ذكر التراويح بفصل على حدة؛ لأنها اختصت بخصائص ليست هي في السنن، ومطلق النوافل من الجماعة، وتقدير الركعات، وسنية الختم.
وفي البدرية: الزمان نوعان: ليل ونهار، فلما فرغ من بيان نوافل النهار؛ شرع في بيان نوافل الليل، وهو ليس بقوي كما ترى، وفيه نفس التراويح سنة، أما أداؤها بالجماعة مستحب.
والترويحة: اسم لكل أربع ركعات، فإنها في الأصل اتصال الراحة، وهي الجلسة، [ثم (^١)] سميت لأربع ركعات التي في آخرها الترويحة، كما أطلق اسم الركوع على الوظيفة التي تقرأ في القيام؛ لأنه متصل بالركوع.
وسئل العلامة عنها قبل الوتر بعد التراويح، قال: ذلك بطريق المجاز، إطلاقا لاسم الأغلب على الكل.
وفي فتاوى قاضي خان: التراويح جمع ترويحة، وأصلها المصدر (^٢)، وعن أبي سعيد، سميت ترويحة؛ لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات (^٣).
وفي المغرب: روّحت بالناس؛ أي: صليت بهم التراويح (^٤).
وفي الْمُجْتَبى: سميت تراويح؛ للتروح فيما بينهما (^٥).
وقيل: لإعقابه راحة الجنة (^٦).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٧١)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤١١).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٥٠).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٥١).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٥١).
(٦) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١١٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٥١).
[ ٢ / ٥٧ ]
تَرْوِيحَةٍ، ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ) ذَكَرَ لَفْظَ الاسْتِحْبَابِ وَالأَصَحُ أَنَّهَا سُنَّةٌ، كَذَا رَوَى الحَسَنُ
ثم جملتها عشرون ركعة عندنا، وعند الشافعي (^١) وأحمد (^٢) وعن مالك أنها مقدرة بست وثلاثين ركعة اتباعًا لعمر وعلي ﵄، والمشهور من الصحابة مذهبنا، وما روى مالك عنهما غير مشهور، أو هو محمول على أنهما كانا يصليان بين كل ترويحة أربع ركعات فرادى، كما هو مذهب أهل المدينة (^٣)، فإن قاموا بما قال مالك بالجماعة؛ لا بأس به عند الشافعي، وعندنا يكره؛ بناء على أن النفل بها بما شاؤوا (^٤)، ويكره خلافًا للشافعي.
أما لو أتوا بما قال مالك فرادى؛ فلا بأس به وهو مستحب كذا في المحيط (^٥).
قوله: (والأصح أنها سنة) في حق الرجال والنساء هو الصحيح، هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة نصا (^٦).
وفي فتاوى العتابي: أنها سنة مؤكدة (^٧).
وفي الْمُجْتَبى: لا خلاف أنها سنة في حق الرجال والنساء (^٨) تابعة للعشاء، حتى إن من دخل المسجد والإمام يصلي التراويح؛ يصلي العشاء أولا، ثم يتابع إمامه، والأصح: أن يترك السنة.
قال النووي: إنها سنة بإجماع العلماء (^٩).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٩١)، والمجموع للنووي (٤/¬٣٢)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٣٥٦).
(٢) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ١٨٠)، والروض المربع للبهوتي (ص ١١٥)، والشرح الكبير لابن قدامة (١/ ٧٤٥).
(٣) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٦٢) والكافي للقرطبي (١/ ٢٥٦)، والمدونة لمالك بن أنس (١/ ٢٨٧).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٤٤).
(٥) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٦).
(٦) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٧١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٥٠).
(٧) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١١٩).
(٨) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١١٩).
(٩) المجموع للنووي (٤/¬٣١).
[ ٢ / ٥٨ ]
عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لِأَنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهَا الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَالنَّبِيُّ ﵊ بَيَّنَ العُذْرَ فِي تَرْكِهِ المُوَاظَبَةَ وَهُوَ خَشْيَةَ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْنَا (وَالسُّنَّةُ فِيهَا الجَمَاعَةُ).
وقال بعض الروافض: إنها سنة للرجال دون النساء (^١).
وقال بعضهم: ليست بسنة أصلا؛ لأنه ﵊ أقامها في بعض الليالي ولم يواظب عليها، ثم أخذ بها عمر ﵁.
ولنا: الدليل على سنتيها؛ قوله ﵊: ﴿إن الله فرض عليكم صيامه وسنَنْتُ لكُم قِيامَه﴾ (^٢) وواظب عليها الخلفاء الراشدون.
وقال ﵊: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (^٣)، والنبي ﵊ بين العذر في تركه؛ روي أنه ﵊ خرج ليلة من ليالي رمضان وصلى عشرين ركعة، فلما كانت الليلة الثانية اجتمع الناس فخرج وصلى بهم عشرين ركعة، فلما كانت الليلة الثالثة كثر الناس، فلم يخرج، وقال: «عرفتُ اجتماعكم لكنني خشيت أن تُكتَبَ عليكم» (^٤)، فكان الناس يصلّونها فرادى إلى زمن عمر ﵁، فقال عمر (^٥): إني أرى أن أجمع الناس على إمام واحد، فجمعهم على أبي بن كعب، فصلى بهم خمس ترويحات عشرين ركعة.
وقيل: الحكمة في التقدير بعشرين، والله أعلم؛ لتوافق الفرائض الاعتقادية والعملية، كالوتر؛ فإنها عشرين ركعة.
(والسنة فيها)؛ أي: في التراويح.
(الجماعة): قال أبو بكر الرازي: المشهور عن أصحابنا: أن إقامتها في
_________________
(١) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤١٢).
(٢) رواه النسائي (٤/ ١٥٨، رقم ٢٢١٠) من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁.
(٣) جزء من حديث أخرجه رواه أبو داود (٤/ ٢٠٠، رقم ٤٦٠٧) والترمذي (٤/ ٣٤١، رقم ٢٦٧٦) من حيث العرباض بن سارية ﵁ قال الترمذي: حسن صحيح.
(٤) أخرجه البخاري (١/¬١٤٦، رقم ٧٢٩) من حديث عائشة ﵂.
(٥) أخرجه البخاري (٣/¬٤٥، رقم ٢٠١٠) من حديث عائشة ﵂.
[ ٢ / ٥٩ ]
لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الكِفَايَةِ، حَتَّى لَو امْتَنَعَ أَهْلُ المَسْجِدِ عَنْ إِقَامَتِهَا كَانُوا مُسِيئِينَ،
المسجد أفضل منها في البيت، وعليه الاعتماد؛ لأن عمر ﵁ جمع الناس على إقامتها في جماعة (^١)، وقد قال ﵊: «عليكم بسنتي» (^٢) الحديث، وقال ﵊: «إن لِعُمَرَ فيكم سُنَّةٌ مهدية؛ فاتبعوه ولا تخالفوه» (^٣) وأراد هذا.
وقيل: إن كان ممن يقتدى به؛ يكره له أن يصليها في البيت. كذا في الْمُجْتَبَى (^٤).
وفي المبسوط: أن للجماعة فضيلة في البيت، وفي المسجد فضيلة أخرى (^٥).
ولو صلاها في المسجدين على الكمال؛ لا يجوز، ولا بأس به للمقتدي.
قال أبو نصر: إنما يكره ذلك للإمام إذا أم في مسجد واحد، ويجوز في مسجدين كالتأذين مرتين (^٦).
وقال الصفار: يجوز في مسجدين لكن يؤثر في الثاني.
وفي فتاوى العتابي: لو أدَّى التراويح بغير جماعة أو النساء وحدانًا في بيوتهن تكون تراويحا.
وعن أبي يوسف: التراويح في البيت أفضل (^٧)، وبه قال مالك (^٨) والشافعي
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٥٣).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) وبنحوه من كلام أبي الدرداء رواه ابن زنجويه في الأموال (٢/ ٥٤٦).
(٤) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الرَّبِيدِيّ (١/ ٩٧) والحديث المذكور تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٧٣)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٨)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١١٩).
(٦) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزَّبيدي (١/ ٩٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٠).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٥٣)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٧)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١١٩).
(٨) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٣١٥)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (٢/ ٢٧١)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/¬٦).
[ ٢ / ٦٠ ]
وَلَوْ أَقَامَهَا البَعْضُ فَالمُتَخَلِّفُ عَنْ الجَمَاعَةِ تَارِكٌ لِلْفَضِيلَةِ، لِأَنَّ أَفْرَادَ الصَّحَابَةِ ﵃ رُوِيَ عَنْهُم التَّخَلَّفُ، وَالمُسْتَحَبُّ فِي الجُلُوسِ بَيْنَ التَّرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارُ
في قول (^١)؛ لأنه ﵊ لم يخرج في الليلة الثالثة، وقال: «صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (^٢)، ولأنه أبعد من الرياء. وقال أبو حنيفة، وأحمد (^٣)، والشافعي في أصح قوليه (^٤): الجماعة أفضل؛ لما ذكرنا من حديث عمر ابن الخطاب.
قوله: (في الجلوس بين الترويحتين): الجلوس بعينه ليس بمراد، حتى لو صلى أربعًا بين الترويحتين؛ يجوز، كما فعل أهل المدينة، أو طاف أسبوعًا بينهما كما فعل أهل مكة؛ يجوز، فأهل كل بلدة بالخيار: يسبحون، أو يهللون، أو ينتظرون سكوتا، وإنما يستحب الانتظار؛ لأن التراويح مأخوذ من الراحة، فيفعل ما قلنا تحقيقا لمعنى الاسم. كذا في المحيط، وفتاوى قاضي خان (^٥). وفي فتاوى العتابي: [يكره للقوم ركعتان بين الترويحتين؛ لأنه بدعة (^٦).
وليس بصحيح؛ أي: غير مستحب؛ لأنه يخالف أهل الحرمين.
وفي فتاوى العتابي:] (^٧) إمامة الصبي في التراويح لا يجوز عند محمد بن سلمة، وهو اختيار مشايخنا، وعند محمد بن مقاتل ونصر بن يحيى: يجوز إذا بلغ عشر سنين في التراويح خاصة، وأفتى النسفي به (^٨).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٩١)، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ٢٠٧).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٤٧ رقم ٧٣١)، ومسلم (١/ ٥٣٩ رقم ٧٨١) من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(٣) انظر: الإقناع للحجاوي (١/ ١٤٧)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٨١)، والعدة شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي (ص ٩٧).
(٤) انظر: إعانة الطالبين للبكري (١/ ٢١٩)، والمنهاج القويم لابن حجر الهيتمي (ص ١٤٥).
(٥) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٥١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٦٨).
(٦) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٠).
(٧) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٨) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٦٦)، والمبسوط للسرخسي (٢/ ١٤٩)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٩).
[ ٢ / ٦١ ]
التَّرْوِيحَةِ، وَكَذَا بَيْنَ الخَامِسَةِ وَبَيْنَ الوِتْرِ لِعَادَةِ أَهْلِ الحَرَمَيْنِ، وَاسْتَحْسَنَ البَعْضُ الاسْتِرَاحَةَ عَلَى خَمْسِ تَسْلِيمَاتٍ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
ولو صلى التراويح قاعدًا لا يجوز، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يجوز؛ وهو المختار.
وفي جمل النوازل: لو صلاها الإمام قاعدًا لعذر والقوم قيام؛ فالأصح أنه يجوز بالإجماع؛ لأن الكل لو تركوا القيام يجوز، فإذا أتى البعض به؛ أولى أن يجوز، لكن المستحب للقوم أن يقعدوا عندهما خلافًا لمحمد، ولو قعد الإمام بغير عذر وقام القوم؛ فالأصح أنه يجوز أيضًا، ولو اقتدى في
التراويح بمن لا يؤدي التراويح؛ في الأصح: لا يصح.
وفي الْمُجْتَبى: لو صلى عشرين ركعة بتسليمة واحدة، وقعد على رأس كل ركعتين، فعندهما يجزئه عن أربع ركعات، وقيل: ركعتين، وعند أبي حنيفة: عن ثمان، وعلى قول عامة المشايخ: يجزئه عن التراويح كلها (^١).
وفي العتابي: هو المختار.
وفي الْمُجْتَبى: لو صلَّى أربعًا بتسليمة، ولم يقعد على الثانية؛ ففي القياس: تفسد، ويقضي الترويحة، وهو قول محمد، وزفر، ورواية عن أبي حنيفة (^٢).
وفي الاستحسان: وهو المشهور عنه، وهو قول أبي يوسف؛ يجزئه عن الترويحة، وقيل: عن تسليمة؛ وعليه الفتوى (^٣).
وعن أبي بكر: لو قام إلى الثالثة، فتذكر قبل السجود؛ يقعد، وبعده يضم إليها أخرى، ويجزئه عن ترويحة، ولو صلَّى ثلاثًا، ولم يقعد عند الثانية؛ فسدت قياسًا واستحسانًا على الأصح، وعليه قضاء ركعتين؛ لأن التنفل بالثلاث لا يجوز (^٤).
_________________
(١) انظر: مجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٣٦)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٩)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٨).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٨)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٦٣).
(٣) انظر: مجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٣٦)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٠).
(٤) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١) (٩٨)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٦٣).
[ ٢ / ٦٢ ]
وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ» يُشِيرُ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ العِشَاءِ قَبْلَ الوِتْرِ، وَبِهِ قَالَ
وقيل في الاستحسان: يجزئه عن تسليمة، وعليه قضاء ركعتين إن قام إلى الثالثة عمدًا، وإلا فلا؛ اعتبارا بالفرض، وهو المغرب، وبالشروع في الثالثة إن كان ساهيًا؛ لا يلزمه شيء؛ لأنه مظنون، وإن كان عامدًا؛ يلزمه قضاء ركعتين؛ كما في غيره من النوافل.
وفي النوازل: صلَّى التراويح ثلاثًا ثلاثًا، أحدًا وعشرين ركعة، بسبع تسليمات، ولم يقعد عند الثانية فيها سهوا؛ فعليه قضاء ركعتين عندهما (^١).
وعند محمد: قضاء التراويح كلها، ولو تذكر وضم إلى الثالثة في المرة الأخيرة ركعة؛ جاز تراويحه ولا شيء عليه، ولو قال الإمام بعد السلام: صليت ركعتين، وقال القوم: ثلاثًا؛ قال أبو يوسف: يعمل بعلمه.
وقال محمد بقولهم، ولو شك وأخبره عدلان؛ يأخذ بقولهما، ولو شكوا أنه صلى عشر تسليمات أم تسعا؛ قيل: يوترون.
وقيل: يصلون بجماعة بتسليمة، والأصح: أداؤها فرادى؛ لأن الزيادة بالجماعة بدعة، وتركها أصلا ترك السنة.
ولو افتتح الوتر، فتابعه، ثم ظهر أنه يصلي التراويح؛ قال النسفي: أجزأه.
ويجوز اقتداء من يصلي التسليمة الأولى بغيرها، ولو صلى بعض التراويح مع الإمام، وفاته البعض؛ يوتر معه، ويقضي ما فاته.
وقيل: لا يوتر حتى يدرك الأكثر.
وعن عين الأئمة: يوتر وإن أدرك معه تسليمة (^٢). ويقضي التراويح ما لم يدخل وقت تراويح آخر، وما لم يمض رمضان، والأصح: أنها لا تقضى، ولو ظهر لهم أنه فسد شفع في الليلة الماضية؛ ليس لهم قضاؤها.
قلت: وفيه نظر، ولو غلبه النوم، ويكره له التراويح معها، وكذا على
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٦٤).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٠)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٩)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٦٦).
[ ٢ / ٦٣ ]
عَامَّةُ المَشَايِخِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ العِشَاءِ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ قَبْلَ الوِتْرِ وَبَعْدَهُ، لِأَنَّهَا نَوَافِلُ سُنَّتْ بَعْدَ العِشَاءِ،
السطح في شدة الحر.
أما النية؛ في المبسوط: ينوي التراويح، أو سنة الوقت، أو قيام الليل (^١)، فإن أطلق النية، أو ينوي التطوع؛ فأكثر المشايخ على أن التراويح وسائر السنن تتأدى بمطلق النية، والاحتياط فيه ما ذكرنا.
وفي السنن: متابعة الرسول، وفي اشتراط النية في كل شفع؛ اختلاف المشايخ.
وفي حمل النوازل: لو نوى مطلق الصلاة أو صلاة التطوع؛ لا يصح (^٢). كذا روى ابن زياد عن أبي حنيفة؛ لأنها لا تتخصص إلا بالتخصيص، كما في ركعتي الفجر.
قوله: (والأصح أن وقتها): اختلف المشايخ في وقتها، قال إسماعيل المستملي وجماعة من متأخري بلخ: جميع الليل إلى طلوع الفجر، قبل العشاء وبعده، بعد الوتر وقبله وقتها؛ لأنه ﵊ سماها سنة قيام الليل، وكان وقتها الليل.
وقال عامة مشايخ بخارى وقتها ما بين العشاء والوتر، وبه قال الشافعي (^٣)، حتى لو صلوها قبل العشاء وبعد الوتر [وقبله] (^٤)؛ لم يؤدها في وقتها، حتى لو صلّى أحد الإمامين العشاء والآخر التراويح، ثم ظهر أن الإمام الأول كان محدثًا؛ يعيدون العشاء والتراويح؛ لأنها عرفت بفعل الصحابة، وهم صلوها بعد العشاء قبل الوتر.
وقال النسفي: الصحيح أنه لو صلى التراويح قبل العشاء لا تكون تراويحا،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٤٥).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٤٥).
(٣) انظر: المنهاج القويم لابن حجر الهيتمي (ص ١٣٩)، وحاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ٤٢٢)، وشرح المقدمة الحضرمية لسعيد الرباطي (ص ٣١٦).
(٤) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٦٤ ]
وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ القِرَاءَةِ فِيهَا، وَأَكْثَرُ المَشَايِخِ ﵏ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا
ولو صلوها بعد العشاء وبعد الوتر جاز؛ لأنها تبع للعشاء بمنزلة السنة (^١).
قوله: (ولم يذكر محمد والقدوري) قدر القراءة واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يقرأ في كل شفع مقدار ما يقرأ في صلاة المغرب؛ لأن التطوع أخف من المكتوبة، فيعتبر بأخف المكتوبات قراءة، وهو المغرب. وهذا ليس بصحيح؛ لأن بهذا القدر لا يحصل الختم والختم في التراويح سنة مرة واحدة.
وقال بعضهم: يقرأ مقدار ما يقرأ في العشاء؛ لأنها تبع لها.
وقال بعضهم: وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة: يقرأ في كل ركعة عشر آيات. وهو الصحيح؛ لأن فيه تخفيفًا على الناس، وبه يحصل الختم مرة.
وفي المحيط: روي عن عمر ﵁، أنه دعا ثلاثة من الأئمة، فاستقرأهم، وأمر أحدهم أن يقرأ في كل ركعة ثلاثين، وأمر الثاني أن يقرأ خمسا وعشرين، وأمر الثالث أن يقرأ بعشرين، وما قاله أبو حنيفة سنة؛ لأن به يحصل الختم، وما قاله عمر فضيلة؛ لأنه يحصل الختم مرتين (^٢).
[وهو السنة؛ أي: سنة الخلفاء الراشدين؛ لأن عدد الركعات في ثلاثين ليلة ستمائة، وآيات القرآن ستة آلاف وشيء، والفضيلة في الختم مرتين] (^٣)، وأهل الاجتهاد كانوا يختمون في كل عشر ليال.
وعن أبي حنيفة: أنه كان يختم في رمضان إحدى وستين، ثلاثين في الليالي، وثلاثين في الأيام، وإحدى في التراويح، كذا في فتاوى قاضي خان (^٤).
وفي الْمُجْتَبى: أما القراءة فقيل ثلاثين آية في كل ركعة (^٥).
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٦٩).
(٢) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٩)، والمبسوط للسرخسي (٢/ ١٤٦)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٩).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤١٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٩).
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٩)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٩).
[ ٢ / ٦٥ ]
الخَتْمُ مَرَّةً، فَلَا يُتْرَكُ لِكَسَلِ القَوْمِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّشَهُدِ مِنْ الدَّعَوَاتِ،
قيل: عشرين.
وقيل: عشر آيات للختم مرة.
وقيل: كما في المغرب (^١).
وقيل: ثلاث آيات قصار، وآية طويلة، أو آيتان متوسطتان، وعن أبي ذر: آيتان.
قلت: والمتأخرون يفتون في زماننا بثلاث آيات قصار، أو آية طويلة؛ حتى لا يمل القوم، ولا يلزم تعطيلها، وهذا حسن؛ فإن الحسن روى عن أبي حنيفة: إن قرأ في المكتوبة بعد الفاتحة ثلاث آيات؛ فقد أحسن ولم يسيء، هذا في المكتوبة، فما ظنك في غيرها.
وفي المحيط: الأفضل في زماننا أن يقرأ مقدار ما لا يؤدي إلى تنفير القوم لكسلهم (^٢)، وفي الكتاب قال بخلاف هذا؛ حيث قال: إن السنة فيها الختم مرة، فلا يترك لكسل القوم (^٣).
وفي المبسوط: لو غلط فترك آية أو سورة، وقرأ ما بعدها؛ فالمستحب: أن يقرأ المتروكة ثم المقروءة؛ محافظة على النظم (^٤).
وإذا فسد شفع وقد قرأ فيه؛ فالأصح: أنه لا يعيد تلك القراءة عند إعادته الشفع.
وقال النسفي: إذا كان إمامه لحانا وغيره أخف قراءة وأحسن صوتا؛ فلا بأس أن يترك مسجده (^٥).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٥٦)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٧٤)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٠).
(٣) انظر: الهداية للمرغيناني (١/ ٧٠)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٩)، وملتقى الأبحر لإبراهيم الحلبي (ص ٢٠٣).
(٤) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٤٦٠).
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٤٦٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦١)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤١٤).
[ ٢ / ٦٦ ]
حَيْثُ يَتْرُكُهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ (وَلَا يُصَلِّي الوِتْرَ بِجَمَاعَةٍ فِي غَيْرِ) شَهْرِ (رَمَضَانَ) وعَلَيْهِ إِجْمَاعُ المُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (حيث يتركها)؛ أي: الدعوات، يعني إذا علم أن قراءتها تثقل على القوم، ولكن ينبغي أن يأتي بالصلوات؛ لأن الصلاة على النبي ﵊ فرض عند الشافعي، فيحتاط في الاتيان بها، ولكن لا يترك الثناء.
وفي المبسوط: الأفضل تعديل القراءة بين التسليمات، وبين ركعتي تسليمة (^١)، ولا يستحب تطويل الثانية على الأولى، وفي العكس اختلاف.
قوله: (ولا يصلي الوتر بجماعة في غير رمضان)؛ لأنها نفل من وجه حتى وجبت القراءة في الركعات كلها، وتؤدى بغير أذان وإقامة، وصلاة النفل بالجماعة مكروه ما خلا قيام رمضان وصلاة الكسوف؛ لأنه لم يفعلها الصحابة، ولو فعلوا لاشتهرت، وما اشتهرت. كذا ذكره الولواجي (^٢).
أما في رمضان، الجماعة أفضل؛ لأن عمر ﵁ فعل ذلك، ولأنه لما جاز أداؤها بالجماعة فيه؛ كانت الجماعة أفضل كما في المكتوبة. كذا في فتاوى قاضي خان (^٣).
وفي الخلاصة: قال القدوري: إنه لا يكره (^٤)، وأصل هذا أن التطوع بالجماعة إذا كان على سبيل التداعي؛ يكره، وأما صلاة الجماعة في ناحية المسجد بغير أذان وإقامة؛ لا تكره.
وقال النسفي: اختار علماؤنا الوتر في المنزل في رمضان؛ لأن الصحابة لم يجتمعوا على الوتر بجماعة فيه كما اجتمعوا في التراويح فيها، فعمر كان يؤمهم
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٩)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٩)، والاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٧٠).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٨)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٠).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٧٥)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٣٧)، والاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٦٩).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٥٨)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬٤٨).
[ ٢ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوتر في رمضان، وأبي لا يؤمهم فيها في رمضان. كذا في المحيط (^١).
قال البزدوي: الشافعي ﵀ لم ير التطوع بالجماعة بأسا، واستدل بحديث ابن عباس (^٢). وقلنا ذلك: لم يكن جماعة مطلقة، وإنما كان بواحد، وبمثنى، ولا بأس بمثله عندنا، فأما ابتداء الجماعة فيها؛ فلا.
وذكر السرخسي الجماعة فيها على سبيل التداعي مكروه، أما إذا اقتدى واحد بواحد، واثنان بواحد؛ لا يكره، وإن اقتدى ثلاثة بواحد هل يكره؟.
قيل: يكره.
وقيل: لا، ولا خلاف في كراهة اقتداء الأربعة بواحد (^٣).
وفي الفتاوى الظهيرية والعتابي، وجامع الإِسْبِيجابي: يكره تكرار الجماعة في مسجد، محله: بأذان وإقامة، لا في مسجد على قارعة الطريق (^٤)؛ لما روي أنه ﵊ خرج إلى بعض النواحي، فرجع وقد صلوا في المسجد، فمال إلى أهله فجمع بهم، فثبت أنه يجب كذلك.
وعن الحسن البصري أنه قال: كان أصحاب النبي ﵊ صلوا فرادى بغير أذان وإقامة، ولأن فيه تقليل الجماعة، وتكثيرها مندوب إليه قال ﵊: «كلَّما كثرت الجماعة فهو عند الله أفضل» (^٥)، وبه قال الشافعي ومالك.
وقال أحمد وداود: لا يكره؛ لأن الأولين وإن صلوا فيه فلا يوجب ذلك إبطال
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٦٨).
(٢) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (٤/ ٥٥).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٦٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٧٥)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬٤٩).
(٤) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٦٦)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٥٥٢، ٥٥٣).
(٥) بنحوه أخرجه أبو داود (١/ ١٥١، رقم ٥٥٤) والترمذي (١/ ٢٩٢، رقم ٢١٦) والنسائي (٢/ ١٠٤، رقم ٨٤٣) قال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٢ / ٦٨ ]