(المَعَانِي النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ: كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ
[فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ]
النواقض: جمع ناقضة، والنقض إذا أضيف إلى الأجسام يراد به إبطال تأليفها، وإذا أضيف إلى غيرها يراد به إخراجه عما هو المطلوب، فالمطلوب من الوضوء استباحة الصلاة، كذا ذكره الإمام ظهير الدين.
الوضاءة: الحسن والنظافة، قال المطرزي: الوضوء بالضم المصدر، وبالفتح الماء الذي يتوضأ به، والمصدر أيضًا، وأنكر بعضهم الضم (^١)، وقال الأخفش: بالضم المصدر وبالفتح الماء.
وقوله: (كل ما يخرج) كلمة (كل ما) وضعت لعموم الأفراد فيتناول المعتاد وغيره كالبول، ودم الاستحاضة، والسبيلين: يتناول الدبر والذكر وفرج المرأة، وأراد به خروج ما يخرج ليوافق المبتدأ الخبر؛ لأن المبتدأ لفظ المعاني.
وماء عين ليس بمعنى فلا يكون علة؛ لأن العلة عبارة عن معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل، والمراد بالمعاني العلل، وأطلق لفظ المعاني عليها اقتداء بالنبي ﷺ حيث قال: «لا يَحِلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى معاني ثلاث» (^٢)، والمراد العلل.
وقيل: السلف لا يستعملون لفظ العلة لأنه مستعمل الفلاسفة، وهو غير قوي لأن الشيخين فخر الإسلام، وشمس الأئمة وغيرهما ذكروا في أصولهم لفظ العلة كثيرًا، ثم ذكر في المدخل ما هو المخصوص من هذا العموم فقال: كل ما يخرج من السبيلين سوى الريح الخارج من القبل والذكر وهو صحيح (^٣)، لأن الوضوء منها غير واجب في أصح الروايتين لأن الريح لا ينبعث من الذكر وإنما هو اختلاج، والفرج محل الوطئ لا النجاسة فلا يجاوز الريح النجاسة، والريح طاهر في نفسه، وهذا اختيار المصنف كما يجيء، لكن كلمة (ما) عامة تتناول المعتاد وغيره لانتقاده.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/¬١١)، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/¬٩).
(٢) أخرجه البخاري (٥/¬٩ رقم ٦٨٧٨)، ومسلم (٣/ ١٣٠٢ رقم ١٦٧٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/¬٣٧)، ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح للشرنبلالي (ص ٣٨).
[ ١ / ١٠٦ ]
أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ [المائدة: ٦] وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا الحَدَثُ؟ قَالَ: «مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ» وَكَلِمَةُ «مَا»، عَامَّةٌ فَتَتَنَاوَلُ المُعْتَادَ وَغَيْرَهُ. (وَالدَّمُ وَالقَيْحُ … … … .
وعن محمد: يجب الوضوء منها لعموم النص؛ ولأنه ينبعث عن محل النجاسة ظاهر، ولهذا لو وصل شيء ثم عاد نحو الحقنة ففيه الوضوء لأنه لا ينفك عن نجاسة، كذا في جامعي قاضي خان، والتمرتاشي (^١).
وقوله: (تتناول المعتاد وغيره) نفي لقول مالك فإنه قال: لا وضوء مما يخرج نادرًا كالحصاة، والدود والمذي الدائم، ودم الاستحاضة (^٢)، وعند داود لا يجب الوضوء بالدود والدم (^٣)، وعندنا والشافعي (^٤)، وأحمد (^٥) يجب عن غير المعتاد أيضًا، وفي شرح المجمع: قيد بالاعتياد ولم يقل المعتاد لأن خروجه إذا كان على وجه الاعتياد نقض عنده، وإن خرج لا على وجه الاعتياد لا ينقض؛ كسلس البول (^٦).
له أنه تعالى كنى بالغائط وهو المكان المطمئن الذي يقصد للحاجة عن قضاء الحاجة المعتاد للمجاورة بالنقل عن أئمة التفسير.
ولنا عموم الآية؛ فإن الله تعالى أمر بالتيمم عند المجيء منه مطلقا.
وقوله ﵇: «لا وُضوءَ إِلَّا عن حَدَثٍ»، فقيل: وما الحدث يا رسول الله؟ قال: «الخارجُ مِنَ السَّبيلين» (^٧).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (١/¬٢٥)، والبناية شرح الهداية (١/ ٢٥٧).
(٢) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٩٧)، والذخيرة للقرافي (١/ ٢٣٥).
(٣) انظر: المحلى لابن حزم (١/ ٢٣٥).
(٤) الأم للشافعي (١/¬٣١)، وانظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٧٦).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٢٥)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٢٣٢).
(٦) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/¬٣٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/¬٣٣).
(٧) أخرجه أحمد (١٥/ ١٨٠ رقم ٩٣١٣) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا وضوء إلا من حَدَثٍ أو ريح». وأخرجه الترمذي (١/ ١٣٠ رقم ٧٤)، وابن ماجه (١/ ١٧٢ رقم ٥١٥)، وابن خزيمة (١/¬١٨ رقم ٢٧) بلفظ: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح». وصححه الترمذي، وصححه كذلك البيهقي، وابن الصلاح، وابن دقيق العيد، وابن الملقن، انظر: البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (٢/ ٤١٩).
[ ١ / ١٠٧ ]
إِذَا خَرَجَا مِنْ البَدَنِ فَتَجَاوَزَا إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَالقَيْءُ مِلْءَ الفَمِ).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأَ وَلِأَنَّ غَسْلَ غَيْرِ مَوْضِعِ الإِصَابَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَهُوَ المَخْرَجُ المُعْتَادُ، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﷺ: «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمِ سَائِلِ»، وَقَوْلُهُ ﵊: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّا وَلِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»، وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَكِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا القَدْرُ فِي الأَصْلِ مَعْقُولٌ، وَالاقْتِصَارُ عَلَى الأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي الأَوَّلِ، غَيْرَ أَنَّ الخُرُوجَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالسَّيَلَانِ إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ
وقوله ﵇: «الوضوء مما يخرج» (^١).
وقوله ﵇: «المستحاضة تتوضَّأُ لوقتِ كُلِّ صلاةٍ» (^٢).
وقوله ﵇ لمقداد حين سأله عن المذي: «إذا وجدت ذلك فانضح فَرْجَكَ بالماء وتوضأ» (^٣)، والودي من توابع البول فأخذ حكمه، وكذا الدودة والحصاة لا ينفكان عن بلة معهما، وتلك البلة بانفرادها توجب الوضوء فتكون ناقضا قياسًا على المعتاد.
وقيد بقوله: (وخرجا من البدن) إذ نفس النجاسة بلا خروج غير ناقضة وإلا لما حصلت الطهارة من شخص لأن تحت كل جلدة رطوبة ودما، والمراد بدن الحي إذ لو خرجت من بدن الميت بعد غسله يغسل ذلك الموضع فقط، وشرط التجاوز إن كان الخروج لا يتحقق بدونه احترازًا عما يبدو؛ لأن ذلك لا يسمى خارجا عادةً وهو ناقض عند زفر، فذكر أولا ما ذكر بالنص، ثم ذكر ما ثبت بمعنى النص اجتهادا وهو الدم والقيح.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ٢٧٦ رقم ٥٥٣) من حديث ابن عباس ﵄. وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٤٢١)، وابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٣٣٢).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٥٥ رقم ٢٢٨) من حديث عائشة ﵂، بنحوه. وانظر كلام ابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٢٩٥).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٢٤٧ رقم ٣٠٣).
[ ١ / ١٠٨ ]
حُكْمُ التَّطْهِيرِ،
(حُكْمُ التَّطْهِيرِ): أي حكم هو تطهير من قبيل إضافة العام إلى الخاص كقولهم: علم الطب، والمراد وجوب تطهير في الجملة كما في الجنابة حتى سال الدم من الرأس إلى قصبة الأنف انتقض بخلاف البول إذا نزل إلى قصبة الذكر ولم يظهر فإنه لم يصل إلى موضع يلحقه التطهير، وفي الأنف وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير فإن الاستنشاق في الجنابة فرض كذا في المبسوط (^١).
وعن هذا إذا كانت قرحة في العين ووصل الدم فيها إلى جانب آخر من عينه لا ينقض الوضوء لأنه لم يصل إلى موضع يجب غسله.
ثم اعلم أن ما خرج من بدن الحي نوعان: طاهر بالإجماع كالدمع والعرق، والريق والمخاط وليس بناقض بالإجماع.
ونجس: وهو أربعة أنواع: خارج من السبيلين معتاد كالبول والغائط هو حدث بالإجماع، وخارج منهما غير معتاد فهو حدث عند الكل إلا عند مالك (^٢)، وداود (^٣)، وخارج من غيرهما كالقيء والرعاف فهي حدث عندنا وأحمد (^٤)، وهو مذهب العشرة المبشرة، وابن مسعود، وعن أحمد: إن قطر الدم قطرة لم ينقض (^٥).
وعنه إن خرج الدم قدر ما يعفى وهو شيء لم ينقض (^٦)، وعن ابن أبي ليلى ينقض قليله وكثيره.
وقال الشافعي (^٧)، ومالك (^٨)، وداود (^٩): الخارج من غير السبيلين لا ينقض
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لبرهان الدين (١/ ٥٩)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٨).
(٢) انظر: إرشاد السالك لابن عسكر (١/¬٧)، والتلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٢٢).
(٣) انظر: المحلى بالآثار لابن حزم (١/ ٢٣٥).
(٤) انظر: المبدع في شرح المقنع لابن مفلح (١/ ٢٥٧)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٨١).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٣٦)، وشرح الزركشي على الخرقي (١/ ٢٥٦).
(٦) انظر: المبدع في شرح المقنع لابن مفلح (١/ ٢١٥).
(٧) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢٠٠١)، والمجموع شرح المهذب للنووي (٢/ ٥٤).
(٨) انظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف لابن لقصار (٢/¬٤٤)، والذخيرة للقرافي (١/ ٢٣٦).
(٩) انظر: المُحَلَّى بالآثار لابن حزم (١/ ٢٣٥).
[ ١ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مطلقا، وهو مروي عن العبادلة الثلاثة، وأبي أوفى، وأبي هريرة، وعائشة، واحتجوا بما روي أنه ﵇ احتجم وصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل موضع محاجمه (^١)، وبما روي أنه ﵇ قاء فلم يتوضأ (^٢)، والفاء دخل في الحكم، أي لم يتوضأ حكما للقيء كقول الراوي: سها رسول الله فسجد، أي حكما لذلك السهو، ولم ينقل إلينا توضؤه بعد زمان، ولو توضأ لا يحمل على هذا بل يحمل على ناقض آخر إذ اللائق بحاله ﵇ أن يكون متوضأ دائما.
وبما روي عن ابن عمر أن بوجهه بثرة فقشره فخرج منها الدم فلم يعد الوضوء (^٣)، وسئل ابن عباس عن الحجامة؟ فقال: اغسل موضع الحجامة وكفاك (^٤)، وعن أبي هريرة أنه أدخل إصبعيه في أنفه وأخرجهما وعليهما دم فمسحهما بالتراب، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ (^٥).
وبالقياس على الأشياء الطاهرة الخارجة من البدن كالعرق وغيره لجامع كونهما خارجين من غير السبيلين، وبأن وجوب الوضوء أمر تعبدي، أي كلفنا الله تعالى به من غير أن نعقل معنى إذ لا نجاسة على الأعضاء حقيقة، وقد وجب غسلهما لا غسل ما لاقته النجاسة حقيقة فاقتصرنا في إيجابه على مورد
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٧٦ رقم ٥٥٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢١ رقم ٦٦٦) من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الدارقطني: وقفه أبو المغيرة، عن الأوزاعي، وهو الصواب، وضعفه البيهقي، وضعفه ابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٣٢٦).
(٢) قال العيني: هذا الحديث غريب لا ذكر له في كتب الحديث. البناية في شرح الهداية (١/ ١٩٨)، وقال الزيلعي: قلت: غريب جدا. نصب الراية (١/ ٦٦).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٣٨) رقم (١٤٧٨)، وعبد الرزاق في المصنف (١/ ١٤٥ رقم ٥٥٣).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/¬٤٤ رقم ٤٨٢) باب من قال عليه الغسل، عن المسيب بن رافع، عن ابن عباس قال: الغسل من الحجامة.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٣٨) رقم (١٤٨١)، وعبد الرزاق في المصنف (١/ ١٤٥ رقم ٥٥٦).
[ ١ / ١١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرع، فلا يقاس عليه غيره.
ولنا: قوله ﵇: «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمِ سَائِلٍ» أخرجه الدارقطني (^١).
فإن قيل: هذا الحديث [رواه عن تميم الداري: عمر بن عبد العزيز] (^٢)، والحال أنه لم يلقه عمر، بل يرويه يزيد بن خالد، ويزيد بن محمد، عن عمر، وهما مجهولان (^٣).
قلنا: عدم لقي الداري المروي عنه بمنزلة الإرسال، والمرسل مقبول عندنا، وأحمد، ومالك، والجهالة غير مانعة للقبول على ما عرف.
فإن قيل: المراد من قوله ﵇ «الوضوء من كل دم سائل» الوضوء اللغوي وهو الغسل بدليل ما روى أنس أنه ﵇ احتجم وغسل محاجمه، ولم يتوضأ.
قلنا: المفهوم من إطلاق الوضوء الوضوء الشرعي لا اللغوي.
فإن قيل: قوله الوضوء مبتدأ، وخبره ما اقتضاه الجار والمجرور وهو مستحب، أو سنة أو واجب، فما يعين وجه الواجب؟
قلنا: فيه وجهان:
أحدهما: أنه إخبار وهو أكد من الأمر في اقتضاء الوجوب لأن الإخبار يقتضي وجود المخبر به لا محالة من غير اختيار خصوصًا إخباره ﵇، فعدل عن الوجود إلى الوجوب لئلا يلزم النقض في الخبر، وليكون داعيا إلى الوجود فكان أقوى في اقتضاء الوجوب، وفيه تأمل.
والثاني: أنه وصف الدم بالسيلان، والدم السائل نجس نجاسة غليظة كالغائط فكان ملحقا بدلالة النص لأنهما لا يتفاوتا في أن كل واحد منهما خارج
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في "السنن " (١/ ٢٨٧ رقم ٥٨١) وضعفه.
(٢) وقع في الأصل: (رواه تميم الداري، عن عمر بن عبد العزيز) وهو خطأ.
(٣) وقع في الأصل: (بل يرويه يزيد بن خلف، وزيد بن محمد)، والصواب ما أثبتناه، وهو كلام الدارقطني عقب الحديث، إذ قال عقبه: (عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري ولا رآه، ويزيد بن خالد ويزيد بن محمد مجهولان).
[ ١ / ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نجس من بدن الحي، كذا قيل وفيه تأمل، وقوله ﵇: «من قاء …» الحديث وطعنوا فيه بالإرسال، والمرسل حجة عندنا ومالك، وأحمد.
وقال المطرزي: (رعف) سال رعافه بفتح العين هو الفصيح، والاستدلال به من وجوه:
أحدها: أنه أمر بالبناء، وأدنى درجات الأمر الإباحة والجواز، ولا جواز للبناء إلا بعد الانتقاض، فدل بعبارته على جواز البناء وعلى الانتقاض بمقتضاه.
والثاني: أمر بالوضوء، ومطلق الأمر للوجوب.
والثالث: أنه أباح الانصراف، وهو لا يباح بعد الشروع إلا به.
فإن قيل: جاز أن يكون الأمر بالانصراف واقعا لغسل النجاسة الحقيقية كرعاف أصاب بدنه وثوبه لا للحدث.
قلنا: أخرج عليه بطريق المشاكلة لجواب سائل في قوله: ألا تتوضأ وضوءك للصلاة مع أنه لغسل النجاسة الحقيقية يفسد الصلاة ومانع للبناء بالاتفاق، ألا ترى أن في رواية ابن أبي مليكة عن عائشة: «من قاء أو رعف أو أمذى»، ومن المذي لا يجب إلا الوضوء الشرعي، فكذا بالقيء والرعاف كذا في الأسرار (^١).
فإن قيل: البناء معطوف على الانصراف غير واجب فكذا الانصراف والتوضؤ ليناسب أحكام المعطوفات.
قلنا: القران في النظم لا يوجب القران في الحكم لما عرف في الأصول، وجواز البناء موقوف على الانقباض ووجوب الوضوء بالإجماع.
وروى مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا رعف انصرف فتوضأ ثم رجع فبنى ولم يتكلم (^٢) مؤثر في زوال الطهارة لأنهما متنافيان، فيؤثر أحدهما في
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٢٦٤).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١/¬٣٨ رقم ٤٦). وصححه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٦٣).
[ ١ / ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زوال الآخر لاستحالة اجتماعهما.
(وَهَذَا القَدْرُ): أي كون خروج النجاسة مؤثرا في زوال الطهارة واستحالة اجتماعهما في الأصل وهو السبيلين معقول، ثم خروجهما يقتضي وجوب غسل كل الأعضاء بوجهين:
أحدهما: أنها تجاوزت إلى موضع يلحقه حكم التطهير وجب تطهير ذلك بالإجماع، أما عندنا حال ازدياد قدر الدرهم، وأما عنده وإن قلت.
وجوب التطهير في البدن باعتبار ما يكون منه لا يحتمل وصفه كونه محدثا يشمل جميع البدن، وإن قامت بمحل معين كالعلم والعمى فإن كل البدن يتصف بهما وإن قاما بمحل معين وهو الأصح عند أصحاب الشافعي، فكذا موضع الخروج لما اتصف بصفة النجاسة يلزم إيضاف الكل فبعد ذلك الاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول.
وقيل: هو تخفيف ورخصة، لكن تكرار الوضوء في كل يوم وليلة فأقيم غسل الأعضاء مقام غسل جميع البدن نفيا للحرج، ولهذا لما لم يكثر خروج المني، ودم الحيض والنفاس وجب غسل جميع البدن وإن كان خروجها من جزء يسير من البدن.
والثاني: أنه لما وجب غسل ذلك الموضع لما ذكرنا، ولما أن قيام من قام بين يدي من هو واجب التعظيم، ويعلم الظاهر والباطن مستصحبا لما يستقذر قبيح جدا فأوجب غسله وجب غسل الباقي لا لإزالة النجاسة بل باعتبار أن غسل بعض البدن يحل بالزينة وجب غسل الكل تحقيقا لمعنى الزينة.
ثم (الاقتصار) بعد هذا (غير معقول، لكنه) أي الاقتصار الذي هو غير معقول يتعدى ضرورة تعدي الأول وهو القدر المعقول، تشريحه أن الحكم في الأصل وهو الخارج من السبيلين مشتمل على معنيين:
أحدهما: معقول أصالة، وهو زوال الطهارة.
والثاني: غير معقول تبعا، وهو الاقتصار لأنه ثبت مرتبا عليه فكان تبعا، فيجب أن يثبت الحكم في الفرع - وهو الخارج من غير السبيلين - على وفاق
[ ١ / ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك مشتمل على معنيين: معقول، وغير معقول، لئلا يلزم تغير حكم النص في الفرع، فالحاصل أنا نعدي أمرًا معقولا فيتضمن تعدي أمر غير معقول ضرورة تعدي الأول، وهو الأمر المعقول؛ لأن تعديه ما ليس بمعقول غير ممنوع لأنه ثابت في ضمن شيء آخر والعبرة للمتضمّن لا للمتضمن كالوكالة الثابتة في ضمن الرهن، ونظير هذا تعديه استواء الجيد مع الرديء في باب الربا في غير الأشياء الستة، مع أنه غير معقول في ضمن تعديه الكل والجنس فيصير هذا جوابًا عن قول الخصم أنتم عدّيتم أمرًا غير معقول فيقتصر على مورد الشرع.
فإن قيل: لو كانت النجاسة على الوجه الذي ذكرتم منافية للطهارة ينبغي أن ينتقض الوضوء بإصابة نجاسة من الخارج بدنه وإن لم تخرج شيء منه؛ لما أن وجوب الطهارة لا تحتمل الوصف بالتجزؤ.
قلنا: هذا لا يرد نقضا لأنه موضع الإجماع، ولأن الانتقاض عند تحقق كونه محدثًا وذلك باعتبار خروج النجاسة في الأصل منه بالإجماع فلا يثبت الحكم في غيره، فالتعدية كانت في السبب، ونقله الخصاص عن السلف، والإمام ظهير الدين المرغيناني من الخلف.
وفي الأسرار: حكم الانتقاض في السبيلين لا يخلو من أن يكون متعلقا بالخارج المعتاد، أو بالمخرج المعتاد، أو بهما جميعًا، أو بمطلق خروج النجاسة.
ولا سبيل إلى الأول لانتقاض الطهارة بالخارج الغير معتاد، ولا إلى الثاني لأنه يلزم أن يكون الآدمي يحدث دائما لأنه لا يفارقه، ولا إلى الثالث فإنه لو طعن في سرته وخرج البول أو العذرة تنتقض الطهارة عندنا، وفي قول عنده، والمخرج معدوم فتعين الرابع وهو الخارج النجس، وفي هذا لا يتفاوت حكم الخارج من السبيلين وغيرهما، ولكن يأبى الإمام السَّرَخْسِي هذا الوجه (^١)، فإن عند الشافعي في هذه المسألة يفصل فقال: لو انفتح مخرج دون المعدة فخرج
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٤).
[ ١ / ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منه فلو انسد المخرج المعتاد ينتقض لقيامه مقام المعتاد للحاجة، وإن انفتح فوق المعدة وانسد المعتاد لم ينتقض في قول، وهو اختيار المزني؛ لأن من طبع الإنسان دفع الفضلة إلى أسفل المعدة لا فوقها، ولو ينسد المخرج المعتاد، وانفتح دون المعدة وخرج لم ينتقض في أصح قوليه، ولو انفتح فوق المعدة مع انسداد المعتاد لم ينتقض قولا واحدا (^١).
وفي شرح المجمع: في طريقة مشايخنا من إثبات النجاسة الحكمية وكونها معقولة لانتقال النجاسة من الباطن إلى الظاهر تعسف، وعلى ما سلكناه من الطريقة لا يحتاج إلى إثبات التعدي فإنا جعلنا الآية كناية عن نفس الخارج من بدن الحي منها أخذا بالاحتياط كما ذكرنا، إلا أنا عدينا حكم المعتاد إلى غيره وقد ذكرنا، فيه تأمل.
وأما الجواب عما رواه الخصم أنه نقل عدمي فلا يعارض ما روينا لأنه وجودي، إذ المثبت أولى من النافي، أو يجهل على القيء القليل دفعًا للتعارض بين الحديثين مع أن الكثير منه لا يليق بحاله ﵇ إذ هو ينشأ من كثرة الأكل، وكيف نظن به مع أن أغلب أحواله الجوع، ولأنه حكاية حال فلا عموم له.
وما روي عن ابن عمر يحتمل أنه خرج ولم يسل بدليل ما روى عنه أنه قال: أربع تنقض الوضوء: القيء، والرعاف، والضحك، والحدث.
ومعنى ما روي عن ابن عباس: (كفاك) أي كفاك عن الاغتسال؛ لأن من الناس من يوجب الاغتسال في الحجامة فقال ذلك ردًّا عليه، على أنه روى عنه خلاف ذلك فتعارضت الروايات عنه فحمل على ما قلنا جمعًا بينهما.
وما روي عن أبي هريرة احتمل أنه لم يَسِل، وأما اعتباره الكثير بالقليل كما في الأصل غير قوي لما ذكرنا من الفرق وبين المسلكين، كذا في جامع
_________________
(١) انظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني (١/ ٦١)، وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٥١).
[ ١ / ١١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاسبيجابي (^١).
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ الْخُرُوجَ) استثناء من النكتة الأولى جوابًا لسؤال مقدر بأن قيل: ألحقتم الخارج من غير السبيلين بالخارج منهما مع المفارقة بينهما، ولا يصح القياس معها؛ فإن القليل الظاهر ناقض في السبيلين، غير ناقض في غيرهما.
فأجاب عنه وقال: نعم، إلا أن القليل الظاهر فيهما موصوف بالخروج لأنه هو الانتقال من الباطن إلى الظاهر، فاستدللنا بالظهور على الخروج في السبيلين لا من موضع الظهور ليس بمحل النجاسة، فبالظهور يعلم أنه قد انتقل عن محلها إلى محل آخر ما في غيرهما فلا يعلم بمجرد الظهور الخروج لأن تحت كل جلدة رطوبة ودمًا، فإذا زايلت ظهرت غير منتقلة عن مكانها فلا تنتقض الطهارة ما لم يوجد السيلان الذي هو تحقق الخروج، كذا في الأسرار (^٢).
وفي المحيط: حد السيلان أن يعلو فيتحدر عن رأس الجرح، كذا فسره أبو يوسف (^٣)، وفي مبسوط شيخ الإسلام: تورم رأس الجرح فظهر به قيح أو نحوه لا ينتقض ما لم يجاوز الورم؛ لأنه لا يجب غسل موضع الورم فلم يجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير. وعن محمد: لو صار أكبر من رأس الجرح نقض، والصحيح الأول لأنه بادلًا خارج ولو نزل الدم إلى ما لان من الأنف أو إلى صماخ الأذن نقض (^٤).
قال الحسن بن زياد: الماء والقيح والصديد طاهر بمنزلة الريق والعرق والدمع والمخاط والنخامة واللبن فلا ينقض الوضوء، والصحيح أن ذلك بمنزلة الدم لأنه دم رقيق لم يتم نضجه وكان لونه لون الماء (^٥).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٢٧٤).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/¬٢٦)، ودرر الحكام شرح غرر الأحكام لابن فرامرز (١/¬١٣).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٥٨).
(٤) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬٣٤)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدن (١/ ١٣٩).
(٥) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٣٨).
[ ١ / ١١٦ ]
وَبِمِلْءِ الفَمِ فِي القَيْءِ، لِأَنَّ بِزَوَالِ القِشْرَةِ تَظْهَرُ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا، فَتَكُونُ بَادِيَةٌ لَا
وفي الْمُجْتَبى: الدم والقيح والصديد وماء الجرح والنفطة وماء السرة والبدن والعين والأذن لعله سواء على الأصح (^١)، وهذا يدل على أن من رمدت عينه وسال منها الماء يجب الوضوء، والناس عنها غافلون، ويؤمر به لوقت كل صلاة لاحتمال أن يكون من جرح في الجفون.
وعن الحسن أن ماء النفطة لا ينقض، قال الحلواني: وفيه توسعة لمن به جرب، أو جدري، أو محلت يده، والدم إذا أخذ من غرز الإبرة أو قطع السكين أكثر من الثقبة حدث على الصحيح (^٢).
وذكر الحسن فيه عن محمد أنه ينقض، وعن أبي يوسف أنه لا ينقض، وبه أَخَذَ السَّرَخْسِيُّ (^٣).
وفي المحيط: مص القراد عضوًا فامتلأ، إن كان صغيرا لا ينقض كما لو مص الذباب والبعوض وإن كان كبيرًا ينقض، كما لو مصت العلقة (^٤).
وقوله: (وَبِمِلْءِ الفَمِ): عطف على قوله (بالسيلان)، وإنما اختلف الحكم في القيء بين القليل والكثير لأن الفم طاهر من وجه حقيقة؛ فإنه لو فتح فاه يظهر ولو ضمه يبطنه، وحكما فلأن الصائم إذا أخذ الماء بفيه، ثم مجه لا يفسد صومه، كما لو سال على ظاهر جلده، وباطن من وجه حقيقة فإنه لو ضمه يبطن حقيقة وحكما؛ فإنه لو ابتلع ريقه لا يفسد صومه كما لو انتقل ماء أو طعام من زاوية بطنه إلى زاوية أخرى، فعملنا بالشبهين فقلنا: إذا كثر انتقض، وإذا قل فلا.
وفي المبسوط: في القياس ينبغي أن لا يكون القيء حدثًا لأن الحدث خارج نجس يخرج بقوة نفسه، والقيء مخرج فإن من طبع السيالة أنها لا تسيل إلى فوق إلا بدافع يدفعها، أو جاذب يجذبها كالدم الظاهر على رأس الجرح
_________________
(١) انظر: مجمع الأنهر لشيخي زاده (١/¬١٨)، ورد المحتار على الدر المختار (١/ ٣٠٥).
(٢) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٨٧)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/¬٣٤).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٧٦).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٦١).
[ ١ / ١١٧ ]
خَارِجَةٌ، بِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الموَضْعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الانْتِقَالِ وَالخُرُوجِ، وَمِلْءُ الفَمِ: أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إِلَّا بِتَكَلَّفٍ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَ خَارِجًا.
وَقَالَ زُفَرُ ﵀: قَلِيلُ القَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ، وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ السَّيَلَانُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالمَخْرَجِ المُعْتَادِ، وَلِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊: «القَلْسُ حَدَثٌ». وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: لَيْسَ فِي القَطْرَةِ وَالقَطْرَتَيْنِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَائِلًا وَقَوْلُ عَلِيٌّ ﵁ حِينَ عَدَّ الأَحْدَاثَ جُمْلَةٌ: «أَوْ دَسْعَةً تَمْلَأُ الفَمَ». وَإِذَا
فمسحه بخرقة، لكنا تركنا القياس بالآثار، ولأن في القليل بلوى فإن من يملأ معدته من الطعام يعلو شيء إلى حلقه إذا ركع فجعل عفوا (^١).
وقيل: حد ملء الفم أن يمنعه من الكلام، وقيل: أن يزيد على نصف الفم، وقيل: أن يعجز عن إمساكه، وقيل: أن يعجز عن تغطية الفم، وقيل ما جاوز الفم والأصح ما فسره في الكتاب القطرة عبارة عن قلة الدم الذي لم يوجد منه السيلان والدليل قوله: (إلا أن يكون سائلا)، والاستثناء بمنزلة الغاية فلا يجوز تقديمها على المغيا.
وفي الخبازية: المراد من القطرة هاهنا ما يكون بعرضية التقاطر دل عليه الاستثناء (^٢).
فإن قيل: جاز أن يكون المراد منه قطر الدم من رأس الجرح بلا سيلانه إلى موضع يلحقه حكم التطهير.
قلنا: هذا قول خارج عن الإجماع فإن عند الخصم لا ينقض السيلان ولا القطرة أيضًا، وعندنا لو ظهر الدم على رأس الجرح فمسحه قبل السيلان وهو بحال لو تركه سال ينقض.
(دسعة) دفعة، الدسع (سخوار بداورن شير)، والظاهر أنه قال سماعًا من النبي ﷺ فصار قوله كقوله، وعن ابن عباس: إذا كان القيء يملأ الفم وجب الوضوء، وروى البيهقي، وصاحب المحيط عن النبي ﵇ أنه قال:
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٥، ٧٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٢٧٢).
[ ١ / ١١٨ ]
تَعَارَضَت الأَخْبَارُ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى القَلِيلِ، وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ ﵀ عَلَى الكَثِيرِ، وَالفَرْقُ بَيْنَ المَسْلَكَيْنِ قَدْ بَيَّنَّاهُ.
وَلَوْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا، بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ يَمْلَأُ الفَمَ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ المَجْلِسِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ السَّبَبِ (*)، وَهُوَ الغَثَيَانُ، … … …
«يُعادُ الوضوء من سبع من نوم غالب، وقيء دارع، وتقطار بول، ودم سائل، وتسعة تملأ الفم، والقهقهة في الصلاة» (^١).
قوله: (يحمل): وإنما يحمل لأن الأصل في الدلائل الإعمال لا الإهمال.
(المسلكين): السبيلين وغيرهما، أو الفم والسبيلين.
(قد بيناه): أي ذكرناه في مسألة الدم أن القليل ناقض في السبيلين؛ لأن بالظهور يستدل على الخروج، وفي غيرهما لا يستدل يعتبر اتحاد المجلس؛ لأن لاتحاده أثر في جمع المتفرقات، ولهذا تتحد الأقوال المتفرقة في البيع والنكاح، وسائر العقود والإقرار عند اتحاد المجلس، وكذا التلاوات المتعددة لآية السجدة، ويعتبر اتحاد السبب لأن الحكم يثبت على حسب ثبوت السبب من الصحة والفساد فتتحد المسببات نظرًا إلى اتحاد سببها، كما لو صح العبد ظاهرا فمرض عند المشتري بالسبب الأول يثبت له خيار الرد لكون المرض الثاني عين الأول حكمًا لاتحاد سببه، وكذا لو غصب جارية محمومة فزالت حماها ثم حُمَّتْ فَردَّها، إن قال أهل الطب: الثاني عين الأول لقيام السبب الداعي إليه لم يضمن، وإن قالوا غير الأول ضمن النقصان.
وقوله: (هو الصحيح) (^٢): احتراز عن قول محمد فإن عنده نجس حقيقةً، وبعض مشايخنا أخذ بقوله احتياطا، وكان أبو بكر الإسكاف وأبو جعفر الهندواني يفتيان بقوله، وبعضهم أخذ بقول أبي يوسف وهو اختيار المصنف رفقا بالناس خصوصا في حق أصحاب القروح والجدري، حتى لو أصاب
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) قال في المحيط (١/ ٦٣): روي عن علي ﵁ أنه عد الأحداث، وذكر من جملتها: دَسعَةً تَمْلأُ …، وكذا ذكر في المتن المشروح، والسرخسي في المبسوط (١/ ٧٤) أنه من قول علي ﵁.
(٣) انظر المتن ص ١٢١.
[ ١ / ١١٩ ]
ثُمَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀
الثوب منه كثيرا لا يمنع جواز الصلاة.
وفي جامع الكردري: هذا مروي عن ابن عمر محكي عن أبي يوسف، ولم يحك عن غيرهما خلاف.
وفي الخبازية: ذكر في مختصر العصام أن على قول محمد نجس حتى لو أخذها بقطنة وألقاها في الماء القليل يفسد الماء عنده، ولو أصاب ثوبه منه قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة لأنه دم وإن قل، وعند أبي يوسف النجس: الدم المسفوح فصار هذا كدم البرغوث والبعوض والدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح وعليه الفتوي (^١).
قوله: (ما لا يكون حدثًا): إلى آخره لا ينعكس، فلا يقال ما لا يكون نجسا لا يكون حدثًا؛ فإن النوم والجنون والإغماء وغيرها حدث وليست بنجسة.
فإن قيل: الاستدلال بعدم انتقاض الطهارة على عدم النجاسة غير مستقيم؛ فإن الانتقاض متعلق بوصفي النجاسة والخروج فيلزم من انتفاء أحدهما وهو الخروج هنا انتفاء الانتقاض، لكن لا يلزم منه انتفاء الوصف الآخر وهو النجاسة، ألا ترى أنه يلزم من انتفاء النجاسة انتفاء الانتقاض كخروج الدمع والعرق، ولا يلزم منه انتفاء الخروج، فكذا عكسه.
قلنا: هذا إذا لم يكن أحدهما مبنيًا على الآخر، فأما إذا كان فيلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر، فإن العين لا يعطى لها حكم النجاسة في محلها بدليل أنه لو صلى حامل حيوان غير نجس، أو صلى مع بَيْضَة حال مَحْهَا دَمًا تجوز صلاته فاعتبر وصف الخروج أيضًا ليتحقق وصف النجاسة، وإذا انتفى وصفه حكما لعدم الانتقاض هاهنا انتفى وصف النجاسة لبقائها في محلها تقديرًا كما كانت، وإذا كان كذلك صح الاستدلال.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (١/ ٦١)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجم (١/ ١٢١).
[ ١ / ١٢٠ ]
وَهُوَ الصَّحِيحُ (*)، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا، حَيْثُ لَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الطَّهَارَةُ. (وَهَذَا إِذَا قَاءَ مِرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً، فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا فَغَيْرُ نَاقِضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو
قوله: (فإن قاء بلغمًا) إلى آخره، وفي جامع المحبوبي: هذا الاختلاف راجع إلى اختلافهم البلغم طاهر أو نجس فعند أبي يوسف نجس، وعندهما لا (^١).
قال أبو منصور الماتريدي (^٢): ليس هذا اختلاف حجة بل اختلاف صورة فتصور لهما أن البلغم يهيج من الرأس فأجابا أنه طاهر، وتصور لأبي يوسف أنه يهيج من البطن فأجاب أنه نجس (^٣).
وفي المبسوط: فأبو يوسف يقول البلغم إحدى الطبائع الأربع فكان نجسا كالمرة والصفراء، وقالا: البلغم بزاق والبزاق طاهر؛ فإن الرطوبة في أعلى الحلق ترق فتصير بزاقًا، وفي أسفله تثخن فيكون بلغما، وبهذا تبين أن خروجه ليس من المعدة بل من أسفل الحلق، وهو ليس بموضع النجاسة، هذا الاختلاف إذا كان البلغم خالصًا، فأما إن كان مختلطا بالطعام فينقض إذا ملأ الفم بالإجماع (^٤).
وفي جامع الكردري: وهذا محمول فيما إذا كان الطعام غالبًا لأن المغلوب يأخذ حكم الغالب كالدم إذا خرج مع البصاق، فإن كان الدم غالبا ينقض، وإن كان مغلوبًا لا، وإن استويا يتوضأ احتياطا أخذا بالثقة، كذا ذكر في الأصل، والتمرتاشي (^٥).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٥)، والمحيط البرهاني في الفقه النعماني لبرهان الدين (١/ ٦٤).
(٣) أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي من أئمة علماء الكلام. نسبته إلى (ما تريد) محلة بسمرقند، من كتبه (التوحيد) و(أوهام المعتزلة) و(الرد على القرامطة) و(الجدل) و(تأويلات القرآن)، مات بسمرقند سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. انظر: "الإعلام" للزركلي (٧/¬١٩)، و"تاج التراجم " لابن قطلوبغا (ص ٢٤٩).
(٤) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين الكاساني (١/¬٢٧).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٥).
(٦) انظر: الاختيار لتعليل المختار لأبي الفضل الحنفي (١) (١٠)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٣٩٦).
[ ١ / ١٢١ ]
يُوسُفَ نَاقِضُ إِذَا كَانَ مِلْءَ الفَمِ) (*)، وَالخِلَافُ فِي المُرْتَقِي مِنْ الجَوْفِ. أَمَّا النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَغَيْرُ نَاقِضِ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ.
لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ نَجِسٌ بِالمُجَاوَرَةِ، وَلَهُمَا. أَنَّهُ لَزِجٌ لَا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ، وَالقَلِيلُ فِي القَيْءِ غَيْرُ نَاقِضِ. (وَلَوْ قَاءَ دَمًا وَهُوَ عَلَقٌ، يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الفَمِ) لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ
وذكر الإمام علاء الدين: من أكل خبزًا أو فاكهة وتراآى أثر الدم فيه من أصول أسنانه ينبغي أن يضع أصبعه أو طرف كمه على ذلك الموضع، فإن وجد فيه أثر الدم انتقض وضوءه وإلا فلا، ولأنه إذا كان طعامًا خالصا لا ينتقض ما لا يملأ الفم، فإذا كان مع غيره أولى لا تتخلله النجاسة لأن البلغم لزج ثقيل كالسيف فلا يحتمل النجاسة إلا القليل، والقليل غير ناقض فيه فإنه لا يحمل السيلان، والسيلان في غير السبيلين أقيم مقام الخروج ولم يوجد (^١).
فإن قيل: ينتقض هذا ببلغم يقع في النجاسة ثم يرفع نحكم بنجاسته.
قلنا: لا رواية في هذا المسألة، ولئن سلّم فالفرق أنه ما دام في الباطن يزداد ثخانة فيزداد لزجة فإذا انفصل عن الباطن يقلُّ لزجه لقلة ثخانته، وإذا قل لزجه ازداد رقته فلوقته جاز أن يقبل النجاسة، وكان الطحاوي يميل إلى قول أبي يوسف حتى روى عنه أنه يكره الإنسان أن يأخذ بلغمه بطرف ردائه ويصلي معه، كذا في الفوائد الظهرية (^٢).
(سوداء محترقة) وهي تخرج من المعدة، وما يخرج منها لا يكون حدثًا ما لم يكن ملأ الفم بسائر أنواعه وأنواعه خمسة: الطعام، والماء، والمرة، والصفراء، والسوداء، كذا ذكره المحبوبي (^٣).
وفي المبسوط: أن أبا يوسف مضطرب في هذه المسألة، فمحمد يقول بأن الفم له حكم الباطن فيما بينه وبين الباطن فلا يكون الخارج إليه خارجًا، وقالا:
_________________
(١) (*) الاختلاف صوري.
(٢) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (١/¬٢٧).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لبرهان الدين الحنفي (١/¬٣٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٢٧٧).
(٤) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/¬٣٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٢٧٧).
[ ١ / ١٢٢ ]
أَنْوَاعِهِ، وَعِنْدَهُمَا: إِنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا (*)، لِأَنَّ المَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الدَّمِ، فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الجَوْفِ (وَلَوْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ إِلَى مَا
إِنما جعل هكذا في حق ما يخرج من المعدة، والظاهر أن هذا شيء خرج من قرحة في الباطن فيتعلق الحكم بسيلانه كما لو خرج الدم من قرحة في الفم فسال تكون حدثًا فكذا هذا.
فإن قيل: لما اختص هذا الحكم بما خرج من المعدة فينبغي أن يكون عامًا ولا ينتقض الوضوء بخروج دم من قرحة في الفم ما لم يملأ الفم كالقيء.
قلنا: إنما اختص بالقيء لأن النص متعارض في القيء فإنه روى أنه ﵇ «قاءَ ولم يتوضأ»، وروى الترمذي من طريق حسين المعلم، عن أبي الدرداء: أنه ﵇ «قاء فتوضأ» (^١) والمفهوم من إطلاق الوضوء الشرعي لا غسل الفم منه لأن ذلك يسمى مضمضة.
وروي أنه قال: «القَلَسُ حدثٌ» (^٢)، فتعرفنا ذلك أن للفم حكم الباقي في قليل القيء، وحكم الظاهر في كثيره، فأما في حق الدم فلم يوجد دليل يدل على ذلك بل دل على أن المعتبر فيه التجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير، ولأن الفم له تعلق بالمعدة من حيث إن الوصول إليها منه فكان منها لاتصاله بها فيجوز أن يلحق بها في حق ما يخرج منها إذا كان قليلا بخلاف الدم لأن المعدة ليست بموضعه، ولا ضرورة في حق الدم فيكون له حكم الظاهر من كل وجه.
وفي الْمُجْتَبى عن الحسن إن تناول طعامًا أو ماء ثم قاء من ساعته لا ينقض لأنه ظاهر، وكذا الصبي إذا ارتضع ثم قاء من ساعته، قال الصباغي هو
_________________
(١) (*) الراحج: قول الشيخين.
(٢) أخرجه الترمذي (١/ ١٤٥ رقم ٧٨) وقال: حديث حسين أصح شيء في هذا الباب. وأخرجه أبو داود (٢/ ٣١٠) رقم (٢٣٨١)، والترمذي في "العلل الكبير" (٣٨)، والنسائي في "الكبرى" (٣/ ٣١٤ رقم ٣١٠٨)، والدارمي (١٧٦٩)، وأحمد (٦/ ٤٤٣ رقم ٢٧٥٤٢)، والحاكم (١/ ٤٢٦ رقم ١٥٥٣) بلفظ: قَاءَ فَأَفْطَرَ. وصححه الحاكم.
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٨٤ رقم ٥٧٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وقال: سوار متروك، ولم يروه عن زيد غيره.
[ ١ / ١٢٣ ]
لِاَنَّ مِنَ الأَنْفِ نَقَضَ بِالاتِّفَاقِ)، لِوُصُولِهِ إِلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَيَتَحَقَّقُ الخُرُوجُ. (وَالنَّوْمُ … … …
المختار (^١).
وفي صلاة المحسن: قاء شيئين مختلفين دما وطعاما أو غيره ملأ الفم فالعبرة للغالب، ولو استويا تعتبر كل واحدة على حدة.
وقال بكر: إن غلب الطعام بحيث لو انفرد كان ملأ الفم نقض، وإلا فلا.
وعن أبي نصر: ماء فم النائم نزل من الرأس أو تحلب من اللهوات طاهر، وإن صعد من الجوف بأن كان أصفرا أو منتنا فكالقيء، وعن أبي الليث وهو كالبلغم.
وقيل: نجس عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وعن أبي حنيفة قاء طعاما أو ماء فأصاب إنسانا شبرا في شبر لا يمنع، قال الحسن: الأصح أنه لا يمنع ما لم يفحش (^٢).
وفي القنية: قاء دودا كثيرا لا ينقض، وكذا لو قاء حية ملأت فاه.
وفي المحيط: الخنثى إن تبين أنه رجل أو امرأة فالفرج للآخر بمنزلة الجرح وإلا لا، حشى إحليله بقطنة أو تربط الجراحة إن نفذ البلل إلى خارجها نقض وإلا فلا، ولو نفذ إلى طاق ولم ينفذ إلى الآخر نقض.
احتشت المرأة فانبل خارجها إن كانت القطنة في الشفتين نقض، وإن كانت داخل الفرج لا ينقض، أخرجت القطنة وعليها بلة فهي محدث ساعة إخراج القطنة (^٣).
ولو أدخلت إصبعها في فرجها انتقض وضوءها لأنها لا تخلو عن بلة.
قوله: (والنوم)، حكي عن أبي موسى الأشعري، وعمرو بن دينار،
_________________
(١) انظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام لابن فرامرز (١/¬٣٧)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬٣٦).
(٢) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/¬٤٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/¬٣٧).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٥٩).
[ ١ / ١٢٤ ]
مُضْطَجِعًا …
والإمامية: النوم ليس بحدث، وعن أحمد: النوم اليسير في حال القيام والقعود والركوع والسجود لا ينتقض، كذا في الحلية (^١).
وفي القنية: ونوم النبي ﷺ ليس بحدث وهو من خصائصه، وفي السهيلي: النوم متكئًا ومضطجعًا ناقض في المذهبين والنوم قاعدًا غير ناقض في المذهبين، ونوم القاعد والراكع والساجد في الصلاة عند أبي حنيفة وأصحابه ليس بحدث (^٢)، وللشافعي قولان: لا ينقض في القديم، وينقض في الجديد، ولا فرق عنده بين أن يكون مستندًا أو غيره إذا كان المقعد متمكنا من الأرض، ولا فرق بين أن يكون المسند لو سُلَّ لتيقظ (^٣).
وقال مالك: نوم القاعد إذا طال نقض وإلا فلا؛ لأن طوله مظنة الاسترخاء غالبًا فأدير الحكم عليه لحق السبب، وأما الاضطجاع فمدار الانتقاض فيه عنده على كونه مستثقلا سواء أطال أو قصر (^٤).
واختلف أصحابه في الاستناد فقيل هو كالجلوس.
وقيل: كالاضطجاع، واختلفوا في السجود في اعتبار الطول أو الاستثقال وأجمعوا على أن نوم القائم غير ناقض واختلفوا في الركوع فقيل هو كالقيام.
وقيل: كالسجود وقال بعض أصحابه إن كان على هيئة يتهيأ معه الطول وخروج الحدث فكالساجد نقض، وإن كان بالعكس فهما كالقائم والمحتبي فلم يؤثر، وإن انقسم الأمر فكان إمكان الطول مع عدم إمكان خروج الحدث غالبًا كالجالس مستندًا وعكسه كالراكع ففي كل منهما قولان بينهما تعارض موجب ومسقط، فالخلاف ينتصب مع أحد القولين في الطول مع الجلوس مستثقلا طويلا فإنه ناقض عنده بكل حال، وإنما كان الطول موجبا للانتقاض لما ذكرنا.
وفي المبسوط في كون نوم المضطجع ناقضا طريقان:
_________________
(١) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٤٥ - ١٤٧).
(٢) انظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ٧٧)، والمبسوط للسرخسي (١/ ٧٨).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/¬٢٧)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٧٨).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١١٩)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٣٠٢).
[ ١ / ١٢٥ ]
أَوْ مُتَّكِثًا أَوْ مُسْتَنِدًا
أحدهما: أن عينه حدث بالسنة المروية لأن كونه ظاهرا ثابت بيقين فلا يترك اليقين إلا بيقين مثله، وخروج شيء منه ليس بيقين فعرفنا أن عينه حدث.
والثاني: أن الحدث مما لا يخلو عنه النائم عادةً فإن نوم المضطجع مستحكم فتسترخي مفاصله به فيخرج منه شيء عادةً، وما ثبت عادةً كالمتيقن به فيثبت الحدث تقديرا لقيام النوم مقام الخروج (^١).
وفي الأسرار النوم لا يكون حدثًا في حال من أحوال الصلاة عندنا، وكذلك قاعدًا خارج الصلاة إلا أن يكون متوركًا؛ لأن التورك جلسة تكشف عن مخرج الحدث.
في الذخيرة: النوم مضطجعًا إنما يكون حدثًا إذا كان الاضطجاع على غيره، فإن كان على نفسه لا يكون حدثًا حتى أن من نام واضعًا إليتيه على عقبيه وصار شبه المنكب على وجهه واضعًا بطنه على فخذيه لا ينتقض وضوءه، هكذا ذكره في صلاة الأثر عن محمد (^٢).
قال صاحب النهاية: جَعْلُ المنكب من أنواع الاضطجاع لا يصح؛ لما أن المضطجع من وضع جنبه على الأرض لا أن يضع جنبه على فخذيه.
(متكئًا) أي على أحد وركيه، بمعنى التورك المذكور في الأسرار، والإيضاح.
والاتكاء افتعال من وَكَأَ، معتل الفاء مهموز اللام، أصله: اوتكأ، فأبدل الواو تاءً؛ لأن التاء تبدل من الواو في باب الافتعال.
وقوله: (أو مستندًا) مما اختاره الطحاوي لا من أصل رواية المبسوط.
ولو نام قاعدًا فسقط، عن أبي حنيفة أنه قال: إن انتبه قبل أن يصل جنبه على الأرض لم ينتقض وضوءه لأنه لم يوجد شيء من النوم حالة الاضطجاع بخلاف ما لو انتبه بعد السقوط حيث ينتقض لأنه وجد شيء من النوم حالة
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٧٨).
(٢) المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ٥٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٦٧).
[ ١ / ١٢٦ ]
إِلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ) لِأَنَّ الاضْطِجَاعَ سَبَبٌ لِاسْتِرْخَاءِ المَفَاصِلِ، فَلَا يَعْرَى
الاضطجاع (^١).
وعند أبي يوسف لو تعمد النوم في حالة السجود ينتقض وإن غلبه؛ لأن القياس أن يكون ناقضًا إلا أنا استحسناه في غير العمد؛ لأن من تكثر صلاته بالليل لا يمكنه الاحتراز عن النوم في السجود، فإذا تعمد بقي على أصل القياس (^٢).
وجه ظاهر لرواية ما روى أنه ﵇ قال: «إذا نام العبد في سجودِهِ يباهي الله تعالى به مَلائِكَتَه فيقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في طاعتي» (^٣)، وإنما يكون جسده في الطاعة إذا بقي وضوؤه، وجعل هذا الحديث في الأسرار من المشاهير، ولأن الاستمساك باق فإنه لو زال لزال على أحد شقيه (^٤).
وقوله: (لسقط) متعلق بقوله (مستندًا).
المسكة قوة التماسك الذي يكون لليقظان، وقيد بقوله: (في الصلاة وغيرها) (^٥) لأن في ظاهر الرواية لا فرق بينهما لبقاء بعض الاستمساك، وقد رو ابن شجاع اختصاص ذلك فيها للحديث، والأصح ظاهر الرواية، وعند الشافعي ينقض الوضوء في هذه الهيئات في قول لأنه يؤمن معها من الحدث ففارقت هذه الهيئات هيئة القعود متمكنا.
ولنا: قوله ﵇: «لَا وُضوءَ علَى من نام» الحديث رواه أبو داود والترمذي، وأحمد، والدارقطني، والبيهقي، وقد ضعفه بعضهم لإرساله.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٩)، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (١/¬٣١).
(٢) المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ٥٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٦٧).
(٣) أخرجه البيهقي في الخلافيات (٢/ ١٤٣) رقم (٤١٢)، وتمام الرازي في الفوائد (٢/ ٢٥٥ رقم ١٦٧٠) من حديث أنس ﵁. قال البيهقي: ليس هذا بالقوي، وقال ابن حجر: فيه داود بن الزبرقان وهو ضعيف. تلخيص الحبير (١/ ٣٣٧).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٢٤٨).
(٥) انظر المتن ص ١٢٨.
[ ١ / ١٢٧ ]
عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةٌ، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالمُتَيَقَّنِ بِهِ، وَالاتِّكَاءُ يُزِيلُ مَسْكَةَ اليَقَظَةِ لِزَوَالِ المَقْعَدِ عَنْ الأَرْضِ، وَيَبْلُغُ الاسْتِرْخَاءُ غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاسْتِنَادِ، غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّقُوطِ بِخِلَافِ النَّوْمِ حَالَةَ القِيَامِ وَالقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا: هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ بَعْضَ الاِسْتِمْسَاكِ بَاقِ، إِذْ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ، فَلَمْ يَتِمَّ الاسْتِرْخَاءُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا، أَوْ قَاعِدًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ».
وقوله: (فإنه إذا نام استرخَتْ مفاصِلُهُ) من تتمة الحديث، أي بلغ الاسترخاء غايته فإنه قال أولًا: (ويبلغ الاسترخاء غايته)، وإنما علل بهذا الاسترخاء التام لأن الناقض منه لا يكون علةً ولا مرادا من قوله ﵇: «إذا نام استرخَتْ مفاصِلُهُ»، إذ لو كان مرادًا لوقع التناقض بين أول الحديث وآخره؛ لأن أصل الاسترخاء يوجد في النوم حالة القعود، والقيام، والركوع، والسجود فكأنه قال: لا وضوء على من استرخت مفاصله بالنوم، ولا يجوز حمل كلامه عليه كذا قيل (^١).
ولأنه روي عطف النوم على البول في حديث، وهو يدل على أن مطلقه ناقض، وما رويناه يدل على اختصاصه بحال فحملنا مطلقه على مقيده لاتحاد الحكم، ولعدم إمكان الجمع بين المطلق والمقيد هاهنا، وحملنا الناقض على النوم التام، وغيره على النوم الغير التام كذا في شرح المجمع، وفي المبسوط (^٢).
وفي سجود المرأة والرجل إذا ألصق بطنه بفخذه اختلاف المشايخ، في صلاة الجلابي: نوم الجالس المستند إلى شيء لو أزيل عنه لسقط لا ينتقض في الصحيح من الروايتين عن أبي حنيفة.
ونوم الجالس إذا سقط على الأرض أو عضو منه فانتبه، في بحر المحيط:
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٦٦)، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/¬١٠).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٩).
[ ١ / ١٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهر الجواب عند أبي حنيفة إنه إذا انتبه قبل أن يزايل مقعده الأرض لا ينقض، وروى الحسن عنه: إن انتبه حين يضع جنبه على الأرض لا ينقض، وعند أبي يوسف: لا ينقض حتى يستقر نائمًا عليها بعد السقوط.
وذكر السَّرَخْسِي خلافه فقال: إن نام قاعدًا فسقط فعند أبي حنيفة إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض لا ينقض، وعند أبي يوسف ينقض حين سقط، وعن محمد: إن زايل مقعده الأرض ينقض، وعن محمد: إن استيقظ حال ما يسقط لا ينقض، وعند السقوط لو وضع يده على الأرض لا ينقض، ويستوي فيه الكف وظهر الكف (^١).
وفي أمالي قاضي خان نام جالسًا وهو متمايل فيزول مقعده عن الأرض، قال الحلواني: ظاهر المذهب أنه ليس بحدث والنوم متوركًا كالنوم جالسًا بتمايل، ولم يفصل بين القليل والكثير (^٢).
وفي الفتاوى الظهيرية: النوم متوركًا كالنوم مضطجعًا ولو محتبيا ورأسه على ركبتيه لا ينقض، ولو متربعًا ورأسه على فخذيه ينقض.
وذكر الحلواني: ولا ذكر للنعاس مضطجعًا، والظاهر أنه ليس بحدث لأنه نوم قليل، وقال أبو علي الرازي وأبو علي الدقاق: إن كان لا يفهم عامة ما قيل حوله كان حدثًا، وإن كان يسهو حرفًا وحرفين فلا.
وسجدة التلاوة كالصلبية وكذا سجدة الشكر عند محمد خلافا لأبي حنيفة وفي النوم في سجود السهو اختلاف المشايخ والكل في الْمُجْتَبى فإن سجدة الشكر مسنونة عند محمد خلافا لأبي حنيفة.
وفي فتاوى قاضي خان: نام خارج الصلاة في السجدة، قيل: إن سجد على وجه السنة لا يكون حدثًا، وعلى غير وجه السنة يكون حدثًا. وفي ظاهر الرواية يكون حدثا مطلقًا (^٣).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٩).
(٢) انظر: فتاوى قاضي خان (١/¬١٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٢٨٣).
(٣) فتاو قاضي خان (١/¬١٩).
[ ١ / ١٢٩ ]
(وَالغَلَبَةُ عَلَى العَقْلِ بِالإِغْمَاءِ، وَالجُنُونُ) لِأَنَّهُ فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فِي الاسْتِرْخَاءِ،
وفي شرح الطحاوي: صلى المريض مضطجعًا فنام فاختلف المشايخ فيه (^١).
قوله: (إنما الوضوء على كذا) (^٢) قال فخر الدين الرازي: إنما لحصر الشيء في الحكم أو لحصر الحكم في الشيء؛ لأن (إنَّ) للإثبات، و(ما) للنفي فتقتضي إثبات المذكور ونفي ما عداه (^٣).
واعترض عليه بأن ما في (إنما) كافة عند النحاة وليست بنافية لأنها قسمية، وقسيم الشيء لا يكون عينه ولا قسيمه، وبأن دخول (إن) على (ما) النافية لا يستقيم لأن كلا منهما له صدر الكلام فلا تجمع بينهما.
فإن قيل: لم ينحصر الحكم هاهنا لانتقاض الوضوء بغير النوم.
قلنا: حصر انتقاض الوضوء المتعلق بصفة الاضطجاع فإنه ﵇ علله باسترخاء المفاصل، وإنما وجب على المتكئ والمستند بدلالة النص لاستوائهما المنصوص في المعنى وهو الاسترخاء، كذا نقل عن مولانا حميد الدين (^٤).
قوله: (والجنون) بالرفع عطف على (والغلبة)، وبالجر خطأ لأن العقل في الإغماء يكون مغلوبًا، وفي المجنون مسلوبًا، ولهذا جاز الإغماء على الأنبياء دون الجنون.
وفي المغرب: الإغماء ضعف القوى بالداء في الطب هو امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ (^٥).
وعند المتكلمين: هو سهو يعتري الإنسان مع فتور الأعضاء، والجنون
_________________
(١) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬٣٩)، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/¬٢٠).
(٢) انظر المتن ص ١٢٩.
(٣) انظر: تفسير الرازي - مفاتيح الغيب (٢٦/ ٤٢٠).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٢٨٢).
(٥) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٤٦).
[ ١ / ١٣٠ ]
وَالإِغْمَاءُ حَدَثٌ فِي الأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَهُوَ القِيَاسُ فِي النَّوْمِ، … .
زوال العقل وفساده (^١).
وفي الفتاوى الظهيرية: السكر بحيث تختل مشيته ينقض الوضوء، هكذا فسره الحلواني (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: السكر حدث إذا دخل في مشيته تمايل وهو الأصح، وعند الشافعي ﵀ إذا لم يبق معه شعور ينقض وإلا لا.
وفي الكفاية والمبسوط وغيرهما: إنما كان الإغماء والغشي والجنون أحداثًا لزوال التحفظ والمسكة، وقليل الإغماء والجنون ناقض لأنه فوق النوم؛ فإن المضطجع إذا نبه انتبه، والمغمى عليه لا ينتبه، ولهذا يكون الإغماء حدثًا في الأحوال كلها (^٣)، وهو قول الأئمة الأربعة وأكثر العلماء، وعن أحمد في رواية أنه يجب الغسل بالإغماء والجنون لحديث عائشة أنه ﵇ أغمي عليه فاغتسل (^٤).
وقلنا: روي أنه ﵇ توضأ، والاغتسال مذكور في حديث عائشة يحمل على غسل الأعضاء، ويحمل على أنه اختار الأفضل فإنه مستحب.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: الجنون لم ينتقض لغلبة الاسترخاء؛ لأن المجنون أقوى من الصحيح، لكن باعتبار عدم مبالاته وتمييزه من الحدث يجعل في الأحوال كلها حدثًا (^٥).
(وهو القياس في النوم) أي: كونه حدثًا في القيام والركوع والسجود لزوال المقعد عن الأرض، ووجود أصل الاسترخاء، لكنا تركناه بقوله ﵇: " لا وضوء "، الحديث، فلا يقاس الإغماء والجنون عليه؛ لأنهما فوق النوم لما ذكرنا، وبدليل أنه يسقط الفرض بدوامهما، ولا يسقط بدوام سائر الأحداث إذ
_________________
(١) انظر: المجتبى شرح مختصر القدوري (١/ ٢٠٥).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري للحدادي (١/¬٩).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٧) و(٢/ ١٠١).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٥٥)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٢٤٨).
(٥) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/¬٥٠)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥١).
[ ١ / ١٣١ ]
إِلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالأَثَرِ، وَالإِغْمَاءُ فَوْقَهُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَالقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَالقِيَاسُ: أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجِ
النوم فترة أصلية فلا يكون من أقسام المرض فلا يسقط به شيء، فلا يصح به القياس عند وضوح الفرق.
قوله: (ذات ركوع وسجود): احترز عن صلاة الجنازة وسجدة التلاوة فإن القهقهة تبطلهما ولا تنقض الوضوء لأنها ناقضة بخلاف القياس، فيقتصر على مورد النص وهو صلاة كاملة فلا يلحق بها ما دونها.
روى الحسن عن أبي حنيفة أن القهقهة ما يسمع لضحكه صوت، سواء بدت أسنانه أو لا، وسواء كان عامدًا أو ساهيًا، متوضئا أو كان متيمما.
وفي المحيط: ولا يبطل الغسل وهل يبطل الوضوء في حق المغتسل حتى لا يجوز أن يصلي بعده بلا تجديد وضوء اختلف المشايخ فيه.
قيل: لا يبطله فلا يعيد الوضوء لأنه ثابت في ضمن الغسل فإذا لم يبطل المتضمّن لا يبطل المتضمَّن، والصحيح أنه يبطله ويعيده؛ لأن إعادة الوضوء واجبة بطريق العقوبة عند القهقهة لا أنه أحدث حقيقةً؛ لأنها ليست بخارج نجس، بل هي صوت كالبكاء والكلام كما قال الشافعي (^١)، كذا في الأسرار (^٢).
وبقول الشافعي قال مالك (^٣)، وأحمد (^٤)، ومكحول، وعطاء، والزهري، والشعبي (^٥).
وبقولنا قال أبو موسى، والحسن بن أبي الحسين، والنخعي، والأوزاعي، وعبيد الله، وابن سيرين (^٦)، ولأنها حدث كسائر الأحداث، فإذا طرأ حدث بعد الغسل يجب الوضوء فكذا هذا.
_________________
(١) انظر: الإقناع للماوردي (ص) (٢٤)، والمجموع للنووي (٢/ ٦٠).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٧١)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/¬١١).
(٣) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (١/ ١٥١)، والذخيرة للقرافي (٢/ ١٤٢).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١) (١٣١)، والفروع لابن مفلح (١/ ٢٣٨).
(٥) انظر: حلية العلماء للقفال (١/ ١٥٤)، واختلاف الفقهاء للمروزي (ص ١١٤).
(٦) انظر: حلية العلماء للقفال (١/ ١٥٤)، واختلاف الفقهاء للمروزي (ص ١١٤).
[ ١ / ١٣٢ ]
نَجِسٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التَّلَاوَةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ. وَلَنَا:
فبعض المشايخ جعلها حدثًا فلا يجوز مس المصحف معها، وبعضهم أوجب الوضوء عقوبة فيجوز مس المصحف معها.
وذكر فخر الإسلام في أصوله: الصحيح أن قهقهة النائم في الصلاة لا تكون حدثًا ولا تفسد صلاته بها؛ لأنها جعلت حدثًا لقبحها في محل موضع المناجاة، وسقط ذلك بالنوم، ولا تبطل الصلاة أيضًا لأنه يبطل حكم الكلام (^١).
وفي المحيط: وقع في بعض الكتب قهقهة النائم في الصلاة لا تنقض، وقال شداد بن أوس، قال أبو حنيفة: تفسد صلاته ولا يفسد وضوؤه، وهكذا أفتى الفقيه عبد الواحد، وقال أبو محمد الكوفيني: يفسد وضوؤه أيضًا، وبه أخذ عامة المتأخرين احتياطًا (^٢).
وقهقهة الصبي في الصلاة لا تنقض، وذكر نجم الأئمة البخاري عن سلمة ابن شداد أنه يبطل الوضوء دون الصلاة. وعن أبي القاسم أنه يبطلهما. وفي قهقهة النائم والساهي في الصلاة عنه روايتان. وفي قهقهة الباني في الطريق بعد الوضوء روايتان، ولو نسي الباني المسح فقهقه قبل القيام إليها نقض، وبعده لا ينقض لبطلان الصلاة بالقيام إليها، وهو من مسائل الامتحان (^٣).
احتج الشافعي بما روي عن جابر: أنه ﵇ قال: «الضَّحِكُ ينقض الصَّلاةَ ولا ينقض الوضوء» (^٤)، وبالقياس كما ذكر في المتن.
(ولنا) حديث خالد بن معبد الجهني أنه ﵇ كان يصلي فدخل المسجد أعمى فتردّى في بئر أو حفرة فضحك بعض من خلفه، فقال عليه
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٢٧٨).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٧٠).
(٣) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ٥٢)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/¬٤٣).
(٤) أخرجه الدارقطني (١/ ٣١٨ رقم ٦٥٨). قال ابن حجر: الدارقطني، ونقل عن أبي بكر النيسابوري أنه قال: هو حديث منكر، وخطأ الدارقطني في رفعه، وقال: الصحيح عن جابر من قوله. تلخيص الحبير (١/ ٢٠٣)، وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٤٠٢).
[ ١ / ١٣٣ ]
قَوْلُهُ ﵊: «أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنكُمْ قَهْقَهَةٌ فَلْيُعِد الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا» وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ القِيَاسُ.
وَالأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةِ مُطْلَقَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا. وَالقَهْقَهَةُ: مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ، وَالضَّحِكُ: مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ، وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ: يُفْسِدُ الصَّلَاةَ دُونَ الوُضُوءِ.
السلام: «ألا من ضَحِكَ منكُم قهقهةً فليُعِدِ الوضوء والصلاة جميعًا». وفي رواية: «ضَحِكَ قَرْقَرَةٌ». وفي رواية: «ضَحِكَ كَرْكَرَةً» (^١).
(وبمثله): أي بمثل هذا الحديث الذي عمل به الصحابة والتابعون، وكان رواية من المعروفين بالفقه والاجتهاد كأبي موسى الأشعري، ولا يكون غريبًا بترك القياس لأن الخبر على القياس، وما قيل أنه مرسل فلا يقدم عليه عنده لما عرف غير قوي؛ لأن أبا حنيفة رواه عن منصور، عن الحسن، عن معبد الجهني مسندا، فقد قيل: لنا إحدى عشر حديثًا في الباب سبعة مسندة، وأربعة مرسلة رواه ثقات مع أن مثل هذا المرسل حجة عند الكل، ولو سلم كونه مرسلًا فالمراسيل كالمسانيد عندنا على ما عرف، خصوصا إذا رواه الأئمة، واشتهر في الصحابة والتابعين.
ثم الضحك في الصلاة ليس كالضحك في غيرها لأنها حالة المناجاة مع الرب فتعظم الجناية منه فلا يلحق غره به، بخلاف صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة فإنهما ليستا بحالة المناجاة، مع أن المخصوص عن القياس لا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه فكان الأخذ بالخبر أولى، وما رواه محمول على الضحك دون القهقهة لدفع التعارض بين الخبرين.
(صلاة مطلقة): أي كاملة في الماهية، وصلاة الجنازة دعاء للميت لا مناجاة مع الرب فلا تكون صلاة مطلقة.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٠٢ رقم ٦١٢) من حديث عمران بن حصين ﵁. ضعفه الدارقطني، وقال ابن الجورزي: قال أحمد بن حنبل: ليس في الضحك حديث صحيح. التحقيق (١/ ١٩٨)، وقال الزيلعي: فيه أحاديث مسندة … .. لكن كلها ضعيفة. نصب الراية (١/ ٥٤)
[ ١ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الهاروني: وأجمعوا على أن الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء، وهو أن يسمع نفسه، والتبسم لا ينقض الوضوء ولا الصلاة وهو أن لا يسمع نفسه ولا غيره؛ لأنه ورد التبسم عن النبي ﷺ في الصلاة، كذا في الينابيع، والمجتبى (^١).
والمباشرة الفاحشة وهو أن تنتشر الآلة، وتماس الفرجان وليس بينهما حائل لا ينقض الوضوء عند محمد قياسًا لعدم خروج الناقض؛ فإن الاطلاع على الخروج ممكن، وعندهما ينقض استحسانًا لندرة عدم خروج بلة مع البلوغ إلى هذه الحالة وقد تخفى لقلتها فيدار الحكم على السبب احتياطا (^٢).
وفي القنية: وكذا المباشرة بين الرجل والغلام وكذا بين الرجلين توجب الوضوء عليهما كما بين الرجل والمرأة (^٣).
ومس المرأة والفرج بباطن الكف لا ينقض عندنا، وينقض [عند] (^٤) الشافعي (^٥)، ومالك (^٦)، وأحمد (^٧) إن كانا بشهوة ينقض وإلا لا؛ لأن المس بالشهوة مظنة خروج ناقض، وربما يخفى لقلته فأدير الحكم عليه احتياطا.
وللشافعي قوله تعالى: ﴿أو لمستم النساء﴾ فإنه معطوف على المجيء من الغائط وهو حقيقة في اللمس باليد، وقراءة ﴿لَمَسْتُمُ﴾ [النساء ٤٣] محمولة عليه، والمفاعلة تأتي من جانب واحد كطارقت النعل، وعاقبت اللص.
وقوله: (قول ابن عمر وابن مسعود): وفي المبسوط: هو اختلاف معتبر في الصدر الأول حتى قيل: ينبغي لمن يؤم أن يحتاط فيه (^٨).
_________________
(١) انظر: المجتبى شرح مختصر القدوري (١/ ٢٠٦).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٦٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/¬٤٤).
(٣) انظر: درر الحكام لابن فرامرز (١/¬١٦)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/¬٤٥).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/¬٢٩)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٨٣).
(٦) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٧٩)، والذخيرة للقرافي (١/ ٢٢٥).
(٧) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٨٩)، والمبدع لابن مفلح (١/ ١٣٨).
(٨) المبسوط للسرخسي (١/ ٦٧).
[ ١ / ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله ﵇: «من مس ذَكَرَهُ فليَتَوَضَّأ» (^١)، ولأن المس سبب لاستطلاق وكاء المذي فيكون سببًا لخروجه فيقام مقامه كالتقاء الختانين، ثم على قوله يشترط مس بشرتها حتى لو مس شعرها أو ظفرها لم يكن حدثا، وفي مس ذوات المحارم والصغيرة الأجنبية له قولان:
أظهرهما: أنه ينقض، وفي قول: لا ينقض في حق اللامس سواء كان رجلا أو امرأة حدث قولا واحدًا، وفي حق الملموس قولان:
أظهرهما: أنه في حكم اللامس والثاني: أنه ليس بحدث، كذا في السهيلي (^٢).
ولنا: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ﴾ [النساء ٤٣] أي جامعتم لأنه هو المتعارف بين أهل اللغة وقراءة (لَمَسْتُم) محمولة عليه؛ فإنه حينئذ يتبين حكم الطهارة الصغرى والكبرى حال عدم الماء كما تبين حالهما في صدر الآية عند وجود الماء وبالعباد حاجة إلى أن يعرف هذا الحكم في الحالتين، والحمل على ما هو أشفى بيانًا وأعظم فائدة وأعم نفعًا أولى بخلاف ما لو لم يحمل عليه لأنه حينئذ يكون بيانا للطهارة الصغرى مرتين، وإهمالًا لبيان الكبرى حال عدم الماء مع عدم اهتداء العقل إلى قياس الكبرى.
وفي الآية أبحاث تعرف في الأصول مع ما روي عن عائشة ﵂ أنه عليه
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/¬٤٦) رقم (١٨١)، والترمذي (١/ ١٣٩ رقم ٨٢)، والنسائي (١/ ١٠٠ رقم ١٦٣)، وابن ماجه (١/ ١٦١ رقم ٤٧٩)، وابن حبان (٣/ ٤٠٠ رقم ١١١٦)، وأحمد (٦/ ٤٠٦ رقم ٢٧٣٣٤)، والدارقطني (١/ ٢٧٠ رقم ٥٣٧) عن بسرة بنت صفوان ﵂. وصححه الترمذي وقال: قال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب، وصححه الدارقطني، وقال ابن حجر: وقال أبو داود: وقلت لأحمد: حديث بسرة ليس بصحيح؟ قال: بل هو صحيح، وقال الدارقطني: صحيح ثابت، وصححه أيضًا يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر، وأبو حامد بن الشرقي، والبيهقي، والحازمي، وقال البيهقي: هذا الحديث وإن لم يخرجه الشيخان لاختلاف وقع في سماع عروة منها أو من مروان فقد احتجا بجميع رواته، واحتج البخاري بمروان بن الحكم في عدة أحاديث فهو على شرط البخاري بكل حال. تلخيص الحبير (١/ ٣٤٠).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/¬٤٧).
[ ١ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السلام كان يُقبل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة (^١).
وقوله ﵇: «لا وُضوءَ إلّا عن صوتٍ أو ريح» (^٢)، وظاهر قوله ﵇: «الوضوء مما خرج» (^٣).
وما حمل الشافعي ما روي عن عائشة عن القبلة من وراء الثوب ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر، وما روي عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ أنه سأله رجل عن مس ذكره أفيه الوضوء؟ قال: «لا، هلْ هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ مِنْكَ» (^٤)، ولأن السبب الخارج النجس أو ما هو سبب له غالبًا ولم يوجد، والسبب إنما يقام مقام المسبب إذا كان خفيًا يعسر الاطلاع عليه فيدار الحكم على سببه احتياطا، أما هاهنا الاطلاع على حقيقة ما هو حدثه ممكن غير متعسر بخلاف الالتقاء فإنه سبب لخروج المني وقد يخفى خروجه لقلته فأدير الحكم على سببه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/¬٤٦) رقم (١٧٩)، والترمذي (١/ ١٤٣ رقم ٨٦)، وابن ماجه (١/ ١٦٨ رقم ٥٠٢) من حديث عائشة ﵂. قال الترمذي: وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة، عن النبي ﷺ في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد، وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر، عن علي بن المديني قال: ضَعَّفَ يحيى ابن سعيد القطان هذا الحديث وقال: هو شبه لا شيء، وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة، وقد روي عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ، وهذا لا يصح أيضا، ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعًا من عائشة، وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.
(٢) أخرجه الترمذي (١/ ١٣٠ رقم ٧٤)، وابن ماجه (١/ ١٧٢ رقم ٥١٥)، وابن خزيمة (١/¬١٨ رقم ٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه الترمذي وصححه كذلك البيهقي، وابن الصلاح، وابن دقيق العيد، وابن الملقن، انظر: البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (٢/ ٤١٩).
(٣) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١١٦ رقم ٥٨٠) من حديث ابن عباس ﵄. قال البيهقي: وروي عن النبي ﷺ ولا يثبت.
(٤) أخرجه أبو داود (١/¬٤٦) رقم (١٨٢، ١٨٣)، والترمذي (١/ ١٤٢) رقم (٨٥)، والنسائي (١/ ١٠١ رقم ١٦٥) وابن ماجه (١/ ١٦٣ رقم ٤٨٣). قال الترمذي: هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب، وصححه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٧٦)، وابن حجر في فتح الباري (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما ما رواه فقد طعن فيه يحيى بن معين وهو من التابعين المشهورين من أئمة الحديث، وقال: ثلاث لا يصح فيه حديث عن رسول الله، منها حديث مس الذكر، قال: وما قاله ﵇ حيث لم يقله بين يدي كبار الصحابة وقاله بين يدي بسرة.
وعن جماعة من الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود مثل مذهبنا حتى قال بعضهم: إن كان شيء منك نجسا فاقطعه، وقال بعضهم: لا أبالي أمسسته أم أنفي.
وقد نقل عن جماعة من الصحابة ذلك وعن ربيعة أنه كان يقول: هل يأخذ بحديث بسرة أحد؟ والله لو أن بسرة على هذا النقل لما أخذت بشهادتها لأن قوام الدين بالصلاة وقوامها بالطهور، فلم يكن في الصحابة من يقيم هذا الدين إلا بسرة، قال ابن زيد على هذا أدركنا مشايخنا.
ووقعت هذه المسألة في زمن عبد الملك بن مروان فشاور الصحابة فأجمع من بقي منهم على أنه لا وضوء فيه، وقالوا: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أو كذبت ومعنى قولهم كتاب ربنا أنه تعالى بين الأحداث من دم، وحيض، وغائط، وشرع الاستنجاء وأنه لا يتصور بلا مس، والسنة حديث طلق.
وعن أبي أيوب: قلت لرسول الله ﷺ: مسَسْتُ ذكري في الصلاة، قال: «لا بأس به» كذا في الأسرار، وشرح الآثار (^١).
ولأنه عضو من أعضائه فإما أن يكون نجسا أو طاهرًا، وليس في مس شيء من الطاهرات والنجاسات وضوء حتى لو مس ما يخرج منه لم ينتقض وضوءه، كذا في المبسوط (^٢).
وما قيل: أن حديث طلق منسوخ لأن أبا هريرة أسلم بعد قدوم طلق غير مسلم، ولئن سلّم فتاريخ القدوم لا يدل على تاريخ الرواية لجواز تساويهما في
_________________
(١) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٧٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٦٦).
[ ١ / ١٣٨ ]
(وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ رَأسِ الجُرْحِ، أَوْ سَقَطَ اللَّحْمُ لَا تَنْقُضُ) وَالمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودَةُ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا،
الرواية، أو تأخره في السماع وإن تقدم هجرة، واعتبار احتمال التقدم في حديث طلق لاحتمال النسخ غير مستقيم؛ لأن حديثه غير قابل للنسخ لأنه صدر هذا الكلام على سبيل التعليل فإنه ﵇ ذكر أن الذكر قطعة لحم فلا تأثير لمسه في الانتقاض، وهذا المعنى لا يقبل النسخ، كذا في شرح المصابيح (^١).
ويحمل حديث أبي هريرة على الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين، أو على الكناية لأنه يمكن أنه ﵇ أطلق مس الذكر كناية عما يخرج من الذكر، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها حيث يسكتون عن ذكر لفظ شيء ويرمزون عليه بذكر ما هو من روادفه، فينبهون بتلك الرمزة عن مكانه فيقولون: عالم يغترف الناس منه، فينبهون بالاغتراف على البحر؛ لأنه من لوازم وصف البحر، فكذلك مس الذكر يرادف خروج الحدث منه ويلازمه غالبًا عبر عنه وهو اللائق بمنصب الرسالة في حسن التعبير عن مثل هذه المقاصد بالكنايات المتعدية، ويصار إلى التأويل ليندفع التناقض بين الحديثين إذ الجمع بينهما عند الإمكان أولى من الطعن في أحدهما.
والجواب عن كلام مالك وأحمد رحمهما الله أن الاطلاع على خروج الناقض ممكن فلا بد أن الحكم على السبب لأن ذلك عند خفاء المسبب، وفيه تأمل.
قوله: (والمراد بالدابة) كذا، وفائدة التفسير: أن الدابة اسم لما يدب على الأرض لئلا يتوهم أن المراد هو الدواب التي تطير في الدبر كالذباب والبق ثم تخرج حيث لا ينقض.
قوله: (لأن النجس ما عليها)، فإن قيل: قد سبق أن ما لا يكون حدثًا لا يكون نجسا وهو صحيح، ثم قال هاهنا بنجاسة ما عليها وهو ليس بحدث في غير السبيلين وهذا تناقض.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/¬٤٦).
[ ١ / ١٣٩ ]
وَذَلِكَ قَلِيلٌ، وَهُوَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ الجُشَاءَ وَالفُسَاءَ، بِخِلَافِ الرِّيحِ الخَارِجَةِ مِنْ قُبُلِ المَرْأَةِ وَذَكَرِ الرَّجُلِ، لِأَنَّهَا لَا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُفْضَاةً يُسْتَحَبُّ لَهَا الوُضُوءُ، لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنْ الدُّبُرِ. (فَإِنْ
قلنا: لعله ذكره بناء على قول محمد، كذا ذكره في الفوائد الظهيرية (^١).
وعلى تقدير أنه قول الكل فمعناه بأن النجس لو كان لكان ما عليها من البلة لا نفس الدودة، ولهذا لو غسلت وصلى معها يجوز، والبلة بانفرادها حدث في السبيلين فكذا مع غيرها، وفي غير السبيلين قليل البلة بانفرادها ليس بحدث لأنه غير سائل والخروج بالسيلان، ولهذا قال: وذلك قليل لأنه لو كان كثيرا لسال، فإذا كان قليلا لا يكون خارجا بل ظاهر، وبهذا يندفع التناقض.
وقيل: في الفرق بينهما أن التي خرجت من الدبر متولدة من النجاسة، والنجاسة لو خرجت بنفسها تنقض، فكذا المتولدة منها، والتي سقطت من الجرح متولدة من اللحم، واللحم لو سقط لا ينقض، فكذا المتولد منه.
وقوله: (فأشبه الجشاء والفساء)، لف ونشر الجشا يشبه الدودة التي تخرج من الجرح، والفسا الدودة التي تخرج من الدبر.
وقيل: الجشا وإن كان نجسا إلا أنه لم يعتبر حدثا للضرورة؛ لأن الاحتراز غير ممكن، بخلاف الفسا فإن الاحتراز عنه ممكن، ثم اختلف المشايخ في الريح أن عينها نجس، أم نجس بسبب مرورها على النجاسة؟
وثمرة الاختلاف تظهر فيما لو خرج الريح وعليه سراويل مبتلة هل تنجس؟ من قال: عينها نجس يقول: تنجس السراويل، ومن قال: عينها طاهر يقول: لا ينجس، كما لو مرت الريح على نجاسة، ثم مرت على ثوب مبتل فإنه لا ينجسه، كذا ذكره التمرتاشي (^٢).
قوله: (لاحتمال خروجها من الدبر): وأثر هذا الاحتمال يظهر في مسألة
_________________
(١) انظر: الدر المختار لابن عابدين (١/ ٣٣٦).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/¬٥٠)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/¬٣١).
[ ١ / ١٤٠ ]
قُشِرَتْ نَفْطَةٌ، فَسَالَ مِنهَا مَاءٌ، أَوْ صَدِيدٌ، أَوْ غَيْرُهُمَا إِنْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الجُرْحِ نَقَضَ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ لَا يَنْقُضُ). وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَنْقُضُ فِي الوَجْهَيْنِ (*).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَنْقُضُ فِي الوَجْهَيْنِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَهَذِهِ الجُمْلَةُ نَجِسَةٌ: لِأَنَّ الدَّمَ يَنْضَجُ فَيَصِيرُ قَيْحًا، ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ صَدِيدًا، ثُمَّ يَصِيرُ مَاءً، هَذَا إِذَا قَشَرَهَا فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَمَّا إِذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ بِعَصْرِهِ لَا يَنْقُضُ، لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أخرى وهي أن المفضاة (^١) إذا طلقها زوجها ثلاثًا وتزوجت بآخر ودخل بها الزوج الثاني لا تحل للأول ما لم تحبل لاحتمال أن يكون الوطء كان في دبرها لا في قبلها، كذا في الفوائد الظهيرية (^٢).
فإن قيل: على تعليل الاحتمال ينبغي أن يجب عليها الوضوء احتياطا.
قلنا: كونها متوضئة كان ثابتًا بيقين واليقين لا يزول بالشك كالمتوضئ إذا شك أنه أحدث أم لا، لا يجب الوضوء عليه، وقال أبو حفص الكبير: يجب الوضوء في الريح الخارج من المفضاة، وهو رواية هشام عن محمد (^٣).
وقيل: يجب في المنتنة دون غيرها.
وهذه الجملة أي (الماء، والصديد، والدم)، وفي المحيط: خرج من السرة ماء أصفر وسال ينقض الوضوء، وقد ذكرنا فيه خلاف الحسن.
قوله: (لأنه مخرج)، وفي النوازل، وفي فتاوى العتابي: عصرت القرحة فخرج منها شيء كثير، ولو لم يعصر لا يخرج لا ينقض، ولكن قال: وفيه نظر (^٤).
وفي جامع الإمام السَّرَخْسِي: إذا عصرها فخرج منها الدم بعصرها انتقض،
_________________
(١) (*) الراجح: قول الجمهور.
(٢) المُفْضَاة: هي التي صار مسلك البول والغائط منها واحدًا، أو التي صار مسلك بولها ووطئها واحدًا. البحر الرائق لابن نجيم (١/¬٣٢).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (٢/ ٥٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٣٣٠).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/¬٥٠)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/¬٣٢).
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/¬٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٢٧١).
[ ١ / ١٤١ ]