كِتَابُ الزَّكَاةِ
قُرِنَتِ الزَّكَاةُ بِالصَّلَاةِ؛ لَمَّا أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ العِبَادَةِ نِعَمُ اللهِ تَعَالَى، وَالنِّعْمَةُ بَدَنِيَّةٌ وَمَالِيَّةٌ، وَالنِّعْمَةُ البَدَنِيَّةُ أَعْظَمُهَا وَأَتَمُّهَا وَأَسْبَقُهَا فِي التَّكْوِينِ، فَكَانَ شُكْرُهَا بِالعِبَادَةِ البَدَنِيَّةِ أَعَمَّ، وَصَرْفُ عِنَايَةِ المُكَلَّفِ إِلَى تَحَقُّقِهَا أَعَمَّ، غَيْرَ أَنَّهَا فِي الحَالِ، وَالمَالُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِذَرِيعَةِ المَالِ.
وَلِهَذَا سَمَّى النَّبِيُّ ﵇ الصَّلَاةَ عِمَادَ الدِّينِ، وَالزَّكَاةَ قَنْطَرَةَ الإِسْلَامِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ تَعَالَى تَقْدِيمَهَا عَلَى الزَّكَاةِ، وَجَعْلُهَا ثَانِيَةَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ﴾ [النِّسَاء: ٧٧]، فَاقْتَدَى كُلُّ مُصَنَّفٍ مِنْ أَئِمَّةِ المِلَّةِ الزَّهْرَاءِ، وَحَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ البَيْضَاءِ فِي التَّصْنِيفِ وَالتَّأْلِيفِ؛ بِتَرْتِيبِ اللهِ تَعَالَى.
وَلِأَنَّهُ ﵊ جَعَلَ الزَّكَاةَ مِنَ الْأَرْكَانِ الخَمْسِ الَّتِي بِهَا بُنْيَانُ الإِسْلَامِ؛ فَقَالَ ﵇: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ …» الحَدِيثَ (^١)، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَحْسَنُ لِمَعْنَى فِي عَيْنِهَا، وَالزَّكَاةُ مُلْحَقَةٌ بِهَا.
ثُمَّ الزَّكَاةُ لُغَةً: الطَّهَارَةُ وَالنَّمَاءُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَّدُنَا وَزَكَوةً﴾ [مريم: ١٣]؛ أَيْ: طَهَارَةٌ. وَيُقَالُ: زَكِيَ الزَّرْعُ؛ إِذَا نَمَا.
وَسُمِّيَتْ بِهَا؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ نَمَاءِ المَاءِ بِالخُلْفِ وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وَفِيهَا مَعْنَى التَّطْهِيرِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. كذا في المبسوط (^٢).
وَسُمِّيَتْ صَدَقَةً - أَيْضًا -؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ العَبْدِ فِي العُبُودِيَّةِ إِذَا أَدَّاهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى النَّفْسِ أَشَقُّ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْأُصُولِ.
_________________
(١) رواه البخاري (١/¬١١، رقم ٨)، ومسلم (١/¬٤٥، رقم ١٦) من حديث ابن عمر ﵁.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٤٩).
[ ٢ / ٥٤٦ ]
(الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الحُرِّ العَاقِلِ البَالِغِ المُسْلِمِ إِذَا مَلَكَ نِصَابًا
وشرعًا عند المحققين من أصحابنا: إيتاء جزء مقدر من النصاب الحولي إلى الفقير لله تعالى.
وعند البعض: اسم للمال المؤدى؛ لأنه تعالى أمر بإيتاء الزكاء، وإيتاء الإيتاء محال، والأصح أنها فعلة الأداء؛ لأنها وصفت بالوجوب [بإيتاء الزكاة] (^١) الذي هو من صفات الفعل لا من صفات الأعيان.
والمراد [بإيتاء الزكاة] (^٢): إخراجها من العدم إلى الوجود كما في قوله ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]. كذا في المنثور (^٣).
ومن محاسنها: تطهير النفس عن دنس البخل، وخساسة الضنَّة، ودناءة الشح الذي هو مذموم عقلا وشرعًا، وشكر نعمة المال؛ فإنه حسن عقلا وشرعا.
قوله: (واجبة): أراد بالوجوب: الفرض.
وفي الكافي، والبدرية: وُصِفَت بالوجوب مع أنها فرضية؛ لأنه أريد به الثبوت واللزوم، فيكون واجبًا قطعيًا، أو لأن أصلها ثبت بالدليل القطعي، ولكن مقدارها ثبت بأخبار الآحاد، فإن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] مجمل في حق المقدار (^٤).
ولعل صاحب الكتاب نظر إلى هذا، وعدل عن لفظ الفرض، والواجب والفرض يلتقيان في حق العمل، فيصح إطلاق أحدهما على الآخر. ثم فرضيتها ثبتت بالكتاب، والسنة، والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٨٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢١٦).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٨٨).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
مِلْكًا تَامًّا وَحَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ) أَمَّا الوُجُوبُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾
جاء في التفسير: أن الآية نزلت في مانعي الزكاة (^١).
وأما السنة: فهو الحديث المشهور المتفق عليه؛ وهو قوله ﵇: «بني الإسلام على خمس …» الحديث (^٢).
وحديث معاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن فقال له «إنك تأتي قوما أهل الكتاب، فادْعُهُم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله …» الحديث (^٣)، وهو مذكور في المصابيح (^٤)
وقوله ﵇: «مانعُ الزَّكاةِ في النَّارِ» (^٥)، والأحاديث في الباب كثيرة.
وأما الإجماع: فمنعقد من الصدر الأول إلى زماننا [على فرضيتها] (^٦) حتى كفروا جاحدها، وفسقوا تاركها. كذا في شرح المبسوط (^٧).
قوله: (مِلْكًا تَامًّا): احتراز عن ملك المكاتب والمديون، وعن صداق المرأة إذا كان إبلا سائمة بأعيانها غير مقبوضة.
أما نقصان ملك المكاتب فظاهر، وأما نقصان ملك المديون؛ فإن صاحب الدين يستحق عليه ويأخذه من غير رضا، ولا رضا، وذلك آية عدم الملك، ولا يلزم على هذا الواهب فيما وهب؛ فإن الزكاة على الموهوب له مع أن له حق الرجوع، ولا يمنع تمام الملك الموهوب له؛ لأنه لا يتمكن على الرجوع والتمليك [عليه] (^٨) إلا بالقضاء والرضا.
وأما الصداق قبل القبض وإن حصل الملك بالعقد؛ لكن تمام ما هو
_________________
(١) انظر: الوجيز للواحدي (ص ٤٦٢)، ومفاتيح الغيب للرازي (١٦/¬٣٥).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) اخرجه البخاري (٢/ ١٠٤، رقم ١٣٩٥) ومسلم (١/¬٥٠، رقم ١٩) من حديث ابن عباس ﵁.
(٤) مشكاة المصابيح للتبريزي (١/ ٥٥٥).
(٥) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٣٥، رقم ٩٤٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٤، رقم ٤٣٣٧): فيه سنان بن سعد، وفيه كلام كثير، وقد وثق.
(٦) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٩٠).
(٨) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
[البقرة: ٤٣] وَلِقَوْلِهِ ﵊: «أَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ»، وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الأُمَّةِ.
وَالمُرَادُ بِالوَاجِبِ الفَرْضُ، لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَاشْتِرَاطُ الحُرِّيَّةِ لِأَنَّ كَمَالَ المِلْكِ بِهَا، وَالعَقْلُ وَالبُلُوغُ لِمَا نَذْكُرُهُ، وَالإِسْلَامُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ وَلَا تَتَحَقَّقُ من الكَافِرِ،
المقصود لا يحصل إلا بالقبض، وصيرورته نصاب الزكاة ينبني على تمام المقصود، لا على حصول أصل الملك، حتى لم تجب الزكاة في مال الضمار وإن وجد أصل الملك. كذا في المبسوط (^١)، وشرح القدوري.
ونقل عن شيخ شيخي ﵀ أنه قال: يحتمل أن يكون قوله: (ملكا تاما)؛ احترازًا عن المبيع قبل القبض حيث لا زكاة فيه؛ لأن ملكه لم يتم، ولهذا لا يجوز تصرفه فيه، والملك عبارة عن مطلق التصرف؛ فيكون الملك فيه ناقصا. وكذا في الخبازية، ولا يلزم عليه مال ابن السبيل؛ لأن يد نائبه كيده (^٢).
لأن كمال الملك بها؛ أي: بالحرية؛ إذ العبد قد يملك اليد والتصرف بالكتابة والإذن، [وقد] (^٣) قال ﵇: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» (^٤)، فلما لم يجب في مال المكاتب مع أنه حر من وجه وقن من وجه؛ ففي غير المكاتب أولى؛ لأنه قن من كل وجه، والزكاة وظيفة مالية ولا مال للعبد، فشرطت الحرية بالإجماع، وكذا الإسلام. (لأنه)؛ أي: إيتاء الزكاة.
(عبادة، ولا تتحقق من الكافر)؛ لعدم أهليته للعبادة، ثم الإسلام كما هو شرط الوجوب؛ شرط لبقاء الزكاة عندنا، حتى لو ارتد بعد وجوبها؛ سقط كما في الموت، فلو بقي على ارتداده سنين؛ فبعد إسلامه لا يجب عليه شيء لتلك السنين.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٨٩).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٠٢، رقم ١٩٦٠) من حديث جابر ﵁، وضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ٢٥١، رقم ٧٨٣).
[ ٢ / ٥٤٩ ]
وَلَا بُدَّ مِنْ مِلْكِ مِقْدَارِ النِّصَابِ، لِأَنَّهُ ﵊ قَدَّرَ السَّبَبَ بِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الحَوْلِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ يَتَحَقَّقُ فِيهَا النَّمَاءُ، وَقَدَّرَهَا الشَّرْعُ بِالحَوْلِ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» وَلِأَنَّهُ المُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ الاسْتِنْمَاءِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الفُصُولِ المُخْتَلِفَةِ، وَالغَالِبُ تَفَاوُتُ الأَسْعَارِ فِيهَا، فَأُدِيرَ الحُكْمُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قِيلَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الفَوْرِ، لِأَنَّهُ مُقْتَضَى
وعند الشافعي: لا تسقط بالردة، وكذا بالموت كما في سائر الديون (^١).
وفي تتمتهم: وهذا بناء على أن المرتد يلحق بالكافر الأصلي عند أبي حنيفة، وعندنا لا (^٢)، وهي مسألة: أن الكفار هل يخاطبون بالشرائع؟.
ولنا: أنها عبادة، فتسقط بهما كالصلاة ولعدم الأهلية.
وللشافعي فيما مضى من السنين حال الردة ثلاثة أقوال: في قول يجب، وفي قول موقوف، وفي قول تسقط (^٣) كما هو مذهبنا.
(تفاوت الأسعار فيها؛ أي: الفصول المختلفة؛ وهي الربيع والصيف، والخريف والشتاء، فإن من التجار من يتمنى الربح في الصيف دون الشتاء، أو في الربيع دون الخريف، وقد يكون بالعكس.
(فأدير الحكم عليه)؛ أي: على الحول؛ لاشتماله عليها.
(هي)؛ أي: إيتاء الزكاة.
واجبة على الفور) والمراد به الوجوب في أول أوقات الإمكان. وقال الكرخي، وبعض أصحاب الشافعي (^٤): واجب على الفور، واختاره الماتريدي، حتى يأثم بتأخيرها بعد التمكن من الأداء. هكذا ذكر الحاكم الشهيد (^٥).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٢٦٥)، والبيان للعمراني (٣/ ١٣٤).
(٢) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٣٤٨).
(٣) انظر: البيان للعمراني (١٣٥٣)، والمجموع للنووي (٥/ ٣٢٨).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٩١)، ونهاية المطلب للجويني (٣/ ١٠٣).
(٥) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٧١٣)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدن (٢/ ٢٧٢).
[ ٢ / ٥٥٠ ]
مُطْلَقِ الأَمْرِ، وَقِيلَ: عَلَى التَّرَاخِي، لِأَنَّ جَمِيعَ العُمُرِ وَقْتُ الأَدَاءِ، وَلِهَذَا لَا تُضْمَنُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ بَعْدَ التَّفْرِيطِ.
(وَلَيْسَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ زَكَاةً) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ: هِيَ
وعن محمد: لو أخرها من غير عذر لا تقبل شهادته، بخلاف الحج؛ فإن بتأخيره لا يأثم؛ لأن الأمر به مطلق، وفي الزكاة إنما يأثم بالتأخير؛ لأنها شرعت لدفع حاجة الفقير، وفي تأخير حق الفقير ضرورة (^١).
ولكن ذكر الحاكم في المنتقى: أن الفور قول أبي يوسف ومحمد (^٢).
وقال أبو بكر الرازي، وأبو بكر الجصاص: أنها تجب على التراخي، وهكذا روى ابن شجاع والبلخي عن أصحابنا، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي، وهكذا روى هشام عن أبي يوسف؛ لأن الزكاة غير مؤقتة، والحج مؤقت كالصلاة، وعسى لا يدرك الوقت في المستقبل. كذا في المحيط (^٣)، وفي فتاوى قاضي خان (^٤)، والمسألة مذكورة في الأصول بدلائلها.
(بعد التفريط)؛ أي: التقصير بعدم الأداء في وقت التمكن.
وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: تسقط، وتجيء المسألة في فصل الحملان.
قوله: (خلافا للشافعي): فقال الشافعي (^٥)، ومالك (^٦)، وأحمد (^٧)، وابن أبي ليلى: تجب في مالهما الزكاة، ويخرجها الولي، وهو مروي عن ابن عمر وعائشة.
وقال ابن مسعود، والأوزاعي، والثوري: لا يخرجها الولي، بل يُخْصّصها
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٩)، وبدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٣).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٣٩).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٣٩).
(٤) فتاوى قاضي خان (٢/ ٢٧٧).
(٥) انظر: الأم للشافعي (٢/¬٣٠)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٥٢).
(٦) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٣٠٨)، والذخيرة للقرافي (٣/ ٥٢).
(٧) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٨١)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٦٤).
[ ٢ / ٥٥١ ]
غَرَامَةٌ مَالِيَّةٌ فَتُعْتَبَرُ بِسَائِرِ المُؤَنِ، كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، وَصَارَ كَالعُشْرِ وَالخَرَاجِ، وَلَنَا:
على الصبي والمجنون، فإذا بلغ الصبي وأفاق المجنون فخيره فيخرجها بنفسه.
احتج الشافعي بقوله: «ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا كيلا تأكله الصدقة» (^١)، وبقوله ﵇: «أَلا مَنْ وَلِيَ يتيما فليتَّجِر في ماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» (^٢)، ولأنها حق مالي ومصرفه متعين فلا يمنعه الصغر والجنون، كالعشر والخراج وصدقة الفطر. كذا في المبسوط (^٣).
وفي الإيضاح والخلاف بيننا وبينه راجع إلى أصل؛ وهو أن الواجب عنده مُؤنَةٌ تجب حقا للفقير، والصبي أهل لذلك، ولئن جعل عبادة مالية يجري فيها النيابة، وامتناع وجوب العبادة عليهما بمعنى في الأداء، فإذا جرت النيابة فيه؛ أمكن القول بوجوب الأداء هو يؤدي عنهما في الحال (^٤).
ولنا: قوله ﵇: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعَنِ المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» (^٥).
وفي إيجاب الزكاة عليهما إجراء القلم عليهما؛ لأن الوجوب يختص بالذمة، ولا تجب في ذمة الولي بالإجماع، فتعين ذمتهما، والوجوب مستلزم لإجراء القلم الذي هو معنى الخطاب؛ لأنه أثره، وأنه منتف بالنص.
ولأن الزكاة عبادة؛ لأنها تجب حقا لله تعالى؛ بدليل قوله ﵇: «بني الإسلام على خمس …» الحديث (^٦)، وعد الزكاة منها؛ ألا ترى أن التطهير يحصل بها، والعبادة لا تتأدى بلا اختيار ونية؛ تحقيقا لمعنى الابتلاء.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٦٤، رقم ٤١٥٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٧ رقم ٤٣٥٩) ونقل تصحيحه عن شيخه العراقي.
(٢) أخرجه الترمذي (٢/¬٢٥، رقم ٦٤١) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال الترمذي: فيه إسناده مقال. وضعفه الألباني في الإواء (٣/ ٢٥٨، رقم ٧٨٨).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٢).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٤).
(٥) أخرجه أبو داود (٤/ ١٣٩، رقم ٤٣٩٨) من حديث عائشة ﵂، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٢/¬٤، رقم ٢٩٧).
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
أَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا تَتَأَدَّى إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الابْتِلَاءِ، وَلَا اخْتِيَارَ لَهُمَا لِعَدَمِ
(ولا اختيار لهما): ولا نية، وولاية الولي عليهما تثبت من غير اختيار شرعًا، وبمثل هذه النيابة والولاية لا تتأدى معنى العبادة والابتلاء؛ إذ النيابة جبرية، بخلاف ما لو وكل بعد البلوغ بالأداء، فتلك نيابة اختيارية، فقد وجدت النية.
أما صدقة الفطر تجب لمعنى المؤنة بإشارة النص، ولهذا تجب على الغير بسبب الغير، وفيه حق الأب، فإنا لو لم توجب في ماله احتجنا إلى الإيجاب على الأب، كما إذا لم يكن للصبي مال، وكذا العشر والخراج؛ فإنهما مؤنتا الأرض النامية، ومدار مرويّه على المُثنّى بن الصلاح بن عمرو بن شعيب؛ وهو ضعيف عند النقلة. كذا ذكر ابن معين، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن حبان. كذا في اللباب (^١).
قال سبط أبي الفرج: أما حديث عمرو بن شعيب لا يصح عند الحذاق من أهل الصنعة.
أو المراد من الصدقة في الحديث: النفقة؛ ألا ترى أنه ﵇ أضاف الأكل إلى جميع المال، والنفقة هي التي تأتي على الجميع دون الزكاة. كذا في المبسوط (^٢).
وتسمى الصدقة: نفقة، [قال ﵇: «نَفقَةُ المَرءِ على عياله صدقةٌ] (^٣) ونفقة المرء على نفسه صدقة» (^٤).
وأما قوله: تجري (^٥) فيه النيابة؛
قلنا: ذاك إذا كانت النيابة عن اختيار؛ لتحصيل معنى الابتلاء، وليس لهما
_________________
(١) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب لجمال الدين الخزرجي (١/ ٣٤٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٣).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) أخرجه البخاري (٥/ ٨٣، رقم ٤٠٠٦) من حديث أبي مسعود ﵁، ورواه ابن ماجه (٢/ ٧٢٣، رقم ٢١٣٨) من حديث المقدام بن معد يكرب ﵁.
(٥) في النسخ يجزئ والمثبت هو الصواب الموافق لما في متن الهداية.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
العَقْلِ، بِخِلَافِ الخَرَاجِ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الأَرْضِ. وَكَذَا الغَالِبُ فِي العُشْرِ مَعْنَى المُؤْنَةِ، وَمَعْنَى العِبَادَةِ تَابِعٌ،
اختيار كامل شرعا؛ فلا تعتبر هذه النيابة. إليه أشير في الأسرار (^١).
ومذهبنا: قول علي، وابن عباس ﵃.
(الغالب في العشر معنى المؤنة)؛ لما أن سبب وجوبه الأرض النامية بالخارج، فباعتبار الأصل وهو الأرض النامية مؤنة، كما بين في الأصول.
(ومعنى العبادة تابع)؛ لأنه باعتبار الخارج وهو وصف الأرض، والوصف تابع، أو باعتبار أن مصرفه الفقير. كذا في المبسوط (^٢).
ولهذا لو ورث المال الذي فيه العشر؛ يرث بالعشر كالعبد الجاني والمديون، بخلاف الزكاة عندنا.
قوله: غرامة؛ أي: وجوب مالي.
وفي المغرب: الغرامة: إلزام شيء ليس عليه (^٣).
وفي الكافي: في هذا اللفظ ترك الأدب؛ لأن الزكاة ليس بغرامة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨]؛ ذم الله تعالى قول الأعراب.
وقيل: معنى العبادة: أن تفعل ما يرضي الرب، ومعنى العبودية: أن يرضى بما يفعل الرب، سواء كان بلاء أو نعمة، فتكون العبودية راجحة على العبادة.
وقيل: العبادة: إخلاص العمل لله تعالى باختياره؛ تعظيما له على خلاف هوى النفس.
وفي المبسوط: معناها في الزكاة: أنها أحد أركان الدين، والمقصود من أصل الدين معنى العبادة، فكذا من أركانه؛ وهذا لأن المزكي يجعل ماله لله تعالى خالصًا، ثم يصرفه إلى الفقير؛ ليكون كفاية له منه تعالى، وهو الذي يقبل
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٩٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٥٨).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٣٣٩).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وَلَوْ أَفَاقَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إِفَاقَتِهِ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ فِي الصَّوْمِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الحَوْلِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الأَصْلِيِّ وَالعَارِضِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ مَجْنُونًا يُعْتَبَرُ الحَوْلُ مِنْ وَقْتِ الْإِفَاقَةِ (*)،
التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، وجعل المال له بالاختيار يكون عبادة خالصة (^١).
قوله: (ولو أفاق)؛ أي: المجنون.
(في بعض السنة)؛ أي: في جزء منها، قليلا كان أو كثيرا بعد ملك النصاب؛ تلزمه الزكاة، كما لو أفاق في جزء من رمضان؛ يلزمه صوم الشهر كله، وهذا قول محمد، ورواية عن أبي يوسف. كذا في المبسوط (^٢).
والجامع بينهما: كون الزكاة والصوم عبادة لا تتكرر في الحول.
(ولا فرق)؛ أي: في ظاهر الرواية.
(بين الأصلي)؛ أي: الجنون الأصلي؛ وهو الجنون في حال الصبا ثم بلغ ذلك.
(والعارضي)؛ وهو الجنون العارض بعد البلوغ.
وفي غير [ظاهر الرواية] (^٣): روى الحسن عن أبي حنيفة في الأصل: أنه يعتبر الحول من حين الإفاقة؛ لأن التكليف لم يسبق هذه الحالة، فصارت الإفاقة بمنزلة بلوغ الصبي، أما لو طرأ، فإن استمر سنة سقطت الزكاة؛ لأنه استوعب مدة التكاليف؛ وهي الصلاة والصوم والحج، وإن كان أقل من ذلك؛ لم يعتبر، وصار لجنون ساعة.
وعن أبي يوسف: أنه اعتبر أكثر الحول (^٤).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٣).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٣).
(٤) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٣)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٥٩).
[ ٢ / ٥٥٥ ]
بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ (وَلَيْسَ عَلَى المُكَاتَبِ زَكَاةً) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، لِوُجُودِ المُنَافِي وَهُوَ الرِّقُ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ.
(وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ لِتَحَقُّقِ
ومن يجن ويفيق بمنزلة الصحيح، كالنائم والمغمى عليه. كذا في الإيضاح (^١).
(وليس بمالك من وجه)؛ فإنه لا يملك الرقبة وإن كان يملك يدًا وتصرفا، ولأنه مصرف الزكاة لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ يعني: رقاب المكاتبين، هو المنقول كما يجيء، ولا ملك له حقيقة، ولا زكاة بلا ملك، وعليه إجماع الأئمة الأربعة.
وأما العبد المأذون: إن كان عليه دين يحيط بكسبه؛ فلا زكاة فيه على أحد بالاتفاق، أما عند أبي حنيفة؛ فلأن المولى لا يملك كسبه، وأما عندهما: وإن كان يملك لكنه مشغول بالدين، وإن لم يكن عليه دين؛ فتكسبه لمولاه، وعلى المولى زكاته إذا تم الحول. كذا في المبسوط (^٢)، وبه قال الشافعي (^٣).
وقال مالك (^٤)، وأحمد (^٥): لا تجب الزكاة في مال العبد، لا عليه ولا على سيده، وهو قول ابن عمر، وجابر، والزهري، وقتادة، وأبي عبيد.
قوله: (ومن كان عليه دين): قال الشافعي في القديم: الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة، ووجوب العشر في أرضه، سواء كان دين الله تعالى أو دين الآدمي (^٦)، وهو رواية عن أحمد فيها، وفي الأموال الباطنة يمنع عنده رواية واحدة (^٧)، وهو قول عطاء، وطاووس، وعلماؤنا؛ لكن
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٩٧).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٤).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٢/¬٢٩)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٥٤).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٣٠٧)، والذخيرة للقرافي (٣/ ٥١).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٧٩)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٦٦).
(٦) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/ ٣٢٥)، والبيان للعمراني (٣/ ١٤٦).
(٧) انظر: الهداية للكلوذاني (ص) (١٢٥)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٤٨٣).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
السَّبَبِ، وَهُوَ مِلْكُ نِصَابٍ تَامٌ. وَلَنَا:
عندنا لا يمنع وجوب العشر.
وقال مالك: يمنع وجوب الزكاة في الذهب والفضة لا في الماشية (^١).
ومن أصحاب الشافعي من قال: هذا أحد أقوال الشافعي.
ووجهه: أن الأموال الظاهرة وهي المواشي والزروع، والثمار والمعادن تنمو بنفسها، أو هي بما في نفسها، بخلاف الباطنة وهي الذهب والفضة وعروض التجارة؛ لأنها ليست كذلك، بل تنمو بالتصرف.
وقال الشافعي في الجديد: الدين لا يمنع الزكاة أصلا.
(وهو)؛ أي: السبب.
(على نصاب تام)؛ لأن المديون مالك لماله؛ فإن دين الحر الصحيح يجب في ذمته، ولا تعلق له بماله، ولهذا يملك التصرف فيه كيف شاء، وصفة النماء بالإسامة والتجارة لم تنعدم بسبب الدين، والدين مع الزكاة حقان مختلفان محلا ومستحقا وسببا، فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر، كالدين مع العشر.
ولنا: حديث عثمان ﵁ أنه قال في خطبته في رمضان: ألا إن شهر صيامكم شهر زكاتكم قد حضر، فمن كان له مال وعليه دين فليحسب ماله بما عليه، ثم ليترك بقية ماله.
وفي رواية الموطأ: فليؤد دينه ثم ليُزَكِّ (^٢) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وكان إجماعًا منهم على أنه لا زكاة في القدر المشغول بالدين.
ثم المديون فقير؛ بدليل إباحة الصدقة له مع تمكنه، والصدقة لا تحل لِغَنِيّ، ولا تجب إلا على الغني، ومن كان مستحقا للمواساة شرعًا مع تمكنه من ماله؛ لا يلزمه أن يواسي غيره، فالشرع لا يرد بما لا يفيد؛ إذ لا فائدة من أن يأخذ شاة من سائمة الغير صدقة، ويعطي من سائمته شاة.
وفي شرح الإرشاد: قال ﵇ لمعاذ: «خُذْ مِنْ أغنيائِهِم ورُدَّها عَلَى
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٣٦٠)، والتاج والإكليل للمواق (٣/ ١٥٠).
(٢) الموطأ رواية محمد بن الحسن (ص ١١٤).
[ ٢ / ٥٥٧ ]
أَنَّهُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ
فُقَرَائِهِم» (^١)، فقد جعل الناس قسمين، وللمديون يجوز أخذ الزكاة، فلو أخذت لبطلت القسمة (^٢)، ولأن ملكه في النصاب ناقص؛ فإن لصاحب الدين أن يأخذه بغير قضاء ولا رضاء على ما بيننا.
وقال محمد في الزيادات: إيجاب الزكاة في المال المديون؛ يؤدي إلى تزكية مال واحد مرارًا في حول واحد.
صورته: من له عبد للتجارة يساوي ألف درهم، باعه بألف نسيئة، ثم باعه المشتري من آخر حتى تداولته الأيدي، فعنده يجب على كل واحد منهم زكاة ألف، ثم إذا تم الحول؛ فالمال في الحقيقة ليس إلا العبد، حتى لو أقيلت البيوع رجع العبد إلى الأول، ولم يبق لأحد سواه شيء (^٣).
وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أن الدين يمنع وجوب العشر، ويعد التسليم العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج، ولهذا لا يعتبر فيه غنى المالك، فإن أصل المالك فيه غير معتبر عندنا، حتى يجب العشر في أرض الوقف، وأرض المكاتب، بخلاف الزكاة؛ فإن وجوبها بواسطة غنى المالك، وذلك ينعدم بالدين.
كذا في المبسوط (^٤).
وهذا الحرف الأخير؛ جواب عن قوله: (حقان اختلفا …) إلى آخره؛ يعني: وجوبها لما كان في المال الثاني ينعدم [محل] (^٥) الزكاة، واستحقاقها وسببها بسبب الدين أيضًا، فلا تجب الزكاة.
(أنه)؛ أي: الدين.
(بحاجته الأصلية)؛ لأن صاحبه محتاج إليه لأجل قضاء الدين، وقضاؤه لا يكون إلا من المالك المعين، والحاجة وإن كانت صفة شخص؛ غير أنها
_________________
(١) اخرجه البخاري (٢/ ١٠٤، رقم ١٣٩٥) ومسلم (١/¬٥٠، رقم ١٩) من حديث ابن عباس ﵁.
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٤٦).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٠).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٠).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
فَاعْتُبِرَ مَعْدُومًا كَالمَاءِ المُسْتَحَقِّ بِالعَطَشِ وَثِيَابِ البِذْلَةِ وَالمِهْنَةِ (وَإِنْ كَانَ مَالُهُ أَكْثَرَ
تستدعي محتاجًا إليه وهو المال، فاستقام وصف المال به. كذا في تعليقات الزَّوْزَنية (^١).
وفي المنافع مال المديون مستحق بحاجته؛ وهي حاجة دفع المطالبة والملازمة، والحبس في الدنيا والعذاب في الآخرة، وقد تعين هذا المال لقضاء هذه الحاجة؛ فأشبه ثياب البذلة والمهنة، وعبيد الخدمة ودور السكنى (^٢).
قوله: (وإن كان ماله أكثر …). إلى آخره؛ يعني: إذا كان للمديون أموال مختلفة، والدين يستغرق بعضها؛ فيصرف الدين أولا إلى الدراهم والدنانير؛ لأنها تعينت للتقلب والتصرف والنماء، بخلاف أموال أخر، فإن فضل شيء من الدين عنهما؛ تصرف إلى أموال التجارة، ثم إلى السوائم، ثم إلى مال القنية، يختار الأسهل فالأسهل قضاء.
وإن كان له نصيب من السوائم من الإبل والبقر والغنم؛ يصرف الدين إلى أقلها زكاة، حتى يصرف إلى الإبل أو الغنم، ولا يصرف إلى البقر.
ولو كان إبل وغنم؛ فالمالك بالخيار، إن شاء صرف إلى الإبل، وإن شاء إلى الغنم؛ لاتحاد الواجب فيهما، والأصل في جنس هذه المسائل: أن الدين يصرف إلى ما كان أنفع للفقير. كذا في المحيط (^٣).
ولو كان له ثياب البذلة وعبيد الخدمة، ومال الزكاة من السائمة أو عروض التجارة؛ لا يصرف الدين إليهما. كذا في الجامع الكبير (^٤).
وفي مختصر المحيط: فالدين يصرف أولا إلى النقدين، ثم إلى عروض التجارة، ثم إلى مال القنية دون العقارات، فإن كان في مال القنية ثياب البذلة وعبيد الخدمة؛ يصرف إلى الثياب (^٥).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٠).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٠).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٩٦).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٨)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٢٦٤).
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٥/ ٢٠٠).
[ ٢ / ٥٥٩ ]
من دينه زكى الفاضل إذا بلغ نصابا) لفراغه عن الحاجة الأصلية، والمراد به دين له مطالب من جهة العباد، حتى لا يمنع
وقيل: إلى العبيد ثم إلى السوائم.
قوله: (مطالب من جهة العباد)؛ أي: من جهة العباد، سواء كان الدين للعباد أو لله تعالى كدين الزكاة. كذا في المحيط (^١).
وفي فتاوى قاضي خان: الدين المانع كالثمن وضمان المتلف ومهر المرأة (^٢).
وفي جامع فخر الإسلام: دين المهر لا يمنع إذا لم يكن الزوج على غرم الأداء؛ لأنه لا يعده دينا، وبه أفتى بعض المشايخ.
وفي المحيط: وقيل: دين المهر يمنع كسائر الديون (^٣).
وقيل: إن كان من نية الزوج أنه متى طالبته؛ تلقها بلطف، ويعدها بأنه متى وجد مالا لا يمهل حقها؛ يمنع الزكاة، وإن كان من نيته أنه متى طالبته يضربها ويلقها بالإنكار؛ لا يمنع وجوب الزكاة.
وفي أمالي قاضي خان: تزوجها على ألف مؤجلة، فلو كان الأجل معلوما صح، وإلا لم يصح، ويؤمر بتعجيل ما تعارفه أهل البلد تعجيله، والباقي بعد الطلاق أو الموت، ولا يجبره القاضي على التسليم (^٤)، فإذا لم يجبر عليه بمثابة الديون التي لا تجبر على قضائها فلا يمنع.
وعن أبي حنيفة: أن الدين المؤجل سنة لا يمنع زكاة هذه السنة (^٥).
وفي طريقة الصدر الشهيد: الدين المؤجل، هل يمنع؟، لا رواية فيه، فإن قلنا: نعم؛ فله وجه، وإن قلنا: لا؛ فله وجه.
وفي شرح الطحاوي: الدين المطالب من جهة العباد؛ [يمنع، سواء كان
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٩٣).
(٢) فتاوى قاضي خان (١/ ١٢٥).
(٣) المحيط الرهاني لابن مازة (٢/ ٢٩٧).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٤١).
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٤١).
[ ٢ / ٥٦٠ ]
دَيْنُ النَّذْرِ وَالكَفَّارَةِ، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ مَانِعُ حَالَ بَقَاءِ النِّصَابِ،
للعباد (^١) كالمهر معجلا ومؤجلا، ونفقة المرأة إذا صارت دينا على الزوج إما بالصلح أو بالقضاء، ونفقة الأقارب إذا صارت دينا عليه [إما] (^٢) بالصلح أو بالقضاء (^٣)، أو لله تعالى كدين العشر أو الخراج، وزكاة السائمة وزكاة التجارة؛ فإن لها مطالبًا من جهة العباد، حتى لو امتنع من أداء الزكاة يأخذها السلطان كرها وعزره، ولا يأخذ الزيادة، ويضعها في مصرفها، وبه قال مالك (^٤)، وأحمد في رواية (^٥)، وأكثر أهل العلم، والشافعي، إلا أنه مال في القديم: إذا امتنع عن أدائها بخلا عزر وأخذ شطر ماله (^٦)، وبه قال أحمد في رواية.
وقال زفر: دين الزكاة لا يمنع؛ لأنها عبادة كدين الحج (^٧).
وقلنا: هو دين مطالب من جهة العباد، والمطالب الإمام في السوائم، ونوابه وهم الملاك في العروض والذهب والفضة؛ لأن عثمان ﵁ لما رأى هيجان الفتنة وعسر المطالبة؛ فوض أدائها إلى الملاك، فكانوا نوابا للأئمة.
وعن أبي يوسف: دين الزكاة عن مال قائم يمنع وجوبها، وعن مال مستهلك لا يمنع؛ لأنه يجوز أن يمر بالقائم على العاشر، فيثبت له ولاية المطالبة، ولا كذلك المطالبة فيه (^٨).
وفي المحيط: قيل: نفقة المحارم لا يصير دينا بالفرض فلا يمنع (^٩).
وقيل: نفقة شهر وما دونه يمنع؛ لأنها تجب دينًا في الذمة، حتى يجبره القاضي ويحبسه لها دون الزيادة.
قوله: (دين النذر): قال التمرتاشي في جامعه وكذلك دين صدقة الفطر
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجم (٢/ ٢١٩).
(٤) انظر: الفواكه الدواني للنفراوي (١/ ٣٢٦)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٤٧٣).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٧٨)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٣٩٠).
(٦) انظر: البيان للعمراني (٣/ ١٣٧)، والمجموع للنووي (٥/ ٣٣١).
(٧) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٩)، والاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ١٠٠).
(٨) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ١٠٠)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٦١).
(٩) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٩٧).
[ ٢ / ٥٦١ ]
لِأَنَّهُ يُنْتَقَصُ بِهِ النِّصَابُ، وَكَذَا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ خِلَافًا لِزُفَرَ فِيهِمَا.
وَلِأَبِي يُوسُفَ فِي الثَّانِي عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ (*)، لِأَنَّ لَهُ مُطَالِبًا لِأَنَّهَا وَهُوَ
ووجوب الحج، وهدي المتعة والأضحية؛ لا تمنع؛ لأنه لا مطالب له من جهة العباد (^١).
وفي الجامع: دين النذر لا يمنع ومتى استحق بجهة الزكاة؛ بطل النذر فيه.
بيانه له مائتا درهم، نذر أن يتصدق بمائة منها، وحال الحول؛ سقط النذر بعدد درهمين ونصف؛ لأن في كل مائة استحق بجهة الزكاة (^٢) للنذر، يقع درهمان ونصف، ويتصدق المنذر بسبعة وتسعين ونصف، ولو تصدق بمائة منها للنذر؛ يقع درهمان ونصف عن الزكاة؛ لأنه متعين بتعين الله، فلا يبطل بتعينه لغيره، ولو نذر بمائة مطلقة لزمته؛ لأن محل المنذور به الذمة، فلو تصدق بمائة منها للنذر؛ يقع درهمان ونصف للزكاة، ويتصدق بمثلها عن النذر (^٣).
(لأنه ينتقص به النصاب)؛ بيانه مضى على مائتي درهم حولان، ليس عليه زكاة السنة الثانية؛ لأن وجوب زكاة السنة الأول، مانع، فينتقص النصاب في السنة الثانية، ولو حال الحول على المائتين فاستهلك النصاب قبل أداء الزكاة، ثم استفاد مائتي درهم وحال الحول عليه؛ لا تجب عليه زكاة المستفاد؛ لأن وجوب زكاة نصاب الأولى دين في ذمته بسبب الاستهلاك، فمنع وجوب الزكاة فيه.
(خلافًا لزفر فيهما)؛ أي: في المستفاد، والباقي لما بينا.
(في الثاني)؛ أي: في ذمة الاستهلاك لما ذكرنا من الفرق.
_________________
(١) (*) الراجح: هو قول الأول يعني دين الزكاة مانع حال بقاء النصاب …
(٢) انظر: حاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٧٢)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٢٠).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٢)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ٢٢٠).
[ ٢ / ٥٦٢ ]
الإِمَامُ فِي السَّوَائِمِ، وَنَائِبُهُ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ المُلَّاكَ نُوَّابُهُ.
(وَلَيْسَ فِي دُورِ السُّكْنَى وَثِيَابِ البَدَنِ وَأَثَاتِ المَنَازِلِ وَدَوَابِّ الرُّكُوبِ وَعَبِيدِ الخِدْمَةِ وَسِلَاحِ الاِسْتِعْمَالِ زَكَاةً) لِأَنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِالحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَلَيْسَتْ بِنَامِيَةٍ
قوله: (أن الملاك نوابه)؛ أصله قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله ﵇ لمعاذ: «خُذْها من أغنيائهم …» الحديث (^١)، فثبت أن حق الأخذ للنبي ﵇ ونائبه، ولأنه ﵇ والخلفاء بعده يأخذونها؛ إلى أن فوض عثمان في خلافته كما روينا - في الأموال الباطنة إلى أربابها؛ لقطع طمع كل طامع، وكراهة تفتيش السعاة على التجار، وحق الأخذ للساعي بغرض الثبوت أيضًا، فإنه إذا مر على العاشر؛ له المطالبة والأخذ والحبس، فكان الأرباب نواب الإمام، فكذلك منع وجوب الزكاة. كذا في الجامع الكبير لشمس الأئمة (^٢).
(وليست نامية)؛ لأن النماء على نوعين: خلقي؛ كالذهب والفضة، وفعلي؛ بإعداده للتجارة، وكلاهما معدوم في هذه الأشياء، وبقولنا قال الشافعي (^٣)، وأحمد (^٤)، وأبي ثور. وقال مالك (^٥)، ومكحول: تجب الزكاة في الحوامل والعلوفة.
ولا تجب في دور السكنى وعبيد الخدمة ما لم تكن معدة للتجارة بالإجماع، ومال القنية ما يدخره لنفسه لا للبيع واستدل مالك بعمومات النصوص.
ولنا: قوله ﵇: «في خَمْسِ مِنَ الإِبل السائمة شاة» (^٦)، وقوله عليه
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٥٥)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٦٢).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٢/¬٥٠)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٨٩).
(٤) انظر: المبدع لابن مفلح (٢/ ٢٩٢)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/ ١٧٥).
(٥) انظر: إرشاد السالك لشهاب الدين البغدادي (١/¬٣٥)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٧٣).
(٦) أخرجه أبو داود (٢/ ٩٨، رقم ١٥٦٨) والترمذي (٢/¬١٠، رقم ٦٢١) من حديث ابن عمر هـ، وقال: حديث حسن.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا كُتُبُ العِلْمِ لِأَهْلِهَا وَآلَاتُ المُحْتَرَفِينَ لِمَا قُلْنَا.
السلام: «ليس في العوامل والحوامل …» الحديث (^١)، وتجيء هذه المسألة في فصل الحملان.
(لأهلها): قيد الأهل غير مفيد؛ لأنه لم يكن من أهلها، وليست هي للتجارة؛ لا تجب فيها الزكاة أيضًا وإن كثرت؛ لعدم النماء.
وإنما يفيد ذكر الأهل في حق مصرف الزكاة؛ فإنه إذا كانت له كتب تبلغ النصاب وهو محتاج إليها للتدريس وغيره؛ يجوز له أخذ الزكاة، أما إذا بلغت النصاب ولم يكن محتاجا إليها؛ لا يجوز صرف الزكاة. كذا في النهاية (^٢).
قوله: (وآلات المحترفين): هذا في آلات ينتفع بعينها ولا يبقى أثرها في المعمول، أما إذا كان يبقى أثرها فيه، كما لو اشترى الصباغ عصفرًا أو زعفرانا للصبغ بالأجر، وحالت عليها الحول؛ عليه زكاته؛ لأن ما أخذ من الأجر بمقابلة العين، وكذا كل من يبتاع عينا [ليبقى] (^٣) ليعمل به، ويبقى أثره في المعمول كالعفص، والدهن لدبغ الجلد، فحال عليه الحول؛ عليه الزكاة؛ وإن لم يبق لذلك العين أثر في المعمول كالصابون.
والحرض لا زكاة فيه؛ لأنه لا يبقى بعد العمل، فكان الأجر مقابلا بالمنفعة؛ فلا يعد من مال التجارة. كذا في فتاوى قاضي خان (^٤)، والظهيرية.
وفي الإيضاح: وكذلك قالوا في النحاتين اشترى المقاود والجلال، فإن كان يبيعها مع الدواب؛ تجب زكاتها، وإن كان يحفظ للدواب؛ فلا زكاة فيها كآلة الصباغين، كالقدور وغيرها لما قلنا؛ وهو أنها مشغولة بالحاجة الأصلية (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطبراني (١١/¬٤٠، رقم ١٠٩٧٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٧٥، رقم ٤٣٩٦): فيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة، ولكنه مدلس. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع (ص: ٧٠٨، رقم ٤٩٠٥).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٩٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٣).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) فتاو قاضي خان (١/ ١٢٣).
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬١٣)، وحاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٥٣).
[ ٢ / ٥٦٤ ]
(وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَجَحَدَهُ سِنِينَ ثُمَّ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُزَكِّهِ لِمَا مَضَى) مَعْنَاهُ: صَارَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، بِأَنْ أَقَرَّ عِنْدَ النَّاسِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ مَالِ النِّمَارِ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ: المَالُ المَفْقُودُ، وَالآبِقُ، وَالضَّالُّ،
قوله: (معناه: صارت له بينة): قيد بها احتراز عن مسألة بعده؛ وهي قوله: وكذا لو كان على جاحد وعليه بينة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: لو كانت له بينة عادلة؛ تجب الزكاة فيما مضى؛ لأنه لا يعد ناويًا، لما أن حجته البينة فوق حجته للإقرار، وهذا رواية هشام عن محمد (^١).
وفي رواية أخرى عنه: لا يلزم الزكاة لما مضى وإن كان يعلم أن له بينة؛ إذ ليس كل بينة شاهد بعدل، ولا كل قاض يعدل، وفي المحاباة بين يدي القاضي ذل، والبينة بدون القضاء لا يكون موجبه شيئًا، بخلاف الإقرار؛ لأنه موجب للحق بنفسه، وبخلاف ما إذا كان الدين معلومًا للقاضي؛ لأن صاحب الدين هناك لا يحتاج إلى الخصومة؛ لأنه يلزمه بعمله. كذا ذكره الإمام المحبوبي (^٢).
قوله: (المال الضِّمَارِ …) إلى آخره: الضمار الغائب الذي لا يرجى، فإذا رُجِيَ، فليس بضمار.
عن أبي عبيدة: أصله من الإضمار، وهو الإخفاء والتغيب، ومنه أضمر في قلبه [شيئًا] (^٣)، واشتقاقه من البعير الضامر بعيد. كذا في المغرب (^٤).
وفي الفوائد الظهيرية: قيل: الضمار: ما يكون عينه قائما، ولكن لا يكون منتفعا به، مشتق من قوائم البعير الضامر الذي له أصل الحياة، ولكن لا ينتفع به لشدة هزله (^٥).
ثم لا زكاة فيه حتى يوجد ويحول عليه الحول عندنا، وبه قال الشافعي في
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٦٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٤).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٦٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٤).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٢٨٥).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٦٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٤).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وَالمَغْصُوبُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَالمَالُ السَّاقِطُ فِي البَحْرِ، وَالمَدْفُونُ فِي المَفَازَةِ إِذَا نَسِيَ مَكَانَهُ، وَالَّذِي أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مُصَادَرَةٌ. وَوُجُوبُ صَدَقَةِ الفِطْرِ بِسَبَبِ الآبِقِ وَالضَّالِّ وَالمَغْصُوبِ عَلَى هَذَا الخِلَافِ لَهُمَا: أَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَحَقَّقَ وَفَوَاتُ اليَدِ غَيْرُ مُخِلٌ بِالوُجُوبِ كَمَالِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَلَنَا: قَوْلُ عَلِيٌّ ﵁: «لَا
القديم، وأحمد في رواية.
وقال زفر، والشافعي في الجديد (^١)، وأحمد في رواية (^٢): يجب عليه إخراج ما مضى من السنين.
وقال مالك: إذا عاد؛ عليه زكاة لحول واحد؛ لأن الزيادة قد تستغرق النصاب، ويتضرر به المالك (^٣).
واحترز بقوله: (والمدفون في المفازة)؛ عن مدفون في أرض له، أو كرم، أو بيت؛ فإن فيه اختلاف، كما يجيء.
وفي جامع قاضي خان: وكذلك الوديعة إذا نسي المودع، والمودع من الأجانب لا من معارفه، [ولو كان من معارفه] (^٤) فيذكر بعد سنين؛ كان عليه زكاة ما مضى (^٥).
(لهما)؛ أي: لزفر والشافعي.
(أن السبب)؛ وهو ملك النصاب.
(قد تحقق): وتعذر الانتفاع من جهة العباد.
(وفوات يده عنه غير مخل بالوجوب)؛ كالمدفون بالبيت، ومال ابن السبيل، والدين على المفلس المقر؛ فإن الحكم يدار على مظنة النماء وإن لم توجد حقيقته.
ولنا: قول علي … إلى آخره: هو المال، فإن النماء شرط بالاتفاق، وفي
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٣٠)، والبيان للعمراني (٣/ ١٤٣).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٣/ ٧٢)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٥٢٠).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٣٧٦)، والبيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٣٧٢).
(٤) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٥٦)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٢٣).
[ ٢ / ٥٦٦ ]
زَكَاةَ فِي المَالِ الضَّمَارِ) وَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ المَالُ النَّامِي وَلَا نَمَاءَ إِلَّا بِالقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ وَلَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ. وَابْنُ السَّبِيلِ يَقْدِرُ بِنَائِبِهِ، وَالمَدْفُونُ فِي البَيْتِ نِصَابٌ
المال الذي لا يرجى عوده؛ لا يتصور النماء إلا تقديرا ولا تحقيقا. كذا في المبسوط (^١).
وفي الأسرار: الشارع أَلْحَقَ اليد بأصل الملك، فإن الغاصب يضمن كالمتلف، مع أنه ما زال إلا اليد (^٢)، ولأن غير النقدين من الأموال إنما يكون نصابًا؛ بجعل المالك إياه للتجارة وولاية التجارة لليد، حتى أن بيع الأبق والساقط في البحر وغيرهما لا يجوز؛ لتعذر التسليم، فصار هذا فوق ما جعله للبذلة، فصارت في الحقيقة ذهاب ولاية التجارة عن ذلك المال، ولما لم يكن المال في يده، ولم يمكنه التجارة؛ صار كالهالك تقديرًا؛ لتعذر الانتفاع به تجارة، وصار كمال المكاتب إذا رجع إلى المولى بعد العجز.
قال التمرتاشي: المال الضمار غير منتفع به؛ فيكون كالهالك، بخلاف الدين المؤجل؛ لأنه أخر الانتفاع وصار في الغائب (^٣).
وفي جامع الكردري: يجب الزكاة في الدين المؤجل؛ لأنه منتفع في حقه؛ لأن ما أجله الزيادة في الثمن، أو قدره الاستنماء فائتة بصنعه وهو التأجيل، فيجعل قائمة في حقه (^٤).
فإن قيل: لو أعتق الآبق عن كفارة يجوز، ولو كان مالكا لما جاز كالأعمى والزمن.
قلنا: لما جاز إعتاق المكاتب مع فوات اليد والفوات من وجه؛ لما أن التحرير يحل الرق دون اليد، يجوز إعتاق العبد الآبق أيضًا؛ لأن الرق لا ينتقض بالإباق كما لا ينتقض بالكتابة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧١).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٦٨).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٩).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٩).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
لتيسر الوصول إليه، وفي المدفون في أرض أو كرم اختلاف المشايخ.
ولو كان الدين على مقر مليء أو معسر تجب الزكاة لإمكان الوصول إليه ابتداء أو بواسطة التحصيل، وكذا لو كان على جاحد وعليه بينة أو علم به القاضي لما قلنا. ولو كان على مقر مفلس فهو نصاب عند أبي حنيفة ﵀ لأن تفليس القاضي لا يصح عنده. وعند محمد: لا تجب لتحقق الإفلاس عنده بالتفليس.
(اختلاف المشايخ): فقيل: يجب لإمكان الوصول.
وقيل: لا يجب؛ لأنها غير حرز، ويعتبر الوصول إليه بالسير (^١).
(لإمكان الوصول ابتداء)؛ أي: في المقر المليء.
(أو بواسطة التحصيل)؛ أي: في حق المعسر؛ لأنه يمكن أن يرث مالا في الحال، أو يهبه آخر ويكتسب؛ لما قلنا وهو إمكان الوصول.
قوله: (مقر مفلس): من التفليس، وفي بعض النسخ: مفلس من الإفلاس.
والمعنى والحكم يختلفان باختلاف اللفظ؛ أما المعنى فيقال: أفلس الرجل؛ صار مفلسا؛ أي: صارت دراهمه فلوسا، كما يقال: أخبث الرجال؛ إذا صار أصحابه خبثا، وأما فلسه القاضي تفليسا؛ أي: نادى عليه أنه أفلس.
كذا في الصحاح (^٢).
وأما الحكم: فقال بعض المشايخ: الخلاف في التفليس لا في الإفلاس؛ فإن فيه الدين عليه نصاب بالاتفاق، فيزكيها إذا قبض لما مضى، وأما بعد التفليس؛ فليس بنصاب عند محمد كما هو أصله، وتعليل الكتاب بقوله: (لأن تفليس القاضي)؛ يدل على أن اللفظ بالتشديد (^٣)، وبدليل ما ذكر التمرتاشي.
أن الدين على مقر مفلس نصاب: خلافا لمحمد.
وقيل: الخلاف فيمن فلسه القاضي، ولم يشترط الطحاوي التفليس على قول محمد، وقيل: أن يفلسه.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٦٦)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٧٣).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٣/ ٩٥٩).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٨).
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وَأَبُو يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي تَحَقُّقِ الإِفْلَاسِ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ نَظَرَهُ فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ رِعَايَةٌ لِجَانِبِ الفُقَرَاءِ (*).
(فأبو يوسف مع محمد): وإلا فمع أبي حنيفة، فإنه ذكر المحبوبي: لو كان المديون مفلسًا؛ تجب زكاة ما مضى على صاحب الدين إذا قبضه عندهما، وعند محمد: إذا أفلسه القاضي فلا زكاة عليه، بناء على مذهبه؛ أن التفليس يتحقق ويصير الدين به تاويًا، وعند أبي حنيفة: التفليس لا يتحقق؛ لأن المال غاد ورائح، وقول أبي يوسف مبني على قوله الأول (^١).
وقيل: في وجه قول أبي يوسف: أنه وإن كان يتحقق عليه عنده؛ لكن محل الدين الذمة، والذمة باقية والمطالبة كذلك، حتى يكون لصاحب الحق الملازمة، فلا يكون تاويًا، فإذا قبضه زكاة لما مضى.
وذكر أبو اليسر: قول أبي يوسف مع قول محمد في عدم الوجوب مطلقا، من غير اختلاف الرواية بناء على اختلافهم في تحقق الإفلاس (^٢).
وفي جامع الكردري: وهذا في المفلس الذي فلسه القاضي؛ لأن عند أبي حنيفة لا يتحقق الإفلاس، خلافًا لهما، وأبو يوسف ترك أصله؛ احتياطا لأمر الزكاة ورعاية لجانب الفقراء (^٣).
وعلى هذا الخلاف وجوب صدقة الفطر بسبب العبد الآبق، والضال والمفقود والمغصوب؛ إذا لم يكن للمالك بينة وحلف فحلف.
وذكر التمرتاشي: ولم يذكر وجوب الأضحية على قول أبي حنيفة، وينبغي أن لا تجب؛ لأن نفس الملك بلا يد مع إمكان الوصول لا يكفي لوجوبها، كما في ابن السبيل، بخلاف الزكاة؛ فإن الملك مع إمكان الوصول يكفي لوجوبها (^٤).
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٨).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٨).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٩).
[ ٢ / ٥٦٩ ]
(وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً لِلتِّجَارَةِ وَنَوَاهَا لِلْخِدْمَةِ بَطَلَتْ عَنْهَا الزَّكَاةُ) لِاتِّصَالِ النِّيَّةِ بِالعَمَلِ وَهُوَ تَرْكُ التِّجَارَةِ (وَإِنْ نَوَاهَا لِلتِّجَارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ حَتَّى يَبِيعَهَا فَيَكُونَ فِي ثَمَنِهَا زَكَاةٌ) لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَتَّصِلْ بِالعَمَلِ، إِذْ هُوَ لَمْ يَتَّجِرْ فَلَمْ تُعْتَبَرْ، وَلِهَذَا يَصِيرُ المُسَافِرُ مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَلَا يَصِيرُ المُقِيمُ مُسَافِرًا إِلَّا بِالسَّفَرِ (وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا
(ونواها للخدمة بطلت عنها الزكاة): وهذا بالإجماع.
وعن مالك أنه قال: لا يصير للخدمة بمجرد النية، كما لا يصير للتجارة بمجردها وهو ترك العمل (^١).
وفي الكافي: سمى الترك عملا وإن كان عدميًا؛ لأن ترك التجارة حقيقة إمساكها للخدمة حتى يبيعها (^٢)، وبه قال الشافعي (^٣)، ومالك، وأحمد في رواية (^٤).
وقال أحمد في رواية أخرى، والكرابسي -من أصحاب الشافعي- وأبو ثور: يصير بمجرد النية.
(للتجارة)؛ لاتصالها بالإمساك؛ لما روى سمرة بن جندب أنه ﵇ أمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع (^٥)، بالقياس على ما نواه للخدمة.
وقلنا: النية لم تتصل بالعمل؛ إذ هو لم يتجر وهو ظاهر، والإمساك لأجله لا يكون تجارة، والمراد بما يعده للبيع؛ يشتريه لأجل ذلك أو يكسب له.
قوله: (إن اشترى شيئًا) إلى آخره: ذكره هذه المسألة مطلقا، وليس بمجرى على إطلاقه؛ بل هي في شيء يصلح نية للتجارة فيه.
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٣٦٨)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٧٠).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٩٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٠٩).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٢٩٦)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٩٤).
(٤) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٤١٠)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٦٢).
(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٩٥، رقم ١٥٦٢) من حديث سمرة بن جندب وحسنه ابن عبد البر كما في نصب الراية (٢/ ٣٧٦)، وضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ٣١٠، رقم ٨٢٧).
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وَنَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ كَانَ لِلتِّجَارَةِ) لِاتِّصَالِ النِّيَّةِ بِالعَمَلِ، (بِخِلَافِ مَا إِذَا وَرِثَ وَنَوَى
أما إذا لم يصلح؛ كما لو اشترى أرضًا عشرية أو خراجية بنية التجارة؛ لا يصير لها؛ لأنه يلزم فيها إجماع الحقين بسب واحد وهو الأرض، وهذا لا يجوز كما يجيء.
وكذا لو اشترى بذرًا للتجارة، وزرعه في أرض عشرية، ثم استأجرها؛ كان فيه العشر لا غير. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى قاضي خان (^١).
وعند الشافعي: لو اشترى أرضًا للزراعة أو كرما، أو كل مال وجبت الزكاة في عينه كالسائمة وكمل الحول، ووجد نصاب كل واحد منهما، واتفقا في وقت الوجوب، فيه قولان: في قول: يجب العشر فيه فقط (^٢)، كقولنا، وبه قال مالك، وفي قول: بعد إخراج العشر يُقوّم العين في أصح القولين، وفي قول: لا يقوم؛ لاتصال النية بالعمل.
وحاصله: أن النية متى اتصلت بالعمل تعتبر؛ لأنها باطنة لا تعرف بدون اقتران العمل بها، ولأنها لتميز ما اختلف من أنواع العمل، وذلك مع عدم الفعل [بما] (^٣) يتصور، فلا يجوز اعتبارها في اعتبار ما تعلق بثوبه بالجوارح، ثم التجارة عمل الجوارح؛ فلا يحصل بمجرد النية؛ لأنها تصلح لترك العمل لا لإنشائه؛ ألا ترى أن الصائم لا يصير مفطرًا بمجرد نية الإفطار، ويصير صائما بمجرد نية الصوم في وقته، والعلوفة لا تصير سائمة بمجرد النية، وتصير علوفة بمجرد نية كونه علوفة. كذا في جامع شمس الأئمة، وقاضي خان (^٤).
وكذا اعتبر بالسفر والإقامة؛ فإنه يصير مقيمًا بمجرد النية، ولا يصير مسافرًا بمجرد النية.
ثم اعلم أن النية إذا اقترنت بالشراء والإجارة؛ صار المال للتجارة بالإجماع، ولو ورثه ونوى التجارة؛ لا يكون لها بالإجماع؛ لتجرد النية عن
_________________
(١) فتاوى قاضي خان (١/ ١٢٤).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٣٠٣)، والمجموع للنووي (٦/¬٥٠).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٦٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٢٦).
[ ٢ / ٥٧١ ]
التِّجَارَةَ) لِأَنَّهُ لَا عَمَلَ مِنْهُ، وَلَوْ مَلَكَهُ بِالهِبَةِ أَوْ بِالوَصِيَّةِ أَوْ النِّكَاحِ أَوْ الخُلْعِ أو الصُّلْحِ عَنْ القَوَدِ وَنَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ كَانَ لِلتِّجَارَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِاقْتِرَانِهَا بِالعَمَلِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُقَارِنْ عَمَلَ التِّجَارَةِ (*)، وَقِيلَ: الاخْتِلَافُ عَلَى عَكْسِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِلْأَدَاءِ، أَوْ مُقَارِنَةٍ لِعَزْلِ مِقْدَارِ الوَاجِبِ)
العمل؛ لأن الميراث يدخل في ملكه بلا عمل منه جبرا، حتى أن الجنين يرث. وأما في الذي يملكه في الهبة وأمثالها اختلف فيه. وجه قول من يقول: إنه للتجارة؛ أن النية قارنت العمل الاختياري وهو القبول في الهبة وأمثالها. وجه من قال: لا يكون للتجارة؛ أن النية إنما تجب اعتبارها إذا طابقت المنوي، والمنوي هو التجارة، والعمل الذي اقترنت بالنية ليست بتجارة؛ لأنها هي ما يعتاده التجار لاكتساب الأموال، والتجار لا يعتادون هذه الأعمال للتجارة في عموم الأحوال، وذلك لأنها مبادلة المال بالمال، وهذه الأفعال ليست كذلك. كذا في الفوائد الظهيرية.
وفي فتاوى قاضي خان: لو أراد أن يبيع السائمة أو يستعملها أو يعلفها، فلم يفعل حتى حال الحول؛ فعليه زكاة السائمة؛ لأنه نوى العمل ولم يعمل، فلا ينعدم به وصف السائمة (^١).
ولو نوى الإسامة في العلوفة صارت سائمة؛ لأن معناها ثبتت بترك العمل، وقد ترك العمل حقيقة. كذا في المبسوط (^٢)، والخلاصة.
قوله: (أو مقارنة لعزل مقدار الواجب): فاشتراط النية بالإجماع، إلا عند الأوزاعي؛ فإنه يقول: لا يفتقر إخراج الزكاة إلى النية. وللشافعي فيما إذا عزل مقدار الواجب بالنية، ثم يدفعه إلى الفقير بلا نية؛
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) فتاوى قاضي خان (١/ ١٢١).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٧٨).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، وَالأَصْلُ فِيهَا الاقْتِرَانُ، إِلَّا أَنَّ الدَّفْعَ يَتَفَرَّقُ فَاكْتُفِيَ بِوُجُودِهَا حَالَةَ العَزْلِ تَيْسِيرًا، كَتَقَدُّمِ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ.
(وَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لَا يَنْوِي الزَّكَاةَ سَقَطَ فَرْضُهَا عَنْهُ اسْتِحْسَانًا).
وجهان: أظهرهما: أنه يجوز (^١).
(تيسيرًا)؛ يعني: الأصل أن النية مقارنة للأداء؛ لأن العبادة تمتاز بالنية المقارنة؛ إذ هي المؤثرة، إلا أنه اكتفى بوجود النية حال العزل؛ لأن الدفع غالبا يكون على فقراء مختلفة، ففي اشتراطها عند كل دفعة تقديرا حرج، وهو مدفوع، فلهذا اكتفى بوجودها عند العزل؛ لأنه فعل أيضًا، وتكون النية موجودة عند كل دفعة تقديرا.
وفي الإيضاح: لو نوى أن يؤدي الزكاة، فجعل يؤدي إلى آخر السنة، ولا تحضره النية؛ لا تجوز؛ لأن النية لم تقترن بالعزل (^٢).
وفي المجرد عن محمد لو قال: ما تصدقت إلى آخر السنة فقد نويته من الزكاة، فجعل يتصدق بدون النية؛ أرجو أن يجزيه وفي العيون: عنه خلاف هذا (^٣). وعند مالك يشترط قران النية بالأداء (^٤)، وعن أحمد يستحب (^٥) [ويجوز] (^٦) التقدم بزمان يسير.
قوله: (استحسانًا): وفي القياس، وهو قول زفر، ومالك (^٧)، وأحمد (^٨)، والشافعي (^٩).
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٣٩٩)، والمجموع للنووي (٦/ ١٧٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣١٢).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣١٢).
(٤) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٣٠٢)، والذخيرة للقرافي (٣/ ١٣٦).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٤١٧)، والفروع لابن مفلح (٤/ ٢٤٩).
(٦) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٧) انظر: مواهب الجليل للحطاب (٢/ ٣٥٧).
(٨) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٤١٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٧٧).
(٩) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٤٠٠)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٥٢٧).
[ ٢ / ٥٧٣ ]
لِأَنَّ الوَاجِبَ جُزْءٌ مِنْهُ فَكَانَ مُتَعَيِّنًا فِيهِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّعْيِينِ (وَلَوْ أَدَّى بَعْضَ النِّصَابِ سَقَطَ زَكَاةُ المُؤَدَّى عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِأَنَّ الوَاجِبَ شَائِعٌ فِي الكُلِّ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا تَسْقُطُ (*)،
ورواية عن محمد: لا يجزيه؛ لأن النفل والفرض كلاهما مشروعان، فلابد من نية التعيين (^١).
وجه الاستحسان: أن الواجب جزء منه أي: من النصاب وكان متعينا، فلا حاجة إلى التعيين، فبأي وجه وصل إلى الفقير على وجه المبرة، في المحل الذي يعتبر الإخراح منه؛ يقع عن الفرض والمحل، وإن صلح للتطوع، لكن يتعين الفرض؛ إذ هو الظاهر من حال العاقل؛ لأنه لو لم يقع عن فرضه؛ لزمه ضرر عظيم، وفي مثل هذا الموضع لا يشتغل بالنفل كذا في الخبازية (^٢).
وفي الكافي، وفي الإيضاح: الزكاة تمليك المال إلى الفقير على وجه المبرة بنية العبادة، وقد وجد في المحل الذي تعين الفرض (^٣).
وروى عن أبي يوسف: إذا نوى أن يتصدق بجميع ماله فتصدق شيئًا فشيئا؛ أجزأه، وإن لم تسبقه نية الصدقة ضمن الزكاة؛ لأنها عنده واجبة عليه بعد ما تصدق بالبعض، فلا يسقط به الفرض (^٤).
قوله: (لأن الواجب شائع في الكل)؛ لما أن وجوبها لشكر نعمة المال، والملك نعمة فيجب فيه شائعًا، فإذا خرج البعض؛ تسقط عنه حصته اعتبارًا للبعض بالكل، وبقوله ﵇: «هاتوا رُبعَ عُشورِ أموالكم» (^٥)، والربع شائع في الكل.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣١٢).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣١٢).
(٤) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ١٠١).
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٤٠).
(٦) أخرجه أبو داود (٢) ٩٩، رقم (١٥٧٢) وابن ماجه (١) ٥٧٠، رقم (١٧٩٠) من حديث علي ﵁ ـ، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود الأم - (٥/ ١٩٢، رقم ١٤٠٤).
[ ٢ / ٥٧٤ ]
لِأَنَّ البَعْضَ غَيْرُ مُتَعَيِّنِ، لِكَوْنِ البَاقِي مَحَلًّا لِلْوَاجِبِ بِخِلَافِ الأَوَّلِ.
وعن أبي حنيفة مثل قول محمد.
قوله: (غير متعين)؛ لأن كل بعض محل للواجب، ثم أنه كما يحتاج إلى إسقاط الواجب عن المؤدى؛ يحتاج إلى إسقاط الواجب عن الباقي، بمقدار الواجب عن المؤدى، جاز أن يقع عن المؤدي، وجاز أن يقع عن الباقي، فلا يقع عنهما؛ لعدم الأولية ووجود المزاحمة مع عدم قاطعها، بخلاف ما لو أدى الكل؛ فإنها انعدمت هناك، فتسقط عنه الواجب ضرورة؛ لوجود أصل النية وعدم المزاحمة.
قوله: [مسائل] (^١) تتعلق بهذا الباب
في الإيضاح: تصدق بخمسة ونوى بها الزكاة والتطوع؛ يقع عنها عند أبي يوسف، ويروى عن أبي حنيفة؛ لأن الفرض أقوى، فانتفى الأضعف وهو النفل، فلا يحتاج إلى التعيين (^٢).
وعند محمد: لغت نيته فلا يقع عن شيء؛ لأنه لا يمكن إيقاعها عنهما للتنافي بين الوصفين وعدم التعيين (^٣)، وبقول محمد قال الشافعي (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦).
وفي الروضة: دفع إلى الفقير بلا نية، ثم نواه عن الزكاة، إن كان قائما في يد الفقير؛ أجزأه، وإلا فلا (^٧).
ولو أعطى رجلا مالا ليتصدق تطوعًا، فلم يتصدق المأمور حتى نوى الأمر من الزكاة، ولم يقل شيئًا، ثم تصدق المأمور؛ وقع عنها.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٥٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣١٣).
(٣) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٥٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣١٣).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٤٠٠)، والمجموع للنووي (٦/ ١٨٥).
(٥) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٤٨٠)، والتاج والإكليل للمواق (٣/ ١٣٠).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٤١٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٧٧).
(٧) انظر: حاشية الشَّلْبِي على تبيين الحقائق (١/ ٢٥٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣١٣).
[ ٢ / ٥٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذا لو قال له: تصدقه عن كفارة يمين، ثم نواه عنها. ولو دفعها إليه ليدفعها إلى المصدق عن نصاب الشاة، ثم حول نيته إلى الإبل؛ فهو على الأول، بخلاف أموال التجارة؛ فإنها تقع عن الزكاة.
وَلَوْ خَلَطَ الْوَكِيلُ دَرَاهِمَ الْمُزَكِّينَ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ زَكَاتِهِمْ؛ فَهُوَ ضَامِنٌ.
وَفِي جَمْعِ النَّوَازِلِ: وَضَعَهَا عَلَى كَفِّ فَقِيرٍ فَانْتَهَبُوهَا؛ جَازَ عَنِ الزَّكَاةِ وَلَوْ سَقَطَتْ، ولو دفعها فَقِيرٌ وَرَضِيَ بِهَا؛ جَازَ (^١).
وفي المحيط: وهب دينه مائتي درهم ممن عليه بعد الحول، والمديون غني؛ لم تسقط الزكاة وضمنها (^٢).
وفي النوادر: لا يضمنه (^٣).
ولو كان فقيرا ولم ينو الزكاة؛ أجزأه عن زكاة هذا الدين استحسانًا، ولو تصدق به؛ أجزأه قياسًا واستحسانًا.
وقيل: هما سواء، وعن أبي يوسف: يضمن زكاته (^٤).
ولو وهب كل الدين ممن هو عليه وهو فقير، بنيته زكاة العين أو دينا آخر على غيره؛ لا يجزيه قياسًا واستحسانًا، وبنية زكاة هذا الدين؛ يجزيه استحسانا وقياسًا.
ولو وهب بعضه سقط حصته عند محمد، وعند أبي يوسف: لا يسقط شيء (^٥).
نذر بعد الحول أن يتصدق بالنصاب، فتصدق به ينوي أحدهما؛ أجزى عنهما، ولو تصدق بخمسة ينوي النذر لم يكن من الزكاة، والقياس: أن يجزي ثمن درهم، ولو نوى بها الزكاة أجزى عنهما.
_________________
(١) انظر: حاشية الشِّلْبِيِّ على تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٥٨)، والمجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٤٣)
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٧٧).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٤٤)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٧٧).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣١٣).
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٤٤).
[ ٢ / ٥٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو كان له إبل وغنم فأدى عنهما شاة لا ينوي أحدهما؛ صرفه إلى أيهما شاء، ولو نوى عن أحدهما فهلكت؛ لو يجز عن الأخرى، بخلاف النقدين.
ولو قال لوكيله: تصدق به على من أحببت؛ لم يعط نفسه استحسانًا، خلافًا لأبي يوسف.
قال لشريكه: أد عني زكاتي كل سنة، فأدى بنية الزكاة ولم تحضره بينة منه أو من شريكه؛ وقع عنهما.
ولو قال: تصدق بهذه العشرة على عشرة مساكين، فتصدق على واحد أو على العكس؛ جاز، وفي الحاوي: خلافه (^١).
ولو أنفق المأمور على نفسه ثم تصدق من مال نفسه؛ ضمن، ولو تصدق من ماله أولا ثم أنفقها على نفسه؛ صح استحسانًا.
ولو أعطى المأمور ولده الكبير أو الصغير أو امرأته وهم محاويج؛ جاز، ويعتبر نية الموكل في الزكاة دون الوكيل، ولو لم يعلم المسكين أنه زكاة يجزيه؛ لأن النية للمزكي.
قال شيخ الإسلام وفي جمع العلوم: عن أصحابنا: أن من أعطى مالا بنية الصدقة، والمتصدق عليه لا يعلم أنه يعطيه صدقة؛ لم تكن صدقة، ولم يجزه عن الزكاة (^٢).
نوى الزكاة بما يدفع لصبيان أقاربه في العيدين، أو لمن يأتي بالبشارة، أو يأتي بالباكورة؛ أجزأه عن الزكاة؛ لأن شيئًا من ذلك ليس بواجب.
ولو نوى الزكاة بما يدفع المعلم إلى خليفته، ولم يستأجره، إن كان الخليفة بحال لو لم يدفعه يعلم الصبيان أيضًا؛ أجزأه، وإلا فلا، وكذا ما يدفع إلى الخدم من الرجال والنساء؛ الذين لم يستأجرهم في الأعياد وغيرها بنية الزكاة. كذا في الْمُجْتَبى (^٣)، وهذه المسائل تؤيد ما قاله شيخ الإسلام.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٨/ ٥٠٤)، وفتاوى قاضي خان (٣/ ٣١٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣١٤)، والمجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٤٥).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٤٥).
[ ٢ / ٥٧٧ ]