موضع، فيعبدون الله ويفرغون أنفسهم لذلك، وإن كان معهم أهلوهم (^١).
وفي الكافي: وقيل: يستحب ذلك؛ لأنه تشبه بأهل الطاعة فيكون لهم ثوابهم؛ ولهذا فعله ابن عباس، وخروجهم إلى الجبانة سنة وإن وسعهم الجامع (^٢).
[فصل في تكبيرات التشريق]
التشريق لغة: كوشب أقتاب كردن.
قال شمس الأئمة الكردري: هذه الإضافة تستقيم على قولهما؛ لأن بعض التكبيرات تقع في أيام التشريق عندهما، وعند أبي حنيفة: لا يقع شيء منها في أيام التشريق، لكن أدنى الملابسة كاف للإضافة (^٣).
وقيل: التشريق صلاة العيد؛ لأنها تؤدى عند إشراق الشمس وارتفاعها كما جاء في الحديث: «لا جُمعة ولا تشريق» (^٤)، وفي حديث آخر: «لا ذبح إلا بعد التشريق» (^٥) والمراد بالتشريق فيهما: صلاة العيد. كذا في المبسوط (^٦)، فعلى هذا تستقيم الإضافة على قولهم جميعًا.
وقيل: التشريق عبارة عن هذه الأيام؛ لما فيها من تشريق لحوم الأضاحي، فيستقيم أيضًا على قولهم.
ثم اختلف؛ فقال التمرتاشي في المحيط: أنها سنة (^٧)، وبه قال الشافعي (^٨)، ومالك (^٩)، وأحمد (^١٠)؛ لكن أجمع أهل العلم على العمل به.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٣).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٣).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٥).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) يراجع يراجع.
(٦) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٧).
(٧) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١١٥).
(٨) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ٢٢٧)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٦٢٣).
(٩) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٢٥)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٥٨٢).
(١٠) انظر: المغني لابن قدامة (٢٩١٢)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٢١١).
[ ٢ / ٣٧٥ ]
(وَيَبْدَأُ بِتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَيَخْتِمُ عَقِيبَ صَلَاةِ العَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَخْتِمُ عَقِيبَ صَلَاةِ العَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) (*)، وَالمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَأَخْذَا بِقَوْلِ عَلِيٌّ أَخْذَا بِالْأَكْثَرِ، إِذْ
وفي الإيضاح، وشرح بكر، وأبو اليسر، وفخر الإسلام، وأبي زَرَانَةَ: واجب (^١).
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] جاء في التفسير أن المراد: أيام التشريق.
وفي الكشاف: الأيام المعلومات؛ أيام العشر عند أبي حنيفة، وعندهما: النحر، والأيام المعدودات؛ أيام التشريق، والأمر للوجوب (^٢)، وفيه تأمل؛ لاحتمال الذكر وجوها كما يجيء عن ابن عمر ﵄ أنه ﵊ قال: «أفضلُ ما قلتُ وقالت الأنبياء ﵈ قبلي يوم عرفة: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد» (^٣)، وعن جابر أنه صلى الفجر يوم عرفة وكبر هكذا (^٤).
والمسألة مختلفة، اختلفت الصحابة في ابتدائه؛ فقال شيوخ الصحابة كعمر، وعثمان وعلي، وعبد الله بن مسعود ﵃: ابتداؤه من صلاة الفجر يوم
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف ومحمد.
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٩٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٧).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٩٥)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٤٥).
(٤) لم أقف عليه مرفوعا بهذا اللفظ ورواه عبد الرزاق عن ابن عمر من قوله كما في الدر المنثور (١/ ٥٥٠)، وورد بنحوه عند الترمذي (٥/ ٤٦٤، رقم ٣٥٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» وقال: غريب. وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (١/ ٦٢١، رقم ٣٢٧٤). وورد موقوفا عن ابن مسعود عند الطبراني الكبير كما في مجمع الزوائد (٣/ ٢٦٤، رقم ٥٦١٦) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح إلا أن أبا إسحاق لم يُسَمِّ مَنْ حدَّثه.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث جابر ﵁ كما في الدر المنثور (١/ ٥٥٦)، وأخرجه الواحدي في الوسيط (١/ ٣٠٩) وفي سنده عمرو بن شمر وهو منكر الحديث كما في التاريخ الأوسط للبخاري (٢/ ٢٠٤).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
هُوَ الِاحْتِيَاطُ فِي العِبَادَاتِ، وَأَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْذَا بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ الجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ بِدْعَةٌ.
عرفة، وبه قال أصحابنا (^١)، والشافعي في قول (^٢)، وأحمد (^٣)، وإسحاق، والثوري.
ثم اختلف هؤلاء في موضع القطع؛ فقال ابن مسعود: يقطعها بعد صلاة العصر من يوم النحر؛ يكبر ثمان صلوات، وبه أخذ أبو حنيفة (^٤)، وقال علي: يقطعها بعد صلاة العصر من (^٥) آخر أيام التشريق، فيكبر ثلاثا وعشرين صلاة، وهو إحدى الروايتين عن عمر، وبه أخذ أبو يوسف، ومحمد (^٦)، والشافعي في قول (^٧)، وأحمد (^٨)، والثوري، وإسحاق.
وقال شبان الصحابة كابن عمر، وابن عباس وزيد بن ثابت، وعائشة ﵃: يبدأ من صلاة الظهر يوم النحر، ويختم عصر آخر أيام التشريق.
وفي شرح الوجيز وأما تكبير الأضحى؛ فالناس فيه قسمان: حاج وغيرهم، فالحاج يبتدئون به عقيب ظهر يوم النحر، ويجتمعون عقيب الصبح آخر أيام التشريق، وأما غيرهم؛ ففيه طريقان أصحهما: على ثلاثة أقوال؛ أظهرهها: أنهم كالحاج، والثاني: أنهم يبتدئون عقيب المغرب ليلة النحر، إلى صبح الثالث من أيام التشريق، والثالث: يبتدئون عقيب صبح عرفة، ويختمون عقيب العصر من آخر أيام التشريق (^٩).
وقال الصيدلاني وغيره: وعليه العمل في الأمصار (^١٠).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٩٥)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١١٥).
(٢) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٤٩٨)، والمجموع للنووي (٥/¬٣٤).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٤٣)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٩٤).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٣)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٩٥).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٦) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٣)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٩٥).
(٧) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٤٩٨)، والمجموع للنووي (٥/¬٣٤).
(٨) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٤٣)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٩٤).
(٩) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٥٧).
(١٠) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٥٨)، وروضة الطالبين للنووي (٢/ ٨٠).
[ ٢ / ٣٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والطريق الثاني: القطع بالقول الأول؛ إذ هو الأحوط؛ لأن الإتيان بما ليس عليه أولى من ترك ما عليه، فيكون الأخذ بالأكثر احتياطا؛ لأن هذا باب لا يعرف بالرأي، والزيادة في الأخبار من الثقات مقبولة، ولأن هذه التكبيرات منسوبة إلى أيام التشريق، واتفقنا أنه يكبر في غير أيام التشريق وهو يوم عرفة والنحر، فلأن يكبر في أيام التشريق أولى، ولأنه تعالى قال: ﴿في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وفي موضع آخر: ﴿في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾؛ إن المعلومات أيام العشر، والمعدودات أيام التشريق.
وقيل: المعلومات أيام النحر، والمعدودات أيام التشريق، وهكذا روي عن أبي يوسف أنه قال: اليوم الأول من المعلومات، واليومان الأوسطان منهما، فلما أمر الله تعالى بالذكر في هذه الأيام، ولم يوجد ذكر سوى التكبيرات؛ فيجب. كذا في جامع الإسبيجابي (^١).
وفيه، وفي التحرير، والخلاصة، والمجتبى، وفتاوى العتابي: والفتوى على قولهما، وعمل الأمصار في غالب الأعصار؛ لأن الجهر بالتكبير بدعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] أي: الجاهرين بالدعاء، [والذكر دعاء (^٢)، وفيه نوع تأمل.
ولقوله ﷺ لقوم يرفعون أصواتهم عند الدعاء: «إنكم لا تدعون أصما] (^٣) ولا غائبا» (^٤)، فكان الأصل في الذكر الإخفاء، إلا أن الشرع ورد بالجهر في هذه الأيام تشبها بالحاج في رفعهم الأصوات بالتلبية؛ ألا ترى أنه يرفع ويبدأ يوم عرفة؛ لأنه يبدأ في ذلك ركن الحج وهو الوقوف، فوجب أن يختم في اليوم الذي يختم فيه ركن آخر وهو الطواف، وكذا يقطع التلبية يوم النحر كما رمى
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١٢/¬٣٠)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٤١).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٨٧).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جمرة العقبة، فكان الأخذ بالأقل يعني جهرًا أولى. كذا في المبسوط، وجامع الإسبيجابي (^١).
وأما قولهما: الأخذ بالأكثر أحوط.
قلنا: فيما أصله التحريم أو الإطلاق، فالأول ممنوع، والثاني مسلّم، لكن فيما نحن فيه: الأصل في الجهر النهي عنه؛ لأن الأمر بالذكر دون الجهر، نهي عن ضده وهو الجهر، فلا تعدل عنه إلا في موضع انعقد الإجماع، وهو منعقد على الأقل، فكان الأحوط في الأخذ بالأقل. كذا في جامع الكردري (^٢).
والسلف اختلفوا في الأيام المعلومات والمعدودات، فروى الكرخي عن أبي حنيفة في مختصره: أنها عشر ذي الحجة، والمعدودات أيام التشريق (^٣).
وعن ابن عباس في رواية: المعلومات أيام النحر وثلاثة أيام بعده، وسميت معدودات؛ لقلتها، والمراد من الذكر على الأضاحي على ما قالوا.
وقيل: الذكر عند رمي الجمار؛ بدليل سياق الآية، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، والتعجيل والتأخير يأتيان في الرمي لا في التكبير، فلا يصلح حجة. كذا في الخبازية (^٤).
وعن الفقيه أبي جعفر: أن مشايخنا يرون التكبير في الأسواق في الأيام العشر. كذا في فتاوى الظهيرية (^٥).
وفي جمع التفاريق: قيل لأبي حنيفة: ينبغي لأهل الكوفة وغيرها أن يكبروا أيام التشريق في الأسواق والمساجد؟ قال: نعم (^٦).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٣).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٧٨).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٩٥)، ودرر الحكام لابن فرامرز (١/ ١٤٥).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٩٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٧).
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٨).
(٦) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٨).
[ ٢ / ٣٧٩ ]
(وَالتَّكْبِيرُ أَنْ يَقُولَ مَرَّةً وَاحِدَةً: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الحَمْدُ)، هَذَا هُوَ المَأْثُورُ عَنْ الخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وذكر أبو الليث: وكان إبراهيم بن يوسف يفتي بالتكبير في الأسواق في أيام العشر (^١).
قال الهندواني: وعندي أنه لا ينبغي أن يمنع العامة من ذلك؛ لقلة رغبتهم في الخير، وبه نأخذ. كذا في الْمُجْتَبى (^٢).
قوله: (والتكبير أن يقول) إلى آخره في المحيط: قال الشافعي: التكبير أن يقول الله أكبر ثلاث مرات، أو خمسًا أو سبعًا أو تسعًا؛ لأن المنصوص عليه في القرآن التكبير؛ قال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والتكبير قوله: الله أكبر (^٣).
وأما قوله: (لا إله إلا الله)؛ تهليل.
وقوله: (ولله الحمد)؛ تحميد، فمن شرط هذا فقد زاد على الكتاب، فعلم أن قوله: (والتكبير) إلى آخره؛ احتراز عن قول الشافعي في موضعين في المرة وتعيين الكلمات.
وحجتنا في ذلك: أن الأمة توارثت من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، على الوجه الذي بينا.
(هذا)؛ أي: المذكور.
(هو المأثور)؛ أي: المروي عن الخليل.
روي أنه ﵊ لما أخبر ولده بما رأى في المنام، فأسلما وتله للجبين؛ أي: أضجع إسماعيل ﵊ للذبح، أمر الله تعالى جبريل ﵊ حتى يذهب بالفداء العظيم، فنزل جبريل ﵊ ورأى أنه أضجعه للذبح، فقال: الله أكبر؛ كيلا يعجل به،
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٩).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٨٨).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٧٦)، ومختصر المزني (٨/ ١٢٦).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فسمع إبراهيم ﵊ صوته وقع عنده أنه يأتيه بالفداء، فهلل وقال: لا إله إلا الله والله أكبر، فلما سمع إسماعيل ﵊ كلامهما؛ وقع عنده أنه قد فدي، فحمد الله تعالى؛ فقال: الله أكبر ولله الحمد (^١).
وثبوته على هذا الوجه لهؤلاء الأجلاء، فلا يجوز أن يترك البعض ويأتي بالبعض. كذا في المحيط (^٢).
وفي المبسوط (^٣): كان ابن عمر ﵄ يقول: الله أكبر الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد (^٤)، وبه أخذ الشافعي (^٥).
وكان ابن عباس يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الحي القيوم، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأخذ علماؤنا بقول علي وابن مسعود ﵄؛ لأنه يشتمل على التكبير والتهليل والتحميد، فهو أجمع.
وفي تتمتهم: قال: يكبر ثلاثًا في الجديد نسقًا؛ لما روى جابر أنه ﵊ يقول عقيب الصلوات: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثًا» (^٦)، وعن ابن عباس مثل ذلك (^٧).
وقال في القديم: يكبر مرتين، وبه قال أبو حنيفة (^٨)؛ لما روي أنه ﵊ صلى الصبح يوم عرفة، ثم أقبل فقال: الله أكبر الله أكبر، مرتين، ولو أراد أن يزيد على ذلك.
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٥٥) مختصرا.
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١١٨).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٣).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٨٩، رقم ٥٦٤٦) من قول ابن عباس.
(٥) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٦٥٩)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/¬١٣).
(٦) أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٩٢، رقم ١٧٤٥).
(٧) أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٩٢، رقم ١٧٤٥).
(٨) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٣٠).
[ ٢ / ٣٨١ ]
(وَهُوَ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَاتِ عَلَى المُقِيمِينَ فِي الْأَمْصَارِ فِي الجَمَاعَاتِ المُسْتَحَبَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَيْسَ عَلَى جَمَاعَاتِ النِّسَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَلَا عَلَى جَمَاعَةِ المُسَافِرِينَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مُقِيمٌ، وَقَالَا: … … … ..
قال في الجديد: يقول بعد ما كبر ثلاثًا: الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر.
وقال في القديم: يضيف إلى التكبير الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، وأي شيء ما زاد على ذلك الذكر والثناء فحسن (^١).
وفي الحلية: وقال مالك: إن شاء كبر ثلاثًا وإن شاء مرتين؛ لورود الخبر بهما (^٢).
والجواب: أن ما ذكرنا أجمع.
قوله: (عقيب الصلوات المفروضات)؛ قيد بالمفروضات؛ ليخرج الوتر، وصلاة العيدين، والسنن والنوافل.
وقيد بالمقيمين؛ ليخرج المسافرين.
وقيد بالأمصار؛ ليخرج المقيمين في القرى.
وقيد بالجماعة؛ ليخرج المنفرد، وقيد بالمستحبة؛ ليخرج جماعة النساء وحدهن.
(وقالا)؛ أي: أبي يوسف ومحمد (^٣)، وهو أحد قولي الشافعي (^٤)، ومالك (^٥).
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٦٢٤)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/¬١٢).
(٢) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٦٥)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٢٧٣).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٩٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٨٢).
(٤) انظر: الأم للشافعي (٧/ ١٤٨)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٥٠١).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤٨)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٢٥).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
هُوَ عَلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى المَكْتُوبَةَ) (*) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ، وَلَهُ: مَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ.
والمشهور عن أحمد: لا يكبر المنفرد (^١)، كقول أبي حنيفة ومحمد (^٢).
(وهو)؛ أي: التكبير.
(على كل من يصلي المكتوبة): سواء كان مصريًا أو لا، مقيمًا أو مسافرًا، جماعة أو منفردًا.
وللشافعي خلف النوافل طريقان؛ أحدهما: أنه يكبر قولا واحدا، والثاني فيه قولان (^٣)، وذكر في الحاوي طريقة ثالثة؛ أنه لا يكبر خلفهما قولا واحدا (^٤).
وقيل: ما سن له الجماعة من النوافل يكبر خلفه، وما لا يسن فلا يكبر خلفه.
وعن أبي حنيفة (^٥)، ومالك (^٦)، وأحمد (^٧): لا يكبر خلف النوافل مطلقا. كذا في الحلية.
(وله)؛ أي: لأبي حنيفة ما روينا من قبل؛ وهو قوله ﵊: «لا جمعة ولا تشريق ولا أضحى إلا في مصر جامع».
قال الخليل بن أحمد التشريق؛ التكبير، وإن كان مشتركا بينه وبين تقديم اللحم، والقيام في المشرقة، كما نقله صاحب الصحاح وغيره (^٨)؛ لكن هذان المعنيان غير مختصين بالأمصار بالإجماع، فتعين الأول، ولا يجوز أن يكون المراد بالتشريق الصلاة؛ لأنه قال: ولا أضحى، فالمراد منه الصلوات؛ لأن الأضحية غير مختصة بالأمصار بالإجماع، فيكون المراد منه التكبير، وإلا يلزم التكرار، والأصل عدمه.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٩٣)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٢٥٤).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٩٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٨٢).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٦٥٧)، والمجموع للنووي (٥/¬٣٦).
(٥) الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٥٠١).
(٦) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٩٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٣٠).
(٧) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٦٥)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٩٥).
(٨) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٩٣)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٣٦).
(٩) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٤/ ١٥٠١).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وَالتَّشْرِيقُ هُوَ التَّكْبِيرُ، كَذَا نُقِلَ عَنْ الخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ، وَلِأَنَّ الجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ، إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ إِذَا اقْتَدَيْنَ بِالرِّجَالِ، وَعَلَى المُسَافِرِينَ عِنْدَ اقْتِدَائِهِمْ بِالمُقِيمِ … ..
وإذا ثبت كون المصر شرطًا له ثبت كون الإقامة شرطًا؛ إذ الإقامة أصل في إسكان الأمصار.
وكذا ثبت كون الجماعة شرطًا؛ من قبل أن المكتوبات في الأمصار تقام بالجماعات في العام الغالب، ولأنه من الشعائر فيختص بالجماعة كالجمعة، وكذا كون الذكورة شرطًا فيها؛ إذ الرجال هم الذين يكون إقامة الجماعات، فأما النساء فيكن بمعزل من إقامتها؛ لما في اجتماعهن من الفتنة. كذا في الفوائد الظهيرية (^١).
وفي جامع قاضي خان: وإذا ثبت اختصاص التكبير بالمصر علم أنه من الشعائر بمنزلة الجمعة، فيشترط له ما يشترط للجمعة؛ إلا ما سقط اعتباره من السلطان والحرية في الأصح، والخطبة (^٢).
وقولهما: إنه تبع للمكتوبة؛
قلنا: التبعية عرفت شرعًا بخلاف القياس؛ لأنه لم يشرع في غير هذه الأيام، فيراعى لهذه التبعية جميع ما ورد به النص، والنص جعل من إحدى شرائط المصر، فوجب أن يشترط القوم الخاص والجماعة كما في الجمعة والعيد.
واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة؛ أنه هل يشترط لإقامته الحرية أم لا؟
والأصح: أنه ليست بشرط عنده، والسلطان ليس بشرط عنده؛ لأن التكبير يشبه صلاة العيد والجمعة من حيث يشترط لإقامته المصر بالنص كما يشترط فيهما، ويشبه سائر الصلوات من حيث إنه يؤدي في يوم خمس مرات، فكان له
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/¬٤١)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٧٥).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٧)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ١٧٩).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ. قَالَ يَعْقُوبُ: صَلَّيْت بِهِمْ المَغْرِبَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَهَوْتِ أَنْ أُكَبِّرَ فَكَبَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ. دَلَّ أَنَّ الإِمَامَ وَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ لَا يَتْرُكُهُ المُقْتَدِي، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَلِمَ لَمْ يَكُنْ الإِمَامُ فِيهِ حَتْمًا وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبُّ.
حظ من الخصوص والعموم؛ فلشبهه به شرطنا القوم الخالص والجماعة، ولشبهه بالعموم لم يشترط السلطان توفيرا للشبهين. كذا حكي عن الفضلي (^١).
أما المسافرون إذا صلوا جماعة في مصر؛ فيه روايتان، والأصح: أنه لا يجب عليهم (^٢).
ولا يكبر عقيب الوتر؛ لأنه سنة عندهما، وعند أبي حنيفة: لا يؤدي بالجماعة في هذه الأيام. كذا في المحيط (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: والبلخيون يكبرون عقيب صلاة العيد؛ لأنها تؤدى بالجماعة، فأشبه الجمعة (^٤)، وعند غيرهم لا يكبر؛ لأنها غير مكتوبة.
قوله: (بطريق التبعية)؛ أي: للإمام كما في الجمعة.
وفي التحرير: غير أن المسافر يكبر جهرًا، والمرأة لا تكبر جهرا (^٥).
(قال يعقوب)؛ أي: أبو يوسف:
(صليت يوم عرفة بهم المغرب)؛ دلّ هذا أن الإمام لو نسي التكبير يكبر القوم.
(لأنه)؛ أي: التكبير.
(لا يؤدي في حرمة الصلاة): بخلاف سجود السهو أو التلاوة؛ فإن الإمام إذا تركها بعد السلام لا يأتي بهما المقتدي؛ لأنهما يؤديان في حرمة الصلاة؛ ألا ترى أن الاقتداء به موقوف عندهما، إن عاد إلى سجدتي السهو صح، وإلا فلا.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٢٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٣١).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٩٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٣١).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٢٠).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٨٧).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٣٣).
[ ٢ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعند محمد، وزفر: يصح عاد أو لم يعد (^١)، وكذا لو سلم [وعليه سجدة التلاوة: إن سلّم] (^٢) عامدًا سقطت عنه؛ لأن الصلبية لا تؤدى خارجها، وإن سلّم ساهيًا فعليه أن يسجد التلاوة ويرفع التشهد فيتشهد ويسلم ويسجد للسهو.
ولو اقتدى به رجل بعد ما سلّم ناسيًا؛ يصح عاد أو لا.
وقال أبو عبد الله البلخي: أفاد لنا أبو يوسف بهذه المسألة ثلاثة أشياء؛ أحدها: أنه لا بأس للتلميذ أن يتقدم للإمامة وإن كان أستاذه حاضرًا إذا كان ذلك بإذن أستاذه.
والثاني: أنه يكبر في يوم عرفة.
والثالث: أنه إذا نسي الإمام التكبير يكبر القوم (^٣).
وإنما قال: صليت بهم يوم عرفة المغرب في بعض النسخ، مع أن المغرب من صلاة الليل لا من صلاة النهار؛ لقربه بالنهار، والشيء إذا قرب بالشيء سمي باسمه.
كذا في جامع الإسبيجابي (^٤).
وفي جامع الكردري: محل هذا التكبير دبر كل صلاة ما لم يتخلل قاطع من حدث عمد أو قهقهة أو كلام، أو خروج من المسجد، حتى أن من نسي التكبير فتذكره قبل وجود القاطع كبر، وإن تذكره بعد وجوده لم يكبر (^٥).
ولو ترك الصلاة في هذه الأيام وقضاها فيها؛ قضاها بالتكبير للقدرة على المثل، ولو قضاها في غير هذه الأيام في السنة الثانية؛ قضاها بلا تكبير لعدم القدرة على المثل.
وقال الشافعي: يكبر (^٦)، وكذا لو تركهما في غير هذه الأيام وقضاها فيها قضاها بلا تكبير؛ لأن القضاء يقع بالمثل وقد فاتته بلا تكبير.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٧٤)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٧٦).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٨٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٣٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٣٣).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٣٤).
(٦) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٥٩)، والمجموع للنووي (٥/¬٣٦).
[ ٢ / ٣٨٦ ]