في عينيه رمد يسيل دمعًا يؤمر بالوضوء لاحتمال كونه صديدًا، أو قيحا، وعن هشام في جامعه: إن كان قيحا فكالمستحاضة (^١).
وفي الْمُجْتَبى: لم يذكر المصنف مسائل الانتقال، والعادة تنتقل عند أبي يوسف بأحد أمور ثلاثة: بعدم رؤية مكانها مرة، وبه قال الشافعي ﵀ (^٢)، وبطهر صحيح صالح لنصب العادة مخالف للأول مرة، وعندهما بتكرر الأمرين مرتين على الولاء (^٣)، وبه قال بعض الشافعية، وأحمد في رواية (^٤)، وفي أشهر الروايتين عن أحمد: لا تثبت إلا بالتكرار ثلاثًا (^٥). وقال مالك: تثبت بمرة، لكن إذا اختلفت بالزيادة والنقصان ثم استحيضت جلست أكثر ما كانت تجلسه لم تستطهر بالثلاث (^٦).
(من ذكرناه)، وهو من به سلس البول، أو الرعاف الدائم، أو الجرح الذي لا يرقًا.
(فَصْلٌ فِي النَّفَاسِ)
قد ذكرنا وجه مناسبة هذا الفصل بما تقدم.
وفي المغرب: النفاس مصدر نفست المرأة بضم النون وفتحها، فإذا ولدت فهي نفساء وهن نفاس، وقول أبي بكر: إن أسماء نفست، أي حاضت، والضم فيها خطأ، وكل هذا من النفس بالسكون وهي الدم (^٧).
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٠).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٤٢٩)، والمجموع للنووي (٢/ ٤٢٢).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨١).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٤٠)، والفروع لابن مفلح (١/ ٣٧٣).
(٥) انظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ٣٦٠)، والإقناع للحجاوي (١/ ٦٦).
(٦) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٣٨٦)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ١٢٠).
(٧) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٧٣).
[ ١ / ٤٠٩ ]
(النَّفَاسُ: هُوَ الدَّمُ الخَارِجُ عَقِيبَ الوِلَادَةِ) لِأَنَّهُ مَأْخُوذُ مِنْ تَنَفُسِ الرَّحِمِ بِالدَّمِ، أَوْ مِنْ خُرُوجِ النَّفْسِ بِمَعْنَى الوَلَدِ، أَوْ بِمَعْنَى الدَّمِ (وَالدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الحَامِلُ ابْتِدَاءً، أَوْ حَالَ وِلَادَتِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الوَلَدِ اسْتِحَاضَةٌ) وَإِنْ كَانَ مُمْتَدًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: حَيْضُ اعْتِبَارًا بِالنَّفَاسِ، إِذْ هُمَا جَمِيعًا مِنْ الرَّحِمِ.
وأما اشتقاقه من تنفس الرحم، أو خروج النفس بمعنى الولد فليس بذاك. وفي الْمُجْتَبى: هو مشتق من تنفس الرحم، أو النفس، أو الولادة على ما قال شاعرهم:
إذا نفس المولود من آل خالد … بدا كرم للناظرين قريب
وقد وجد ذلك كله (^١).
قوله: (ابتداء)، أي حالة الحبل وإن كان ممتدًا وإن كان بلغ نصاب الحيض، وقال الشافعي: حيض.
وفي شرح الوجيز: ما تراه الحامل على ترتيب الحيض في القديم هو دم فاسد، أي استحاضة، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد لقوله ﵇: «لا توطأ حامل حتى تضعَ، ولا حائل حتى تحيض»، جعل الحيض دليل براءة الرحم في الحائل إلا الحامل، وفي الجديد هو حيض، وبه قال مالك لقوله ﵇: «دم الحيض أسود»، من غير فصل من حامل وحائل، ولأنه دم في أيام العادة فيكون حيضًا لدم الحائل والمرضع، ولا فرق على القولين بين ما تراه قبل حركة الحمل، أو بعدها.
وقيل: القولان فيما بعد حركة الحمل، أما قبل حركته فهي كالحبالى (^٢).
وفي الحلية: والذي يخرج مع الولد فيه وجهان، أحدهما أنه نفاس، والثاني أنه حيض (^٣).
قوله: (اعتبارًا بالنفاس)، يعني فيما إذا ولدت ولدين في بطن واحد فرأت
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٢).
(٢) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٢/ ٥٧٦).
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٣١).
[ ١ / ٤١٠ ]
وَلَنَا: أَنَّ بِالحَبَلِ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ كَذَا العَادَةُ، وَالنِّفَاسُ بَعْدَ انْفِتَاحِهِ بِخُرُوجِ الوَلَدِ، وَلِهَذَا كَانَ نِفَاسًا بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ الوَلَدِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّهُ يَنْفَتِحُ فَيَتَنَفَّسُ (*) بِهِ (وَالسَّقْطُ الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ وَلَدٌ) حَتَّى
الدم قبل خروج الولد الثاني فكانت حاملا، وأنه نفاس عندهما خلافًا لمحمد، فيعلم بهذا أن ما تراه الحامل من الدم يتصور أن يكون من الرحم.
ومذهبنا مذهب عائشة فإنها قالت: الحامل لا تحيض، ومثل هذا لا يعرف بالرأي فيحمل على السماع، ولأنه ﵇ قال في سبايا أوطاس: «ألا لا توطَأُ الحَبالى حتى تضعْنَ، ولا الحَيالى حتى يُستَبر أن بحيضة» (^١)، جعل الحيض علامة براءة الرحم فلا يتصور وجوده مع الشغل وإلا لا يكون علامة.
و«الحيالي» جمع حايل وهي خلاف الحوامل، والقياس حوائل كحائض وحوائض، وإنما جمع هكذا لتزاوج الحبالى لقولهم: آتيك بالغدايا والعشايا، ولولا المزاوجة لقيل بالغدوات، كذا في المغرب (^٢).
ولأن الحائل لا تحيل، ومن لا تحيل لا تحيض كالآيسة والصغيرة، ولأنا لو جعلنا ذلك حيضًا يلزم الموالاة بين دم الحيض والنفاس، فإنها إذا رأت دما قبل الولادة وجعل حيضًا فبعدها صارت نفساء كان موالاة بين الدمين، وهذا لا يجوز، كما لا تجوز الموالاة بين دمي الحيض، كذا في المبسوطين (^٣).
وأما قوله ﵇ " دَمُ الحيض أسودُ "، مُسلَّم في دم الحيض لو ثبت، وهذا لم يثبت، أو يحمل المطلق على المقيد بقول عائشة، واعتبار بالنفاس ليس بصحيح؛ لأن فم الرحم ينفتح بخروج الولد فيما يروى عن أبي حنيفة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي وسف في خروج الأكثر.
(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٤٨، رقم ٢١٥٧)، والدارمي (٣/ ١٤٧٤، رقم ٢٣٤١)، والحاكم (٢/ ١٩٥، رقم ٢٧٩٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بلفظ: «لا توطأ حامل حتى تَضَعَ، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة». وصححه الحاكم.
(٣) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٥٠٢).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٠).
[ ١ / ٤١١ ]
تَصِيرَ المَرْأَةُ بِهِ نُفَسَاءَ، وَتَصِيرَ الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ، وَكَذَا العِدَّةُ تَنْقَضِي بِهِ
وفي مبسوط شيخ الإسلام: هذا القول لأبي حنيفة وأبي يوسف، وهذا إذا خرج أكثر الولد، فأما إذا خرج أقله وجبت عليها الصلاة لأنها لم تصر نفساء (^١).
وفي فتاوى الظهيرية: ولو تصلي تصير عاصية، ثم كيف تصلي؟ قالوا: يؤتى بقدر فيجعل القدر تحتها وتجلس هناك وتصلي لئلا تؤذي ولدها.
وفي المحيط: وإنما تصير نفساء إذا خرج الولد حقيقة واعتبارا بخروج الأكثر، ولم يوجد في الأقل، وعلى قول محمد وزفر لا تصير نفساء؛ لأن النفاس عندهما يثبت بوضع الحمل، ولم يوجد وضع الحمل كله (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: ابتداء النفاس من خروج بعض الولد في رواية المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف - وبه قال أحمد -، وفي رواية خلف عنهما: إذا خرج أكثره، وعن محمد مثله، وعنه كله، واختار القدوري الأكثر حيث قال: وما تراه الحامل حال ولادتها قبل خروج أكثر الولد استحاضة، أو بعض خلقه كإصبع مثلا، ولو لم يستبن شيء من خلقه لا يكون له حكم الولد حتى لا تصير به نفساء (^٣).
وفي شرح الطحاوي: لو رأت بعده أيضًا، فإن كان السقط مستبين الخلق فما رأته قبل الإسقاط لا يكون حيضًا، وما رأته بعده نفاس، وإن لم يكن مستبين الخلق فما رأته قبله حيض، وإن أمكن جعله حيضًا بأن وافق أيام عادتها، أو كان مرئيا عقيب طهر صحيح.
وإن كان لا يدري أنه مستبين أم لا بأن أسقطت في المخرج فاستمر بها الدم وهي مبتدأة في النفاس، وصاحبة عادة في الحيض والطهر كانت عادتها في الحيض عشرة، وفي الطهر عشرين فيقول على تقدير أنه مستبين الخلق هي نفساء، ونفاسها أربعون، وعلى تقدير أنه لم يستبن لا تكون نفساء، ويكون
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٦٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٦٨٨).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٦٥).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٢).
[ ١ / ٤١٢ ]
(وَأَقَلُّ النَّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ) لِأَنَّ تَقَدَّمَ الوَلَدِ عَلَمُ الخُرُوجُ مِنْ الرَّحِمِ، فَأَغْنَى عَنِ امْتِدَادٍ جُعِلَ عَلَمًا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الحَيْضِ
عشرة عقيب الإسقاط حيضًا إذا وافق عادتها، أو كان ذلك عقيب طهر صحيح، فتترك هي الصلاة عقيب الإسقاط عشرة أيام بيقين، ثم تغتسل وتصلي عشرين يوما بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك، ثم تترك الصلاة عشرة أيام بيقين، ثم تغتسل لتمام مدة النفاس والحيض، ثم يكون بعد ذلك طهرها عشرين وحيضها عشرة وذلك دأبها، كذا في المحيط (^١).
وفيه: قال محمد والأربعة الأشهر تجب عندي في السقط الذي استبان خلقه، قال ولا يحفظ عن أبي حنيفة فيه شيئًا، قال محمد: ولو نقص عدد الأربعة الأشهر من عشرين ومائة لم أنظر فيه إلى الشهور، يعني إلى الأهلة، وإنما أنظر فيه إلى عدد الأيام على ما جاء في الحديث (^٢)، والوقت فيه تمام مائة وعشرين يوما (^٣).
وفي شرح الوجيز: لو ألقت علقة أو مضغة وقالت القوابل إنه مبدأ خلق الآدمي فالدم الذي تجده بعده نفاس (^٤).
قوله: (وأقل النفاس لا حد له، وهذا بالإجماع، ولأن تقدم الولد علم خروج الدم من الرحم فأغنى، أي: تقدمه، عن امتداد) دم، (جعل) أي: ذلك الامتداد (عَلَمًا عليه) أي: على خروج الدم من الرحم في الحيض.
يعني يشترط في الحيض امتداد الدم ثلاثة أيام شرعًا ليعلم بذلك الامتداد أن الدم من الرحم، واستغني عن ذلك في النفاس لقيام دليل أقوى عليه وهو خروج الولد، فلذلك لا يحتاج إلى الامتداد فكان قوله (جعل علمًا) جملة فعلية وقعت صفة للنكرة وهي: (عن امتداد).
وفي المحيط: وليس لقلته غاية في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٦٦).
(٢) كذا في النسخ الخطية، وفي المحيط (على ما جاء في الحرمة).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (٣/ ٧٩).
(٤) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٢/ ٥٧٥).
[ ١ / ٤١٣ ]
(وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ اسْتِحَاضَةٌ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اعْتِبَارِ
قال: مقدر بأحد عشر يوما، وعن أبي حنيفة بخمسة وعشرين يوما (^١).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: أقله ما يوجد حتى لو انقطع بعد ساعة تصوم وتصلي، ولا خلاف في هذا بين أصحابنا، وإنما الخلاف فيما إذا وجب اعتبار أقل النفاس في انقطاع العدة بأن قال لها: إذا ولدت فأنت طالق، فقالت: انقضت عدتي أي مقدار معتبر في تصديق النفساء يعني إذا كانت معتدة وليس يتيقن بأقله، وأما في حق الصوم والصلاة فأقله ما يوجد.
وقال فخر الإسلام: لا حد لأقله إلا عند نصب العادة، وقال المزني: أقله أربعة أيام لأن أكثره مثل أكثر الحيض أربع مرات فليكن أقله كذلك.
وفي المحيط: لو ولدت ولم تر دما فهي نفساء في رواية الحسن، عن أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة، ثم رجع أبو يوسف وقال: هي طاهرة؟
وثمرة الخلاف تظهر في حق وجوب الغسل، فأما الوضوء فواجب بالإجماع، وأكثر المشايخ أخذوا بقول أبي حنيفة وبه كان يفتي الصدر الشهيد، وبعضهم أخذوا بقول أبي يوسف (^٢).
والطهر المتخلل بين الدمين في مدة النفاس كالدم، ولا يفصل قليلا كان أو كثيرا عند أبي حنيفة، وعندهما لو كان خمسة عشر يفصل، ذكره في الينابيع.
قوله: (وأكثره أربعون يومًا)، وبه قال أحمد (^٣)، واختاره المزني (^٤)، وقال الشافعي: ستون، وغالبه أربعون (^٥)، وهو إحدى الروايتين عن مالك (^٦)، حتى لو جاوز الدم الأربعين لا تدع الصلاة على الغالب، وفي رواية أخرى عنه: لا حد
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٦٣).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٦٣).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ١٥٢)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٨٣).
(٤) انظر: المجموع للنووي (٢/ ٥٢٢)، والبيان للعمراني (١/ ٤٠٤).
(٥) انظر: الوسيط للغزالي (١/ ٤٧٧)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ٤٣٦).
(٦) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب (١) (٣٢)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٨٦).
[ ١ / ٤١٤ ]
السِّتِّينَ (وَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الأَرْبَعِينَ، وَكَانَتْ وَلَدَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَهَا عَادَةٌ فِي النِّفَاسِ رُدَّتْ إِلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا) لِمَا بَيَّنَّا فِي الحَيْضِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ، فَابْتِدَاءُ نِفَاسِهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ نِفَاسًا (فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ
له، ويُرجع فيه إلى أهل الخبرة من النساء فتجلس أقصى ما تجلس النساء (^١).
وما ذكر في المنظومة أن أكثره سبعون عنده فذلك مروي عن ابن الماجشون من أصحابه قال: سألن النساء فقلن: هو ما بين ستين إلى سبعين، وعن ابن عمر، وعائشة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وأبي هريرة مثل مذهبنا، وهو لا يعرف إلا توقيفا وقت للنفساء، وهو قوله ﵇: «تُنظَرُ النفساء أربعين يوما إلا أن تَرَى الظهر قبل ذلك»، كذا في المبسوط (^٢).
وروى أبو داود وابن ماجه، وأحمد والترمذي عن أم سلمة أنها قالت: كانت النفساء تجلس على عهد النبي ﷺ أربعين يوما، وكنا نطلي وجوهنا من الكلف (^٣)، قال الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ ومن بعدهم [على أن النفساء] (^٤) تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك (^٥).
وقال الطحاوي: ولم يقل بالستين أحد من الصحابة، وإنما قاله بعض من بعدهم، وقول الأوزاعي حكاية عن امرأة مجهولة في بلد، فلا يكون حجة، ولهذا لم يأخذ الأوزاعي به، بل أخذ بقولنا في الجارية، ونقص عن ذلك في الغلام.
وعنه أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين، وبه استدل النواوي في شرح المهذب (^٦).
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٥٤)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٨٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (٣/ ١٤٩).
(٣) تقدم تخريجه في المتن.
(٤) في الأصل: (من النساء)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٥) سنن الترمذي (١/ ٢٠٤) بعد حديث (١٣٩).
(٦) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (٢/ ٥٢٢).
[ ١ / ٤١٥ ]
فِي بَطْنِ وَاحِدٍ، فَنِفَاسُهَا مِنْ الوَلَدِ الأَوَّلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ،
وجه قول الشافعي أن النفاس أربعة أمثال الحيض بالاتفاق، وأكثر الحيض عنده خمسة عشر، والستون أربعة أمثالها.
قال شيخ الإسلام: فمنهم من قال هذه المسألة بناء على أكثر مدة الحيض؛ لأنا أجمعنا على أن أكثر النفاس أربعة أمثال أكثر مدة الحيض، ومنهم من تكلم في المسألة ابتداء، وإنما اعتبرت أربعة الأمثال؛ لأن الروح لا تدخل في الولد قبل أربعة أشهر فتجتمع الدماء فيها؛ لأن الولد لا يحتاج إلى الغذاء، وبعد خروج الولد تخرج ذلك الدماء (^١)، أما بعد دخول الروح يصير الدم غذاء له.
قيل: يصل إليه من قبل سرته لأن لا يتلطخ فمه.
(إلى أيام عادتها)، وهذا عندنا، وعند الشافعي فيه تفصيل، في الغاية: لو استحضيت وكانت مميزة فالقوي نفاس، وإلا ردت المعتادة إلى العادة، والمبتدأة: إلى الأغلب وهو أربعون يوما، وإلى الأقل وهو ساعة في قول، وإلى الأكثر عند المزني، والمتحيرة: وهي التي نسيت وقت عادتها وعددها وغير مميزة كالمبتدأة.
قوله: (في بطن واحد)، وتفسيره أن يكون بين الولدين أقل من ستة أشهر، وللشافعي فيه ثلاثة أقوال، أحدها: وهو الأصح أنه يعتبر من الأول ابتداء المدة، وهو قول أبي إسحاق، وأبي حنيفة، وأبي يوسف (^٢)، ومالك (^٣)، وأحمد في الأصح عنه (^٤).
والثاني: أنه يعتبر ابتداء المدة من الثاني، وهو قول محمد، وزفر، وداود.
والثالث: أنه يعتبر ابتداؤها من الأول، ثم يستأنف من الثاني (^٥).
_________________
(١) هكذا في الأصل، والأشبه: (تخرج تلك).
(٢) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٣٢).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٥٤)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٢٠٩).
(٤) انظر: حلية العلماء للشاشي (١/ ٢٣٢)، والمجموع للنووي (٢/ ٥٢٦).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ١٥٣)، والفروع لابن مفلح (١/ ٣٩٧).
[ ١ / ٤١٦ ]
وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مِنْ الوَلَدِ الْأَخِيرِ) (*) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀، لِأَنَّهَا حَامِلٌ بَعْدَ وَضْعِ الأَوَّلِ فَلَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ، كَمَا أَنَّهَا لَا تَحِيضُ، وَلِهَذَا تَنْقَضِي العِدَّةُ بِالوَلَدِ الأَخِيرِ بِالإِجْمَاعِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الحَامِلَ إِنَّمَا لَا تَحِيضُ لِانْسِدَادِ فَمِ الرَّحِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ انْفَتَحَ بِخُرُوجِ الْأَوَّلِ وَتَنَفَّسَ بِالدَّمِ، فَكَانَ نِفَاسًا، وَالعِدَّةُ تَعَلَّقَتْ بِوَضْعِ حَمْلٍ مُضَافٍ إِلَيْهَا، فَيَتَنَاوَلُ الجَمِيعَ.
وقيد بقوله: (وإن كان أربعون يومًا) احتراز عن قول بعض المشايخ حيث قالوا في قول أبي حنيفة إن كان بينهما أربعون يومًا يجب عليها النفاس من الولد الثاني في هذه الصورة، والصحيح أنه لا يجب النفاس من الثاني أصلا عندهما؛ لأن أكثر مدته أربعون وقد مضت فلا يجب النفاس بعدها، إليه أشير في الجامع، والمحيط (^١).
وحكي أن أبا يوسف قال لأبي حنيفة: أرأيت لو كان بينهما أربعون؟ قال: هذا لا يكون، قال أبو يوسف: ولئن كان؟ قال: لا نفاس من الولد الثاني وإن رغم أنف أبي يوسف (^٢).
ولو كان بين الولدين ثلاثون يومًا فمن الولد الثاني عشرة أيام، وعلى هذا القياس.
وهاهنا مسألة يظهر الاختلاف فيها: معتادة بعشرة وعشرين فولدت ولدًا، ثم آخر بعد ستين يومًا، فبعد الستين دم تترك منه الصلاة بالاتفاق لاختلاف التخريج، فعند محمد النفاس من الأخير، وعندهما من الأول، والنفاس أربعون والطهر عشرون، وقد مضى، وبعده أوان الحيض بوضع حمل مضاف إليها، قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، والحمل اسم لكل ما في البطن، وما بقي الولد في بطنها موجودًا كان الحمل باقيًا، ولهذا لو قال: إن كان حملك غلامًا فأنت حرة، فولدت غلامًا وجارية لم يعتق؛ لأن الغلام صار بعض الحمل، والشرط كونه كل الحمل.
(فيتناول الجميع)، أي كل الحمل، وقلنا: بعض الحمل فتتناوله الآية،
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٦٥).
(٣) ذكره في المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٦٥).
[ ١ / ٤١٧ ]