في الإيضاح: المتولد من البقر الوحشي والأهلي، وكذا في الإبل والغنم يعتبر الأم، فإن كانت غنما؛ تجب فيها الزكاة (^٣).
[وقال الشافعي (^٤)، ومالك (^٥): لا تجب فيها الزكاة] (^٦)؛ لأنه ليس بشاة
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٥٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٨٩).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٥٩).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٣)، وبدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٣٠).
(٤) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/ ١٤٥)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٣١٣).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٩٥٣)، والتاج والإكليل للمواق (٣/ ٨٢).
(٦) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
عَلَى هَذَا الاعْتِبَارُ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى قِيمَةِ خُمْسِ فَصِيلٍ وَسَطِ وَإِلَى قِيمَةِ شَاةٍ فِي الخَمْسِ فَيَجِبُ أَقَلُّهُمَا، وَفِي العَشَرِ إِلَى قِيمَةِ شَاتَيْنِ: وَإِلَى قِيمَةِ خُمْسَيْ فَصِيلٍ عَلَى هَذَا الاعْتِبَارِ.
على الإطلاق بالنظر إلى ماء الفحل، ورجحنا جانب الأم؛ لأنه يصير ولدًا بمعنى في الأم، ولهذا يستحق باستحقاق الأم، ويتبع الأم في الرق والحرية، وجميع الأوصاف اللازمة.
وقال أحمد: تجب الزكاة بكل حال، وتجب الزكاة عنده في بقر الوحش في رواية (^١).
ولو اختلط سوائم رجلين اختلاط شركة أو مجاورة؛ لم يجب على كل واحد منهما في نصبيه من الزكاة إلا بمثل ما يجب عليه حالة الانفراد، حتى لا يجب عليهما في سبعين شاة وخمسين بقرة وتسع إبل شيء.
وقال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣): في خلطة الملك والمجاورة إذا وجدت شرائط الخلطة؛ بأن لا يتميز أحدهما عن الآخر في المراح والمسرح والمشرب، والراعي والمرعى والحلاب والفحل، وقيل: والكلب.
وقال مالك: إنما يعتبر الخلطة إذا بلغ مال كل واحد نصابًا، واختلف أصحابه في شرائط الخلطة؛ قال بعضهم: يكفي شرطين من هذه الشروط، وقال بعضهم: يراعى الراعي والرعي، وقال بعضهم: يكفي الاتفاق في الرعي (^٤).
لهم: حديث سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يُفرَّقُ بينَ مُجتمع، ولا يُجمَعُ بينَ مُتفرِّقٍ خَشية الصدقة» (^٥)، وما كان بين الخليطين يتراجعان بالسوية، فالنص يقتضي اعتبار ذلك.
ولنا: قوله ﵇: «سائمةُ الرجل إذا كانت أقل من أربعين؛ فلا شَيْءَ
_________________
(١) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ١٢٦)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٤٥).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٢١٠)، والمجموع للنووي (٥/ ٤٣٢).
(٣) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ١٢٨)، والكافي لابن قدامة (١/ ٣٩٤).
(٤) انظر: التلقين للثعلبي (١/ ٦٥)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٣١٥).
(٥) أخرجه البخاري (٢/ ١١٧، رقم ١٤٥٠) من حديث أنس ﵁.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيها» (^١) بلا فصل، وقال ﵇: «لا صَدقَةَ إِلَّا عَنْ ظهر غنّى» (^٢) وهذا ليس
بغني.
وأما الحديث فتأويله: إذا كان للرجل ثمانون من الغنم؛ يجب فيها شاة ولا يفرق، كأنها لرجلين، فيأخذ شاتين، وإذا كانت هذه الثمانين لرجلين؛ فلا يُحصل كأنها لرجل واحد حتى يؤخذ واحد؛ بل يؤخذ شاتان.
وقوله: وما كان بين الخليطين يتراجعان؛ تفسيره: أنه إذا كان له من الغنم مائة وعشرون بين رجلين، لأحدهما ثمانون، وللآخر أربعون؛ وجبت على كل واحد منهما شاة، فإذا جاء المصدق وأخذ شاتين من عوض ذلك؛ كان لصاحب الثمانين أن يرجع على صاحب الأربعين بثلث شاة؛ لأن المأخوذ من نصيب صاحب الأربعين بثلث شاة؛ لأن المأخوذ من نصيب صاحب الأربعين ثلث شاتين، وبقي عليه ثلث شاة، وأخذ من نصيب صاحب الثمانين فيرجع عليه. كذا في الإيضاح (^٣).
ولو اشترى سوائم للتجارة؛ ففيها زكاة التجارة عندنا، وبه قال الشافعي في قول، وقال في قول: تجب زكاة السائمة (^٤)، وبه قال مالك (^٥)، إلا أن يبلغ نصاب السائمة، ولا يلزمه زكاتان بالإجماع.
ويجوز بيع السوائم قبل الحول وبعده، وعنده في أحد قوليه: لا يجوز بعد الحول؛ لتعلق حق الفقير به كالرهن، ثم في قول: يبطل في الجميع، وفي قول: في قدر الزكاة، ويصح في الباقي، وفي قول: يصح في الجميع، وهو مذهبنا.
ووجهه: أنه لما حل له التصرف فيها بالإجماع جاز بيعها، ولأنه عليه
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) جزء من حديث أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٠، رقم ٧١٥٥) من حديث أبي هريرة ﵁، وعنه أخرجه البخاري (٧/ ٦٣، رقم ٥٣٥٦).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٣٠)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٣٠٢).
(٤) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/ ٣١٦)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٦/ ٨١).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٣٥٧)، والبيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٤٨٩).
[ ٢ / ٦٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السلام دفع إلى حكيم بن حزام دينارًا ليشتري بها أضحية، فاشترى شاة بدينار، ثم باعها بدينارين، ثم اشترى شاة بدينار، وأتى بدينار إلى النبي ﵇، فقال ﵇: «بارك الله في صَفْقَتِكَ» (^١)، وأجاز بيع الأضحية بعد ما وجب حق الله تعالى فيها، فعلم أن تعلق حقه لله تعالى لا يمنع جواز البيع. كذا في شرح المجمع (^٢)، وفيه نوع تأمل.
ولو باع السوائم قبل تمام الحول بيوم فرارًا عن الوجوب؛ قال محمد: يكره، وقال أبو يوسف: لا يكره، وهو الأصح، ولو باعها للنفقة؛ لا يكره بالإجماع، ولو احتمال لإسقاط الواجب؛ يكره بالإجماع، ولو فر منه بخلا لا تأثيما؛ يكره بالإجماع (^٣).
ولو استبدل السائمة بجنسها ينقطع حكم الحول، وبه قال الشافعي (^٤).
وقال زفر (^٥)، ومالك (^٦): لا ينقطع. وقال أحمد: لو استبدل بجنسه من الحيوان لا ينقطع، ولو استبدل بغير جنسه منه ينقطع (^٧)، وهو رواية عن مالك.
وجه قول زفر: أن الكل متخذ معنى، فلا يبطل حكم الحول، كما لو استبدل الدراهم بالدراهم، والدنانير بالدنانير، وبالعكس.
ولنا: أن السائمة إنما صارت سببًا لوجوب الزكاة؛ باعتبار النماء من عينها درًا ونسلًا وسمنا، وهذا المعنى يفوت بالاستبدال، أما الدراهم والدنانير نماؤها؛ إنما يتحقق بالتجارة، فصار الاستبدال محققًا لمعنى النماء لا مبطلا. كذا في الإيضاح (^٨).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٥٥٠، رقم ١٢٥٨) من حديث عروة البارقي ﵁، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٤٥٣).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٣).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٣٦)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٧١٨).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٩٥)، والمجموع للنووي (٥/ ٣٦١).
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬١٥).
(٦) انظر: الذخيرة للقرافي (٣/ ٩٧)، وإرشاد السالك لشهاب الدين البغدادي (١/¬٣٥).
(٧) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ١٢٥)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٣٠٥).
(٨) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٦).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
قَالَ: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنِّ فَلَمْ تُوجَدْ: أَخَذَ المُصَدِّقُ أَعْلَى مِنهَا وَرَدَّ الفَضْلَ
وفقهه: أن وجوب الزكاة في السائمة باعتبار عينها، وفي غيرها باعتبار ماليتها، فالعين الثانية فيها غير الأولى؛ لفوات متعلق الوجوب، بخلاف العروض؛ لأن متعلق الوجوب هو المالية، وهي نافية مع الاستبدال، أما هاهنا: فالشرط تمام الحول على عين السائمة، فبالاستبدال لا يتم على عين واحد، ففات شرط الوجوب.
ولو امتنع من أداء الزكاة؛ لا يأخذ منه الإمام جبرًا؛ بل يأمره ويحبسه أن يؤديها باختياره.
وقال الشافعي: إذا طلب الإمام زكاة الأموال الظاهرة؛ يجب التسليم بلا خلاف، حتى لو امتنع عن الأداء؛ قاتلهم الإمام، ولو امتنع بدون القتال؛ أخذ منه كرها وعزره، وفي القديم يأخذ معها شطر ماله، وفي الأموال الباطنة؛ فقال الماوردي: لا يأخذها كرها، وقال غيره: بأخذها كرها. وفي القديم: يأخذها مع شطر ماله.
له: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله ﵇ لمعاذ: «خذها … الحديث (^١)، وقصة أبي بكر ﵁ أنه قال: لو منعوني عقالا لقاتلتهم (^٢)، وتابعه جماعة من الصحابة.
وقلنا: أنها عبادة، فلا يتأدى بلا اختيار، وفي النص دلالة عليه بتسمية المأخوذ صدقة، ونية القربة شرطها، وقصة أبي بكر ﵁ في منكري الزكاة.
قوله: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنْ)؛ أي: ذات سن، لا السنة المعروفة، سمي بها صاحبها؛ بطريق إطلاق اسم البعض على الكل.
صورة المسألة: وجب في إبله بنت لبون ولم يوجد؛ يأخذ المصدق الحقة ويرد الفضل، أو يأخذ بنت مخاض ويأخذ الفضل؛ لجواز أخذ القيمة عندنا.
وعند الشافعي: خُيّر إن ما بين السنين مقدر بشاتين، أو عشرين درهما،
_________________
(١) اخرجه البخاري (٢/ ١٠٤، رقم ١٣٩٥) ومسلم (١/¬٥٠، رقم ١٩) من حديث ابن عباس ﵁.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
أَوْ أَخَذَ دُونَهَا وَأَخَذَ الفَضْلَ)، وَهَذَا يَبتنِي عَلَى أَنَّ أَخْذَ القِيمَةِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ جَائِزٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا نَذْكُرهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ فِي الوَجْهِ الأَوَّلِ لَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ
فيدفع إن أخذ الأعلى، ويأخذ إن أخذ دونه (^١)، هكذا ذكر في كتاب أنس. وقصته: أن أبا بكر ﵁ كتب كتاب الصدقة لأنس، حين وجهه إلى اليمن: هذه فريضة الصدقة، فرضها رسول الله ﷺ، وساق الحديث، إلى أن قال: «ومن بلَغَتْ عِندَهُ مِنَ الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعةٌ وعِندَهُ حقَّةٌ؛ فإنها تُقبل منه الحقة، ويُجعلُ معها شاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وعنده الجذعة؛ فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه عشرين درهما أو شاتين»، وكذا ذكره في بنت اللبون وبنت المخاض، والحديث في الصحيحين (^٢)، وله قولان في الخيار بينهما والعشرين في قول: إلى الساعي، وفي قول: إلى رب المال (^٣).
وقلنا: التقدير بشيء معين إضرار بالفقراء إن كان يسيرًا، أو إجحاف بأرباب الأموال إن كان كثيرًا، وكلاهما منهي، فتقدير الجبران بقيمة النقصان؛ نظرًا للجانبين.
وأما كتاب أنس؛ فلأن التفاوت في ذلك الزمان بذلك القدر، وهذا معنى قوله ﵇: «في خمس وعشرين بنتُ مخاض، فإن لم يَكُنْ فَابْنُ لبون ذكر» (^٤)، وقيمة ابن لبون ذَكَرٍ كانت مساوية لقيمة بنت المخاض في ذلك الوقت غالبًا، فجوزه بطريق القيمة؛ بدليل ما روي عن علي أن قدر جبر ما بين السنين بشاة أو عشرة دراهم، وهو كان مصدق رسول الله ﷺ، فما كان يخفى عليه حديث النبي ﵇، ولا يظن به مخالفة ﵇، فيحمل على ما
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (٢/¬٧)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٧١).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ١١٧، رقم ١٤٥٣) متفردا له من حديث أنس ﵁، فعزوه لمسلم إما أن يكون خطأ من الناسخ أو سهو من المصنف رحم الله الجميع.
(٣) انظر: حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٣/¬٣٨)، والبيان للعمراني (٣/ ١٨٣).
(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٩٦، رقم ١٥٦٧) من حديث أنس ﵁، وهو عند البخاري مختصرا وتقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
وَيُطَالِبَ بِعَيْنِ الوَاجِبِ أَوْ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ. وَفِي الوَجْهِ الثَّانِي يُجْبَرُ، لِأَنَّهُ لَا بَيْعَ فِيهِ، بَلْ هُوَ إِعْطَاءٌ بِالقِيمَةِ.
(وَيَجُوزُ دَفْعُ القِيمِ فِي الزَّكَاةِ) عِنْدَنَا، وَكَذَا فِي الكَفَّارَاتِ وَصَدَقَةِ الفِطْرِ وَالعُشْرِ وَالنَّذْرِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ اتِّبَاعًا لِلْمَنْصُوصِ كَمَا فِي الهَدَايَا وَالضَّحَايَا. وَلَنَا:
ذكرنا
ثم ظاهر ما ذكر في الكتاب يدل على أن الخيار للمصدق، ولكن الصواب: أن الخيار للمالك؛ لأن [الخيار] (^١) شرع رفقا لمن عليه الواجب، والرفق إنما يتحقق في تخيير المالك، وكأنه أراد به: إذا سمحت به نفس من عليه؛ إذ الظاهر من حال المسلم أن يختار ما هو الأرفق للفقراء. كذا في مبسوط شمس الأئمة، وفخر الإسلام (^٢).
قوله: (ولأنه شراء)؛ يعني: صاحب المال، يريد هاهنا: أن يبيع الفضل على الواجب، فيخير الساعي، بخلاف الوجه الثاني؛ لأنه أدى صاحب المال الواجب بطريق القيمة، وليس فيه بيع فيخير الساعي كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٣).
وفي شرح الطحاوي: الخيار إلى المصدق في فصل واحد؛ وهو ما إذا أراد أن يدفع لأجل الواجب بعض العين، نحو ما إذا كان الواجب بنت لبون، فأراد أن يدفع بعض الحقة، أو كان الواجب حقة فأراد أن يدفع بعض الجذعة؛ فله حق الامتناع؛ لأن الانتقاص في الأعيان عيب (^٤).
قوله: (وقال الشافعي: لا يجوز) (^٥) وبه قال مالك، وأحمد (^٦)، إلا أن
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٩٠)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٧٩).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٤٨).
(٤) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٧١)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١٢٠).
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٧٩)، والمجموع للنووي (٥/ ٤٢٩).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٩٢)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٣٢٢).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
أَنَّ الْأَمْرَ بِالأَدَاءِ إِلَى الفَقِيرِ إِيصَالٌ لِلرِّزْقِ المَوْعُودِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ إِبْطَالًا لِقَيْدِ الشَّاةِ
مالكا قال: يجوز إخراج الذهب عن الفضة، والفضة عنه (^١).
وعن أحمد في إخراج الذهب عن الفضة روايتان؛ اتباعًا للمنصوص؛ فإنه ﵇ قال: «في أربعين شاة شاة، وفي خمس مِنَ الإِبل شاة» (^٢)، وهذا بيان لما هو مجمل في الكتاب، فإن الإيتاء منصوص عليه، والمأتي غير مذكور، فالتحق الحديث بيانا لمجمل الكتاب، وكأنه تعالى قال: وآتوا الزكاة في أربعين شاة شاة، فلا يجوز التعليل لإبطال حق الفقير عن العين؛ لأن الحق المستحق مراعًا بصورته ومعناه كما في حقوق العباد؛ لأنه حق مالي مقدر بأسنان معلومة شرعًا، فلا يتأدى بالقيمة كما في الهدايا والضحايا، ولأن الزكاة حق متعلق لمحل عين، فلا يتأدى بغيره كالسجود، لما تعلق بالجبهة أو الأنف لا يتأدى بالخد والذقن.
ولنا: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وجعل محل الأخذ ما يسمى مالًا، وبيان النبي ﵇ بما ذكر؛ للتيسير على أرباب المواشي لعزة النقد عندهم، لا للتقييد، مع أنه على الكتاب بخبر الواحد لا يجوز؛ ألا ترى أنه ﵇ قال: «في خمس مِنَ الإبل شاة» (^٣)، وحرف (في) حقيقة الظرف، وعين الشاة لا توجد في الإبل، فعرف أن المراد قدره من المال.
وقوله ﵇ للمصدّق، ولما رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء (^٤) فقال له: «أَلَم أَنهَكُم عن أخْذِ كرائم أموالِ النَّاسِ»، فقال المصدق: أخذتها ببعيرين يا رسول الله، وفي رواية: «ارْتَجِعْها ببعيرَينِ»، فلم ينكر ﵇. رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد (^٥).
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل للمواق (٣/ ٢٣٩)، ومنح الجليل لعليش (٢/ ٩٣).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) الكوماء: هي الناقة عظيمة السنام النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢١١).
(٥) هذا الحديث ملفق من حديثين فآخر الحديث أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٩، رقم ١٩٠٨٩) من حديث الصنابحي متفردا به قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٠٥): رواه أحمد وأبو يعلى وفيه مجالد بن سعد، وهو ضعيف، وقد وثقه النسائي في رواية.
[ ٢ / ٦١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والارتجاع: أن يأخذ مكان اثنين أخذا بالقيمة.
قال أبو عبيدة: الارتجاع لغة من الرجوع، وهو الرد (^١)، فلما رد الواجب إلى غيره سمي ارتجاعا، ولم يجر الحمل على المبادلة بعد الأخذ؛ لأنه تجارة مبتدأ الارتجاع.
وقول معاذ في خطبته باليمن: ائتوني بخميص أو لبيس، آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة. رواه البخاري في صحيحه (^٢) تعليقا بغير إسناد، بصيغة الجزم.
قال النواوي: إذا كان تعليقه بصيغة الجزم فهو حجة (^٣)، والدارقطني أيضا، ولم يخف فعله على النبي ﵇ والصحابة.
وفي المغرب: الخميص: ثوب طوله خمسة أذرع، واللبيس: الخلق، ويغني الصغير من الثياب (^٤).
وأجابوا عن حديث معاذ: بأن ذلك في الجزية، وهو غير صحيح؛ لأنه قال مكان الشعير والذرة، وذلك غير واجب في الجزية بالإجماع.
وقال البخاري في صحيحه: في الصدقة والجزية صغار لا صدقة، وتسميتها بالصدقة مكابر، ولأنه قال ذلك في خطبته والخطاب مع المسلمين.
وقولهم: (إن مذهب معاذ عدم جواز نقل الصدقة)؛ لا أصل له؛ لأنه لم ينسب إلى أحد من الصحابة مذهبه في حياته ﵇، فالظاهر أنه نقل الزكاة إلى المدينة بأمر النبي ﵇؛ لأنه ﵇ بعثه لذلك، ولأنه يجوز نقلها إلى قوم أحوج، ولأن المقصود إغناء الفقير كما قال ﵇:
_________________
(١) = وبمعناه أخرجه أبو داود (٢/ ١٠٢ رقم ١٥٧٩) والنسائي (٥/¬٢٩، رقم ٢٤٥٧) من حديث سويد بن غفلة، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود الأم - (٥/ ٢٩٨، رقم ١٤٠٩)، والنهي عن أخذ كرائم أموال الناس في الصحيحين من حديث ابن عباس.
(٢) انظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ٢٢٢)، ولسان العرب لابن منظور (٨/ ١١٨).
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ١١٦).
(٤) انظر: المجموع للنووي (٥/ ٤٢٩).
(٥) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ١٥٤).
[ ٢ / ٦١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«أَغنوهُمْ عَنِ المَسأَلةِ» (^١)، والإغناء يحصل بأداء القيمة كما يحصل بأداء الشاة، وربما يكون سد الخلة بأداء القيمة أظهر.
ولا نقول: بأن الواجب حق الفقير، بل حق الله تعالى خالصًا، مصروفًا إلى الفقير كفاية من الله تعالى عما وعد من الرزق، وأوجب مالا مسمى على الأغنياء لنفسه، ثم أمرهم بإنجاز المواعيد من ذلك المسمى، وذلك لا يحتمله مع اختلافها إلا بالاستدلال، فكان إذنا به ضرورة، كما ذكر في الأصول، فثبت أن التعليل ثبت ضرورة النص، فكان كالثابت بالنص.
فإن قيل: هذا إنما يستقيم لو لم يصلح عين الواجب قضاء لحق الفقير، والشاة صالحة لقضاء حوائجه فلا حاجة إليه.
قلنا: الشاة صالحة لما فيه من المالية، لا لكونها شاة، والقيمة في حق المالية مثلها، وهذا لأنه لو أدى الواحدة من خمس من الإبل يجزيه عن الشاة بالإجماع، ولولا أن الواجب مالية الشاة، وإلا لما جاز.
وظن بعض أصحابنا أن أداء القيمة بدل عن الواجب، حتى لقبت المسألة بالإبدال، وليس كذلك؛ فإن المصير إلى البدل إنما يجوز إلا عند عدم الأصل، وأداء القيمة مع وجود المنصوص عليه جائز عندنا.
وأما ما رواه؛ فلبيان القدر كما ذكرنا، وبدليل حديث الارتجاع وحديث معاذ.
وأما الهدايا والضحايا؛ فالمستحق فيها إراقة الدم، حتى لو هلك بعد الذبح قبل التصدق لم يلزمه شيء، وإراقة الدم ليست بمعقول المعنى ولا متقومة.
أما القربة هاهنا سد خلة المحتاج، وهو معقول، وكذا السجود على الخد
_________________
(١) قال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٤٣٢): غريب بهذا اللفظ. وبنحوه رواه الدارقطني (٣/ ٨٩، رقم ٢١٣٣) من حديث ابن عمر ﵄، وأعله ابن عدي في الكامل (٨/ ٣٢٠) بأبي معشر نجيح السندي.
[ ٢ / ٦١٢ ]
فَصَارَ كَالجِزْيَةِ، بِخِلَافِ الهَدَايَا، لِأَنَّ القُرْبَةَ فِيهَا إِرَاقَةُ الدَّمِ وَهُوَ لَا يُعْقَلُ. وَوَجْهُ القُرْبَةِ فِي المُتَنَازَعَ فِيهِ سَدُّ خَلَّةِ المُحْتَاجِ وَهُوَ مَعْقُولٌ.
(وَلَيْسَ فِي العَوَامِلِ وَالحَوَامِلِ وَالعَلُوفَةِ صَدَقَةٌ) خِلَافًا لِمَالِكِ. لَهُ ظَوَاهِرُ النُّصُوصِ وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊:
والذقن ليس بقربة أصلا، حتى لا ينتقل ولا يصار إليه عند العجز، وما ليس بقربة لا يقوم مقام القربة. كذا في المبسوط (^١)، والأسرار.
قوله: (فصار كالجزية)؛ يعني: أنها وجبت لكفاية المقابلة، فكان المعتبر في حقهم أنها محل صالح لكفايتهم حتى يتأتى بالقيمة، فكذا هذا.
قوله: (وليس في العوامل …) إلى آخره وبقولنا: قال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣)، وأبو ثور.
وقال مالك (^٤)، ومكحول، وقتادة: تجب الزكاة فيهما.
وقال داود: يجب في عَوَامِلَ وَعَلُوفَة البقر والإبل في علوفة الغنم (^٥).
(له)؛ أي: لمالك.
(ظواهر النصوص)؛ وهي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله ﵇ لمعاذ: «خذها»، وقوله ﵇: في أربعين شاة شاة وفي خمس مِنَ الإبل شاة من غير تقييد، ولأنها شرعت شكرًا لنعمة المال، وذلك لا ينعدم؛ بل يزداد الانتفاع بالمال، فكان أدعى إلى الشكر.
(ولنا: قوله ﵇ روى عن علي عن النبي ﵇ أنه قال: «ليسَ فِي الإِبِلِ العوامل صدقةٌ» (^٦)، وعن ابن عباس أنه ﵇ قال: «ليس
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٥٧).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٨٨)، والبيان للعمراني (٣/ ١٤٩).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٤٣٠)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٣١٠).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٣٥٧)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٧٣).
(٥) انظر: المحلى لابن حزم (٤/ ١٤٤).
(٦) تقدم تخريجه من حديث علي ﵁.
[ ٢ / ٦١٣ ]
«لَيْسَ فِي الحَوَامِلِ وَالعَوَامِلِ وَلَا فِي البَقَرِ المُثِيرَةِ صَدَقَةٌ»، وَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ المَالُ النَّامِي وَدَلِيلُهُ الإِسَامَةُ أَوْ الإِعْدَادُ لِلتِّجَارَةِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِأَنَّ فِي العَلُوفَةِ تَتَرَاكُمُ المُؤْنَةُ فَيَنْعَدِمُ النَّمَاءُ مَعْنَى.
في البقر العوامل صدقة» (^١)، وعن جابر أنه ﵇ قال: «ليس في البقر المثير صدقة» (^٢).
والمعنى: أن الزكاة يتكرر وجوبها بتكرر السنة، وقد ذكرنا أن السنة شرط، فلما تكرر الوجوب بتكررها علم أن السبب متجدد، وما ذلك إلا لمعنى النمو الذي يتجدد بالأوقات، فأما الأصل فواحد؛ ألا ترى أنها تتعلق بنفس الذهب والفضة كيف ما أمسكهما لأنهما خلقا للتجارة، ولا تجب في الدور والثياب، وإن استغنى عنها ما لم يجعلها للتجارة، فعلم أن النمو شرط وهو في الحيوانات بالإسامة؛ لأنها سبب الزيادة، ولهذا أُجِّل بالحول؛ لأن النمو إنما يتحقق درا ونسلا بالحول، وكذا أرباح التجارات.
وما وراه من الإطلاق مفسر بما رويناه، وفي حديث آخر «في خمس مِنَ الإبل السائمة شاة في ثلاثين من البقر السائمة».
وفي المغرب: العلوفة بفتح العين: ما تعلفون من الأنعام، والواحد والجمع فيه سواء، وبضمها جمع علف (^٣)، والحوامل المعدات لحمل الأثقال، وفي الطلبة العوامل المعدات للأعمال.
ولأن في العلوفة تتراكم المؤنة وينعدم النماء معنى؛ فلا تجب الزكاة عند كثرة المؤنة؛ لأن لحصة المؤنة أثرًا في إيجاب حق الله تعالى، قال ﵇: «ما سقته السماء ففيه العشر، وما سُقِي بغرب أو دالية ففيه نصفُ العُشرِ» (^٤). كذا في المبسوط (^٥).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٤٩٢، رقم ١٩٣٩) وأعله ابن عدي في الكامل (٤/ ٥٣٤) بسوار بن مصعب.
(٢) أشار إليه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١١٦) وضعف سنده، وصحح وقفه على جابر ﵁.
(٣) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٣٢٦).
(٤) بنحوه أخرجه البخاري (٢/ ١٢٦، رقم ١٤٨٣) وأبو داود (٢/ ١٠٨، رقم ١٥٩٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٥).
[ ٢ / ٦١٤ ]
ثُمَّ السَّائِمَةُ هِيَ الَّتِي تَكْتَفِي بِالرَّعْيِ فِي أَكْثَرِ الحَوْلِ، حَتَّى لَوْ عَلَفَهَا نِصْفَ الحَوْلِ أَوْ أَكْثَرَ كَانَتْ عَلُوفَةٌ، لِأَنَّ القَلِيلَ تَابِعٌ لِلْأَكْثَرِ.
قوله: (تكتفي بالرعي في أكثر الحول) لا خلاف أن السائمة في جميع الحول تجب فيها الزكاة، والعلوفة في جميع السنة لا تجب فيها الزكاة، وإنما الخلاف في الإسامة في أكثر الحول؛ فعندنا، وأحمد (^١)، وبعض أصحاب الشافعي: لو علفت في نصف الحول أو أكثر كانت علوفة.
وقال الشافعي في الأصح: أن السوم شرط في جميع السنة، حتى لو ترك الإسامة في زمان لو لم يعلف فيه الحيوان ينقطع السوم، أما لو كان العلف في يوم أو يومين، هل ينقطع أم لا؟
اختلف أصحابه فيه؛ فمنهم من قال: لا ينقطع لقلة المدة، ومنهم من قال: ينقطع كيفما يوجد العلف، ومنهم من قال: لو قصد العلف وقطع الإسامة ينقطع الحول ولو كان العلف بساعة واحدة (^٢).
ودليله: أن السوم موجب والعلف مسقط، فوجب أن يكون المسقط غالبًا، ولا يترجح الوجوب بجهة العبادة؛ لما أن الترجيح إنما يكون بعد ثبوت النسب. كذا في تتمتهم.
ولنا: أن أصحاب السوائم لا يجدون بدا من أن يعلفوا سوائمهم في زمان البرد والثلج، فجعلنا الأصل تبعًا للأكثر، ثم الإسامة إنما يعتبر في حق إيجاب الزكاة؛ أن لو كانت الإسامة للدر والنسل أو للقسمين، أما الإسامة للتجارة أو للحمل والركوب؛ فلا يعتبر به. كذا في المبسوط (^٣).
قوله: (تابع للأكثر) هذا الدليل إنما يستقيم لقوله: (أو أكثر)، أما ما لا يستقيم لو أعلفها نصف الحول فلابد من دليل آخر؛ وهو أن يقول: لما أعلفها نصف الحول وقع الشك في ثبوت سبب الإيجاب، فلا يثبت الوجوب، ولا يرجح الوجوب؛ لما أن الترجيح إنما يكون بعد وجوب السبب.
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٤٣١)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٤٦٩).
(٢) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/ ٢٠٤)، وروضة الطالبين للنووي (٢/ ١٩٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٦).
[ ٢ / ٦١٥ ]
(وَلَا يَأْخُذُ المُصَدِّقُ خِيَارَ المَالِ وَلَا رَذَالَتَهُ وَيَأخُذُ الوَسَطَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تَأْخُذُوا مِنْ حَزَرَاتِ أَمْوَالِ النَّاسِ - أَيْ: كَرَائِمَهَا وَخُذُوا مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ» أَيْ: أَوْسَاطِهَا، وَلِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا مِنْ الجَانِبَيْنِ.
وفي الْمُجْتَبى: ألفاظ الكتب في بيان الإسامة مختلفة؛ فعن الحسن عن أبي حنيفة: هي ما ترعى في البرية، يقتنيها صاحبها يلتمس بها الرسل -أي: اللبن والنسل - ولا يريد بيعها (^١).
وفي القدوري: السائمة: هي الراعية التي تكتفي بالرعي في أكثر السنة، ويمونها ذلك، وإن كان يعلفها أحيانا ويرعاها أخرى؛ يعتبر الغالب (^٢).
ولو نوى أن يجعل السائمة علوفة أو عاملة وهو يرعاها، فإن ترك رعيها بطل السوم، وإلا فلا.
له غنم للتجارة نوى أن يكون للحم، فذبح كل يوم شاة، أو سائمة نواها للحمولة؛ فهي للحم.
[والحمولة] (^٣) عند محمد له حوامل تركها ترعى أكثر من ستة أشهر؛ فهي حوامل (^٤)، وكذا الغنم إذا لم تكن سائمة ورعاها، فلو كانت للتجارة ورعاها سنة؛ فهي لها، ولا تكون سائمة أبدًا إلا بنية الإسامة، كمن له عبد للتجارة أراد أن يستخدمه سنين فاستخدمه؛ فهو للتجارة، إلا أن ينوي إخراجه منها للخدمة.
قوله: (حَزَرَاتِ): في المغرب: حزرة الشيء: خياره (^٥)، والجمع: حزرات بالتحريك. وذكر الحاكم الجليل في المنتقى الوسط: أعلى الأدون وأدون الأعلى (^٦).
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٥٧).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٥٧).
(٣) في الأصل: (له)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٤) كذا في الأصول الخطية، وفي مطبوع المجتبى: "والحمولة عند محمد له عوامل تركها ترتعي أكثر من ستة أشهر فهي سائمة، وإذا رعاها أكثر من ستة أشهر فهي عوامل".
(٥) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ١١٤).
(٦) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١) (٢٧٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٥٣).
[ ٢ / ٦١٦ ]
قَالَ: (وَمَنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ فَاسْتَفَادَ فِي أَثْنَاءِ الحَوْلِ مِنْ جِنْسِهِ ضَمَّهُ إِلَيْهِ وَزَكَّاهُ
وقيل: إذا كان عشرون من الضأن وعشرون من المعز؛ يأخذ الوسط، ومعرفته أن يقوم الوسط من المعز والضأن، فيؤخذ شاة تساوي نصف قيمة كل واحد منهما، مثلا: الوسط من المعز تساوي عشرة دراهم، والوسط من المعز عشرون؛ فيؤخذ شاة قيمتها خمسة عشر.
وفي الجامع الكبير: لو أخذ شاة سمينة يبلغ قيمتها شاتين وسطين؛ يجوز؛ لأن الجودة في الحيوان متقومة، والمنصوص عليه هو الوسط (^١).
وفي المجتبى: لو كان في السوائم العمياء والعرجاء والعجاف؛ يعد من النصاب لإطلاق الاسم، ولكن لا تؤخذ في الصدقة؛ لقوله ﵇: «لا تَأْخُذْ فِي الصَّدقةِ هَرِمَةَ ولا ذاتَ عَوارٍ ولا ذاتَ عيب»، إلا أن يكون قيمة العرجاء مثل قيمة الصحيح، ولم يكن فيها إلا واحدة وسط؛ يجب فيها ما يجب في الأوساط، وإن لم يكن فيها وسط؛ يعتبر أفضلها، فيكون الواجب بقدره (^٢)، ولا خلاف لأهل العلم أنه يأخذ الوسط.
قوله: (استفاد في أثناء الحول): في المبسوط: سواء استفاد بشراء أو هبة أو ميراث (^٣). وعن ابن عباس مثل مذهبنا.
وقال مالك: يضم في الماشية لا في الذهب والفضة (^٤).
وقال الشافعي: لا يضم ما يستفاد بالشراء والهبة والإرث (^٥)، وبه قال أحمد (^٦).
وأما النتاج: يُضَمُّ؛ لما روينا من قول عمر: عُدَّ عليهم السخلة.
وكذا الأرباح؛ لأنها تابعة في الملك حتى ملكت بملك الأصل، وله في الأرباح قولان.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٥٣).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٤٩).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٤).
(٤) انظر: التلقين للثعلبي (١/ ٦٤)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد (٢/¬٣٣).
(٥) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/ ١٢٠)، والبيان للعمراني (٣/ ١٥٤).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٨٤)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٣٠٣).
[ ٢ / ٦١٧ ]
بِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَضُمُّ، لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي حَقِّ المِلْكِ فَكَذَا فِي وَظِيفَتِهِ، بِخِلَافِ الأَوْلَادِ وَالأَرْبَاحِ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ فِي المِلْكِ حَتَّى مُلِكَتْ بِمِلْكِ الْأَصْلِ.
وكذا لو وجد معدن ذهب وفضة فأدّى خمسها؛ فله فيه قولان. كذا في المختلفات، والمجتبى (^١)، وخلاصتهم.
للشافعي: قوله ﵇: «من استفاد مالًا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحَوْلُ»، وهو المعهود اثنى عشر شهرًا. رواه أنس (^٢). وروى ابن عمر أنه ﵇ قال: «من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول» (^٣)، ولأنه أصل بنفسه في حق الملك، فتجب الزكاة في عينه فيفرد بالحول كالمستفاد من غير الجنس.
ولنا: قوله ﵇: «اعْلَمُوا [أن] (^٤) مِنَ السِّنَةِ شهرًا تُؤدُّوا فيه زكاة أموالِكُم، فما حدث بعد ذلك من مال فلا زكاة فيه حتى يجيء رأس السنة». رواه الترمذي (^٥)، وهذا يقتضي أن عند مجيء رأس السنة تجب الزكاة في الحادث كما يجب في الأصل، وأن وقت الوجوب فيها واحد، ولأنه نفي الوجوب عن المستفاد حتى يجيء رأس الحول على سبيل التعريف، فيصرف إلى الحول الذي علم لزكاة الأصل.
والمعنى: أنه مستفاد من جنس الأصل، فيجب ضمه قياسا على الربح والولد؛ وهذا لأن ضم بعض الأموال إلى البعض في ابتداء الحول للمجانسة دون التولد، فكذا في خلال الحول، ولو كان هذا مما يسري لعلة التولد لكان
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٥٦).
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٤٦٩، رقم ١٨٩١) من حديث أنس وأعله ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٤٨) بحسان بن ساه.
(٣) أخرجه الترمذي (٢/¬١٨، رقم ٦٣١) وصحح وقفه برقم (٢/¬١٩، رقم ٦٣٢)، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ٢٥٤، رقم ٧٨٧).
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها النص.
(٥) قال العيني في البناية (٣/ ٣٥٦) - وهو يستدرك على الكاكي: رواه الترمذي، وجزم بذلك ولم أره في الترمذي. وبنحوه أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٤٨، رقم ٧٨٥٦) ورواه مختصرا عبد الرزاق (٤/ ٩٢، رقم ٧٠٨٦) من قول عثمان ﵁.
[ ٢ / ٦١٨ ]
وَلَنَا: أَنَّ المُجَانَسَةَ هِيَ العِلَّةُ فِي الأَوْلَادِ وَالأَرْبَاحِ، لِأَنَّ عِنْدَهَا يَتَعَسَّرُ المَيْزُ فَيَعْسُرُ اعْتِبَارُ الحَوْلِ لِكُلِّ مُسْتَفَادٍ، وَمَا شُرِطَ الحَوْلِ إِلَّا لِلتَّيْسِيرِ.
قَالَ: (وَالزَّكَاةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي النِّصَابِ دُونَ العَفْوِ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: فِيهِمَا (*)،
أولى أن يسري إلى الحادث بعد الحول؛ لتقرر الزكاة في الأصل، ولو وجبت الزكاة في السائمة ثم ولدت؛ لم يسر الوجوب إلى الولد.
وأما الحديث؛ فضعفه أحمد وغيره، ووقفه نافع على ابن عمر، رواه أيوب وعبيد الله وغير واحد عن نافع عن ابن عمر موقوفا، قال الترمذي: هذا أصح.
ولو ثبت فقلنا: حؤول الحول عبارة عن آخر جزء منه، وقد حال ذلك على المستفاد، أو حؤول الحول على الأصل يكون حؤولا على التبع، كما في الأولاد والأرباح، والزيادة في البدن بالسمن والجمال. كذا في المبسوط (^١)، والأسرار.
(لأن عندها)؛ أي: عند المجانسة.
(فيعسر اعتبار الحول لكل مستفاد)؛ لأنه مما يكثر وجوده، ولا يمكن مراعاة الحول في كل مستفاد؛ إلا بعد ضبط أحوال ذلك من الكمية والكيفية والزمان، وفي ضبط هذه الجملة عند الكثرة حرج، خصوصا إذا كان النصاب دراهم، وهو صاحب غلة يستفيد كل يوم درهم أو درهمين وغير ذلك. كذا في مبسوط فخر الإسلام (^٢).
وفي المستصفى: واعتبار الحول في المستفاد يؤدي إلى التعبير، فيعود إلى موضوعية بالنقص (^٣).
قوله: (وقال محمد وزفر) والشافعي في القديم.
(فيهما)؛ أي: في النصاب والعفو، وسميت الزيادة عفوا وإن شاع
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٥).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٩٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٥٥).
(٤) المستصفى للنسفي (١/ ٧٠٢).
[ ٢ / ٦١٩ ]
حَتَّى لَوْ هَلَكَ العَفْوُ وَبَقِيَ النِّصَابُ بَقِيَ كُلُّ الوَاجِبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ: يَسْقُطُ بِقَدْرِهِ. لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ: أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ المَالِ وَالكُلُّ نِعْمَةٌ. وَلَهُمَا: قَوْلُهُ ﵊: «فِي خَمْسِ مِنْ الإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ، وَلَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَشْرًا» وَهَكَذَا قَالَ فِي كُلِّ نِصَابٍ، وَنَفَى الوُجُوبَ عَنْ العَفْوِ، وَلِأَنَّ العَفْوَ تَبَعٌ لِلنِّصَابِ، فَيُصْرَفُ الهَلَاكُ
الوجوب في الكل؛ لوجوب الزكاة بدونها؛ لقوله ﵇: «في خَمْسِ مِنَ الإبل شاةٌ إلَى تِسْعِ» (^١)، فأخبر أن الوجوب في الكل؛ لأنه حد الوجوب إلى التسع، وهكذا في كتاب أبي بكر.
ولأن الزكاة وجبت شكرًا لنعمة المال، والكل (مال)؛ أي: فلا يخلو عن وجوبها، ولأن ما تعلق به حق الوجوب غير متعين فصار كأن النصاب اختلط بمال آخر، فما هلك يهلك منهما.
(ولهما)؛ أي: لأبي حنيفة، وأبي يوسف، وهو [قول] (^٢) الشافعي في الجديد (^٣)، واختاره المزني، ومالك، وأحمد، لحديث عمرو بن حزم أنه ﵇ قال: «في خَمْسِ مِنَ الإبل شاة، ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ عشرًا» (^٤)، ولأن ما زاد على النصاب يسمى عفوا في الشرع، والعفو ما يخلو عن الوجوب، ولأنه أصل بنفسه مستغن عن العفو من كل الوجوه، والعفو لا افتقار الزائد على الأول، وصرف الهلاك إلى البيع أقرب من صرفه إلى بيع الأصل؛ كالهلاك في مال المضاربة؛ فإنه يصرف إلى الربح أولا ثم رأس المال.
وأما الحديث؛ ففيه بيان صلاحية المحل لأداء الواجب، لا لأن الواجب في الكل، ويحمل هذا دفعا للتعارض في الأحاديث، وعن هذا يخرج الجواب عن قوله: ما يتعلق به الوجوب غير متعين فقلنا: أداء الواجب هو الفعل،
_________________
(١) انظر تخريج الحديث السابق.
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) انظر: الأم للشافعي (٢/¬٥)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٣١٧).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
أَوَّلًا إِلَى التَّبَعِ كَالرِّبْحِ فِي مَالِ المُضَارَبَةِ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصْرَفُ الهَلَاكُ بَعْدَ العَفْوِ إِلَى النِّصَابِ الأَخِيرِ، ثُمَّ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ النِّصَابُ الأَوَّلُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ تَابِعٌ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يُصْرَفُ إِلَى العَفْوِ أَوَّلًا ثُمَّ إِلَى النِّصَابِ شَائِعًا.
(وَإِذَا أَخَذَ الخَوَارِجُ الخَرَاجَ وَصَدَقَةَ السَّوَائِمِ لَا يُثَنَّى عَلَيْهِمْ) لِأَنَّ الإِمَامَ لَمْ
والمال محل لإقامة الفعل، فما دام النصاب باقيًا؛ يجب إقامة الفعل لبقاء محله. كذا في المبسوط (^١)، والإيضاح، وشروح الجامع.
قوله: (ولهذا قال أبو حنيفة) إلخ: بيانه: ما ذكر في الجامع: لرجل أربعون من الإبل، فهلك منها عشرون؛ ففي الباقي أربع شياه عنده (^٢)، والشافعي في الجديد (^٣).
وعند أبي يوسف: يجب فيها عشرون جزءًا من ستة وثلاثين جزءا من ابنة لبون (^٤).
وعند محمد، والشافعي في القديم: يجب نصف بنت لبون، فمحمد مر على أصله؛ لأن الواجب متعلق بالكل، فيسقط النصف بهلاك النصف، وأبو يوسف يقول: الْأَرْبَعِ عَفْرٌ، وَبَقِيَ الْوَاجِبُ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، فَيَبْقَى الْوَاجِبُ بِقَدْرِ الباقي، وأبو حنيفة يجعل الهالك كأن لم يكن من قبل أنه تابع للنصاب الأول، والأصل النصاب الأول، ولهذا لو عجل الزكاة عن نصب كثرة وفي ملكه نصاب واحد؛ جاز، فثبت أن النصاب الأول هو الأصل، فيصرف الهالك إلى التابع، فيجب زكاة العشرين وذلك أربع شياه، وكذلك لو ملك من خمس وعشرين من الإبل عشره؛ ثلاثة شياة على قياس قوله، وعند أبي يوسف ومحمد ثلاثة أخماس بنت مخاض. كذا في الإيضاح (^٥).
قوله: (وَإِذَا أَخَذَ الْخَوَارِجُ …) إلخ: الخوارج: قوم من المسلمين خرجوا عن
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٦).
(٢) انظر: الأصل للشيباني (٢/¬٢٤).
(٣) انظر: البيان للعمراني (١٧١٣)، والمجموع للنووي (٥/ ٣٧٦).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٣٠١)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٣٥).
(٥) انظر: حاشية الشَّلْبِيِّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٦٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٩٨).
[ ٢ / ٦٢١ ]
يَحْمِيهِمْ وَالجِبَايَةُ بِالحِمَايَةِ، وَأَفْتَوْا بِأَنْ يُعِيدُوهَا دُونَ الخَرَاجِ فِيمَا بَيْنَهُم وَبَيْنَ اللَّهِ
طاعة الإمام العدل؛ بحيث يستحلون قتل العادل وماله بتأويل القرآن، ودانوا ذلك وقالوا: من أذنب صغيرة أو كبيرة؛ فقد كفر، وحل قتله إلا أن يتوب، وتمسكوا بظواهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤]. كذا في الفوائد الظهيرية (^١).
قال الشافعي: لو قال المسلم: أديت الخراج إلى أهل البغي؛ لم يقبل قوله، ويؤدي ثانيًا، ولو أدى صدقة الأموال الظاهرة إلى السلطان الجائر؛ لا يجزيه في قول، وفي قول: يجزيه (^٢) كقولنا، وبه قال أحمد (^٣).
وقال مالك: إن أخذها قهرًا منه يجزيه، وإن دفعها إليه باختياره لم يجزه (^٤).
(والجباية): أي: الأخذ، والجمع من جبي الخراج جباية؛ جمعه.
(بالحماية)؛ أي: بالحفظ.
وإنما لا يثني عندنا عليهم؛ لأن الإمام هو الذي منعهم، فإنه إنما يستحق الأخذ بسبب الحماية؛ لما روي عن عمر أنه كتب إلى عامله: إن كنت لا تحميهم فلا تجبهم، وهذا بخلاف التاجر إذا مر على عاشر أهل البغي فعشره، ثم مر على عاشر أهل العدل يعشره ثانيًا؛ لأن صاحب المال هو الذي عرض ماله عليه فلم يعذر، وهاهنا صاحب المال لم يصنع شيئًا، ولكن الإمام عجز عن حمايته، فلهذا لا يأخذه ثانيًا، ولكن يفتى فيما بينه وبين الله ثانيا؛ لأن أهل البغي لا يأخذون أموالنا بطريق الصدقة، بل على طريق الاستحلال، فلا يصرفونها إلى مصارف الصدقات، وكذلك إن أخذوا من أهل الذمة خراج رؤوسهم؛ لم يأخذهم الإمام بما مضى؛ لعجزه عن حمايتهم.
_________________
(١) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٧٣)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٩٨).
(٢) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٥٢٢)، والمجموع للنووي (٦/ ١٦٦).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٤١٨)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٣٩٢).
(٤) انظر: جامع الأمهات لابن الحاجب (ص ١٦٦)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ٣٥٩).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
تَعَالَى، لِأَنَّهُمْ مَصَارِفُ الخَرَاجِ لِكَوْنِهِمْ مُقَاتِلَةٌ، وَالزَّكَاةُ مَصْرِفُهَا الفُقَرَاءُ وَهُمْ لَا يَصْرِفُونَهَا إِلَيْهِمْ. وَقِيلَ: إِذَا نَوَى بِالدَّفْعِ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ سَقَطَ عَنْهُ، وَكَذَا مَا دُفِعَ
فأما ما يأخذه سلاطين زماننا، وهؤلاء الظلمة من الصدقات والعشور والجزية؛ فلم يتعرض محمد في الكتاب، وكثير من مشايخ بلخ يفتون بالأداء ثانيًا فيما بينه وبين ربه، كما في حق أهل البغي؛ لأنهم لا يصرفون إلى مصارف الصدقات.
وقال أبو بكر (^١) الأعمش فيها: يفتون بالإعادة، فأما في الخراج فلا؛ لأن الحق فيه للمقاتلة، وهم مقاتلة، حتى إذا ظهر عدو دنوا عن دار الإسلام، فأما الصدقات للفقراء والمساكين، وهم لا يصرفون إلى هذه المصارف، والأصح: أنه يسقط ذلك عن جميع أرباب الأموال إن نووا الصدقة عليهم؛ لأن ما في أيديهم أموال الناس، وما عليهم من التبعات فوق ما عليهم، ولو ردوا ما عليهم لم يبق في أيديهم شيء، فهم في منزلة الفقر، حتى قال محمد بن سلمة: يجوز أخذ الصدقة لعلي بن عيسى بن ماهان والى خراسان، وكذلك ما يؤخذ من الجنايات؛ إذا نوى عند الدفع أن يكون ذلك من عشره وخراجه وزكاته جاز. كذا في المبسوط (^٢).
وقال فخر الإسلام: وكذلك لو صادره السلطان وأخذ ماله، فإن نوى عند الأخذ الصدقة عليهم؛ عن الفقيه أبي جعفر: أنه يجوز ولا يلزمهم الإعادة، وقال بعضهم: لا يجوز؛ لأن علم ما يأخذ لما يأخذ شرط (^٣).
وذكرقاضي خان في جامعه: تسقط عنه الزكاة.
وكذا لو أوصى بثلث ماله للفقراء، فدفع إلى السلطان الظالم؛ جاز (^٤).
وذكر التمرتاشي: قال الصدر الشهيد: هذا في الأموال الظاهرة، أما لو
_________________
(١) بعدها في النسخة الثانية: (والحسن) والسياق بدونها أليق.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٠).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٢٠٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٦٠).
(٤) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٧٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٦٠).
[ ٢ / ٦٢٣ ]
إلى كل جائرٍ لِأَنَّهُمْ بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ التَّبِعَاتِ فُقَرَاءُ، وَالأَوَّلُ أَحْوَطُ.
(وَلَيْسَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ فِي سَائِمَتِهِ شَيْءٌ وَعَلَى الْمَرْأَةِ مِنْهُمْ مَا عَلَى
صادره السلطان ونوى هو أداء الزكاة إليه؛ فعلى قول طائفة: يجوز، والصحيح: أنه لا يجوز؛ لأنه ليس للطالب ولاية أخذ زكاة الأموال الباطنة (^١)، ولأن الحق لم يصر إلى مستحقه ظاهرًا ولا إلى نائبه؛ إذ الظاهر من حال الباغي أنه يأخذه ليصرفه إلى الشهوات، وهم أغنياء ظاهرًا.
(والأول أحوط)؛ أي: الإفتاء بإعادة صدقة السوائم والعشور لا الخراج؛ لأن في ذلك خروجا عن وجوب الزكاة بيقين.
(من التبعات)؛ أي: المظالم، جمع تبعة؛ وهي ما يتبع الدم عن الزاجر.
ويحكى أن أمير بلخ وجبت عليه كفارة يمين، فأفتوه الفقهاء بصيام أيام، وقالوا: ما عليك من التبعات فوق مالك.
ومن أسلم في دار الحرب وأقام سنين ولم يؤدها، فإن عرف بوجوب الزكاة وخرج إلينا لم يؤمر بها؛ لأنه لم يدخل تحت حماية الإمام؛ لكن يفتى بالأداء ديانة، وإن لم يعلم بوجوبها لم يجب أداؤها، خلافا لزفر (^٢)، والشافعي، ومالك، وأبي ثور؛ لأن تأثير الجهل في إسقاط المأثم لا في إسقاط الواجب بعد تعذر سببه.
واستحسن مشايخنا وقالوا: توجه الخطاب بعد بلوغه أو دليله، ولم يوجد واحد منهما؛ إذ الخطاب غير شائع في دار الحرب ليكون دليلا.
قوله: (من بني تغلب …). إلخ بني تغلب قوم من نصارى العرب بقرب الروم، فلما أراد [عمر] (^٣) أن يوظف عليهم الجزية، قالوا: نحن من العرب نأنف أداء الجزية، فإن وظفت علينا الجزية لحقنا بأعدائك من الروم، وإن رأيت أن تأخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض بضعفه علينا فعلت، فشاور عمر
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٢٠٠)، وحاشية الشِّلْبِيُّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٧٤).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨١)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٤١).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
الرَّجُلِ) لِأَنَّ الصُّلْحَ قَدْ جَرَى عَلَى ضِعْفِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ المُسْلِمِينَ وَيُؤْخَذُ مِنْ نِسَاءِ
الصحابة، وكان الذي بينه وبينهم كردوس التغلبي (^١)، قال: يا أمير المؤمنين صالحهم، فصالحهم عمر على ذلك، وقال: هذه جزية فسموها ما شئتم، فوقع الصلح على ضعف ما يؤخذ من المسلمين، ولم يتعرض لهذا الصلح بعده عثمان، فلزم أول الأمة وآخرهم.
وقال محمد في النوادر: كان صلحه ضغطة، ولكن تأبد بالإجماع (^٢)، ويقول الرسول ﵇: «ألا إن ملكًا يَنْطِقُ على لِسانِ عُمَرَ» (^٣)، وقال ﵇: «أين ما دار عمرُ الحقُّ مَعَهُ يَدُورُ» (^٤) [﵁ وعن محبيه] (^٥).
إذا عرفنا هذا فنقول: لا يؤخذ من المسلم فيما دون النصاب شيء فكذلك منهم، ويؤخذ منه -أي: من المسلم - ما قدره الشرع في كل مال، فيؤخذ منهم ضعف ذلك؛ لأن الصلح وقع على ذلك، ويؤخذ من نسائهم ما يؤخذ من رجالهم.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يؤخذ من نسائهم، وبه قال الشافعي (^٦)، وزفر (^٧).
قال الكرخي: وهو الأقيس؛ لأنها بدل الجزية، ولا جزية على النساء (^٨).
قال أبو بكر الرازي: لا نحفظ عن مالك فيهم شيء.
ويجب العشر مضاعفا على صبيانهم؛ لأنهم مؤنة، فوجه ظاهر الرواية: أن
_________________
(١) هو كردوس بن زهير بن الحرث التغلبي من أصحاب علي بن أبي طالب ومن المشاركين مع في معاركه، وقد شارك مع ابنه الحسين في معركة كربلاء وقتل فيها، وهو من أهل الكوفة، وتوفي في ٦١ هـ.
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٦٠).
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/¬٤٢) من قول علي ﵁، وفي سنده محمد بن يونس الكديمي ضعيف.
(٤) ذكره الديلمي في الفردوس (٣/ ٥٦، رقم ٤١٤٧) من حديث الفضل بن العباس ﵁.
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٦) انظر: الأم للشافعي (٤/ ٢١٤)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٥٤).
(٧) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٦١).
(٨) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٢٠١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٦١).
[ ٢ / ٦٢٥ ]
المُسْلِمِينَ دُونَ صِبْيَانِهِمْ (وَإِنْ هَلَكَ المَالُ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ إِذَا هَلَكَ بَعْدَ التَّمَكَّنِ مِنْ الأَدَاءِ، لِأَنَّهُ الوَاجِبَ فِي الذِّمَّةِ فَصَارَ
هذا بدل الصلح، والرجال والنساء فيه سواء، وهو نظير الدية على العاقلة لا شيء منها على النساء، ولو صالحت المرأة عن قصاص على مال أخذت به؛ لأن الوفاء بالعهد واجب من الجانبين، والعهد على أن يضعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين، فالصدقة تؤخذ من المسلمين ولا تؤخذ من الصبيان، فكذلك في حقهم تؤخذ من نسائهم ولا يؤخذ من صبيانهم. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (وقال الشافعي …) إلخ: وتفسير التمكين في الأموال الباطنة: الظفر بأهل الاستحقاق، وفي الظاهره بالظفر إلى الساعي على أحد قوله. كذا في الْخُلَاصَةِ الْغَزَالِيَّةِ (^٢).
وفي الحلية: صفة الإمكان: أن يقدر على الدفع إلى الإمام أو نائبه (^٣)، فقال الشافعي: لو تلف بعد التمكن لم تسقط الزكاة (^٤)، وبه قال مالك (^٥)، وأحمد، إلا أن أحمد قال: وكذا لم تسقط إذا تلف قبل التمكن لحصول الوجوب (^٦).
وتمكن الأداء شرط الأداء، وعند الشافعي ومالك شرط الوجوب؛ لأنه تعالى جعل الوسع شرط الوجوب في النص، فإذا تمكن فقد تقرر الوجوب عليه، فإذا تلف فقد عجز عن الأداء، فبقي عليه، كما في ديون العباد والحج وصدقة الفطر؛ وهذا لأنه تعالى ما جعل العجز عن أداء الواجب عذرًا في السقوط؛ بل جعله عذرًا في النظر إلى الميسرة، ولأن الواجب لما كان في النصاب ولم يؤده بعد التمكين؛ صار مُفَوِّتًا له بالتقصير عن محله ومستهلكا
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٩).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٣/ ١٦٠)، والمجموع للنووي (٥/ ٣٣٣).
(٣) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢٦/¬٣).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٣/ ١٥٩)، والمجموع للنووي (٥/ ٣٧٥).
(٥) انظر: إرشاد السالك (١/¬٣٣)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٥٠٣).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٥٠٨)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٤٦٤).
[ ٢ / ٦٢٦ ]
كَصَدَقَةِ الفِطْرِ، وَلِأَنَّهُ مَنَعَهُ بَعْدَ الطَّلَبِ فَصَارَ كَالِاسْتِهْلَاكِ. وَلَنَا: أَنَّ الوَاجِبَ جُزْءٌ مِنْ النِّصَابِ تَحْقِيقًا لِلتَّيْسِيرِ، فَيَسْقُطُ بِهَلَاكِ مَحَلِّهِ كَدَفْعِ العَبْدِ الجَانِي بِالجِنَايَةِ
معنى، كمَن لم يُصَلِّ حتى ذهب الوقت. كذا في الأسرار (^١).
(ولأنه منعه بعد الطلب: ولئن سلمنا أنه أمانة في يده، والأمانات تضمن بعد طلب من له ولاية الطلب والشارع جعل صاحب المال مطالبًا عن نفسه عند التمكن، فإذا امتنع بعد توجه المطالبة عليه؛ صار ضامنا كسائر الأمانات، على أن الخلاف ثابت فيما إذا طلبه الفقير بالأداء ولم يُؤدِّها إليه، والحق ثابت للفقير، فإذا امتنع صار ضامنا فيه.
ولنا: أن الواجب جزء من النصاب): وفي الأسرار، والمبسوط: الواجب شرط من النصاب ولم يؤده إلى مستحقه، ومن أمر بتمليك مال بعينه يسقط الأمر بذهابه؛ لأن المأمور به لا يتصور بدون محله، ومحل الزكاة النصاب (^٢).
(تَحْقِيقًا لِلتَّيْسِيرِ)؛ يعني: الزكاة واجبة بالقدرة الميسرة، وبه يحصل اليسر كما ذكر في الأصول.
(فيسقط بهلاك محله)؛ لأن الحق لا يبقى بعد فوات محله، كالعبد الجاني أو العبد المديون إذا مات؛ يسقط الدفع والدين، وكالشقص الذي فيه الشفعة إذا صار حرا؛ بطلت الشفعة، فثبت أن البراءة عنها ليس بعجز المأمور عن الأداء؛ بل لانعدام الفعل المأمور به لانعدام محله؛ لأن الفعل صار مشروعًا إلا في محله، فلا يبقى بدونه فلا تضمن، ولأن وجوب الضمان بتفويت مالك أو يد كسائر الضمانات، وهو بالتأخير ما فوت على الفقير يدًا ولا ملكا؛ لأنه لا يثبت له على هذا المال يد ولا ملك يصير ضامنًا له شرعًا، بخلاف الحج وصدقة الفطر؛ فإن محل الواجب هناك ذمته لا مال معين، فذمته باقية بعد الهلاك، وهاهنا تعلق الحكم بالمال النامي فلا يبقى بمال آخر.
فإن قيل: الزكاة تكون في غير النصاب عندكم حال قيامه وهو القيمة، حتى
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٢٠١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٦١).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٤).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ، وَالمُسْتَحِقُّ فَقِيرٌ يُعَيِّنُهُ المَالِكُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنهُ الطَّلَبُ، وَبَعْدَ طَلَبِ الساعي
أجر الساعي على قبول القيمة، فثبت أن المحل باق أو مال غير معين، كما في صدقة الفطر.
قلنا: الواجب إخراج جزء من النصاب بإيجاب الله تعالى، ولكن جواز أداء القيمة بأمر آخر وهو الإذن بالاستبدال لإنجاز المواعيد، وهو مبني على الواجب لله تعالى، فإذا سقط الواجب بفوت محله يسقط المبني عليه، كمن له دراهم عند رجل أمانة ولآخر على صاحب الدراهم حنطة، فقال صاحب الدراهم: احتل بحق فلان في حنطته عليّ من دراهمي قبلك، فجاء صاحب الحنطة وطلب حقه؛ لزم المودع إبقاء حقه وهو الحنطة، لا بسبب الإيداع؛ بل بالأمر بالقضاء منها، ولكن لو هلك الدراهم سقط الأمر الثاني بعد اللزوم لفوات محله، فكذا هاهنا، ولا يلزمنا الاستهلاك؛ لأنه به أبطل حقهم، فيضمن كما يضمن العبد الجاني به كذا في المبسوط (^١)، والأسرار.
وقوله: (والمستحق يعينه المالك)؛ جواب عن قول الشافعي، حيث قال: (منعه بعد الطلب) فيجب أن يكون منا.
قلنا: لما لم يعين المالك فقيرًا ما بعين مستحقا، وبعد تعينه قبل التسليم لم يعين أيضًا؛ لأن له رأيًا إلى صرف من شاء، وربما يمتنع من الأداء إليه ليصرفها إلى من هو أحوج منه.
(ولم يتحقق منه)؛ أي: من المستحق.
(الطلب)؛ لأنه من غير المعين لا يتحقق، ولا يجوز أن يكون صاحب المال مطالبًا عن نفسه؛ لامتناع كونه مطالبا ومطالبا في حق واحد.
(وبعد طلب الساعي)؛ يعني: لو هلك المال بعد طلبه؛ قال أصحابنا العراقيون يضمن؛ لأنه متعين للأخذ فيلزمه الأداء عند طلبه، وبالامتناع يصير مفوتًا يدا فيضمن.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٤).
[ ٢ / ٦٢٨ ]
قِيلَ: يَضْمَنُ، وَقِيلَ: لا يَضْمَنُ لِانْعِدَامِ التَّفْوِيتِ، وَفِي الاسْتِهْلَاكِ وُجِدَ التَّعَدِّي، وَفِي هَلَاكِ البَعْضِ يَسْقُطُ بِقَدْرِهِ اعْتِبَارًا لَهُ بِالكُلِّ.
وقال أبو سهل الزجاجي من أصحابنا: لا يضمن، وهو الأصح؛ لأنه ما فَوَّتَ على أحد ملكا ولا يدًا؛ لأن لصاحب المال اختيار في محل الأداء، إن شاء من السائمة، وإن شاء من غيرها، فلا يثبت للساعي حق الأخذ من النصاب. كذا في المبسوط (^١)، والإيضاح.
قوله: (لانْعِدَامِ التَّفْوِيتِ)؛ أي: تفويت يد الساعي أو الفقير لما ذكر.
وفي مختلفات الصدر الشهيد وحاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي راجع إلى معرفة الواجب، فعندنا الواجب جزء من النصاب، وله وجهان فيه: في وجه: أداء جزء منه لكنه بالتفريط صار ضامنًا كالاستهلاك، وفي وجه: أداء مال مطلق ولكن وجب في ذمته، ويقدّر فلا يسقط بالهلاك كصدقة الفطر والحج (^٢).
قوله: (واعتبارا بالكل): فإن قيل: ما هو شرط الوجوب وهو ملك النصاب، جعلتموه شرط الأداء، حتى إذا هلك النصاب قبل الأداء، فكذلك كمال النصاب شرط للوجوب، فينبغي أن يجعل شرطًا، حتى لا يلزمه شيء إذا فات بعض النصاب.
قلنا: كمال النصاب ليس بشرط للوجوب بعينه؛ لكن لحصول العناية للمالك، وغناء المالك إنما يعتبر وقت الوجوب؛ لأن الغناء ليس بشرط لتحقيق الأداء. كذا في المبسوط (^٣)، وهذا البحث على التحقيق في الأصول.
وفي الْمُجْتَبى: لو حبسها للعلف أو الماء حتى هلكت؛ قيل: هو الاستهلاك فيضمن، وقيل: لا يضمن كالوديعة إذا منعها لذلك حتى هلكت لم يضمن، فكذا هذا (^٤).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٩٥).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٥).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٥٨).
[ ٢ / ٦٢٩ ]
(وَإِنْ قَدَّمَ الزَّكَاةَ عَلَى الحَوْلِ وَهُوَ مَالِكٌ لِلنِّصَابِ جَازَ) لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ سَبَبٍ
ولو حال الحول على مائتي درهم ثم ورث مثلها، فخلطه بها وهلك النصف؛ يسقط نصف الزكاة؛ لأن أحدهما ليس بتابع للآخر، بخلاف ما لو ربح بعد الحول مائتين ثم هلك نصف الكل مختلطا؛ لم يسقط شيء؛ لأن الربح بيع، فينصرف الهلاك إليه كالعفو، وعندهما لا يتصرف العفو في غير السوائم.
وفي المحيط: ولو أزال ملك النصاب بغير عوض كالهبة، أو بعوض ليس بمال كالأمهار، وبدل الصلح عن دم العمد والخلع ونحوها، أو ليس مال الزكاة كالعبد للخدمة؛ صار مستهلكا ضامنًا، بقي العوض في يده أو لا (^١).
ولو رجع في الهبة نقضًا وقبض؛ زال الضمان، وكذا بغير قضاء على الأصح.
ولو اشترى بالمال الحولي عبدًا للخدمة، ثم رده بالعيب نقصا، أو بغير قضاء واسترده؛ لا يزول الضمان؛ لعدم تعيينه.
(وإن قدم): وبقولنا: قال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣).
وقال مالك (^٤)، وداود (^٥): لا يجوز التعجيل قبل الحول؛ لأن السبب هو المال الحولي؛ لقوله ﵇: «لا زكاة في مال حتَّى يَحولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» (^٦)، فكما يجوز التعجيل على أصل النصاب لا يجوز وصفه؛ لأن الأداء إسقاط الواجب، ولا يتصور الإسقاط قبل الوجوب، كأداء الظهر قبل وقته، وأداء الزكاة قبل الإسامة.
ولنا: ما روي أنه ﵇ استسلف من العباس زكاة سنتين (^٧)، وهو ما
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٥٩).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٥٩)، والمهذب للشيرازي (١/ ٣٠٥).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٤١٨)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٧٠).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٣٣٥)، والذخيرة للقرافي (٣/ ١٣٧).
(٥) انظر: المحلى لابن حزم (٤/ ٢١١).
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
(٧) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من حديث ابن مسعود كما في مجمع الزوائد (٣/ ٧٩، رقم ٤٤٢٢) قال الهيثمي: وفيه محمد بن ذكوان، وفيه كلام، وقد وثق.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
الوُجُوبِ فَيَجُوزُ كَمَا إِذَا كَفَّرَ بَعْدَ الجَرْحِ، وَفِيهِ خِلَافُ مَالِكِ.
روى عن علي أن العباس سأل النبي ﵇ عن تعجيل زكاته قبل أن يحول الحول مسارعة إلى الخير، فأذن له في ذلك (^١).
ولأنه حق مالي أداه بعد وجود سببه؛ فيجوز كالتكفير بعد الحرج قبل الموت، وتعجيل الدين المؤجل، بخلاف الزكاة قبل الإسامة، والصلاة قبل الوقت؛ لأنه أدّاه قبل وجود السبب، وكونه حوليًا يثبت مسندا إلى ابتداء الحول إذا وجد في آخره؛ لأن كون المال حوليًا صفة المال، والصفة تقوم بالموصوف.
والحولي: عبارة عن مال مضى عليه الحول، وهو اسم لأول السنة إلى آخرها، والحكم الثابت في الأول بعد وجود جزء منه قد يصير كالموجود بعد تمامه، كما في السفر في إثبات الرخص.
ولأن الزكاة شكر نعمة المال، فقد تقرر السبب، وحولان الحول تأجيل، وتعجيل الدين المؤجل صحيح. كذا في الأسرار، والمبسوط (^٢)، والإيضاح.
(وفيه)؛ أي: في تقديم الزكاة؛ لأن مالكًا يُجَوِّزُ التكفير بعد الحرج قبل الموت، وكذا جَوَّز التكفير قبل الحنث في اليمين.
وفي الإيضاح: لو انتقص النصاب في آخر الحول؛ فلصاحب المال أن يأخذ ما أدى من يد الساعي إن كان ثابتًا، وكذا إن باعه الساعي لنفسه ضمنه، وإن أداه إلى الفقير يقع نفلا، وكذا في الزيادات، وفيه: باعه للفقراء لم يتصدق بثمنه، ورد عليه الثمن، ولو دفعه الإمام إلى فقير فأيسر قبل تمام الحول، أو مات أو ارتد؛ جاز عن الزكاة (^٣).
وقال الشافعي (^٤)، وأحمد (^٥): يسترجع ما أدى من الساعي إن كان باقيا،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ١١٥، رقم ١٦٢٤) والترمذي (٢/ ٥٦، رقم ٦٧٨، ٦٧٩) وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ٣٤٦، رقم ٨٥٧).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٧).
(٣) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٧٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٦٤).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٣٨٣)، والمجموع للنووي (٦/ ١٤٩).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٤٧٥)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٦٨٨).
[ ٢ / ٦٣١ ]
(وَيَجُوزُ التَّعْجِيلُ لأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ) لِوُجُودِ السَّبَبِ، وَيَجُوزُ لِنُصُبٍ إِذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ.
وإن كان مالكًا لزم الساعي قيمته يوم الدفع في يوم الدفع في أظهر الوجهين، وهو قول أحمد، وفي وجه: لزمه قيمته يوم التلف.
ولو عجل الزكاة بنفسه إلى فقير، فمات أو ارتد قبل تمام الحول؛ لم يجزه عنها، ويسترجع ما دفعه إليه.
لو استغنى الفقير من غير جهة الزكاة قبل الحول يسترجع، وإن استغنى من جهة الزكاة لا يسترجع. كذا في الحلية (^١).
وفي الزيادات: لو كان عنده دراهم ودنانير وعروض، فعجل زكاة جنس منها فهلك؛ جاز المعجل عن الباقين؛ لأن الجميع جنس واحد، ولهذا يكمل نصاب أحدهما بالباقي، أما في السوائم المختلفة لا يقع عن الآخر (^٢).
وعن أبي يوسف: جاز تعجيل العشر بعد الزراعة (^٣)، وهو قول علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي (^٤). وعند محمد: لا يجوز حتى ينبت؛ لأن البذر يتلف، والحب يتولد من النبات، فلا يجوز قبله.
ولأبي يوسف: بعد البذر لا يتوقف على فعل أحد، فيعتبر السبب موجودًا، ولهذا يجوز عن ثمرة النخيل قبل أن يطلع عنده، خلافًا لمحمد.
قوله: (ويجوز التعجيل لأكثر من سنة): وبه قال الشافعي في وجه.
وقال في وجه: لا يجوز؛ لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها، والتعجيل قبل انقضاء الحول لا يجوز، كالتعجيل قبل كمال النصاب (^٥).
وقال صاحب الوجيز: والوجه الأول أصح (^٦)، وهو قولنا؛ لحديث عباس، ولأن السبب قد وجد؛ وهو النصاب في كل حول ما لم ينتقص عنه،
_________________
(١) حلية العلماء لأبي بكر الشاشي (٣/ ١١٦).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٥٢).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٥٤)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١٢٢).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٣٨٨)، والمجموع للنووي (٦/ ١٦٠).
(٥) انظر: اللباب لابن المحاملي (ص ١٧٨)، ونهاية المطلب للجويني (٣/ ١٧٤).
(٦) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٥٣٢).
[ ٢ / ٦٣٢ ]
نِصَابٌ وَاحِدٌ، خِلَافًا لِزُفَرَ،
وجواز التعجيل باعتبار السبب، وفي ذلك الحول الثاني كالحول الأول، بخلاف ما قبل النصاب.
وقال أحمد: لا يجوز أكثر من سنتين، وفي السنتين عنه روايتان (^١).
(خلافا لزفر): وبقوله: قال الشافعي، وأحمد.
ووجه: أن التقديم على النصاب الأول لا يجوز، فكذا على النصاب الثاني؛ لأن كل نصاب أصل بنفسه.
ولنا: أن ملك النصاب الأول كما هو سبب لوجوب الزكاة عند تمام الحول؛ فهو سبب وجوب زكاة لنُصُب يملكها عند كمال الحول، فإذا جعل الملك الحاصل في خلال الحول كالموجود في أوله في وجوب الزكاة، يعني: إذا كان له نصاب في أول الحول، ثم حصل له نصيب آخر في آخر الحول، ثم تم الحول عليه ولم يتم على الآخر؛ يجعل كأنه تم على النصب كلها، فيجوز أداء الزكاة على المجموع بالاتفاق، فكذلك تجعل النصب الآخر كالموجود في أول الحول في حق التعجيل. كذا في المبسوط (^٢).
وفي الأسرار والمعنى وفيه لو عجل شاة عن أربعين شاة لم يجز التعجيل، إلا بأن يستفيد شاة أخرى قبل تمام الحول ليحول الحول والنصاب كامل، فتكون الشاه تعجيلًا عن مال لم يكن موجودًا؛ لكن بعد ما كان النصاب كاملًا وقت التعجيل يكون، فكذلك يجوز عن نصاب آخر؛ لأنه لما جاز عن الواحدة التي استجدت ليصير النصاب كاملًا عند الحول، فالنصاب الزائد أيضًا بمنزلتها، وذلك لأنه لما جاز عن الواحدة؛ لأن النصاب الموجود كان سببًا للواجب فيه وما يوجد بناء عليه؛ إذ لولاه لما جاز التعجيل قبل السبب، وهذا المعنى موجود فيما يزداد من النصب.
حاصله: أن النصاب المملوك كما كان سببًا للوجوب فيه كان سببًا
_________________
(١) انظر: الفروع لابن مفلح (٤/ ٢٧٧)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٤٥١).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٧).
[ ٢ / ٦٣٣ ]
لِأَنَّ النِّصَابَ الأَوَّلَ هُوَ الأَصْلُ فِي السَّبَبِيَّةِ، وَالزَّائِدِ عَلَيْهِ تَابِعٌ لَهُ، واللَّهُ أَعْلَمُ.