كِتَابُ الصَّلَاةِ
الصلاة ثالثة بالإيمان، وهي الأصل في هذا الكتاب، إلا أنه قدمت الطهارة لأنها شرطها.
ثم الصلاة فعلة من تحريك الصلوين لغة، وهما العظمان الناتئان عند العجيزة.
وشرعًا: الأفعال المعهودة، والأذكار المعلومة، فهي من الأسماء المُغيّرة شرعًا.
وقيل: إنها دعاء لغةً، قال الشاعر (^١):
وصَلَّى عَلَى دَنْها وارْتَسَمْ
فعلى هذا من الأسماء المنقولة شرعًا لوجود المعنى اللغوي مع زيادة فيها شرعًا، وفي النقل المعنى اللغوي مرعي، وفي التغيير يكون باقيًا، ولكنه زيد
_________________
(١) عجز بيت للأعشى صدره: وقابلها الريح في دنها … انظر: ديوان الأعشى في ديوانه (ص ٨٥)، ولسان العرب لابن منظور (١٢/ ٢٤٢)، ومقاييس اللغة لابن فارس (٣/ ٣٠٠)، وتهذيب اللغة للأزهري (٩/ ١٦٦) و(١٢/ ٢٣٧). قال ابن سيده: والرَّوْسَمُ كالرسم والرَّوْسَمُ خَشَبَةٌ فيها كتابٌ يُخْتَمُ به الطعامُ، والرَّوْسَمُ الطَّابِعُ، والشين لغة، وخصَّ بعضُهم به الطابع الذي يُطْبَعُ به رأسُ الخابية، وقد جاء في الشِّعرِ قُرْحَةً بِرَوْسَمِ أَي بِوَجْهِ الفَرَسِ، وإن عليه لَرَوْسَمًا أي علامة حُسْنٍ أو قُبْحٍ، قاله خالد بن جَبَلَة … وقال الأعشى: وقابَلَهَا الرِّيحُ في دَنْهَا … وصَلَّى على دَنْها وارْتَسَمْ قال أبو حنيفة: ارْتَسَمَ خَتَمَ إناءَها بالرُّوْسَمِ، وليس بقَوِيٌّ، ورَاسم اسم. المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٤٩٤).
[ ١ / ٤٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليها شيء آخر.
ثم ثبت فرضيتها بالكتاب والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي فرضًا موقتا، وأما فرضية الخمس بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآية، وهذه الآية قاطعة الدلالة على فرضية الخمس؛ لأنه تعالى فرض جمعًا من الصلوات، والصلاة الوسطى معها، وأقل جمع صحيح معه وسطي وهو الأربع دون الثلاث.
وما قيل إن اللام إذا دخل على الجمع يراد به الجنس لا يستقيم هاهنا؛ لأنه إنما يراد به الجنس إذا لم يكن ثمة معهود بقرينة، وهاهنا يرجع إلى المفروضات في الشرع، ولئن سلم حمله على الجنس فلا يمكن حمله على أقل الجنس هاهنا بالإجماع، ولا على كله أيضًا بالإجماع، فعلم أن المراد أقل الجمع، وأقل الجمع الذي تصح به الوسطى خمس، على أن عند أكثر أهل اللغة لا يصير للجنس بدخول اللام يبقى جمعًا عاما في أنواع الجموع، وهو اختيار صاحب الكشاف، والمفتاح، فحينئذ لا يرد الإشكال.
وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] أراد المغرب، والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] أراد به الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] الظهر، كذا في التفسير (^١).
وأما السنة: فقوله ﵇: «إنَّ اللهَ تعالى فرضَ عَلَى كُلِّ مُسْلم وَمُسِلمَةٍ في كلِّ يوم وليلة خمس صلوات» (^٢)، وأنه من جملة الأخبار المتواترة أو المشهورة، وقوله ﵇: «من حافظ على الصلواتِ الخَمْسِ في
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٨/ ٤٧٤)، وتفسير الزمخشري (٣/ ٤٧١).
(٢) أخرج البخاري (١/¬١٨، رقم ٤٦)، ومسلم (١/¬٤٠، رقم ١١) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، يُسمع دوي صوته، ولا يفقه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع».
[ ١ / ٤٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مواقيتها كان له عهد عند الله تعالى أن يغفر له يوم القيامة»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] (^١)، كذا في المبسوط (^٢).
وفي الروضة: سأل الفقيه أبو الليث ابن عينية فقال: لم وجبت الصلوات الخمس في الأوقات المختلفة؟ فقال ابن عينية: لأنه تعالى أظهر في كل وقت قدرة جديدة فأوجب على العبد خدمة جديدة، فعند الفجر يذهب بظلمة الليل ويحدث ضوء النهار، وعند الزوال يتم ضياء الشمس وتكثر حرارتها ليطبخ به الثمار، وعند العصر يقلل ذلك لئلا يفسد عليهم، وعند المغرب يذهب بنور النهار ويأتي بظلمة الليل، وعند العتمة يذهب بالشفق.
قال الفقيه: سألت أبا الفضل فقلت: لم كانت صلاة الفجر ركعتين، والظهر والعصر والعشاء أربعًا، والمغرب ثلاثا؟ فقال: الشرع، فقلت: زدني، فقال: لأن كل صلاة صلاها نبي، فصلى الفجر آدم ﵇ حين خرج من الجنة وأظلمت (^٣) عليه الدنيا وجن الليل، فلم يكن يرى قبل ذلك فخاف خوفًا شديدًا، فلما انشق الفجر صلى ركعتين شكرًا لله تعالى، الأولى شكرًا للنجاة من ظلمة الليل، والثانية شكرًا لرجوع النهار، فكان ذلك منه تطوعًا فأمرنا بذلك ليذهب عنا ظلمة المعاصي، وينور علينا نور الطاعات.
وأول من صلى بعد الزوال إبراهيم ﵇ حين أمر بذبح الولد وذلك عند الزوال، فالأول شكرًا لذهاب غم الولد، والثاني لمجيء الفداء، والثالث لرضى الله تعالى حتى نودي بأن قد صدقت الرؤيا، والرابع شكرًا لصبر ولده.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٢، رقم ١٤٢٠)، والنسائي (١/ ٢٣٠، رقم ٤٦١)، وابن ماجه (١/ ٤٤٩، رقم ١٤٠١)، وابن حبان (٥/¬٢٣، رقم ١٧٣٢)، وأحمد (٥/ ٣١٧) رقم (٢٢٧٥٦) من حديث عبادة بن الصامت ﵁. قال النووي: صحيح رواه مالك في "الموطأ"، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، وأحد إسنادي أبي داود على شرط الصحيحين. خلاصة الأحكام (٦٦١)، قال ابن الملقن: هذا الحديث صحيح. البدر المنير (٥/ ٣٨٩).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤١).
(٣) في الأصل والنسخة الثانية: (أظلم)، والمثبت من النسخة الثالثة.
[ ١ / ٤٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الذبح، وكان ذلك منه تطوعًا فأمرنا بذلك؛ لأنه وفقنا على إبليس كما وفقه بذبح الولد، وأنجينا من الغم كما أنجاه، وأفدينا من النار كما فداه، وأرضي عنا كما رضي عنه.
وأول من صلى العصر يونس ﵇ حين أنجاه الله من أربع ظلمات وقت العصر ظلمة الزلة وظلمة الليل وظلمة الماء وظلمة بطن الحوت شكرًا، وكان ذلك منه تطوعًا فأمرنا بذلك لينجينا الله تعالى من أربع ظلمات، ظلمة الذنب كما أنجاه من ظلمة الزلة وظلمة القيامة، وظلمة القبر، وظلمة جهنم.
وأول من صلى المغرب تطوعًا شكرًا عيسى ﵇ حين خاطبه الله تعالى: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وكان ذلك بعد غروب الشمس، فالأولى لنفي الإلوهية عن نفسه، والثانية لنفيها عن والدته، والثالثة لإثباتها الله تعالى، فأمرنا بذلك ليهون علينا الحساب يوم القيامة، وينجينا من النار، ويؤمنا من الفزع الأكبر.
وأول من صلى العشاء موسى ﵇ حين خرج من المدائن وضل الطريق، وكان في غم المرأة وغم أخيه هارون، وغم عدوه فرعون، وغم أولاده، فلما أنجاه الله تعالى من ذلك كله ونودي من شاطئ الوادي صلى أربعًا شكرًا تطوعًا، فأمرنا بذلك ليهدينا كما هداه، ويكفينا كما كفاه، ويجمع بيننا وبين الأنبياء كما جمع بينه وبين أولاده وأخيه، ويعطينا الظفر على عدونا كما أعطاه، فلذلك كانت خمس صلوات في الأوقات المختلفة.
وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على فرضية الصلوات الخمس، وأعداد ركعاتها، عرف ذلك بالتواتر، ولهذا من تركها مستحلا يكفر بالإجماع، ولو تركها كسلا مع اعتقاد وجوبها يحبس حتى يصلي لو أصر على تركها عندنا.
وعن مولانا حميد الدين أنه يحكى عن المحبوبي: يضرب ضربًا شديدًا حتى يسيل الدم منه، كذا في المستصفى.
[ ١ / ٤٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعند الشافعي (^١)، ومالك (^٢): يقتل، وقال المزني: يضرب ولا يقتل (^٣)، وقال أحمد: يكفر تاركها (^٤)، وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لظاهر قوله ﵇: «من ترك الصلاة عمدًا فقد كَفَرَ» (^٥).
ثم هل تجب استتابته؟ عند الشافعي فيه قولان، ثم تضرب عنقه.
واختلف أصحابه في الوقت الذي يقتل فيه، قال الإِصْطَخْرِي: يقتل إذا خاف فوت الصلاة الرابعة، وقال علي بن أبي هريرة: يقتل إذا ضاق وقت الصلاة الأولى، وهو ظاهر كلام الشافعي، وقال أبو إسحاق: يقتل إذا خاف فوت وقت الصلاة الثانية (^٦).
وفي شرح المجمع: للشافعي في تارك الصلاة قولان:
أحدهما: أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل حدا، وفي القديم قتل كفرًا لقوله ﵇: «من ترك الصلاة عمدًا فقد كفر» (^٧)، ووجه الأول أن الصلاة دعائم الإسلام لا يدخلها النيابة بنفس، أو مال فيقتل بتركها كالشهادتين، وإنما يقتل بعد أن يؤمر بالقضاء، ويقال له: هذا عمل لا يعمله غيرك، فإن صليت وإلا استتبناك، فإن تبت وإلا قتلناك، فإن امتنع عن قضائها قتل.
قال بعض أصحاب الشافعي: وفيه إشكال؛ فإن القضاء لا يجب على الفور عندهم على الأصح فلا يوجب تركه القتل، والصحيح أن يقتل بترك الصلاة الرابعة، لأن ما دون ذلك لا يعلم أن تركه للتهاون.
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٩١)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٥٢٥).
(٢) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٤٧٥)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٨٢).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٥٢٥)، والمجموع للنووي (٣/¬١٤).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٢٩)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٠١).
(٥) أخرجه الترمذي (٤/ ٣١٠، رقم ٢٦٢١)، والنسائي (١/ ٢٣١، رقم ٤٦٣)، وابن حبان (٤/ ٣٠٥، رقم ١٤٥٤)، وأحمد (٥/ ٣٤٦) رقم (٢٢٩٨٧)، والحاكم (١/¬٦، رقم ١١) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
(٦) انظر: حلية العلماء للشاشي (٢/¬١٢)، وروضة الطالبين للنووي (٢/ ١٤٦).
(٧) تقدم تخريجه في المتن.
[ ١ / ٤٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: يقتل بترك الصلاة الثانية إلا إذا صار الترك عادة له.
ولنا: قوله ﵇: «لا يحلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثة معان: كُفْرٌ بعد الإيمان، وزنًا بعد الإحصان، وقتل نفس بغير حَقٌّ» (^١)، وهذا مؤمن لأنه مصدق بقلبه ولسانه، وما رواه محمول على الترك عن جحود؛ فإنه حينئذ يصير مرتدًا فيقتل إن لم يتب.
وفي المستصفى: وما رواه متروك الظاهر؛ فإنه لا يكفر بالإجماع، ويجعل السبب مجازا عن حكمه وهو القتل.
وقلنا: يعمل بحقيقته ويدرج فيه الجحود، أو نحمله على كفران النعمة، وتخصيص الصلاة للتعظيم، أو يقال: معناه ليس هذا من أعمال المسلم لقوله ﵇: «مَنْ أتى امرأة حائضًا فَقَد كَفَر بما أُنْزِلَ عَلَى مُحَمّدٍ» (^٢).
ثم الصلوات قسمان: لازمة كالخمس والجمعة، والعيدين.
وعارضة: كصلاة الجنازة، والكسوف والاستسقاء ونحوها.
واللازمة تلزم بأوقاتها، ووقت بعضها يتكرر في سنة مرة، وبعضها في الجمعة مرة، وبعضها في كل يوم خمسًا، فكان معرفة الأوقات أهم معالم الصلوات، ولأن الوقت سبب، والسبب مقدم على المسبب فلهذا بدأ المصنف ببيان المواقيت فقال:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/¬٥، رقم ٦٨٧٨)، ومسلم (٣/ ١٣٠٢، رقم ١٦٧٦) من ابن مسعود ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود (٤/¬١٥، رقم ٣٩٠٤)، والترمذي (١/ ١٩٩، رقم ١٣٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠١، رقم ٨٩٦٧)، وابن ماجه (١/ ٢٠٩، رقم ٦٣٩) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: ضعف محمد - أي البخاري - هذا الحديث من قبل إسناده، وقال أيضًا: سألت محمدا عن هذا الحديث؟ فلم يعرفه إلا من هذا الوجه، وضعف هذا الحديث جدا. العلل الكبير (٤٩). وقال ابن حجر: قال الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم، وقال البخاري: لا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة، وقال البزار: هذا حديث منكر، وحكيم لا يحتج به، وما انفرد به فليس بشيء. تلخيص الحبير (٣/ ٣٨٨).
[ ١ / ٤٧٦ ]