تخصيص المكان في المسجد للصلاة فيه؛ لأنه إن فعل ذلك تصير الصلاة طبعًا، والعبادة متى صارت طبعًا فسبيلها الترك، ولهذا كره صوم الأبد. كذا في جامع التمرتاشي (^١).
وقال الإسبيجابي، والطحاوي: هذا إذا رأى ذلك حتما لا يجوز غيره، أو يرى غيره مكروهًا، أما إذا قرأ تبركا بقراءة النبي ﵇، أو بما تيسر عليه فلا يكره، لكن بشرط أن يتركه أحيانًا؛ كيلا يظن أنه لا يجوز غيرها؛ ألا ترى أنه لم ينقل من السلف، فكان محدثًا، وشر الأمور محدثاتها. كذا في الخبازية (^٢).
(هجر الباقي): وليس شيء من القرآن مهجورًا. قاله ابن عباس؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
قوله: (ولا يقرأ المؤتم)؛ أي: المقتدي.
(خلف الإمام)؛ سواء جهر الإمام أو أسَرَّ، وبه قال الثوري.
وقال الشافعي: يجب عليه قراءة الفاتحة في صلاة السر وفي الركعات التي لا يجهر بها (^٣)، وبه قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥).
فأما فيما يجهر فيه الإمام، هل تجب عليه قراءة الفاتحة؟
قال الربيع: يجب، وهو المذهب الصحيح؛ لما روي عن عبادة بن الصامت أنه قال: كنا خلف النبي ﵇ في صلاة الفجر، فقرأ النبي ﵇ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: «تقرؤون خلف إمامكم؟»، قلنا:
_________________
(١) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٣١).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٣١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣١٣).
(٣) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ١٠٩)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٣٠٨).
(٤) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٤٤)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٢١٢).
(٥) انظر: الفروع لابن مفلح (٢) (١٩٠)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٥٩).
[ ١ / ٧٥٦ ]
الفَاتِحَةِ. لَهُ: أَنَّ القِرَاءَةَ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْكَانِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ.
نعم، قال ﵇: «لا تَفعَلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنهُ لَا صلاةَ لِمَنْ لا يقرأها» (^١)، وهذا القول يعرف بالجديد (^٢).
وفي التهذيب: ويستحب للإمام على هذا القول أن يسكت بعدها قدر ما يقرأ المقتدي الفاتحة (^٣).
وقال المزني: لا يجب (^٤)، وبه قال مالك (^٥)، وأحمد (^٦)، وداود.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وما روى أبو هريرة أنه ﵇ انصرف من صلاة جهر فيها، فقال: «هَلْ قَرأَ أحدٌ مِنْكُمْ معي»؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال: «مالي أنازع في القُرآن» (^٧)، فانتهى الناس عن القراءة مع النبي ﵇ فيما جهر فيه بالقراءة. كذا في تتمتهم (^٨).
(له)؛ أي: للشافعي.
(فيشتركان)؛ أي: الإمام والمقتدي (فيه)؛ يعني أنها ركن، فلا يسقط بسبب الاقتداء عند الاختيار كالركوع والسجود، بخلاف ما لو أدرك الإمام في الركوع؛ لأن تلك الحالة حالة الضرورة؛ فإنه يخاف فوت الركعة، وبسبب الضرورة تسقط؛ ألا ترى أن القيام ركن بعد التكبير، وقد سقط هاهنا للضرورة. كذا في المبسوط (^٩).
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]؛ فأكثر أهل التفسير
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢١٧، رقم ٨٢٣) والترمذي (١/ ٤٠٦، رقم ٣١١) وقال: حديث حسن.
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/ ١٩٤)، والمجموع للنووي (٣/ ٣٦٣).
(٣) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٣١١)، والمجموع للنووي (٣/ ٣٦٧).
(٤) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٠٨).
(٥) انظر: الرسالة للقيرواني (ص ٣٥)، وشرح التلقين للمازري (١/ ٥٩٤).
(٦) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٩٥)، والمغني لابن قدامة (١/ ٤٠٥).
(٧) أخرجه أبو داود (١/ ٢١٨، رقم ٨٢٦) والترمذي (١/ ٤٠٨، رقم ٣١٢) وقال: حديث حسن.
(٨) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٤٥٩).
(٩) المبسوط للسرخسي (١/ ١٩٩).
[ ١ / ٧٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على أن هذا خطاب للمقتدين، ومنهم من حمل الآية على حالة الخطبة، ولا تنافي بينهما؛ فإنما أمروا بهما فيها لما فيها من قراءة القرآن.
وقوله ﵇: «إنما جُعِلَ الإمامُ إمامًا لِتَأتَمُّوا به، فإذا كبر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فارْكَعوا، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، قولوا: رَبَّنا لك الحمد». رواه الخمسة غير الترمذي (^١). وقال مسلم: هو صحيح عندي.
فبين ﵇ كيفية الائتمام، فأمر في البعض بالمشاركة، وفي البعض بالسكوت، عن عبد الله بن شداد أنه ﵇ قال: «مَنْ كانَ لَهُ إمام فقراءةُ الإمام له قراءة» (^٢). رواه الخطابي، ومنع المقتدي عن القراءة مروي عن ثمانين نفرا من كبار الصحابة، منهم: المرتضى، والعبادلة الثلاثة، وقد جمع أهل الحديث أساميهم، وقال سعد بن أبي وقاص: "من قرأ خلف الإمام فسدت صلاته". كذا في شرح التأويلات (^٣).
ولأن المطلوب من القراءة التدبر والتفكر وحياة القلب، وذا يحصل بالاستماع لا بالمغالبة، وهو كالخطبة لما شرعت وعظًا وجب الاستماع، ولا يقال الإمام يسكت ليقرأ المقتدي؛ لأنا نقول: الخلاف ثابت في إمام لم يسكت، ولأنه لو سكت وقع في الحرام؛ إذ السكوت بلا قراءة حرام، حتى لو سكت طويلا يلزمه السهو، بخلاف سائر الأركان؛ فإنها شرعت للخشوع، ولا يحصل ذلك إلا بفعله، ولأنه لو كانت ركنا في حق المقتدي لما سقطت بالعذر، كما لا يسقط الركوع والسجود به، ولا نقول: بأن القيام يسقط، بل لا بد أن يكبر قائمًا، وفرض القيام يتأدى بأدنى ما يتناول الاسم، وما روي من حديث عبادة؛ محمول على أنه كان في الابتداء، فعن أبي بن كعب: لما نزلت هذه الآية تركوا القراءة خلف الإمام؛ ألا ترى أنه ﵇ لما سمع رجلا يقرأ خلفه قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٦٠، رقم ٨٠٥) ومسلم (١/ ٣٠٩، رقم ٤١٤) وابن ماجه (١/ ٣٩٢، رقم ١٢٣٨) والترمذي (١/ ٤٦٧، رقم ٣٦١).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٩٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣١٧).
[ ١ / ٧٥٨ ]
وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» … ..
«ما لي أنازع في القرآن» (^١).
وقيل: محمول على غير المأموم، وقد جاء مصرحًا به فيما روى الجلابي بإسناد عنه ﵇ «كلُّ صلاةٍ لا يُقرأُ فيها بأم القرآن فهي خداج إلا أن يكون وراء الإمام» (^٢)، وروى أيضًا موقوفًا على جابر (^٣)، وفيه تأمل.
وعن الشعبي ﵁، عن النبي ﵇ أنه قال: «لا قراءة خلف الإمام، من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له» (^٤). وعن علي ﵁: من قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة (^٥)، أي: السنة، والآثار والأخبار فيه كثير.
فإن قيل: معنى التدبر والتفكر إنما يصح في صلاة يجهر فيها، والخلاف في الكل.
قلنا: أصل القراءة جهر غير عال، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] الآية، والاستماع واجب على الأصل، ثم أمر بالمخافتة في صلاة النهار قطعًا لمخالفة المنافقين، فبقي الحكم على الأصل، ولأن الإنصات يجب وإن لم يمكن الاستماع؛ لأن المأمور شيئان، فيجب ما أمكن. كذا في الأسرار (^٦).
وفي شرح الإرشاد: ما روى الخصم محمول على ابتداء الإسلام، بدليل ما روي عن علي ﵁ أنه قال: آخر ما أمر به رسول الله ﷺ النهي عن القراءة خلف الإمام في الصلاة، ورأسه في حجري، فلا ينبغي أن يقرأ المؤتم احتياطًا؛ لما روينا من السلف، وتمام الاحتياط فيما ينجو به الإنسان رأسًا برأس.
_________________
(١) بنحوه أخرجه أبو داود (١/ ٢١٨، رقم ٨٢٦) والترمذي (١/ ٤٠٨، رقم ٣١٢) من حديث أبي هريرة ﵁ وقال: حديث حسن.
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ١١٤، رقم ١٢٤١) وقال: فيه يحيى بن سلام ضعيف.
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ١١٤، رقم ١٢٤١).
(٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٢٠، رقم ١٢٤٧) عن الشعبي مرسلا مختصرا.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٣٦، رقم ٢٨٠١).
(٦) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٩٩).
[ ١ / ٧٥٩ ]
وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ رُكْنٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، لَكِنَّ حَظَّ الْمُقْتَدِي الْإِنْصَاتُ
قوله: (وعليه إجماع الصحابة):
فإن قيل: قد نقل بعض الصحابة وجوب القراءة خلف الإمام كما ذكرنا، فكيف ينعقد الإجماع مع خلافهم؟
قلنا: سماه إجماعًا باعتبار اتفاق الأكثر؛ فإنه يسمى إجماعًا عندنا، وقد روي منع القراءة عن ثمانين نفرا كما قلنا، وقلما يتجاوز عدد من أفتى في ذلك الزمان عن الثمانين، فكان اتفاقهم بمنزلة الإجماع.
أو نقول: إجماع ثبت بنقل الآحاد، ولهذا لم يعد مخالفه ضالًا، فلا يمنعه نقل البعض بخلافه كنقل حديث بالآحاد لا يمنع نقل حديث آخر معارض له، ثم لما ثبت نقل الأمرين ترجح ما قلنا؛ لأنه موافق لقول العامة، وظاهر الكتاب، والأحاديث المشهورة.
فإن قيل: قوله ﵇: «قراءة الإمام قراءةٌ لَهُ» (^١) معارض لقوله: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠]، فلا يجوز تركه بخبر الواحد.
قلنا: نحن نجعله قارئًا بقراءة الإمام، فلا يلزمه الترك، مع أنه خص منه المقتدي الذي أدرك الإمام في الركوع؛ فإنه لا تجب عليه القراءة بالإجماع، فيجوز الزيادة عليه حينئذ بخبر الواحد فيما يروى عن محمد.
وفي الذخيرة (^٢): لو قرأ المقتدي خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها، اختلف المشايخ فيه، فقال أبو حفص الكبير وبعض مشايخنا: لا يكره على قوله، ويكره على قولهما، والأصح: أنه يكره لما فيه من الوعيد؛ لما ذكرنا من حديث علي ﵁ وعن ابن مسعود: من قرأ خلف الإمام مُلِئَ فوه ترابًا (^٣)، وعن ابن عباس ﵁: لو وليت أمر الناس لقطعت لسان من يقرأ خلف الإمام، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁: من قرأ خلف الإمام لا صلاة له (^٤). كذا في شرح
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣١٩).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٣٨، رقم ٢٨٠٦)
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٣٧، رقم ٢٨٠٢) من قول زيد بن ثابت ﵁.
[ ١ / ٧٦٠ ]
وَالاسْتِمَاعُ، قَالَ ﵊: «وَإِذَا قَرَأَ الإِمَامُ فَأَنْصِتُوا» وَيُسْتَحْسَنُ عَلَى سَبِيلِ الاحْتِيَاطِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀، وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمَا (*) لِمَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ (وَيَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ وَإِنْ قَرَأَ الإِمَامُ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ) لِأَنَّ الإِسْتِمَاعَ وَالْإِنْصَاتَ
التأويلات (^١)، وقال ﵇: «من قرأ خلف الإمام ففي فِيهِ جمرة» (^٢).
وقيل: يستحب أن تكسر أسنانه.
قال السَّرَخْسِي: تفسد صلاته في قول عدة من الصحابة (^٣).
وفي التفريد: قال عامة مشايخ بلخ: يستحب القراءة للمقتدي في جميع الصلوات، وفرق بعضهم بين ما يجهر فيه وبين ما يخافت.
قوله: (ويستمع وينصت) هاهنا ثلاث مسائل:
مسألة المنفرد والجواب فيها: أنه إن كان في التطوع فهو حسن؛ لحديث حذيفة قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الليل، فما مر بآية فيها ذكر الجنة إلا وقف وسأل الله تعالى الجنة، وما مر بآية فيها ذكر النار إلا وقف وتعوذ بالله من النار (^٤)، وإن كان في الفرض لكره له ذلك؛ لأنه لم ينقل عنه ﵇ ذلك، ولا عن أئمة بعده، وكان محدثًا، وشر الأمور محدثاتها.
ومسألة الإمام، والجواب فيها: أنه لا يفعل ذلك في التطوع ولا في الفرض؛ لأنه لم ينقل عنه ﵇ ولا عن أئمة العلم ذلك، ولأنه يؤدي إلى تطويل الصلاة على القوم، وأنه مكروه.
ومسألة المقتدي، والجواب فيها: أنه يستمع وينصت ولا يشتغل بالدعاء؛ لأن الاستماع والإنصات واجبان عليه بالنص، والدعاء يخلهما. كذا في
_________________
(١) (*) الراجح قول الشيخين.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٤١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٢٠).
(٣) بنحوه أخرجه ابن حبان في المجروحين (٣/¬٤٦، رقم ١١٠١) وابن القيسراني في تذكرة الحفاظ (ص: ٣٤٥، رقم ٨٧٧) من حديث أنس وفي سنده مأمون بن أحمد دجال. وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٣٠، رقم ٣٧٨٢) من قول سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٢٠)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٤١).
(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٦، رقم ٨٧١) والترمذي (١/ ٣٤٩، رقم ٢٦٢) والنسائي (٢/ ١٧٦، رقم ١٠٠٨) قال الترمذي: حسن صحيح.
[ ١ / ٧٦١ ]
فَرْضُ بِالنَّيِّ، وَالْقِرَاءَةُ وَسُؤَالُ الجَنَّةِ وَالتَّعَوُّذُ مِنْ النَّارِ كُلُّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِهِ، (وَكَذَلِكَ فِي الخُطْبَةِ، وَكَذَلِكَ إِنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﵊ لِفَرْضِيَّةِ الاسْتِمَاعِ إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ الخَطِيبُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]
المحيط (^١).
وقال الشافعي: إذا قرأ الإمام آية الرحمة يستحب له أن يسأل الله تعالى، أو آية عذاب يستحب له أن يستعيذ، أو آية تنزيه يستحب له أن يُسَبِّحَ؛ لحديث حذيفة، ويستحب للمقتدي أن يتابعه على ذلك. نقله المزني في المختصر (^٢)؛ لأن كل ذكر يسن للإمام يسن للمقتدي كسائر الأذكار.
وكذا لو قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] يقول: بلى وأنا [على] ذلك من الشاهدين، وكذا لو قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَكِمِينَ﴾ [التين: ٨] يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وكذا لو قرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ﴾ [الملك: ٣٠] إلى آخره يستحب أن يقول: الله تعالى، ولو قرأ قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثِ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] يقول: آمنت بالله، أو يقول: لا إله إلا الله، وبجميع ذلك ورد الخبر عن النبي ﷺ (^٣)، والكل سنة في حق المقتدي أيضًا. كذا في تتمتهم (^٤).
وقلنا: هذا محمول على النفل أو خارج الصلاة.
قوله: (وكذلك في الخطبة)؛ روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قالَ لِصاحِبِهِ أنصِتْ فقدْ لَغَا، ومَن لَغَا فَلَا صلاةَ لَهُ» (^٥).
وكذلك الإمام ينبغي أن لا يتكلم في حالة الخطبة؛ لأنه ذكر منظوم، والتكلم في خلاله يُذهِبُ بهاءَهُ، وكذا التشميت ورد السلام لا يأتي بها حالة
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٧٨).
(٢) مختصر المزني (٨/ ١٠٩).
(٣) يشير الشارح إلى ما أخرجه أبو داود (١/ ١٣٤، رقم ٨٨٧) والترمذي (٥/ ٣٠٠، رقم ٣٣٤٧) قال الترمذي: هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي، عن أبي هريرة ولا يسمى. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود (١/ ٣٤٣، رقم ١٥٦).
(٤) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٤٧١).
(٥) أخرجه مسلم (٢/ ٥٨٣، رقم ٨٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٧٦٢ ]
الآيَةَ، فَيُصَلِّي السَّامِعُ فِي نَفْسِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي النَّائِي عَنْ المِنبَرِ، وَالأَحْوَطُ هُوَ السُّكُوتُ إِقَامَةٌ لِفَرْضِ الإِنْصَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الخطبة، والمسلم ممنوع عن السلام، فلا يكون الجواب فرضًا.
وكذا لو قرأ القرآن فسلم عليه لا يرد الجواب؛ لما مر عن الفضلي: إذا كان لرجل ورد من القرآن والدعوات، فسلم عليه رجل في حال وِرْدِهِ؛ له أن لا يرد الجواب، وكذا لو سلم على المدرس حال تدريسه؛ له أن لا يرد الجواب، وكذا لو سلم المكدي على إنسان؛ لا يرد الجواب؛ لأن مقصوده المال دون إفشاء السلام. كذا ذكره المحبوبي (^١).
وفي مبسوط شيخ الإسلام (^٢): عن ابن عمر أنه سمع رجلًا يقول لصاحبه والإمام يخطب: متى تخرج القافلة؟ فقال له صاحبه: أنصت، فلما فرغ قال للذي قال: أنصت، أما أنت فلا صلاة لك، وأما صاحبك فحمار (^٣).
فقد حرم الكلام بما هو أمر بالمعروف، وإن كان الأمر بالمعروف فرضًا؛ كيلا يفوتهم فرض، فلأن يحرم ما هو من كلام الناس أولى.
وكذلك إن صلى على النبي ﵇ قال أبو يوسف لأبي حنيفة على وجه السؤال: ويذكرون الله إذا ذكر الإمام، ويصلون على النبي ﵇؟
قال: أحب أن يستمعوا وينصتوا، ولم يقل: لا يذكرون الله ولا يصلون، فقد أحسن في الجواب، واحتشم من أن يقول: لا يذكرون الله ولا يصلون، وإنما كان الاستماع والإنصات أحب؛ لأن ذكر الله تعالى والصلاة على النبي ﵇ ليستا فرضين وهما فرضان، فلا يجوز ترك الفرض لإقامة السنة.
ثم هذا لا يشكل إذا كان قريبا من المنبر بحيث يسمع الخطبة، أما إذا كان بعيدًا لا يسمع الخطبة، فذِكْرُ الله تعالى وقراءة القرآن أولى أم الإنصات؟
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٢٣).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٨)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٩٢).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٥٨، رقم ٥٣٠٣).
[ ١ / ٧٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهذا فصل لا رواية فيه عن أصحابنا.
وفي المبسوط: واختلف المشايخ المتأخرون: فقال محمد بن سلمة: الإنصات أولى، وقال نصير بن يحيى: يحرك شفتيه ويقرأ القرآن (^١).
وقال الطحاوي: يستحب الاستماع والإنصات في الخطبة الأولى، وكذا في الثانية إلى أن يبلغ إلى قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية؛ فإن عليهم أن يصلوا ويسلموا على النبي في أنفسهم؛ وذلك لأن الخطيب حكى عن الله تعالى أنه يُصلِّي، وعن الملائكة أنهم يُصلُّون، وحكى أمر الله تعالى بذلك، وهو قد اشتغل أيضًا بالصلاة تحقيقًا لما طلب منهم، وقد روي عن أبي يوسف هذا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
وقال الشافعي: الإنصات مستحب بلا خلاف، والاستماع سنة، وفي وجوبه عنه قولان: أحدهما: أنه واجب، وهو القديم، والثاني: أنه مستحب؛ لما روي أنه ﵇ على المنبر، فدخل رجل، فقال له ﵇: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (^٣)؛ فأمره بالصلاة، ولو كان استماع الخطبة واجبًا لما أمره بالاشتغال بها، فعلى هذا القول يجوز أن يشتغل بالصلاة والقراءة والتسبيح، ورد السلام وتشميت العاطس والكلام. كذا في تتمتهم (^٤).
وفي شرح الوجيز (^٥): الإنصات: هو السكوت، والاستماع: شغل السمع بالسماع، والإنصات فرض والكلام حرام في القديم، وبه قال أبو حنيفة، ومالك (^٦)، وهو أظهر الروايتين عن أحمد (^٧)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٤٤).
(٣) أخرجه البخاري (٢/¬١٢، رقم ٩٣٠) ومسلم (٢/ ٥٩٧، رقم ٨٧٥) من حديث جابر ﵁.
(٤) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٣٤٣).
(٥) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٨٦).
(٦) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ١٧٩)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ٢٠٦).
(٧) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٠٦)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/¬١٢).
[ ١ / ٧٦٤ ]