[كِتَابُ الطَّهَارَاتِ]
الكتاب من كتب إذا جمع وأراد هنا المكتوب مجازًا.
والطهارة لغة: النظافة. وشرعًا: نظافة الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس.
ويجوز جمع المصدر وتثنيته إذا كان في آخره تاء التأنيث، وهناك تاء التأنيث للمرة، ولأن المصدر يُؤَوّل بالحاصل به فيجمع كالبيوع والعلوم، وإنما لقبه بالكتاب دون الباب لما فيه من أنواع الطهارة، وإنما لم يقل كتاب الطهارة كما قال كتاب الصلاة أو الصوم أو الحج؛ لاختلاف أنواع الطهارة حقيقة من الطهارة الصغرى أو الكبرى وعن الحدث والجنابة والبدن والثوب والحيض والنفاس بالماء والتراب.
وصلاة الجنازة ليست بصلاة حقيقية حتى لو حلف لا يصلي فصلى على جنازة لم يحنث لما عُرف في الجامع أن الصلاة عبارة عن القيام والقراءة والركوع والسجود، وأما مواضع الضرورة كصلاة الأمِّي والمومئ فمستثناة عن القواعد، وإنما بدأ بالآية وإن كان من حق الدليل أن يؤخر عن المدلول تبرّكًا وإيذانًا بأن الوضوء من الأحكام المنقولة دون المعقولة لما فيه من غسل الظاهر حقيقةً دون مخرج النجس أو تمهيد للأصل وتبينا له لما أن الأصل في الأحكام الأصول الثلاثة، والفرع بعد ثبوت الأصل طبعًا ووضعا، ولهذا ذكر محمد في الجامع الكبير الأصل في كل باب ثم فرع عليه المسائل.
واعلم أن العاقل خلق لاكتساب السعادات الأبدية وذلك بالعلم والعمل والعلم أهمهما لاستقلاله في إفادة السعادة في بعض الأحوال.
[ ١ / ٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم العلوم قسمان: ما يتعلق بالإلهيات، وهي غنية عن التعليم لإدراك علمه بالعقل، وما يتعلق بالشرعيات فإنه معلوم بلسان صاحب الشرع، محتاج إلى التدريس والتفهيم، ثم الشرعيات عيادات وغيرها كالمعاملات والجنايات وعلوم العبادات أهمها لأنها معظم المقصود من بعثة الأنبياء والرسل، ولأنها هي الغرض من فطرة الثقلين، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ثم العبادات أنواع: منها ما يجب في العمر مرة كالحج، ومنها ما يجب في السنة مرة كالزكاة والصوم، ومنها ما يجب في كل يوم خمس مرات كالصلاة فكانت أهمها ولأنها أقوى أركان الدين بعد الإيمان، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٥]، وقال ﵇: «الصلاة عماد الدين» (^١). وقال ﵇: «الصلاة تالية للإيمان» وهي من أعلا معالم الدين، ما خلت شريعة منها، قال شمس الأئمة ناقلا عن أستاذه شمس الأئمة الحلواني يقول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]؛ لأني ذكرتها في كل كتاب منزل على نبي، ولهذا صرف جمهور العلماء أولا وآخرا عنايتهم إلى تدوين الفقه وتقديم العبادات على سائر العبادات وتقديم الصلاة على سائر العبادات، ثم للصلاة أركان وشروط مقدم طبعا فكذا وضعا.
وخص الطهارة بالبداية دون سائر الشروط لأنها أهم وألزم ولا تسقط بعذر من الأعذار بخلاف الباقي، وقد استقصى الله تعالى في بيانها ما لم يستقص في بيان غيرها من الشروط وثبت فريضتها بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فما تلا من الآية، وأما السنة فما روي أنه ﵇ قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل … وجهه ثم يغسل
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٨٠٧). قال ابن حجر: قال النووي في التنقيح: هو منكر باطل، قلت: وليس كذلك بل رواه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة عن حبيب بن سليم … ..، وهو مرسل رجاله ثقات. التلخيص الحبير (١/ ١٧٣).
[ ١ / ٤٦ ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية.
ذراعيه ثم يمسح برأسِهِ ثم يغسِلُ رِجليهِ» (^١)، وبالإجماع وهو ظاهر.
قيل: في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٦] صنعة الألقاب لأن آمنوا مغايبة وقمتم مخاطبة وهذا ليس صحيحًا لأنّ (آمنوا) صلة الدين والموصولات غيب فالضمير الراجع من الصلة إليه لا يكون إلا غائبًا. ثم إنه وقع صفة لأي وهو يوصف بما فيه اللام كقولك: يا أيها الرجل، وهو في حكم الخطاب لأنه منادى فيوجب أن يكون ما بعده خطابًا فكان قوله قمتم بالخطاب واقعًا في محله، ومخرجًا على مقتضى ظاهره، فلا يكون من الالتفات، إليه أشير في عامة الشروح؛ وفي بعض الشروح اختلاف الضمير في آمَنُوا وقُمْتُمْ من باب الالتفات لا من حق المنادى يكون مخاطبا أن يعبر عنه بالضمير فيقول: يا إياك ويا أنت، إذ مقتضى الحال فيه أن يعبر عنه بضميره، لكن لما كان النداء لمطلب الإقبال ليخاطب بعده بالمقصود، والمنادى ذاهل عن كونه مخاطبًا نزل منزلة الغائب فعبر عنه بالمظهر الذي هو للغائب ليكون أقصى لحق البيان، فقيل: يا زيد ثم عدل عنه إلى الخطاب بعد تمام الاستحضار. فقيل: أنت كريم قضاء لمقتضى الحال، فقوله: أي بمنزلة (يا زيد) غير أنه مبهم يحتاج إلى التوضيح بالوصف فوصف بالدين وهو موصول لابد له من صلة وعائد على وفقه في الغيبة فجيئ بضمير الغائب في آمَنُوا ثم لما تم النداء واستحضر المنادى أتى بضمير المخاطب بقوله: ﴿قُمْتُمْ﴾.
قال شيخي ﵀: لا يصح أن يكون التفاتًا بهذا الوجه أيضًا لأنه من إخراج أقسام الكلام لا على مقتضى الظاهر فلابد له من ظاهر لو لم يلتفت
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٢٦) رقم (٨٥٧) واللفظ له من حديث رفاعة بن رافع ﵁. وأخرجه أبو داود (١/ ٢٢٧ رقم ٨٥٨)، والترمذي (١/ ٣٩١) رقم (٣٠٢)، وابن ماجه (١/ ١٥٦ رقم ٤٦٠)، والنسائي (٢/ ٢٢٥ رقم ١١٣٦)، والحاكم (١/ ٢٤١ رقم ٨٨١) بلفظ: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ﷿ …». قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
[ ١ / ٤٧ ]
(فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ الأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ) بِهَذَا النَّصُ، وَالغَسْلُ
لأمكن إخراجه على مقتضاه كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] فإنه لولاه لقيل: إياه نعبد لاقتضى الظاهر ذلك.
وهاهنا ليس للكلام ظاهر يقتضي خلاف ما ذكر إذ لم يصح لغة أن يقال: يا إياك، أو يا أنت افعل كذا، بل طريقه ليس إلا إيراد المظهر وبناء الخطاب عليه، فلم يكن من الالتفات.
ثم (إذا) للوقت ولازم الظرفية بخلاف الوقت وفيها معنى الشرط فلذا دخل الفاء في جوابه، قال العلامة الكردري: ذكر في الوضوء بكلمة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، وفي الجنابة بكلمة: (إن)، في قوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦] لأن (إذا) تدخل على أمر كائن أو منتظر لا محالة كقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُورَتْ﴾ [التكوير: ١] و(إن) تدخل على معدوم على حظر الوجود، والقيام إلى الصلاة من الأمور اللازمة بالنظر إلى إسلامه، وأما الجنابة من الأمور العارضة بالنظر إليه.
وقيل: إنما قال: (آمنوا) دون (آمنتم) ليدخل تحته كل من آمن إلى يوم القيامة، و(آمنتم) يختص بمن في عصر النبي ﷺ.
وقيل: (آمنوا) خطاب أيضًا لأنه منادى ودخل الغائبون تحته بالدلالة أو للإجماع لا بالقياس.
والمراد بـ (قمتم) أردتم القيام تسمية لاسم المسبب على السبب كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] أي: أردت قراءته فاستعذ، وكقول محمد ﵀ في الجامع: إذا صلى الرجل إي: أراد الصلاة. وكقول الناس: إذا دخلت على الأمير فتزين، أي: أردت الدخول.
وفي الكشاف: معنى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى﴾ قصدتموها، يقال: قام إلى كذا، أي: قصده (^١)، ثم ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وعليه أهل الظاهر وداود الأصبهاني (^٢)، لأنه ﵇ والخلفاء الراشدين توضؤوا
_________________
(١) تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري (١/ ٦٠٩).
(٢) انظر: المحلى بالآثار لابن حزم (١/ ٩٢).
[ ١ / ٤٨ ]
هُوَ الإِسَالَةُ، وَالمَسْحُ هُوَ الإِصَابَةُ. وَحَدُّ الوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إِلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ
عند كل صلاة.
قلنا: هذا خطاب للمحدثين رواه أبو بريدة عن النبي ﷺ، وعن ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وعبيدة وأبي موسى وجابر وابن المسيب وإبراهيم والضحاك والحسن والسدي مثله، وعليه إجماع التابعين والفقهاء لما روي أنه ﵇ صلى الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، فقال عمر: رأيتك يومًا تفعل شيئًا لم تكن تفعله من قبل، فقال: «عَمْدًا فَعَلْتُ يَا عُمَرُ كَيْ لَا تُحْرَجُوا» (^١). ولقوله ﵇: «لَا وُضُوءَ إِلَّا عَنْ حَدَثٍ» (^٢).
وقوى مذهبهم أن من جلس يتوضأ ثم قام إلى الصلاة يلزمه وضوءًا آخر فلا يزال كذلك مشغولًا بالوضوء لا يتفرغ للصلاة وفساده ظاهر، كذا في المبسوط (^٣).
فإن قيل: هذه زيادة على الكتاب بخبر الواحد؟
قلنا: من ظاهره يلزم الحرج على ما ذكرنا، وقد نفاه الشارع بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وحججه لا تتناقض فكانت الزيادة بذلك النص وخبر الواحد موافقًا له، أو نقول: اشتراط الحدث لوجوب الوضوء بدلالة النص وصيغته مذكور في أصول فخر الإسلام في باب بيان المقالة الثانية.
وقد ذكرنا الوجوه والإيجاب فيه في شرحه في بيان الوصول وما تعلق به أهل الظاهر من وضوء النبي ﷺ والخلفاء عند كل صلاة محمول على الندب لما رويناه.
وقيل: ذكر الحدث في الجنابة بقوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا﴾ ولم يذكره في
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٣٢ رقم ٢٧٧) من حديث بريدة ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (١٥/ ١٨٠ رقم ٩٣١٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه الترمذي (١/ ١٣٠ رقم ٧٤)، وابن ماجه (١/ ١٧٢ رقم ٥١٥)، وابن خزيمة (١/¬١٨ رقم ٢٧) بلفظ: «لَا وُضوءَ إِلَّا من صوت أو ريح». وصححه الترمذي، وصححه كذلك البيهقي، وابن الصلاح، وابن دقيق العيد، وابن الملقن، انظر: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير (٢/ ٤١٩).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٨).
[ ١ / ٤٩ ]
وَإِلَى شَحْمَتَي الأُذُنِ؛ لِأَنَّ المُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، وَهُوَ مُشْتَقٌ مِنهَا … ..
الوضوء، ولم يقل: وإن كنتم محدثون ليعلم أن الوضوء بطريقين: فرض وسنة، إذ الوضوء عند كل صلاة سنة.
أما الغسل عن الجنابة ليست بسنة بل فرض دائمًا (^١)، قال الكاثي: فيه نظر؛ لأن قولهم: وسَنَّ رسول الله ﷺ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ (^٢) … إلى آخره يهدم ما ذكره، وفي نظره نوع تأمل.
ثم ذكر المرافق في الآية بلفظ الجمع والكعبين بلفظ التثنية؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد استعمالًا وعرفًا كما يقال: ركب القوم دوابهم، ولكل يد مرفق واحد فصحت المقابلة.
ولو قيل: إلى الكعاب فهم منه أن الواجب بإزاء كل رجل كعب واحد فذكر بلفظ التثنية ليتناول الكعبين.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجب على كل مكلف غسل يد ورجل واحد بقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لأن فيه المقابلة أيضًا.
قلنا: يجوز أن تثبت غسل اليد الأخرى بدلالة النص ويجوز أن يكون الجمع مقابلا بالفرد كما قال زُفر، وأن تكون المقابلة تقتضي الانقسام كما قلنا، فقلنا بوجوب غسلهما احتياطًا.
أو نقول: الأصل ما ذكرنا لكن تخلف الحكم عنه بدليل خارجي وهو فعله ﵊ والإجماع، وتخلف الحكم عنه في صورة بدليل لا يمنع التمسك به كذا في [الخبازية] (^٣).
وقيل: في الآية صنعة المطابقة فإن قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ جمع الكثرة ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ جمع القلة و﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [جمع] (^٤) الكثرة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ جمع القلة.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٤٤)، والنتف في الفتاوى لأبي الحسن السعدي (١/¬٢٩).
(٢) انظر: بداية المبتدي في فقه الإمام أبي حنيفة (ص ٤)، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/¬٢٤).
(٣) طمست الكلمة من الأصل، وأثبتناها من النسخة الثانية.
(٤) طمست الكلمة من الأصل، وأثبتناها من النسخة الثانية.
[ ١ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] وفي نظائره كثرة.
وقوله: [الآية] (^١) بإعراب ثلاثة وتأويلها: اقرأ الآية أو أتمها، والآية إلى آخرها وإلى آخر الآية.
والفاء في ففرض في التفسير كما في آية التيمم بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] لأن التيمم مجمل وهاهنا الأمر يحتمل الوجوب والندب ففسره بالوجوب.
وقيل: الفاء لبيان النتيجة.
والفرض لغة: التقدير والقطع.
وشرعًا: حكم مقدر لا يحتمل [الزيادة] (^٢) والنقصان، ثبت بدليل لا شبهة فيه وهو بمعنى المفروض هاهنا، والإضافة بمعنى في أي فروض في الطهارة فيكون للبيان، ثم قيد به الأعضاء الثلاثة وهي أكثر منها حقيقة كاليد مثلا فإنها تشمل على أعضاء كثيرة إلا أن الأشياء الكثيرة إذا دخلت تحت خطاب واحد يجعل كالشيء الواحد كما قال تعالى لرسوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] ومعلوم أن الرسول بلغ البعض قبل ورود الآية، وقد خاطبه في قوله: ﴿فَمَا بَلَغْتَ﴾ أي: لو تركت جزءًا مما أنزل إليك فكأنك لم تبلغ، فإذا أدخل النقص في بعضه فكأنه لم يفعل ذلك الأمر أصلا، كذا نقل عن العلامة الكردري، وعلى هذا الأصل قال محمد ﵀ في الزيادات الجمع بين غسل القدم والمسح لا يجوز لأن الرجلين في حكم وجوب الغسل كعضو واحد لأنه تعالى جمعهما في الأمر بالغسل، فعلى هذا ينبغي أن يجوز نقل البلة من يد إلى الأخرى، ورجل إلى رجل أخرى كما في الغسل يجوز لأن البدن في حكم شيء واحد لدخوله تحت خطاب واحد وهو قوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ لكن لا يجوز نقل البلة من يد أو رجل إلى أخرى؛ لأن
_________________
(١) طمست الكلمة من الأصل، وأثبتناها من النسخة الثانية.
(٢) طمست الكلمة من الأصل، وأثبتناها من النسخة الثانية.
[ ١ / ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليدين والرجلين شيئان حقيقةً، وشيء واحد حكمًا، فعلمنا بالشبه الأول في النقل، وبالشبه الثاني فيما ذكرنا، ولم نعمل على العكس بدلالة العادة فإنها جارية في نقل البلة في الغسل دون الوضوء، كذا قيل (^١).
وقيل: في حكمة غسل هذه الأعضاء وجوه:
أحدها: أنه تعالى أمرهم بالقيام إلى الصلاة وهي مقام المناجاة ومحل القرب، فأمرهم بتطهير هذه الأعضاء الرئيسية.
والثاني: أنه تعالى أمر بغسلها تكفيرًا لما ارتكبوا بها من الأجرام لما أن ارتكاب الأجرام باليد والرجل والرأس محل الحواس الخمس، وقد ورد في الخبر أن الوضوء مكفر.
والثالث: أن العبد إذا شرع في الخدمة يجب أن يجدد نظافة، وأيسرها تنقية الأعضاء التي تنكشف كثيرًا ليحصل بها نظافة القلب؛ إذ تنظيف الظاهر يوجب تنظيف الباطن كما ورد في الخبر: «مَنْ أَصْلَحَ بَرَّانِيَّه …» (^٢) الحديث.
والرابع: إن هذه الأعضاء وسائل إلى استيفاء النعمة العظمى إذ باليد يحصل القبض والتناول، وبالرجل المشي والوصول إلى المقصود، والوجه والرأس محلّان لجميع الحواس وبها يعرف عظم نعمه تعالى، وأمر بغسل هذه الأعضاء شكرا لما يتوسل بها إلى النعم. ثم وظيفة الرجلين الغسيل عند عامة أهل القبلة، وعند الروافض المسح على ظاهر القدم والأصابع إلى الكعبين، والغسل غير جائز لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ لأنه قرئ بقراءتين، فقرأ نافع وابن عامر، والكسائي، وحفص، وأبو بكر، والمفضل، والأعشى
_________________
(١) انظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/¬٩)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/¬٤٩).
(٢) أخرج أبو داود في الزهد (رقم ٢٥٩)، وابن المبارك في الزهد (٢/¬١٧) عن سلمان قال: إن لكل امرئ جوانيًا وبرانيًا، فمن يصلح جوانيه يصلح برّانِيَّه، ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه. موقوفا وروي عن علي ﵁ أنه قال: لكل شيء جُوانِيّ وبَرّانِيّ فمن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه ذكره المتقي في كنز العمال (٣/ ٦٧٥ رقم ٨٤٢٩).
[ ١ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالنصب، والباقون بالجر (^١)، فالجر يدل على أنه معطوف على الرأس وهو ممسوح، وكذا النصب لعطفه على محل الرأس ومحله النصب والجر لدخول حرف الجر فيه، كما في قول الشاعر:
مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ … فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولا الحَديدا (^٢)
وهذا أولى من عطفه على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ لعدم الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه ولا اعتماد على الأحاديث المروية في غسل الرجلين لأنها أحاد فلا يترك ظاهر الكتاب بها، وللعامة الأخبار المتواترة في غسل النبي والصحابة أرجلهم ومداومتهم على ذلك وما نقل من المسح لم يثبت إلا شاذًا بجهات ضعيفة فلا يعارض الأخبار المتواترة.
فإن قيل: يجوز الغسل بالأخبار والمسح أفضل لظاهر الكتاب.
قلنا: ذلك يؤدي إلى أنه ﵇ داوم على ترك الأفضل وذلك لا يجوز.
فإن قيل: كلاهما يجوز والغسل أفضل لما فيه جمع بين الأمرين إذ الغسل مستلزم للمسح.
قلنا: لا وجه له؛ لأن العضو الذي فرض مسحه لا يكون غسله أفضل، وفيه تأمل، ولأن قراءة النصب تدل على أنها معطوفة على الأيدي لفظًا ومعنى، وهو أولى من جعلها معطوفة على المحل لأنه بمنزلة المجاز.
وفيه عمل بالنص من كل وجه أيضًا. فإن المسح بعض الغسل فكان الحمل
_________________
(١) انظر: كتاب السبعة في القراءات لأبي بكر بن مجاهد (ص ٢٤٢)، والتيسير في القراءات السبع للداني (ص ٩٨).
(٢) البيت من الوافر، وهو لعقبة أو لعقيبة الأسدي في خزانة الأدب (٢/ ٢٦٠)، وسرّ صناعة الإعراب (١/ ١٣١)، وشرح أبيات سيبويه (١/ ٣٠٠)، وشرح شواهد المغني (٢/ ٨٧٠)، والكتاب (١/ ٦٧). اللغة: مُعاوي: ترخيم معاوية. أسجح: اعْفُ، والإسجاح: حسن العفو. المعنى: أعفُ عنا يا معاوية واصفح، فلسنا جبالا ولا حديدًا، بل نحن بشر نحب ونكره ونحسن ونخطئ. والشاهد فيه قوله: " فلسنا" بالجبال ولا الحديدا " حيث عطف " الحديدا " على محل الجار والمجرور " بالجبال " إذ هو خبر " ليس "، والباء زائدة فيه.
[ ١ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه أولى، ولأن التطهير هو المقصود من الوضوء لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦] والغسل هو المطهر حقيقة وحكمًا فكان العمل به أولى.
وفي الإيضاح: العطف على المحل إنما يجوز عند عدم الالتباس كما في الشعر المذكور، فأما عند الالتباس فلا (^١). فلو قلت: مررت بزيد وبكرًا يجوز لأن بزيد منصوب محلًا. ولو قلت: [ضربت زيدًا] (^٢)، ومررت بعمرو وبكرًا، وأردت عطفه على الثاني محلًا لا يجوز؛ لأنه يلتبس أنه مضروب أو ممرور به، وفيما نحن فيه كذلك فيكون معطوفًا على الأيدي إلا أنها انجرّت بالجوار كما في قولهم: (جُحرُ ضَبِّ خرب) و(ماء شَرٌّ بارد) وكما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] فإن المشركين عطف على الذين كفروا عند أهل الكوفة وانجرّ بالجوار. وكما في قول زهير:
لَعِبَ الرِّيَاحُ بها وبِغَيرهَا … بَعْدِي سَوَافِي المُور والقَطْرِ (^٣)
فإن القطر انجر بالجوار مع أنه معطوف على السوافي، ولئن سلمنا أنه معطوف محلا فذلك دليلنا أيضًا فإن سيبويه ومتابعيه من محققي أهل النحو قالوا أنها معطوفة على الرؤوس على القراءتين، أما قراءة الجر فظاهر، وأما قراءة النصب فمعطوف على المحل (^٤).
والمسح يتعدى بنفسه باعتبار المعنى والعطف على المحل من الفصاحة إلا أنه أريد بالمسح الغسل في حق الرجل للمشاكلة وهي أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠]. وكقول الشاعر (^٥):
اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ … فقُلْتُ اطبخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٨).
(٢) وقع طمس بالأصل، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) البيت من الكامل، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٨٧؛ والإنصاف ٢/ ٦٠٣؛ وخزانة الأدب ٤٤٣٩؛ وشرح شواهد الشافية ص ٢٥٣؛ وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب ص ٣١٩.
(٤) انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٣٠٤، ٤/ ١٠٢).
(٥) البيت من الطويل، وهو لأبي الرقعمق أحمد بن محمد الأنطاكي.
[ ١ / ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وللتقارب بين الفعلين إذ كل منهما إمساس العضو بالماء ولا يلزم منه الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لأن الغسل أزيد بالمسح المقدر والدال عليه الواو في قوله وأرجلكم، ويجوز أن يكون: وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم فإن الشيء قد يعطف على الشيء وإن اختلف معناهما كقول الشاعر (^١):
عَلَفْتُها تِبْنَا وَمَاءَ بِارِدًا
أي: سقيتها ماء باردًا إذ الماء لا يعلف، فلما احتملت قراءة النصب العطف على ما تقدم وهو ما لا يحتمل إلا الغسل واحتملت العطف على الرؤوس وهو يحتمل الغسل بوجهين، والمسح بوجه واحد وجب الحمل على
_________________
(١) يروى أنه قال: كان لي إخوان أربعة وكنت أنادمهم أيام الأستاذ كافور الأخشيدي، فجاءني رسولهم في يوم بارد وليست لي كسوة تحصنني من البرد فقال: إخوانك يقرئون عليك السلام ويقولون لك قد اصطبحنا اليوم وذبحنا شاة سمينة فَاشْتَهِ علينا ما نطبخ لك منها، قال: فكتبت إليهم: إخواننا قصدوا الصبوح بسخرة … فأتى رسولُهُمُ إلي خصوصا قالوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِد لَكَ طَبْخَهُ … قلت: اطبخوا لي جُبَةً وقميصا قال: فذهب الرسول بالرقعة فما شعرت حتى عاد ومعه أربع خلع وأربع صرر في كل صرة عشرة دنانير فلبست إحدى الخلع وصرت إليهم. انظر: حاشية الدسوقي (٤/ ٣٠٩)، وشروح والكليات (١/ ١٣٥٨)، وزهر الأكم (١/ ٨١)، ومفتاح العلوم (١/ ١٨٤)، والإيضاح في علوم البلاغة (١/ ٣٢٧)، وخزانة الأدب (٢/ ٢٥٣).
(٢) الرجز بلا نسبة في الأشباه والنظائر (٢/ ١٠٨، ٧/ ٢٣٣)، والخصائص (٢/ ٤٣١)، والدرر (٦/ ٧٩)، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص) (١١٤٧)، وشرح شواهد المغني ١/ ٥٨، ٢/ ٩٢٩؛ وشرح ابن عقيل (ص ٣٠٥)، ولسان العرب ٢/ ٢٨٧ (زجج)، ٣/ ٣٦٨ (قلد)، ٩/ ٢٥٥ (علف)؛ ومغني اللبيب (٢/ ٦٣٢)، والمقاصد النحوية (٣/ ١٠١)، وهمع الهوامع (٢/ ١٣٠). اللغة: علف: أطعم. التبن: ما قطع من السنابل وسوقها بعد الدرس. المعنى: إنّه علف دابته تبنا، وسقاها ماء باردا. والشاهد فيه قوله: " وماء" حيث لا يصح أن يكون مفعولًا للفعل " علفتها " "، لأنه لا يصح أن يشترك مع لفظة "التبن" بعامل واحد، وهو قوله: " علفتها "، لأن الماء لا يُعلف، وإنما يُسقى، فلا بدّ من تقدير عامل، والتقدير: "سقيتها ". وقيل: "الماء " مفعول معه. وقيل إنه معطوف على "تبنا " لأن الشاعر ضمن الفعل " علفتها " معنى الفعل "أنلتها "، أو " قدمت لها ".
[ ١ / ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغسل بدليل أنه غيًا الواجب إلى الكعبين والمسح غير مغيّا بالإجماع لكن هذا الإجماع ممنوع عندهم لما نقلنا من مذهبهم. والقراءة بالجر لما احتملت الغسل والمسح وجب حملها على الغسل أيضًا دفعًا للاختلاف بين القراءة، وجمعا بين الأدلة من الكتاب والسنة المتواترة وموافقةً للجماعة وتحصيلا للطهارة وفيه خروج عن عهدة التكليف بيقين لأن في الغسل يوجد المسح.
وفائدة إقامة المسح مقام الغسل التحرز عن الأمر المكروه وهو للإسراف فإن الرجل مظنة الإسراف عادة فعطف على الممسوح لا ليمسح بل ليبنيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء.
وفائدة إدخال الممسوح بين المغسولات مع أن المناسبة تقتضي ذكر المغسولات ثم الممسوح أو على العكس للإشارة إلى افتراض هذه الهيئة أو ابتدائها ولولا ذلك لترك الكتاب على الترتيب الفطري وهو التنازل من الرأس إلى الرجل والتصاعد منها إليه لأنه ألصق بالطبائع.
وفي الكشاف: للرجل حالتان مكشوفة ومستورة بالخف فيغسل المكشوفة ويمسح المستورة عملا بالدليلين وهذا ضعيف؛ لأن المسح غير مغيًّا (^١).
وفي شرح المجمع: وفيه نظر؛ لأن الماسح على الخف لا يكون ماسحًا على الرجل حقيقة ولا شرعًا أما حقيقة فظاهر، وأما شرعًا فلأن الخف جعل مانعًا سراية الحدث إلى القدم فتبقي القدم على طهارتها وما حل بالخف يزيله المسح، فعلى هذا لا يكون مسحًا على الرجل لكونها طاهرة، والمشهور حمل قراءة الجر على الجواز في الإعراب مع اختلاف الحكم (^٢).
وقد جعل النحاة للجواز بابًا وأصلوه بقولهم: (جحر ضب خرب) حتى اختلفوا في جواز إجزاء التثنية والجمع بالجواز فأجازه جماعة من الحذاق قياسًا على المفرد ولو كان لا وجه له في القياس لاقتصروا على المسموع.
_________________
(١) انظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري (١/ ٦٠٩).
(٢) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجم (١/ ١٧٣).
[ ١ / ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن الشعبي: نزل القرآن بالمسح فيه والغسل سنة، وعن الحسن البصري أنه جمع بينهما، وعنه وعن محمد بن جرير الطبري التخيّر بينهما، وعن داود وجوب الجمع احتياطًا بهذا النص أي ثبتت فرضية الطهارة أو المسح بهذا النص وإنما قال ذلك لئلا يتوهم أن فرضية المسح بالحديث، وإنما فسر المسح والغسل لأن الفاء في (ففرض) للتفسير، وفي الآية ذكرهما أي فسرهما تتميمًا للبيان أو فيه إشارة إلى رد قول الشافعي حيث شرط في المسح التثليث بمياه مختلفة.
وأما قول المشايخ: (جهادا يدام اشستن) بطريق التغليب أو لأن الأصل في الرأس الغسل والمسح للضرورة، وفي المبسوط عن أبي حنيفة لو سال الماء على الأعضاء بلا تقاطر يجزؤه لأن الإسالة تحصل به وإن لم يتقاطر، وقال: لا يصح الغسل إلا أن يسيل الماء إلى حد التقاطر لأن الماء قبله إما إصابة أو متردد بين الإصابة والإسالة فلا يحصل اليقين بالغسل. وقصاص الشعر بفتح القاف وضمها منتهاه وغايته كذا في الديوان مشتق منها أي من المواجهة.
فإن قيل: الثلاثي لا يشتق من المنشعبة لتقدم رتبة الثلاثي؟
قلنا: أراد بالاشتقاق انتظام صيغتين فصاعدا معنى واحدًا مع أنه ذكر في " الفائق " و" الكشاف" اشتقاق الثلاثي من المنشعبة، فقال: الدُّبْرُ النحل مشتق من التدبير لأن أمره على النيقة.
وفي " الكشاف": الميم من التيمم لأن الناس يقصدونه للاستقاء (^١)، وإنما ذكر الاشتقاق ولإيضاح معناه لا أن المنشعبة أصل له.
ثم العين غير داخل في غسل الوجه لما في إيصال الماء إليها حرج لأنه شحم لا يقبل الماء ومن تكلف من الصحابة فيه كف بصره في آخر عمره كابن عباس وابن عمر، كذا في المبسوط (^٢).
والبياض الذي بين العذار والأذن لا يجب غسله بعد النبات عند أبي
_________________
(١) انظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري (٢/ ١٤٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬٦).
[ ١ / ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يوسف لأن المواجهة لا تقع به بعد النبات (^١)، وعند مالك لا يجب غسله قبل النبات أيضًا لأن حد الوجه بالعذار غالبًا (^٢). وعند أبي حنيفة ومحمد، والشافعي (^٣)، وأحمد (^٤) يجب غسله لدخوله تحت النص كما يجب قبل النبات.
وما تحت العذار سقط غسله للحائل وكذا ما استتر من الوجه لشعر اللحية، وعند الزهري الأذنان من الوجه لأنه قد تقع المواجهة إليهما فيجب غسلهما احتياطًا، وهذا غير قوي لأنه ﵇ والصحابة مسحوا عليهما.
ثم إن كانت اللحية كثة لا يجب إيصال الماء إلى ما تحته من البشرة بالإجماع للحرج، وهل يجب إفاضة الماء على اللحية، قال الشافعي: يجب لأن المواجهة تقع بها (^٥)، وعند أبي حنيفة لا يجب، ويجب مسح المجاور لمحل الفرض لأن محل الفرض لما استتر بها تحول الفرض إليه فيمسح كما في الرأس للحرج، وهو رواية عن أبي يوسف.
وفي رواية عن أبي حنيفة: يجب مسح ربعه كما في الرأس، وعن أبي يوسف: لا يتعلق بشعر اللحية شيء، وهو رواية شاذة عن أبي حنيفة؛ لأن فرض الغسل سقط عن الشعر للحرج فلا يجب مسحه لأن فيه جمعًا بين المسح والغسل في عضو واحد، ولا يلزم عليه مسح الجبيرة لأنها كالغسل لما تحتها للضرورة.
وفي المحيط: يجب غسل ربعه أو ثلثه (^٦). وأشار محمد في الأصل إلى أن غسل كله يجب (^٧)، وهو الأصح، وفي الفتاوى الظهيرية: وعليه الفتوى لأنه قام
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٦).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (١/¬٦)، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب (١/ ١٨٤).
(٣) انظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني (١/¬٤٢)، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشهاب الدين الرملي (١/ ١٦٩).
(٤) انظر: الفروع لابن مفلح (١/ ١٧٤)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ١٨٣).
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٠٩)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٣٧٥).
(٦) انظر: المبسوط للسرخسي (١) (٨٠)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬١٦).
(٧) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني (١/ ٦٠).
[ ١ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مقام البشرة فتحول الغرض إليه كما في شعر الحاجبين.
وفي الشعر المسترسل من الذقن وأطراف الوجه لا يجب غسله عندنا (^١)، والمزني من أصحاب الشافعي (^٢)؛ لأن ما تحت المسترسل ليس من الوجه فلا يجب غسله ومسحه، وعند الشافعي يجب (^٣) وهو أصح مذهبه لأنه من الوجه بحكم التبعية، لما روي أنه ﵇ رأى رجلا غطى لحيته وهو في الصلاة فقال: «اكْشِفْ لِحْيَتَكَ فَإِنَّهَا مِنَ الْوَجْهِ» (^٤) فيجب احتياطًا كذا في شرح الوجيز، وفيه تأمل، وقد قال أبو بكر الحازمي حديث ضعيف ولم يثبت في هذا عن النبي شيء.
وإن كانت اللحية خفيفة لا تستر البشرة ففي السهيلي: يجب غسل البشرة في المنبتين في هذه الصورة، وفي الإيضاح: لا يجب تحت اللحية مطلقًا عندنا لاستتار محل الفرض، وذكر الحلواني في شرح الأصل ما يدل على ما ذكر السهيلي فقال: إذا كانت اللحية خفيفة ترى البشرة تحت الشعر فإيصال الماء إلى البشرة غير ساقط. ثم قال: وإمرار الماء على جميع ظاهر اللحية شرط حتى لو مسح لا يجزؤه ما لم يتقاطر الماء من لحيته. وفي الإيضاح: يجب مسح ما يلاقي البشرة، وفي المجرد: عن أبي حنيفة يسنُّ مسحها (^٥).
_________________
(١) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/¬٩)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬١٦).
(٢) انظر: مختصر المزني (٨/ ٩٤).
(٣) انظر: الأم (١/¬٤٠).
(٤) قال ابن الملقن: هذا الحديث غريب جدا لا أعلم من خرجه. قال الشيخ زكي الدين: قال الحازمي: هذا الحديث ضعيف، وله إسناد مظلم، ولا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وكذا قال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح في كلامه على المهذب: ذكر الحازمي - وكان ثقة من حفاظ عصرنا - أن هذا حديث ضعيف، وأنه لا يثبت في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء. وقال النووي في شرح المهذب: هذا الحديث وجد في أكثر النسخ من المهذب، ولم يوجد في بعضها. وكذا لم يقع في نسخة قيل إنها مقروءة على المصنف، قال: وهو منقول عن رواية ابن عمر، ثم نقل كلام الحازمي المتقدم. وصرح في الخلاصة بضعفه أيضًا فإنه ذكره في فصل الضعيف. البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير (١/ ٦٦٦).
(٥) انظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام لابن فرامرز (١/¬٨)، ومراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح للشرنبلالي (ص ٣٠).
[ ١ / ٥٩ ]
(وَالمِرْفَقَانِ وَالكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي فَرْضِ الغَسْلِ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ (*) تَعَلَّهُ هُوَ
ولا يجب إجراء الماء على الشارب على الروايتين. وفي البقالي: لو قص الشارب لا يجب تخليله وإن طال يجب تخليله وإيصال الماء إلى الشفتين (^١).
وتكلموا في الشفة. قيل: تبع للفم، وقال الفقيه أبو جعفر: ما انكتم عند انضمام الفم تبع له، وما ظهر للوجه يجب إيصال الماء (^٢).
وفي بحر المحيط: لا تغسل العين ولا بأس بالغسل مُغَمِّضًا عينيه (^٣).
وقيل: إن غمض شديدًا لا يجوز. ولو رمدت عينه فرمصت يجب إيصال الماء إن بقى خارجًا تغميض العين، وفي المغرب: الغمص ما سال من الوسخ في الموق (^٤)، والرمص ما جمد (^٥)، ويجب إيصال الماء إلى الموق هذا كله من الْمُجْتَبى.
وفي شرح الوجيز: فالشعور النابت في الوجه قسمان ما يندر فيه الكثافة كالحاجبين. والأهداب والشارب والعذارين ففي مدة الشعور يجب غسلها وغسل البشرة تحتها لأنها من الوجه ولا عبرة لحيلولة الشعر لأن الغالب فيها الخفة فيسهل إيصال الماء إلى منابتها فإن فرضت كثافة على الندرة فالنادر ملحق بالغالب.
وعندنا لا يجب غسل البشرة تحتها ويجب غسلها كما ذكرنا، وفي الْمُجْتَبى: اختلفوا فيما حسر من شعر مقدم الرأس، فقيل: إن قل فمن الوجه، وإن كثر فمن الرأس، والصحيح أنه من الرأس مطلقًا حتى جاز المسح عليه (^٦).
(والمرفقان): المرفق بكسر الميم وفتح الفاء وعلى العكس مجتمع طرف
_________________
(١) (*) الراجح: قول علمائنا الثلاثة.
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٦٥)، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (١/¬٣٣).
(٣) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص ٦٢).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني لبرهان الدين (١/¬٣٣)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجم (١/¬١٢).
(٥) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٤٦).
(٦) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ١٩٨).
(٧) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬١٢).
[ ١ / ٦٠ ]
يَقُولُ: الغَايَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ المُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي بَابِ الصَّوْمِ.
السَّاعد والعضد وفي البدرية ذكر المرفقين والكعبين بعد ذكر فرائض الطهارة ليشير إلى أن غسلهما واجب لأنه مختلف فيه، والفرض ما يكون مقطوعًا، وصرح في المبسوط أنه فريضة.
وفي المستصفى: ما ذكر في المبسوط محتمل، وأراد بالكعبان من كل رجل (^١).
قال زفر، وأبو بكر بن داود، ومالك في رواية أشهب عنه: لا يجب غسل المرفقين والكعبين لأن الحد لا يدخل في المحدود (^٢).
وما روي أنه ﵇ أدار الماء على مرفقيه (^٣) محمول على إكمال السنة بخلاف قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] حيث دخلت الغاية في المُغَيَّا لأنها إنما لم تدخل إذا كانت عينًا أو وقتًا وهاهنا الغاية لا عين ولا وقت بل فعل، والفعل لا يوجد بنفسه ما لم يفعل فلابد من وجود الفعل الذي هو غاية النهي لانتهاء النهي فيبقى الفعل داخلًا فيه ضرورة. كذا في الخبازية (^٤).
(إذ لولاها) (^٥) أي: الغاية لاستوعبت يعني لو لم يذكر المرفق لوجب الغسل إلى الآباط بدليل أن الصحابة فهموا من آية التيمم التيمم إلى الإباط، وعلموا من فعله ﵇ أنه إلى الآباط لا يجب كذا في المبسوط (^٦).
ثم الأصل أن الغاية لا تدخل في المغيا لكنها قد تذكر لمَدِّ الحكم وقد تذكر لِقَصْرِهِ عما وراءها ويعلم ذلك بالنظر إلى صدر الكلام، فإن كان يتناول الغاية وما وراءها يعلم أن ذكرها لقصر الحكم عما وراءها فجعل غاية الإسقاط فتصير في معنى الاستثناء، وإن كان لا يتناول الغاية وما وراءها يعلم أن ذكرها لمد الحكم، وهاهنا صدر الكلام وهو قوله: (أيديكم) تناول اليد إلى الإباط
_________________
(١) المستصفى شرح مختصر الفقه النافع للنسفي (١/ ١٧٦).
(٢) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/¬٧)، والذخيرة للقرافي (١/ ٢٥٥).
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ١٤٢ رقم ٢٧٢) وضعفه.
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ١٦٢).
(٥) انظر المتن ص ٦٢.
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬٧).
[ ١ / ٦١ ]
وَلَنَا: أَنَّ هَذِهِ الغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا، إِذْ لَوْلَاهَا لَاسْتَوْعَبَتِ الوَظِيفَةُ الكُلَّ،
كما ذكرنا فصار ذكر المرافق بحرف الغاية لإخراج ما وراءه.
أما الصوم فيتناول إمساك ساعة لغة وشرعًا حتى لو حلف لا يصوم فصام ساعة يحنث؛ فكان ذكر الغاية فيه لمد الحكم.
وقيل: هذا في الحقيقة قول بموجب العلة وهو غير قوي لأن فيه بيان ضعف كلام الخصم لا إثبات مذهبنا، وإن كان ذلك يلزم بالاستلزام، كذا قيل.
فإن قيل: يلزم على هذا ما لو حلف لا يكلم فلانًا إلى رمضان حيث لا يدخل رمضان في اليمين مع أن الغاية لو لم تكن تكون اليمين مؤبدة.
قلنا: على رواية الحسن عن أبي حنيفة ممنوع، وعلى ظاهر الرواية مبنى الأيمان على العرف، ولهذا لو حلف لا يكلم فلانًا إلى عشرة أيام يدخل اليوم العاشر.
وقيل: في جوابه هذه الغاية في مسألة اليمين للمد لأن قوله لا أكلم للحال فإن المضارع موضوع للحال عند أهل الكوفة، وفيه نوع ضعف لأنه لو كان كذلك ينبغي أن لا يتأبد اليمين عند عدم الغاية.
فإن قيل: الغاية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة ٢٢٢] ينبغي أن تدخل زمان الانقطاع في المغيا؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ بمقتضى الأبد فكان ذكرها لإسقاط ما وراءها، والحال أنه يحل قربانها.
قيل: في جوابه ذكرها هنا للمد لأن عدم القربان باعتبار الحيض فكان ممدودًا من أول الحيض إلى زمان الانقطاع فلا يدخل.
فإن قيل: الإسقاط ليس بمذكور ولا مضمر فلا يصلح متعلق الجار بوجه فكيف تكون غايته بل هو غاية للغسل لأنه هو المذكور في الآية.
قلنا: بل غاية الغسل لتعلق الجارية، ولكن المقصود من ذكرها إسقاط ما وراءها لأمد الحكم إليه.
أشار المصنف بقوله: (أن الغاية لإسقاط كذا) أي ذكرت لأجل إسقاطه، ولم يقل أنها غاية إسقاطه بالإضافة، ومثل هذه الغاية تدخل في المغيا؛ لأن
[ ١ / ٦٢ ]
وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لِمَدِّ الحُكْمِ إِلَيْهَا، إذ الاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الإِمْسَاكِ سَاعَةَ، وَالكَعْبُ
المغيا وما قبله وما بعده لما دخلت في الحكم بمطلق الاسم لم يكن المقصود من ذكرها إلا إسقاط ما وراءها.
وفي المبسوط: الغايات ما تدخل في المغيا فتكون كلمة إلا بمعنى مع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء ٢]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلى الله﴾ [آل عمران ٥٢] أي مع أموالكم ومع الله.
ومنها ما لا يدخل كما في الصوم فكان مجملا فبين بفعله ﵇ حيث توضأ وأدار الماء على مرفقيه ولم ينقل تركه غسله، فلو جاز ذلك لترك ذلك تعليمًا للجواز. ولأنه ﵇ رأى رجلا توضأ ولم يوصل الماء إلى كعبيه فقال: "ويل للأعقاب من النار" (^١) فأمره بغسلهما (^٢). وفيه تأمل.
وفي "مبسوط بكر": قال الإسكاف: يجب إيصال الماء إلى ما تحت العجين، أو الطين في الأظفار دون الدرن لتولده منه. قال الصفار فيه: يجب إيصال الماء إلى ما تحته إن طال الظفر، وإلا فلا (^٣).
وفي " النوازل ": يجب في حق المصري لا القروي؛ لأن في أظفار المصري دسومة تمنع إيصال الماء إلى ما تحته، وفي أظفار القروي طين لا يمنع، ولو كان عليها جلد سمك أو خبز ممضوغ جاف يمنع وصول الماء لم يجز، وفي ونيم الذباب والبرغوث جاز (^٤).
وفي الجامع الأصغر: إذا كان وافر الأظفار وفيها درن أو طين أو عجين، أو المرأة تضع الحناء جاز في القروي والمدني إذ لا يستطاع الامتناع عنه إلا بحرج.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬٧، ٨).
(٣) انظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام لابن فرامرز (١٠١)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ١٥١).
(٤) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٦٣)، والمحيط البرهاني في الفقه النعماني لبرهان الدين (١/¬٣٦).
[ ١ / ٦٣ ]
هُوَ العَظْمُ النَّاتِي، هُوَ الصَّحِيحُ، وَمِنْهُ الكَاعِبُ. قَالَ:
قال الدبوسي: وهذا صحيح وعليه الفتوى، وفي فتاوي ما وراء النهر: لو بقي من موضع الغسل قدر رأس إبرة أو لزق بأصل ظفره طين يابس لم يجزئه، ولو تلطخ يده بخميرة أو حناء جاز.
ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه في الوضوء إذا كان واسعًا وفي الضيق اختلاف المشايخ، وروى الحسن عن أبي حنيفة وأبو سليمان عنهما عدم اشتراك النزع والتحريك، هذا كله في المجتبى (^١).
وفي الحلية: لو خلق له يدان على منكب أحدهما ناقصة فالتامة هي الأصلية والناقصة خلقة زائدة، فإن حاذى منها محل الفرض وجب غسله عندنا (^٢)، والشافعي (^٣)، ومن أصحابه من قال: لا يجب غسلها بحال.
ولو طالت أظافيره وخرجت من رؤوس الأصابع وجب غسلها قولًا واحدًا، ومن أصحابه من قال هي بمنزلة اللحية إذا طالت، وليس بصحيح.
ولو قطعت يده من المرفق لا فرض عليه في المذهبين.
وقال الثاني: استحب أن يمس ما بقي من العضد ماء، وظاهر هذا أن ذلك يستحب للأقطع خاصة، ومن أصحابه من قال: بل ذلك مستحب لكل أحد لأنه من جملة الإسباغ. ولو كان القطع تحت المرفق يجب غسل الباقي بالإجماع لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
(الناتئ) - بالهمزة - أي المرتفع المتصل بعظم الساق إذ النتء والنتوء الارتفاع وقوله هو الصحيح احتراز عما روى هشام عن محمد أنه قال: هو المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك لأن الكعب اسم للمفصل.
ومنه كعوب الرمح والذي في وسط القدم وهو المتيقن به وبه قالت الإمامية
_________________
(١) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬١٤).
(٢) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٩)، ودرر الحكام شرح غرر الأحكام لابن فرامرز (١/¬٨).
(٣) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (١/ ٥٢)، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني (١/¬٣٦).
[ ١ / ٦٤ ]
(وَالمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأسِ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ، لِمَا رَوَى المُغِيرَةُ بْنُ
وكل من ذهب إلى المسح على الرجل وهذا سهو من هشام فإن محمد لم يرد من الكعب هذا في الطهارة بل أراد به في المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين. فأما في الطهارة فالمراد العظم الناتئ، إليه أشير في قوله ﵇: «أَلْصِقُوا الكِعابَ بالكِعابِ» كذا في المبسوط، ولو قطعت رجله وبقي نصف الكعب يجب غسل البقية وموضع القطع وكذا في المرفق.
قوله: (المفروض)، أي المقدر على جهة الفرضية، اللام فيه للعهد يعني ذلك المسح الذي ثبت بالنص لا بخبر الواحد عندنا كذا وفي البدرية أراد به المفروض اللغوي لا الشرعي فإن الآية مجمل والفرض لا يثبت بخبر الواحد، ويجوز أن يراد به الفرض الشرعي على الرواية التي أنه مقدر بثلاثة أصابع؛ لأن دخول الآلة تحت النص بطريق الاقتضاء فيكون ثابتا بمقتضى النص لا بخبر الواحد.
فإن قيل: لو دخلت الآلة تحت النص اقتضاء ينبغي أن لا يتأدى المسح بدون الآلة وهي أكثر اليد، وقد يتأدى المسح بإصابة المطر بلا استعمال اليد وقد نص في المبسوط والخلاصة وغيرهما بذلك.
قلنا: ثبوت الآلة بطريق الضرورة لا بطريق القصد، فإن من أمر بالصعود على السطح دخل نصب السلم تحت الأمر ضرورة لا قصدًا حتى لو حصل الصعود من غير نصيَّة سقط اعتباره لكونه غير مقصود، والمقصود هاهنا من إدخال اليد تحت الأمر اقتضاء إثبات تقدير فرض المسح، وبيان أن الإصابة تجب بهذا المقدار، ولا يجوز أقله لا قصدًا إليها فيسقط اعتبار الآلة عند حصول المقصود بإصابة المطر ذلك المقدار، ولهذا قال زفر: لو مسح بإصبع واحدة ومده إلى أن استوعب هذا المقدار يجوز، وعندنا لا يجوز باعتبار معنى آخر كما سيجيء.
السباطة: المكنوسة من التراب وغيره وأريد به المكان الذي يلقي فيه الكناسة إطلاقا لاسم الحال على المحل.
[ ١ / ٦٥ ]
شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ)،
وفي قوله: (مسح على ناصيته) بيان الشرع، وقوله: (وخفيه) بيان نصب الشرع؛ فإن شرعية مسح الخف ثبت به، وإنما ذكر القصة في الحديث لأن الرواية مع القصد أدل على صدق الراوي وإتقانه.
قيل: في بعض طرق حديث المغيرة السباطة غير مذكورة وما ذكر فيه السباطة لا يكون فيه ذكر المسح على الناصية ذكر في حديث آخر، فما ذكره القدوري مركب من حديثين.
ثم اختلف المشايخ في مسح الرأس، فعند الشافعي فرضه مقدار ما ينطلق عليه اسم المسح (^١)، ففي أن المد في المسح شرط له وجهان، فعند بعض أصحابه: لا يجزئه أقل من ثلاث شعرات (^٢)، وعند مالك يجب مسح جميعه (^٣)، وعن بعض أصحابه أنه لو ترك قدر الثلث جاز، والباقون من أصحابه لا يجوز، أما لو ترك ما دون الثلث بغير قصد جاز (^٤). وعن أحمد روايتان: أحدهما: أنه يجب مسح جميعه (^٥)، وهو اختيار المزني (^٦).
والثانية: أنه يجب مسح أكثره، فإن ترك الثلث منه جاز.
وعند أصحابنا فيه ثلاث روايات في رواية بقدر الناصية وهي الشعور المائلة على الجبهة، وفي شرح الطحاوي (^٧) المراد بها إذا بلغت مقدار ثلاث أصابع، وفي رواية تقدر بربع الرأس حتى لو وضع ثلاث أصابع ولم يمدها لا يجزئه
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٣٣)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٣٩٥).
(٢) انظر: فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (١/ ٣٥٤)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٣٩٨).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٢٥٩)، وإرشاد السالك إلى أشرف المسالك لابن عسكر (١/¬٦).
(٤) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (٢٠/ ١٢٦)، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب (١/ ٢٠٢).
(٥) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (١/ ١٦١)، والمغني لابن قدامة (١/ ٩٣).
(٦) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ١١٤)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٣٩٩).
(٧) الطحاوي (٢٣٨ - ٣٢١ هـ، ٨٥٢ - ٩٣٣ م) هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي، فقيه انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر. ولد ونشأ في قرية طحا في المنيا بصعيد مصر، وتفقه على مذهب الشافعي، ثم تحوّل حنفيا، من أشهر كتبه العقيدة الطحاوية.
[ ١ / ٦٦ ]
وَالكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالتَحَقَ بَيَانًا بِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْدِيرِ بِثَلَاثِ
على هذين الروايتين لأنه أقل من المقدر، كذا في المحيط (^١).
وفي المبسوط: مقدار قدر ربع الرأس إذ الرأس فَوْدَان وقَذَال والناصية (^٢)، وفي رواية مقدر بثلاثة أصابع وهو ظاهر المذهب في صلاة الأصل، وصلاة الأثر، والنوادر والتحفة، فعلى هذه الرواية لو وضعها ولم يمد ما جاز. وعن أبي يوسف أنه يقدر بقدر إصبع واحدة عرضًا.
ودليل قول الشافعي ومالك ﵄ مذكور في أصول فخر الإسلام في مسألة الباء، وشرحناه في بيان الوصول في شرحه.
وأحمد مع مالك في رواية، وفي رواية: أقام الأكثر مقام الكل فالتحق أي خبر الواحد أو فعل النبي ﷺ.
(بيانًا به): أي بالكتاب وبيان إجمال الكتاب مذكور في المتن والأصول أيضًا.
فإن قيل: الحديث يقتضي بيان عين الناصية، والمدعى ربع غير معين وهو مقدار الناصية فلا يوافق الدليل المدلول.
قلنا: الحديث يحتمل معنيين وبيان المقدار، وخبر الواحد يصلح بيانًا لمجمل الكتاب، والإجمال في المقدار دون المحل لأنه الرأس وهو معلوم فلو كان المراد منه المعين يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد.
فإن قيل: لا نسلم الإجمال في المقدار لأن المراد منه مطلق البعض بدليل دخول الباء في المجمل والمطلق لا يحتاج إلى بيان.
قلنا: المراد بعض مقدر لا مطلق بوجوه:
أحدها: أن المسح على أدنى ما ينطلق عليه اسم البعض وهو مقدار شعرة غير ممكن إلا بزيادة وهي غير معلومة.
والثاني: أنه تعالى أفرد المسح بالذكر، ولو كان المراد بالمسح
_________________
(١) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٣٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٦٣).
[ ١ / ٦٧ ]
شَعَرَاتٍ، وَعَلَى مَالِكِ فِي اشْتِرَاطِ الاِسْتِيعَابِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَةِ المَسْحِ.
مسح مطلق البعض - وهو حاصل في ضمن الغسل - لم يكن للإفراد بالذكر فائدة.
والثالث: أن المفروض في سائر الأعضاء غسل مقدر، فكذا في هذه الوظيفة وكان مجملًا في حق المقدار فيكون فعله بيانًا، كذا في البدرية وعامة الشروح (^١).
وقيل: الباء للإلصاق فاقتضى إلصاق آلة المسح بالرأس، لكن الإلصاق يحصل مع البعض كما يحصل مع الكل، والبعض الملصق مجمل في مقدار الكمية فكان قوله بيانا، وفي الكل تأمل؛ لأن للخصم أن يمنع كونه مجملا بهذه الوجوه، والمسح الحاصل في ضمن الغسل لا ينوب عن الفرض عنده لعدم الترتيب كالمسح الحاصل قبل غسل البدن وإن استوعبت، ولو سلم أنه مقدر عنده بثلاث شعرات فذلك باعتبار أن المسح لا ينطلق على ما دونه عرفًا كما أن قراءة بعض القرآن لا تسمى قراءة عرفًا.
والغسل في سائر الأعضاء مقدر بالنص، والمسح في هذا العضو غير مقدر به، فلذا اختار عامة المحققين من أصحابنا ظاهر المذهب وهو مقدار ثلاث أصابع كما ذكر في الأصول فخر الإسلام.
وفي شرح المختار والإجمال في النص من حيث إنه يحتمل أراد الجمع كما قال مالك، ويحتمل إرادة الربع كما قلنا، ويحتمل إرادة الأقل كما قال الشافعي، وهو ضعيف؛ لأن في احتمال إرادة الجمع تكون الباء في ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] زائدة وهو بمنزلة المجاز لا يعارض الأصل كما ذكر في الأصول، والعمل هاهنا ممكن بأي بعض كان فلا يكون النص بهذين الاحتمالين مجملا.
ثم لو وضع أصبعا ومده إلى أن استوعب مقدار الفرض يخرج من العهدة عند زفر لحصول المقصود، وهو إصابه البلة مقدر الفرض، وعندنا لا يجوز لأن
_________________
(١) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١٣١)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/¬٣).
[ ١ / ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الواجب إصابة الماء الطهور محل الفرض، ولم يوجد لأن بلة الإصبع أخذت حكم الاستعمال بنفس الوضع فلا يتأدى الفرض بمدها بعده كما لو رفعها ثم وضعها بلا تجديد بلة، يعني لو مسح مقدار الفرض بأصبع بلا حد بجوانبه الأربعة أو ثلاث مرات بماء جديد يجوز، إليه أشار محمد في نوادر ابن رستم حيث قال فيه: ولو وضع ثلاث أصابع ولم يمدها جاز في قول محمد في الرأس والخف خلافًا لهما (^١)، هما يقولان ينبغي أن يمدها بقدر ما تصيب البلة إلى ربع رأسه (^٢).
فإن قيل: حكم الاستعمال لا يؤخذ قبل المزايلة ألا ترى أن السنة وهي الاستيعاب في الرأس والمد إلى الساق في الخف يقام بإمرار الأصابع الثلاث بعد وضعها.
وحكم السنة والفرض واحد في أنه لا يقام بالمستعمل.
قلنا: الأصل أن نثبت صفة الاستعمال بالوضع لتأدي فرض ذلك المحل به كما أن الأصل في الغسل لن تثبت صفته بنفس الصب على العضو لزوال الحدث عنه إلا أنه لم يثبت ضرورة أداء الفرض أو السنة، وفي مسح الرأس أو الخف لا يمكن أداء السنة بدون المد فلم يثبت حكم الاستعمال فيهما بالوضع ضرورة.
أما في حق تأدي الفرض فلا ضرورة في الحكم بعدم الاستعمال بعده لأن الفرض يتأدى به فوجب العمل بالأصل فلا يتأدى الفرض بعده بالمد، وفيه تأمل إذ لا ضرورة في حق السنة أيضًا لإمكان الاستيعاب، والمد إلى الساق بالماء الجديد كما في الفرض إلا أن يقول في رعاية الاستيعاب في هذه الصورة حرج عظيم.
فإن قيل: لما لم يتأد الفرض بإصبع دون المد صار المد كثلاثة أصابع في حق التيمم فينبغي أن لا يأخذ حكم الاستعمال به كما في التيمم.
_________________
(١) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني (١/¬٤٣، ٥٢، ٩٠).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٦٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ١٧٧).
[ ١ / ٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: الداعي بسقوط صفته هناك الضرورة، ولا ضرورة هاهنا إذ يمكنه أداء الفرض بوضع ثلاثة أصابع ولهذا لو تيمم بأصبع ومده إلى أن استوعب المحل لا يجوز لعدم الضرورة، ولو لم يكن له إلا أصبع واحد يحتمل أن يتأدى الفرض بمده للضرورة، ويحتمل أن لا يتأدى لإمكان وضعه ثلاث مرات بماء جديد، وفيه تأمل.
فإن قيل: ما ذكرتم يناقض ما قال أبو يوسف أن الماء لا يصير مستعملًا بإدخال الرأس في الإناء لأن الفرض يتأدى بما يصيب الرأس من البلة، وهي غير منتقلة إلى الماء فلا يتغير الماء عن صفته، فهنا الفرض يتأدى بالبلة التي أصابت الرأس لا بما بقي في الأصبع فينبغي أن لا يصير مستعملا فيتأدى الفرض بالمد.
قلنا: البلة التي على الرأس والتي بقيت في الأصبع كشيئ واحد لأن كليهما البلة التي عليه قبل الوضع أعدت لأداء فرض المسح كالماء الذي صب على الكف لغسل الوجه فإذا استعملت في الرأس وبقي بعضها في الأصبع صار كأن الباقي في الفضل على الرأس بعد أداء الفرض فيأخذ حكم الاستعمال كالماء المنفصل عن العضو، ولهذا لا يتأدى به فرض ولا سنة بعد الرفع.
فأما الباقي في الإناء مع البلة التي بقيت في الرأس فليس كشيء واحد لان ما في الإناء لم يعد للمسح فيختص الاستعمال بالبلة التي عليه ولم يتعد إلى ما في الإناء فبقي مطهرًا كما كان.
وفي شرح المجمع: والأقرب إلى التحقيق أن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال بعد الانفصال في الغسل والمسح؛ لأن الماء الذي أصيب به العضو في مسألة إدخال الرأس الإناء لم يزايل العضو حقيقةً ولا حكما فلم يأخذ حكمه لعدم الانفصال مطلقا، ولا الباقي من الماء؛ لأنه لم يتأد به فرض المسح (^١).
أما في مسألة مد الأصبع فالبلة أصيب بها ما لاقته الأصبع منتقلة عن ذلك
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (١/ ٧٠)، والاختيار لتعليل المختار لأبي الفضل الحنفي (١/¬١٦).
[ ١ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المحل بواسطة المد حكما فكانت منفصلة عن المحل الممسوح حكما وإن لم تنفصل حقيقة، والمنفصل عنه حكما يأخذ حكم الاستعمال من وجه فلم يجز إقامة الفرض به؛ لأن كل جزء من أجزاء ما افترض مسحه يجب أن يكون ممسوحا بماء غير مستعمل من جميع الوجوه في غالب ظن الغاسل، فلم يخرج عن العهدة باستعمال الماء المستعمل من وجه بخلاف السنة بحيث يجوز مد الأصبع فيها؛ لأنه لا يرفع بها حدث، ولا يتوقف جواز الصلاة عليها، وكانت تبعا للفرض فاعتبرنا الانفصال الحكمي مؤثرا في الفرض للاحتياط، واعتبرنا الانفصال الحقيقي في السنة عملا بالأصل، ورعاية لمنازل المشروعات.
وفي المجتبى: وعلى هذا الخلاف مد الأصبعين ولو مسح بالإبهام والسبابة مفتوحتين يجوز؛ لأن ما بينهما قدر أصبع فيصير قدر ثلاث أصابع فيصح (^١).
وفي المحيط: مسح شعر رأسه فلو وقع على شعر تحته رأس يجوز ولو كان تحته عنق أو جبهة لا يجوز. ولو زاد ذوائبه على رأسه فمسح عليها لم يجز على الأصح أرسلها أم لا.
وفي شرح الوجيز: المسح على بشرة الرأس يجوز ولا يضر كونها تحت الشعر، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز لانتقال الفرض إلى الشعور ولو مسح على الشعر يجوز. ولو اقتصر على مسح شعرة واحدة يجوز.
وعن بعض أصحابنا: لا يجوز أقل من ثلاث شعرات ثم شرط الشعر الممسوح أن لا يخرج عن حد الرأس حتى لو كان مسترسلا خارجا عن حده، أو كان جعدا كائنا في حده، لكنه بحيث لو مد يخرج عن حده لم يجز المسح عليه لأن ماسحه غير ماسح على الرأس وكل شعر مد في جهة النبات أي جهة الرقبة والمنكبين خارج عن حد الرأس. ولو غسله بدل المسح.
قيل: لا يجوز لأنه مأمور بالمسح، والأصح أنه يجوز لأن الغسل مسح وزيادة.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬١٥).
[ ١ / ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم هل يكره غسله بدل المسح؟
قيل: يكره لأنه سرف كغسل الخف بدلًا عن مسحه، وكالغسلة الرابعة، والأظهر أنه لا يكره؛ لأنه هو الأصل لحصول النظافة به، والمسح تخفيف ورخصة فالعدول إلى الأصل لا يكون مكروهًا ولكن لا يستحب لأنه ﵇ أشار في الرخص بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ﴾ (^١).
ولو بل رأسه ولم يمد اليد فيه قولان أصحهما: أنه يجوز؛ لأن المقصود وهو حصول الماء قد حصل، وقال القفال: لا يجزئه لأنه لا يسمى مسحًا.
ولو قطر على رأسه قطرة ولم تجر فعلى الخلاف، فإن جرت كفى.
وفي هداية الناطفي (^٢): لو مسحت على الخضاب أو الوقاية لم يجز وإن وصل إلى الشعر، وقيل: هذا قبل غسل الخمار، وقيل: هذا إذا خرج الماء من كونه ماء مطلقًا، وفي النظم: قال عامة العلماء: إن وصل إلى الشعر يجوز، وإلا فلا (^٣).
مسح رأسه ببلل بقيت في كفه جاز، وإن أخذها من لحيته لا يجوز، قال الحاكم الشهيد (^٤): إنما يجوز ببل كفه ما لم يستعمل في عضوه، وخطأه عامة المشايخ لما ذكر محمد في مسح الخف: إذا توضأ ثم مسح على الخف ببلة بقيت على كفه بعد الغسل جاز (^٥)، ولو مسح على رأسه ثم مسح خفه ببلة بقيت
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٤٧٨ رقم ٦٨٦).
(٢) الناطفي (ت. ٤٤٦ هـ/ ١٠٥٤ م) هو أحمد بن محمد بن عمر أبو العباس الناطفي، نسبته إلى عمل الناطف، من أهل الري، فقيه حنفي، من آثاره: «الأجناس»، و«الفروق» و«الروضة» و«الواقعات» و«الأحكام» في الفقه. انظر: الأعلام للزركلي (١/ ٢١٣).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ١٧٨).
(٤) محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد المجيد بن إسماعيل بن الحاكم الشهير بالحاكم المروزي السلمي الوزير الشهيد، أبو الفضل البلخي، العالم الكبير ولي قضاء بخارى، ثم ولاه الأمير الحميد صاحب خراسان من الساسانية وزارته، قتل شهيدًا عند الأمير لما رأى سعيهم اغتسل وتحفظ ولبس أكفانه وأقبل على الصلاة فقتل كذلك في ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة. الجواهر المضية في طبقات الحنفية (٢/ ١١٢).
(٥) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ٩٠)، والحجة على أهل المدينة (١/¬٣٤).
[ ١ / ٧٢ ]
قَالَ: (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ اليَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ
في يده لم يجز (^١).
وقيل: ما قاله الحاكم هو الصحيح، فقد نص الكرخي في جامعه الكبير على الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف مفسرًا معللًا أنه لم يجز لأنه ما قد تطهر به مرة، ولو حلق رأسه ولحيته لا يعيد المسح بالإجماع، وكذا في قلم الظفر وكشط الجلد لأنه مع الجلد شيء واحد بخلاف الخف (^٢).
وقيل: على قول بعض أصحاب الشافعي يجب إعادة المسح بعد حلق الرأس كما في الخف (^٣)، والأصح عندنا لا يجب كما قلنا.
قوله: (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ)، وفي المحيط: السنة ما واظب عليها ولم يتركه إلا مرة أو مرتين (^٤). وفي البدرية: السنة ما يؤجر على إتيانها ويلام على تركها (^٥)، وهو يتناول القولي والفعلي والطهارة محل لهذه السنن فكانت إضافتها إلى محلها.
ثم السنة تقديم غسلها من الرسغ، أما نفس الغسل فرض حتى قال محمد في الأصل: ثم يغسل ذراعيه فلا يجب غسلهما ثانيا (^٦).
_________________
(١) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬١٤).
(٢) انظر: مراتب الإجماع لابن حزم (ص ٢١).
(٣) انظر: الوسيط في المذهب للغزالي (١/ ٢٧٠)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٣٩٣). قال النووي: وحكي عن مجاهد، والحكم، وحماد، وعبد العزيز من أصحاب مالك، ومحمد ابن جرير الطبري أنهم أو جبوا طهارة ذلك العضو، ووقع في النهاية، والوسيط في هذه المسألة غلط فقالا: لا يلزمه غسل ذلك خلافًا لابن خيران. قال في النهاية: نقله العراقيون عن ابن خيران. فيقتضي هذا أن يكون وجهًا في المذهب؛ فإن أبا علي ابن خيران من كبار أصحابنا أصحاب الوجوه ومتقدميهم في العصر والمرتبة، ولكن هذا غلط وتصحيف، وقد اتفق المتأخرون على أن هذا غلط وتصحيف وأن صوابه: (خلافًا لابن جرير) بالجيم، وهو إمام مستقل لا يعد قوله وجها في مذهبنا، وقد نقله أصحابنا العراقيون والخراسانيون أجمعون، والغزالي أيضًا في البسيط عن ابن جرير، والله أعلم. وضعفه ابن حجر في "بلوغ المرام" (٤٩).
(٤) المحيط البرهاني في الفقه النعماني لبرهان الدين (١/ ٤٤٤).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية (١/ ١٧٨)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٥).
(٦) المبسوط لمحمد بن الحسن (١/¬٣٠)، والحجة على أهل المدينة (١/¬١٧).
[ ١ / ٧٣ ]
إِذَا اسْتَيْقَظَ المُتَوَضِّئُ مِنْ نَوْمِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ
وذكر الإناء وقع على عاداتهم فإنه كان لهم أتوار على أبواب المساجد يتوضؤون منها وفي ديارنا الإجانات في الحمامات بمنزلة ذلك.
وكيفية الغسل لو كان الإناء صغيرًا أن يأخذ بشماله ويصب الماء على يمينه ثلاثًا. ثم يصب على اليسار كذلك وإن كان كبيرًا كالحب إن كان معه إناء صغير يفعل كما ذكرنا، وإن لم يكن يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء ويصب على كفه اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها ببعض حتى تطهر، ثم يدخل اليمنى في الإناء ويغسل اليسرى، فالنهي محمول على الإناء الصغير، أو الكبير إذا كان معه إناء صغير فلا يدخل اليد فيه أصلا، وفي الكبير على إدخال الكف، كذا في المستصفى، والمجتبى (^١).
وفي الحلية: يغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء إن كان على شك من نجاستهما عند الشافعي (^٢)، فإن غمس يده في الإناء لم يفسد الماء، وعند بعض أصحابه غسلهما قبل الإدخال مستحب بكل حال وإن تيقن بطهارة يده، والمذهب الأول.
وقال داود: إذا قام من نوم الليل لم يجز له أن يغمس يده في الإناء قبل الغسل أراقه، وحكي ذلك عن الحسن البصري بقوله ﷺ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ» رواه الترمذي وابن ماجة (^٣)، قال ابن الجوزي أي من نوم الليل، وبقول داود قال مالك وأحمد حتى لا يجب على المنتبه من نوم النهار. وقال مالك في رواية أنه مستحب للشك في طهارة يده.
قوله: (إِذَا اسْتَيْقَظَ) في البدرية هذا اتفاقي. وعن شمس الأئمة الكردري: كلمة الشرط تجري على حقيقتها حتى لم يسن إذا لم يستيقظ. وفي المستصفى: ولهذا قيد بهذا في الإيضاح، وشرح المختصر (^٤).
_________________
(١) انظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام لابن فرامرز (١/¬٩)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬١٨).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/¬٣٩).
(٣) أخرجه الترمذي (١/¬٣٦)، ابن ماجه (١/ ١٣٨)
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/¬٢١)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٥).
[ ١ / ٧٤ ]
مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وَلِأَنَّ اليَدَ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَتُسَنُّ البَدَاءَةُ بِتَنْظِيفِهَا، وَهَذَا الغَسْلُ إِلَى الرُّسْغِ لِوُقُوعِ الكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ.
قَالَ: (وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الوُضُوءِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لَا
وفي شرح الآثار: إنما نهي عن ذلك لأن عادة العرب أن لا يستنجوا بالأحجار ولا بالماء فإنه ﵇ إنما نهي عن ذلك لاحتمال تنجس اليد، أما لو نام مستنجيًا بأحدهما فلا حاجة إلى غسلهما.
وفي المجتبى، والخبازية: خص المصنف غسلهما بالمستيقظ تبركًا بلفظ الحديث وإلا السنة شاملة له ولغيره؛ فإنه ذكر في المحيط، والتحفة وغيرهما أن غسلهما في الابتداء سنة على الإطلاق (^١).
وجه التمسك أنه ﵇ نهى عن إدخال اليد في الإناء بطريق التأكيد إلى غاية غسلهما ثلاثًا فيقتضي حرمة الغمس وذلك يستدعي وجوب الغسل لا سيما إذا كان الغمس طريقًا متعينًا لاستعمال الماء، إلا أنا عدلنا عن الوجوب لأن تعليله ﵇ بتوهم النجاسة دليل على التورع والاحتياط لا الوجوب؛ لأن حكم اليقين لا يزول بالشك، ومن شك في النجاسة يستحب غسلهما ولا يجب، إلا أن أول الحديث يدل على الوجوب، وآخره وهو التعليل - على الاستحباب؛ فأثبتنا أمرًا بين أمرين وهو السنة توفيقا وتلفيقا، ولأنه وجب غسل اليدين عند تحقيق النجاسة، فلو وجب عند توهمها يلزم الاستواء في الموجب مع التفاوت فيه، ولأن النهي عن الغمس أمر بالغسل اقتضاء فلو قلنا بوجوبه لأثبتنا بالمقتضى ما ثبت بالصريح، وفيه تأمل.
قوله: (ولأن اليد) إلى آخره هذه النكتة تدل على الوجوب باعتبار أن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب كوجوبه، ولكن طهارة العضو حقيقة وحكما تدل على عدمه فثبتت السنية بما ذكرنا في المستيقظ وغيره.
والرسغ: منتهى الكف عند المفصل.
قوله: (وتسمية الله تعالى)، قال الطحاوي ومولانا فخر الدين
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/¬٢١)، البناية شرح الهداية (١/ ١٧٩).
[ ١ / ٧٥ ]
وُضُوءُ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ وَالمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الفَضِيلَةِ، … .
المايمرغي (^١): المنقول من السلف في تسمية الوضوء: بسم الله العظيم، والحمد لله على الإسلام (^٢).
وفي الخبازية: هو المروي عن النبي ﵇.
وعن الوبري (^٣): يتعوذ في ابتداء الوضوء ويبسمل والأفضل فيه أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وفي الْمُجْتَبى: لو قال: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله العظيم، والحمد لله على الإسلام، فحسن لورود الآثار فيها، وقال صاحب المحيط: ولو قال في ابتداء الوضوء: لا إله إلا الله، أو: الحمد لله، أو: أشهد أن لا إله إلا الله، يصير مقيمًا لسنة التسمية (^٤).
التسمية شرط في الوضوء عند أصحاب الظواهر (^٥)، وأحمد (^٦).
_________________
(١) محمد بن محمد بن إلياس الملقب فخر الدين المايمرغي تلميذ الكردري وروى الهداية عنه عن مصنفها وهو أستاذ السغناقي وعنه روى الهداية عن الكردري عن المصنف رحمة الله عليهم. الجواهر المضية في طبقات الحنفية (٢/ ١١٥). وقال: المايمرغي بفتح الميم وسكون الألف والياء المثناة من تحتها، وفتح الميم الثانية، وسكون الراء، وكسر الغين المعجمة، نسبة إلى ما يمرغ قرية كبيرة على طريق بخاري من طريق نخشب. الجواهر المضية في طبقات الحنفية (٢/ ٣٤٥).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٥)، ودرر الحكام شرح غرر الأحكام (١/¬١٠).
(٣) أبو نصر أحمد بن محمد بن مسعود الوبري الحنفي، الموصوف بالإمام الكبير، شارح مختصر الطحاوي. وفاته حدود سنة (٥١٠). انظر: الجواهر المضيئة (١/¬٣٦)، وفي تاج التراجم (٥٢)، وفي الطبقات السنية (٢/ ٩٠)، وفي الفوائد البهية (١٦١)، وفي تكملة الإكمال لابن نقطة (٢/ ٤٣٨) وهدية العارفين (٢/ ٨٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (١/ ١٩٤). وقال: قلت: هذا كما ترى كل واحد من الأئمة هؤلاء الكبار يذكر حديثًا أو أثرًا لم يبين مخرجه، ولا حاله من الصحة والضعف، والآفة في ذلك من التقليد.
(٥) قال ابن حزم: وتستحب تسمية الله تعالى على الوضوء، وإن لم يفعل فوضوءه تام. المحلّى (١/ ٢٩٥).
(٦) قال صالح بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت: ما تقول فيمن نسي التسمية عند الوضوء أو تعمد تركه؟ قال: لا ينبغي أن يعاند، وأرجو أن يجزئه، والحديث الذي يروى فيه لا أراه ثبت. مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابن أبي الفضل صالح (١/ ٢٩٥). =
[ ١ / ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: عند مالك أيضا لظاهر قوله ﵇: «لا وُضوءَ لِمَنْ لم يُسَمٌ» (^١) لأن حقيقة هذا الكلام يقتضي عدم الوضوء بدون التسمية كما يقال: لا رجل في الدار. وعن مالك أنه أنكر التسمية في أول الوضوء فقال: تريد أن تذبح (^٢).
فقلنا: إن كان إنكاره كونها شرطًا فله وجه، وإن كان إنكاره كونها سنة مستحبة فليس له وجه كما في الحديث.
وقلنا: لا يمكن حمله على نفي وجود الوضوء بدونها لأنه يلزم نسخ إطلاق الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الآية بخبر الواحد، ولأنه ﵊ أثبت وجود الوضوء بدون التسمية في حديث آخر حيث قال ﵇: «من توضأ وذكر اسم الله تعالى كان طهورًا لِجَميعِ بَدَنِهِ» (^٣)، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهور الماء أصاب الماء فيحمل ذلك على نفي الفضيلة كذا في الخبازية.
وفيه تأمل؛ لأن الطهارة غير متجزئة عندنا.
وفي المبسوط: عَلَّمَ النبي ﷺ الأعرابي الوضوء ولم يذكر التسمية فعلم منه أن قوله: «لا وضوء» لنفي الفضيلة كما قال في حديث آخر: «مَنْ تَوَضَّأَ وَسَمَّى
_________________
(١) وقال أبو داود: قلت لأحمد: إذا نسي التسمية في الوضوء؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء، ولا يعجبني أن يتركه خطأ ولا عمدًا، وليس فيه إسناد، يعني: لحديث النبي ﷺ: «لا وضوء لمن لَمْ يُسَمِّ». مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص ١١). ولتفصيل القول في المذهب انظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ١٢٧).
(٢) أخرجه أبو داود (١/¬٢٥) رقم (١٠١)، وابن ماجه (١/ ١٤٠ رقم ٣٩٩)، وأحمد (٢/ ٤١٨ رقم ٩٤٠٨)، والحاكم (١/ ١٤٦) رقم (٥١٨) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد. السنن (١/ ٨٠). وصححه الحاكم، وضعفه ابن حجر في بلوغ المرام (٤٩).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٢٨٤)، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٢٦٦).
(٤) أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٢٤) رقم (٢٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/¬٤٤ رقم ٢٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وضعفه البيهقي، وضعفه أيضًا النووي في خلاصة الأحكام (١٦٠)، وابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٩٣).
[ ١ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسَمٌ كَانَ طَهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ» (^١).
أو نقول: هذا نفي بمعنى النهي لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]؛ لأن الشرع أثبت وجوده بدون التسمية كما ذكرنا فيكون أمرًا بضده وهو الوضوء معها، ولا يمكن حمله على الوجوب لما ذكرنا فيحمل على ما دونه وهو السنة، أو نقول: النهي عن الشيء يقتضي أن يكون ضده في سنة أو واجب فيكون سنة.
فإن قيل: خبر التسمية كخبر الفاتحة صيغةً، ومن حيث كونهما خبرين واحدين، فكيف اختلف حكمهما في السنة والوجوب؟
قلنا: لا نسلم هذا؛ لأن خبر الفاتحة أشهر، كذا في الطَّرِيقَةِ الْبَرْغَرِيَّةِ، فقدر مرتبة الحكم على حسب العلة، وأيضًا الوجوب يثبت في الفاتحة بمواظبته ﵇ من غير ترك، ولم يثبت في حق التسمية (^٢).
وما قيل إنما لم نقل بوجوب التسمية انحطاطا لدرجة التبع من الأصل غير قوي، وقد ذكرناه في بيان الوصول في باب بيان الأحكام الخاص.
فإن قيل: المدعى كونها سنة في الابتداء، ولا دلالة عليه في الحديث.
قلنا: لما ثبت أنها سنة للوضوء وهو اسم من أوله إلى آخره فيشترط في الابتداء ليكون لكل الوضوء لا لبعضه، ولقوله ﵇: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (^٣).
قال الطحاوي في شرح الآثار: أراد به نفي الفضيلة، كما في قوله ﵇: «ليس المسكين الذي تردُّهُ التمرة والتمرتان» (^٤). وقوله ﵇:
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٥).
(٢) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (١/¬٢٠)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/¬٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٨٤٠)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ١٨٤ رقم ١٠٢٥٥)، وابن ماجه (١/ ٦١٠ رقم ١٨٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁. وضعفه الدارقطني في السنن (١/ ٤٢٧)، وقال ابن حجر: اختلف في وصله وإرساله، فرجح النسائي والدارقطني الإرسال. "تلخيص الحبير" (٣/ ٣٢٢). وحسنه النووي في "الأذكار" (٣٢٧).
(٤) أخرجه البخاري (٦/¬٣٢، رقم ٤٥٣٩)، ومسلم (٢/ ٧١٩، رقم ١٠٣٩).
[ ١ / ٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«ليس المؤمن الذي يبيتُ شَبعان وجارُهُ جائِعٌ» (^١)، أي: ليس بكامل في المسكنة وليس بأعلى مراتب الإيمان، وإنما وجب حمله على هذا المحمل جمعًا بينه وبين حديث مهاجر بن قُنْفُذِ أنه سَلَّم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ منه قال: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى [غَيْرِ] (^٢) طَهَارَة» (^٣). ففيه دليل أنه ﵇ توضأ قبل التسمية ولكن يلزم من هذا أن لا تكون التسمية أفضل في ابتداء الوضوء ويكون وضوؤه ﵇ خاليًا عنها ولا يجوز لسنة ترك الأفضل إليه ﵇ (^٤).
والأولى في الاستدلال ما ذكر أن هذا خبر الواحد فلا يجوز الزيادة به على إطلاق الكتاب، وأما دفع التعارض فهو أن التسمية من لوازم إكماله فكان ذكرها من تمامه والذاكر لها قبل الوضوء مضطر إلى ذكرها لإقامة هذه السنة المكملة للفرض فخصت من عموم الذكر، ومطلق الذكر ليس من ضرورات الوضوء.
والمستحب أن لا يطلق اللسان به إلا على طهارة، ويدخل التخصيص في الأذكار المنقولة على أعضاء الوضوء لأنها من مكملاته، واستغنى عن قصد الابتداء في التسمية من حيث إنها في نفسها تدل على ذلك؛ فإن الباء متعلقة بمحذوف وهو الفعل الذي جعلت التسمية مبدأ له ليقع ذلك الفعل مقيدًا به في الشرع واقعا على جهة السنة، أو ليكون ذلك الفعل ملتبسا باسم [الله] (^٥) تبركًا، ولن يحصل هذا الغرض إلا بتقديمها لئلا يخلو جزء من أجزاء الفعل عن تركها وعن الاعتداد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١/ ٥٢، رقم ١١٢)، وأبو يعلى (٥/ ٩٢، رقم ٢٦٩٩)، والحاكم (٤/ ١٦٧، رقم ٧٣٠٧) من حديث ابن عباس ﵁. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الهيثمي: رجاله ثقات. مجمع الزوائد" (٨/ ١٦٧).
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) أخرجه أبو داود (١/¬٥ رقم ١٧)، والنسائي (١/¬٣٧) رقم (٣٨)، وابن ماجه (١/ ١٢٦ رقم ٣٥٠)، وابن حبان (٣/ ٨٦ رقم ٨٠٦)، والحاكم (١/ ١٦٧، رقم ٥٩٢). وصححه الحاكم.
(٤) شرح معاني الآثار (١/¬٢٧).
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٧٩ ]
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الكِتَابِ سُنَّةٌ، وَيُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ، هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ: (وَالسِّوَاكُ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ
قوله: (والأصح أنها): أي التسمية مستحبة لأن الندب ما تركه النبي ﵇ مرةً وفعله مرةً، ولم تشتهر المواظبة بها وكونها سنة اختيار الطحاوي والقُدُوري (^١)، وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده وهو ظاهر الرواية: أن السنة ما واظب ﵇ على ذلك (^٢)، والنقل على المواظبة عليها لم يشتهر، ألا ترى أن عثمان وعليا حكيا وضوء النبي ﷺ ولم ينقل عنهما التسمية، وما روى أنه ﵇ سمى فذلك باعتبار أنها مستحبة في ابتداء كل فعل لا لأنها سنة مخصوصة بالوضوء.
وقيل: المراد بالكتاب مختصر القُدُوري، وفي المبسوط بلفظ الاستحباب (^٣).
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عما قيل: يسمي قبل الاستنجاء لأنها سنة الوضوء فيسمى قبله ليقع جميع أفعال الوضوء بها، وعما قيل أنه يسمى بعد الاستنجاء لأن قبله حال انكشاف العورة، وذكر الله تعالى في تلك الحالة غير مستحب تعظيمًا لاسم الله تعالى كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى قاضي خان (^٤).
ولكن ذكر في فتاوى قاضي خان والأصح أنه يسمي مرتين قبله وبعده لا مع الانكشاف ولا في موضع النجاسة. وكذا الاختلاف في غسل اليدين.
قوله: (والسواك): أي استعماله حذف المضاف لا من الإلباس لأن السواك والمسواك اسم للخشبة، وهي ليست بسنة.
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (١/¬٢٧)، والجوهرة النيرة على مختصر القدوري للحدادي (١/¬٥).
(٢) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/¬٢٤)، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/¬١٣).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٥).
(٤) فتاو قاضخان (١/¬١٥)، وانظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/¬٥).
[ ١ / ٨٠ ]
يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ بِالْأَصْبُعِ، لِأَنَّهُ ﵊.
(يواظب عليه): أي مع تركه أحيانًا بدليل أنه ﵇ علم الأعرابي الوضوء ولم ينقل عنه تعليم السواك، ولما روت عائشة ﵂ أنه ﵇ قال: «صلاة بسواك أفضلُ مِنْ سَبعين صلاة بغير سواك». أخرجه أحمد (^١). وعن أبي داود أنه واجب لا يمنع تركه صحة الصلاة، وعن إسحاق إن تركه عامدًا بطلت صلاته.
وفي المحيط: ينبغي أن يكون السواك من الأشجار المرة لأنه يطيب نكهة الفم ويشدّ الأسنان ويقوي المعدة، ويكون في غلظ الخنصر، وطول الشبر (^٢).
ويستاك عرضًا لا طولًا عند مضمضة الوضوء.
وعن إمام الحرمين من أصحاب الشافعي: أنه يمر السواك على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على أحدهما فالعرض أولى لما روى أنه ﵇ قال: «استاكوا عَرْضًا» (^٣)، وقال غيره من أصحابه يستاك عرضًا لا طولا بذلك الحديث، كذا في شرح الوجيز (^٤).
ثم وقته عند المضمضة تكميلا للإنقاء، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والتحفة، والزاد (^٥).
وفي كفاية البيهقي، والوسيلة، والشفا: يستاك قبل الوضوء لقوله ﵇: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (^٦) (^٧)
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٢) رقم (٢٦٣٨٣)، والحاكم (١/ ١٤٦ رقم ٥١٥). وصححه الحاكم.
(٢) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٤٥).
(٣) أخرجه أبو داود في المراسيل (٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/¬٤٠) رقم (١٧٨) عن عطاء بن أبي رباح مرسلًا. قال النووي: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: بحثت عنه فلم أجد له أصلا ولا ذكرًا في شيء من كتب الحديث. المجموع (١/ ٣٤٦)، وضعفه النووي في خلاصة الأحكام (٩٧).
(٤) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (١/ ٣٧١).
(٥) تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/¬١٣).
(٦) أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٣/ ٢٩١ رقم ٣٠٣١)، وأحمد (٢/ ٤٦٠) رقم (٩٩٣٠) عن أبي هريرة ﵁. وعلقه البخاري في (٣٢٣) باب سواك الرطب واليابس للصائم.
(٧) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/¬٢١).
[ ١ / ٨١ ]
فَعَلَ كَذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
قَالَ: (وَالمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ …
وعند الشافعي هو سنة عند القيام إلى الصلاة، وعند الوضوء، وعند كل حال يغير فيها الفم، فيكره للصائم بعد الزوال (^١)، خلافًا لأبي حنيفة، ومالك، وأحمد كما يجيء.
والمستحبُّ أن يستاك بعُودٍ مِنْ أرَاكِ، وبيابس قد نُدِّيَ بالماء.
وفي المقدمة الغزنوية: ويستحب السواك في خمسة أحوال: عند اصفرار السن، وعند تغير الرائحة، وعند القيام من النوم، وعند القيام إلى الصلاة.
ويأخذ السواك باليمنى ويستاك عرضًا لا طولا، ولا تقدير فيه يستاك إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة واصفرار السن.
والمستحب فيه ثلاث بثلاث مياه ويكون السواك ليّنًا محرفًا، ويقول عنده: اللهم طَيِّب فمي، ونور قلبي، وطهر بدني، وحَرِّم جسدي على النار، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (^٢).
وفي المحيط: العلك للمرأة مقام السواك لأنها تخاف منه سقوط أسنانها لأن منها ضعيف، والعلك مما ينقي الأسنان ويشد اللثة كالسواك فقام مقامه (^٣).
(فعل كذلك) أي عالج بالإصبع، علم أنه ليس بواجب لأنه تركه مرةً أو أكثر، كذا قيل.
وفي المحيط: قال على: التشويص بالمسبحة والإبهام سواك (^٤).
قوله: (والمضمضة والاستنشاق): قال علماؤنا والثوري: هما سنتان في الوضوء فرضان في الغسل (^٥)، وقال الشافعي هما سنتان فيهما (^٦)، وبه قال
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٨٢)، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني (١/¬٣٥).
(٢) المقدمة الغزنوية (ص ٨٥، ٨٦).
(٣) انظر: مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح (ص ٣٢).
(٤) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/¬٢٥)، ومراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح (ص ٣٢).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٦/¬٢٨)، والمحيط البرهاني في الفقه النعماني لبرهان الدين (١/¬٤٥).
(٦) انظر: الأم (١/¬٣٩)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٠٣).
[ ١ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مالك (^١)، والأوزاعي، وقال أحدهما واجبان فيهما.
وفي الحلية: قال مالك والزهري: هما سنتان في الوضوء، وفي الْمُجْتَبى: قال مالك وزفر هما فرضان فيهما لأن الفم والأنف خارجان حكما بدليل أن الصائم لو أدخل طعامًا في أنفه وفمه لا يفسد صومه فيتناولها اسم الوجه، لكنا نقول أنهما داخلان حكمًا بدليل أنه لو ابتلع المخاط أو البزاق لا يفسد فلا يتناولهما اسم الوجه من كل وجه فلا يجب غسلهما.
فإن قيل: هما من الوجه من وجه دون وجه حقيقةً وحكما على ما سيأتي، فالاحتياط في وجوب غسلهما كما قال أحمد (^٢).
قلنا: لا يدخلان احتياطا لأن دخول ما ليس في الأمر بعد زيادة وهي نسخ فلا يدخلان احتياطا، كذا في المستصفى، بخلاف الغسل عندنا، فإنهما خارجان من وجه فيجبان فيه امتثالا للأمر، وللمبالغة في التطهير، وعملا بالشبهين، وفي جامع قاضي خان والمحيط: المبالغة فيهما سنة إجماعًا لقوله ﵇ للقيط بن صبرة: «بالِغْ فِي المَضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا فارفق»، أول الحديث: «أسبغ الوضوء، وخلَّل بين الأصابع وبالغ» الحديث رواه الأئمة الخمسة، وصححه الترمذي (^٣) (^٤).
والمبالغة في المضمضة الغرغرة. وفي الاستنشاق أن يأخذ الماء بمنخريه حتى يصعد الماء إلى ما اشتد من الأنف، وقالوا: هما سنتان مشتملتان على سنن تقديم المضمضة على الاستنشاق بالإجماع وأخذ ماء جديد في التثليث سنة
_________________
(١) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (١/ ١٧٠)، والذخيرة للقرافي (١/ ٢٧٤).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٨٨)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (١/ ١٥٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٢/¬٣٠ رقم ٢٣٦٦)، والترمذي (٢/ ١٤٧) رقم (٧٨٨)، والنسائي (١/ ٦٦ رقم ٨٧)، وابن ماجه (١/ ١٤٢) رقم (٤٠٧)، والحاكم (١/ ١٤٧ رقم ٥٢٢) من حديث لقيط بن صبرة ﵁ بلفظ: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما»، بدون ذكر المضمضة. وصححه الترمذي، والحاكم.
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٤٥)، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/¬٢١).
[ ١ / ٨٣ ]
فَعَلَهُمَا عَلَى المُوَاظَبَةِ. وَكَيْفِيَّتُهُما أَنْ يُمَضْمِضَ ثَلَاثًا، يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا، ثُمَّ
عندنا، وعند الشافعي هما واحد وأخذ ماء جديد لكل واحد من المضمضة والاستنشاق سنة عندنا وعند الشافعي لهما ماء واحد. وإزالة المخاط باليد اليسرى.
وفي الحلية: قال في الأم: يجمع بينهما (^١). وقال في البويطي: يفصل بينهما (^٢).
وفي كيفية الجمع والفصل طريقان:
أحدهما: أنه يجمع بينهما بغَرفَةٍ واحدة يتمضمض منها ثلاثًا، ويستنشق ثلاثا.
والثاني: أن يجمع بينهما بثلاث غرفات.
والفصل: أن يفصل بينهما بغرفتين يتمضمض بأحدهما ثلاثا، وبالأخرى يستنشق ثلاثا، والثاني أن يفصل بينهما بست غرفات، والفصل أفضل وأبلغ لأنه مجمع عليه كما روى عثمان وعلي أنه ﵇ يفصل بين المضمضة والاستنشاق.
وفي الْمُجْتَبى: لو رفع الماء من كف واحدة للمضمضة جاز، وللاستنشاق لا يجوز لصيرورة الماء مستعملا (^٣).
وفي الشفاء: هما سنتان مؤكدتان من تركهما يأثم، وفي مبسوط شيخ الإسلام: ترك التكرار لا يكره مع الإمكان (^٤)، قال أستاذنا: يتبين من هذا أن من عنده ما يكفي للغسل مرة معهما، أو ثلاثًا بدونهما يغسل مرة معهما.
وقوله: (فعلهما على المواظبة):
فإن قيل: المواظبة دليل الوجوب كما قال مالك (^٥)، وزفر (^٦)، وأهل
_________________
(١) الأم (١/¬٣٩).
(٢) مختصر البويطي (ص ٦١).
(٣) المجتبى شرح مختصر القدوري (ص ١٩٢).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٧، ٨)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/¬٢٢).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٢٧٤)، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/¬٤٠).
(٦) انظر: الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة (ص) (٣٧)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/¬١٧).
[ ١ / ٨٤ ]
يَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ، هُوَ المَحْكِيُّ عن وُضُوئِهِ ﷺ. (وَمَسْحُ الأُذُنَيْنِ) وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لِقَوْلِهِ ﵊: «الأَذْنَانِ مِنْ الرَّأْسِ»
الحديث وأحمد (^١).
قلنا: إنه ﵇ يواظب على العبادات لتحصيل الكمال لا لأنه فرض لأن الزيادة على النص بخبر الواحد لا تجوز، ولأنه ﵇ علم الأعرابي ولم يذكرهما فيه، مع أن ابن عباس صرح أنهما فرضان في الجنابة، سنتان في الوضوء موقوفًا ومرفوعًا، وإنما فسر كيفيتهما نفيًا لقول الشافعي فإن عنده الأفضل في رواية أن يتمضمض ويستنشق بكفّ واحدٍ بماءٍ واحد، لما روي أنه ﵇ كان يتمضمض ويستنشق بكف واحد (^٢). وللحديث عندنا تأويلان:
أحدهما: أنه لم يستعن فيهما باليدين كما في غسل الوجه.
والثاني: أنه ﵇ فعلهما باليد اليمنى ردا على قول من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأن الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، هو المحكي (يستعمل) في رواية الفعل، والمروي في رواية اللفظ، حكى عثمان وعلي وضوء رسول الله ﷺ، هكذا كذا في المحيط" (^٣).
وقوله: (خلافًا) متعلق بماء الرأس لا بقوله (سنة)؛ فإن عنده أيضًا سنة، وانتصاب خلافًا جاز أن يكون على المفعول المطلق بإضمار فعله، أي قولنا هذا يخالف، خلافًا للشافعي إذ هذا المذكور في معنى يخالف وكان مصدرًا مؤكدًا لمضمون جملة، كقولك: لفلان علي ألف درهم اعترافًا.
قال الشافعي: يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما بماء جديد ثلاثًا، ويأخذ لصماخه ماء جديدًا (^٤)، وهو قول أبي ثور.
وقال مالك: الأذنان من الرأس إلا أنه يستحب أن يأخذ لهما ماء
_________________
(١) انظر: المسودة في أصول الفقه للمجد ابن تيمية (ص ١١٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/¬٤٨) رقم (١٨٥)، ومسلم في صحيحه (١/ ٢١٠ رقم ٢٣٥) واللفظ له من حديث عبد الله بن عاصم ﵁.
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٤٦)، والمبسوط للسرخسي (١/¬٦).
(٤) انظر: الأم (١/¬٤٢، ٤٤).
[ ١ / ٨٥ ]
وَالمُرَادُ بَيَانُ الحُكْمِ دُونَ الخِلْقَةِ. قَالَ: (وَتَخْلِيلُ اللَّحْيَةِ)، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊
جديدًا (^١)، وقال أحمد: هما من الرأس فيمسحان مع الرأس على رواية الاستيعاب، ويجزئ مسحهما بما مسح به الرأس (^٢)، وقال الشعبي والحسن بن صالح: ما أقبل منهما من الوجه فيغسل معه وما أدير منهما من الرأس فيمسح معه (^٣)، وعن ابن شريح أنه كان يغسلهما مع الوجه ويمسحهما مع الرأس احتياطا.
وفي المبسوط: الأفضل أن يمسح ما أقبل من أذنيه مع الرأس، وإن غسل ما أقبل منهما معه جاز؛ لأنه مسح مع زيادة ولا يأخذ لهما جديدًا (^٤)، وقال إسحاق: مسحهما واجب، كذا في الحلية، وعندنا يمسحان بماء الرأس.
وللشافعي ما روى أبو أمامة الباهلي أنه ﵇ أخذ لأذنيه ماءً جديدًا (^٥)؛ ولأن الأذن مع الرأس كالفم والأنف مع الوجه، ثم يأخذ لهما ماءً جديدا فهذا مثله.
ولنا حديث ابن عباس أنه ﵇: مسح برأسه وأذنيه بماء واحد، وقال: " الأذنان من الرأس (^٦).
وقال الإمام بدر الدين خواهر زاده: الرأس من الحلقوم إلى فوق إلا أنه تعالى بعضه في الأحكام، فجعل وظيفة الغسل منه الوجه، ووظيفة الرأس بعد الوجه المسح فأشبه الأذنان أن وظيفتهما من أيهما فبين ﵇ بقوله:
_________________
(١) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ١٧٠)، وإرشاد السالك إلى أشرف المسالك (١/¬٦).
(٢) انظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ١٣٥)، والإقناع للحجاوي (١/¬٢٩).
(٣) انظر: المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة للريمي (١/¬٣٦)، ومزيد النعمة لجمع أقوال الأئمة للمحلي المصري (ص ٥٩).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ٦٤).
(٥) قال النووي: واحتج أصحابنا بأشياء أحسنها حديث عبد الله بن زيد: أن رسول الله ﷺ أخذ لأذنيه ماء خلاف الذي أخذ لرأسه، وهو حديث صحيح. المجموع (١/ ٤١٤). أخرجه البخاري في صحيحه (١/¬٤٨ رقم ١٨٥)، ومسلم في صحيحه (١/ ٢١٠ رقم ٢٣٥).
(٦) أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٧٣ رقم ٣٣١).
[ ١ / ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الأذنان من الرأس» أن وظيفتهما المسح؛ لأنه ﵇ قال: «إنما بُعِثْتُ لبيان الحقائق» (^١).
ووجه آخر من الاستدلال أن كلمة (من) للتبعيض فوجب أن يكون بعض الرأس حقيقة وحكمًا، أو حكمًا لا حقيقةً، وحكم الرأس المسح فكذا حكمهما.
وذكر شمس الأئمة وجهًا آخر فيه، فقال: لا يخلو من أن يكون المراد منه بيان الخلقة وهو مشاهد لا يحتاج إلى البيان، أو يكون المراد أنهما ممسوحان كالرأس أو أنهما ممسوحان بالماء الذي يمسح به الرأس أو بالماء الذي يغسل به الوجه، وعلى التقديرين فهو إخبار من الشارع فصار كأمره وللأمر بمسحهما بماء الرأس أمر بمسحهما نصفه فيكون مسحهما سنة لا واجبًا؛ لأن الزيادة بخبر الواحد على الكتاب لا تجوز، أو أنه ﵇ ألحقهما لكل الرأس، ومسح كله سنة في الصحيح من الرواية، وتأويل ما وراءه أنه لم يبق في كفه ﵇ بللًا فلهذا أخذ ماء جديدًا كذا في مبسوطه (^٢).
وفي جامع الإسبيجابي: روى حديثه جدعان رواية مرسلًا، والمراسيل ليس بحجة على ظنه مع أنه غريب في أمر عام فلا يكون حجة، ولأنه احتمل أنه ﵇ نسي المسح عليهما ثم تذكر، وفي هذه الحالة يأخذ لهما ماءً جديدًا عندنا أيضًا.
وفي الخبازية: ولا يسن تجديد الماء في كل بعض من أبعاض الرأس فلا يسن في الأذنين بل أولى لأنه تابع (^٣).
فإن قيل: يشكل بالمضمضة والاستنشاق حيث لم يُسَنَّا بماء الوجه إلا على رواية البيهقي، وإن كانا سنتين في الوضوء لأنهما كانا من الوجه من وجه.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (١/ ٢١٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٦٥).
(٣) انظر: رد المحتار على الدر المختار (١/ ١٢١).
[ ١ / ٨٧ ]
أَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (*)، لِأَنَّ السُّنَّةَ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ، … … ..
قلنا: إنما كان كذلك ليحصل الامتياز لسنة المسح عن سنة الغسل بضرب خفه كما حصل الامتياز لفرض المسح عن فرض الغسل بضرب خفه، ولهذا لا يقام التثليث فيهما إلا بماء جديد.
فإن قيل: كيف يصح إلحاق الأذنين بكل الرأس، والفرض يتأذى بمسح كل طرف ولا يتأذى بمسحهما؟
قلنا: فرضية المسح ثبتت بالكتاب، وكونهما من الرأس ثبت بخبر الواحد، وما ثبت بالكتاب لا يتأدى بما ثبت بخبر الواحد؛ كفرضية التوجه إلى الكعبة لا تتأدى بالتوجه إلى الحطيم وإن ثبت كونه من البيت بخبر الواحد، كذا ذكره بدر الدين خواهر زاده.
وفي الخبازية: كانا من الرأس وليسا برأس كالتمرة من الشجرة وليست من الشجرة، نقله من المبسوط (^١)، وفيه تأمل.
فإن قيل: السنة إكمال الفرض في محله، وهما ليس بمحل الفرض لأن بمسحهما لا يتأدى الفرض.
قلنا: لا يشترط لإقامة السنة محل الفرض كالمضمضة والاستنشاق، وفيه تأمل.
وفي المُجْتَبَى: يمسحهما بالسبابتين داخلهما وبالإبهام من خارجهما، وفي الأصل: يمسح داخلهما مع الوجه، وفوقهما مع الرأس. والمختار هو الأول، وعن الحلواني وشيخ الإسلام جواهر زاده يدخل الخنصر في صماخ أذنه ويحركهما كذا فعل النبي ﷺ وأبو هريرة (^٢).
قوله: (أمره جبريل ﵇: الأمر هاهنا لا يقتضي الإيجاب لاستلزام الزيادة على النص بخبر الواحد.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٦٥).
(٣) المجتبى شرح مختصر القدوري (ص ٩٣).
[ ١ / ٨٨ ]
وَالدَّاخِلُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الفَرْضِ.
قَالَ: (وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ كَيْ لَا
وفي مبسوط فخر الإسلام، وفتاوى قاضي خان: تخليل اللحية مستحب (^١). وعند أبي يوسف ومحمد: سنة، وبه قال الشافعي (^٢)؛ فإنه صح أنه ﵇ أخذ كفا من ماء فخلل به لحيته، وقال: «بهذا أمرنِي رَبِّي» (^٣). وفي المبسوط: وهو الأصح، وأبو حنيفة يقول: لم يثبت هذا الأمر، فلا يطلق عليه اسم السنة (^٤).
وفي المحيط، والإيضاح، والفتاوى البديعية: التخليل ليس بسنة عندنا خلافًا لأبي يوسف (^٥)، وقال مالك: لا يستحب (^٦). وقال سعيد بن جبير، وعبد الحكم من المالكية: واجب (^٧)؛ لظاهر قوله: «أمرني ربي»، جائز أي لا يبدع تاركه كما يبدع ماسح الحلقوم.
وفي الكافي: أي ليس بسنة أصلية، ولو فعل لا بتدع ولا يكره لأنه ﵇ فعله مرةً فدل على الجواز لا على السنة.
(والداخل): أي داخل اللحية ليس بمحل الفرض لعدم وجوب إيصال الماء إلى باطن الشعر، ويشكل هذا بالمضمضة والاستنشاق فإنهما سنتان مع أنهما ليسا في محل الفرض. وقال الكاثي في جوابه أنهما في الوجه، والوجه محل الفرض إذ لهما حكم الخارج من وجه كما ذكرنا.
قوله: (وتخليل الأصابع): أي أصابع اليد والرجل لأنه جاء في جامع الترمذي عن ابن عباس: أنه ﵇ قال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ يَدَيْكَ
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٨٠)، وفتاوى قاضي خان (١/¬١٥).
(٢) انظر: الأم (٤٠/¬١)، واللباب للمحاملي (ص ٦٠).
(٣) أخرجه أبو داود (١/¬٣٦ رقم ١٤٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٤٩ رقم ٥٢٩) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٨٠)، والمحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٤٨).
(٥) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٤٨).
(٦) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٣١٠)، والفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٣٩).
(٧) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٩٣)، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/¬١٨).
[ ١ / ٨٩ ]
تَتَخَلَّلُهَا نَارُ جَهَنَّمَ»، وَلِأَنَّهُ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ.
«وَرِجْلَيْكَ» (^١) كذا في شرح الوجيز، ولإطلاق ما ذكر في الكتاب والوعيد المذكور في الحديث يتعلق بترك إيصال الماء.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: التخليل سنة بعد وصول الماء، فأما قبل الوصول ففرض (^٢).
وفي المحيط: الأصابع إذا كانت مضمومة وتوضأ من الإناء فتخليلها فرض إجماعًا، وإن كانت مفتوحة أو مضمومة لكن أدخل رجليه في الماء الجاري وترك التخليل جاز (^٣).
وفي القنية: تخليل أصابع الرجل سنة مع وصول الماء إلى باطنها، فيخلل بخنصر يده اليسرى فيبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر رجله اليسرى، كذا ورد الخبر (^٤).
فإن قيل: ينبغي أن يكون التخليل واجبًا نظرًا إلى الأمر كما قال مالك في اليدين. وأحمد وإسحاق فيهما، وفي الرجلين أيضًا مع كونه مقرونا بالوعيد لتاركه.
قلنا: هذا لا يفيد الفرضية لكونه من الأحاد، ولا الوجوب لأنه لا مدخل للوجوب في الوضوء لأنه شرط الصلاة فيكون تبعًا لها، ولهذا يسقط بسقوطها، ويجب بوجوبها، فلو قلنا بالوجوب كما في الصلاة لساوَى التبع الأصل كذا في الكافي وغيره لكن هذا ضعيف وقد بينا وجه الضعف في بيان الوصول في شرح الأصول وجامع الأسرار في شرح المنار.
بل الجواب القوي أن الأمر الثابت بخبر الواحد إنما يفيد الوجوب إذا لم يمنعه مانع ولم توجد قرينة صارفة غير ظاهرة كخبر صدقة الفطر والأضحية، وخبر الفاتحة، أما إذا وجد لا يمكن القول بالوجوب، وهاهنا عارض هذا الأمر
_________________
(١) أخرجه الترمذي في السنن (١/ ٥٧، رقم ٣٩) وقال: حسن غريب.
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٦)، وشرح فتح القدير لابن الهمام (١/¬٣٠).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٤٠).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (١/ ٢٢٦).
[ ١ / ٩٠ ]
قَالَ: (وَتَكْرَارُ الغَسْلِ إِلَى الثَّلَاثِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ»، وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الأَجْرَ مَرَّتَيْنِ»، وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى
من تعليم الأعرابي.
وللأخبار التي حكي فيها وضوء رسول الله بأن التخليل لم يذكر فيها فحمل على الندب أو على السنة التي دون الوجوب عملا بالدليل بقدر الإمكان، وهكذا جميع الدلائل التي تدل ظواهرها عليه في الوضوء معارض بما يمنع القول به إذا تأملت فيها.
وقال شيخي العلامة: في قوله ﵇: «خَلَّلوا» الحديث، دليل على أن وظيفة الرِّجْلِ الغَسلُ لا المسح فكان حجة على الروافض.
قوله: (توضأ مرة) أي غسل كل عضو مرة، والمراد بالقبول الجواز.
(«ووضوء الأنبياء قبلي»، «ووضوء الخليل إبراهيم ﵇») في رواية فمن زاد على هذا أي على أعضاء الوضوء أو على الحد المحدود أو على الثلاث معتقدًا أن كمال السنة لا يحصل بالثلاث فأما إذا زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو بنيته وضوءًا آخر فلا بأس به؛ لأنه نور على نور، وقد أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، كذا في المبسوط (^١).
ويرد التأويل الثاني قوله ﵇: «من استطاع منكم أن يُطيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (^٢)، والحديث في المصابيح.
والتعدي يرجع إلى الزيادة لأنه مجاوزة عن الحد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/¬٣٩) رقم (١٣٦)، ومسلم في صحيحه (١/ ٢١٦ رقم ٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁. قال المنذري: رواه البخاري ومسلم، وقد قيل إن قوله: «من استطاع» إلى آخره إنما هو مدرج. الترغيب والترهيب (٢٨٢).
[ ١ / ٩١ ]
وَظَلَمَ». وَالوَعيِدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ.
[مُسْتَحَبَاتُ الوُضُوءِ]
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّيءِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ).
حدُودُ الآية [البقرة ٢٢٩]، والظلم يرجع إلى النقصان، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي لم تنقص.
وقوله: (لعدم رؤيته سُنَّة): يدل على أن اختياره التأويل الثالث، وقال بعضهم: إنه محمول على نفس الفعل؛ فإن الزيادة على الثلاث لا تقع طهارة، ولا يصير الماء به مستعملا إلا إذا قصد به الوضوء على الوضوء (^١)، وعن الحلواني: الأولى فرض والثانية فضل، والثالثة سنة.
وفي المحيط: الثانية سنة، والثالثة إكمالها (^٢).
وفي المبسوط، وصلاة المروزي: الأولى فرض، والثانية والثالثة سنة، ولو توضأ مرة مرة لعزة الماء أو للبرد أو لحاجة لا يكره ولا يأثم، وإلا فيأثم (^٣).
وقيل: إذ اعتاد يكره، وإلا فلا، وفي شرح المجمع: عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر: أنه ﵇ توضأ ثلاثا ثلاثا (^٤).
قوله: (ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة): المستحب ما يثاب على فعله، ولا يلام على تركه، قال فخر الإسلام النية إرادة استباحة الصلاة أو عبادة لا يستغنى عن الطهارة أو قصد امتثال الأمر (^٥)، وفي القدوري: أن ينوي بالقلب، ويقول باللسان (^٦).
وفي الكافي: أن ينوي بالقلب.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/¬٢٢)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/¬٣٠).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٤٦).
(٣) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/¬٢٣)، والفتاوى الهندية (١/¬١٤).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١/¬٤٣ رقم ١٥٩)، ومسلم في صحيحه (١/ ٢٠٧ رقم ٢٣٠) من حديث عثمان بن عفان ﵁.
(٥) انظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (١/ ٨٣).
(٦) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (٧/¬١).
[ ١ / ٩٢ ]
فَالنِّيَّةُ فِي الوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا تَصِحُ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ. وَلَنَا: أَنَّهُ لَا يَقَعُ قُرْبَةٌ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ لِوُقُوعِهِ طَهَارَةٌ
ثم الخلاف فيما لو نسي المسح فأصابه المطر، أو جرى الماء أو المطر على أعضاء وضوئه، أو علم الوضوء إنسانًا، أو توضأ تبردا فعندنا يجوز، وبه قال الثوري، والأوزاعي، ومالك في قول (^١)، وعند الشافعي: لا يجوز فالنية عنده فرض (^٢). وبه قال أحمد (^٣)، ومالك، وداود (^٤)، وأبو ثور لقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات» (^٥)، ولفظ «إنما» لحصر الحكم في الذكور فيجب أن يكون الوضوء الشرعي منحصرًا فيه، ولأنه محض تعبد، ولأنه ليس على أعضاء الوضوء نجاسة حقيقية، وفيه معنى قربة لقوله ﵇: «الوضوء على الوضوء نور على نورٍ» (^٦)، فيشترط فيه النية كما في التيمم بخلاف إزالة النجاسة الحقيقية فإنه أمر معقول فلا يحتاج إلى النية بالإجماع.
قيل: لم يذكر في كتب الحديث هذا اللفظ، وهو قوله ﵇: «الوضوء على الوضوء نور على نورٍ»، بل مشهور في كتب الفقه، فقد روى ابن ماجه، وأبو داود عن ابن عمر: أنه ﵇ قال: «مَنْ توضأ على ظهرٍ كتب الله له عشر حسنات» (^٧).
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه (١/ ١٧١)، والذخيرة للقرافي (١/ ٢٦٢).
(٢) انظر: الأم (١/¬٤٤)، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/¬٤٥).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٩٦)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (١/ ١٥٩).
(٤) انظر: المحلى لابن حزم (١/ ١٨٣).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (١/¬٦) رقم (١)، ومسلم في صحيحه (٣/ ١٥١٥ رقم ١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٦) قال المنذري: وأما الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ أنه قال: الوضوء على الوضوء نور على نور فلا يحضرني له أصل من حديث النبي ﷺ، ولعله من كلام بعض السلف والله أعلم. الترغيب والترهيب (٣١٥). وقال العراقي: لم أجد له أصلا. تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٣١٧).
(٧) أخرجه أبو داود في سننه (١/¬١٦) رقم (٦٢)، والترمذي في سننه (١/ ١١٤ رقم ٥٩)، وابن ماجه في سننه (١/ ١٧٠ رقم ٥١٢). وضعفه الترمذي.
[ ١ / ٩٣ ]
بِاسْتِعْمَالِ المُطَهِّرِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، لِأَنَّ التَّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إِلَّا فِي حَالِ إِرَادَةِ
وعن ابن شريح والصعلوكي من أصحاب الشافعي: يشترط النية فيها أيضًا، ولأن العبادة فعل العبد باختياره على خلاف هوى النفس تعظيما لله تعالى، وثبات على فعله وإزالة النجاسة الحقيقية من التروك؛ فالمقصود هجران النجاسة، والتروك لا تعتبر فيها النية كترك الشرب والزنا وغيرهما.
ولنا أنه لا يقع، هذا قول بموجب العلة، يعني عدم وقوعها قربة بدون النية مُسلَّم، لكن الكلام فيما رواه وهو أن استعمال الماء الطاهر هل يوجب الطهارة أم لا؟
فقلنا يوجب؛ لأن الماء طهور بطبعه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨] ليطهركم، فإذا لاقى النجاسة طَهَّرَهُ سواء قصد استعمال الطهارة أم لا؛ كالماء للإرواء، والطعام للإشباع.
فإذا ثبتت الطهارة بهذا الطريق كان مفتاحًا للصلاة كسائر الشروط، إذ الشرط يراعي وجوده لا وجوده قصدًا.
وقال ﵇: «الطهور مفتاحُ الصَّلاةِ» (^١)، وروى البخاري ومسلم أنه ﵇ علم الأعرابي الوضوء ولم يذكر له النية (^٢)، فلو كانت شرطا لصحته لبينها في وقت الحاجة إذ الأعرابي كان جاهلا بأحواله، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولأنه غير مقصود بنفسه بل للصلاة، ولهذا لم يصح النذر به بخلاف التراب فإنه لم يعقل مطهرًا في حال إرادة الصلاة فلا يصح بدونها.
ولأن الله تعالى أمر بالغسل والمسح مطلقًا فكان اشتراط النية فيهما زيادة على النص بخبر الواحد بخلاف التيمم فإنه عبارة عن القصد لغةً فكان اشتراط النية فيه بالنص، كما يجيء.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١/¬١٦) رقم (٦١)، والترمذي في سننه (١/ ٥٤) رقم (٣)، وابن ماجه في سننه (١/ ١٠١ رقم ٢٧٥) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. قال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٥٢ رقم ٧٥٧)، ومسلم في صحيحه (١/ ٢٩٧ رقم ٣٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٩٤ ]
الصَّلَاةِ، أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنِ القَصْدِ.
فإن قيل: خرج وجوب الغسل والمسح مخرج الجزاء للشرط، قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦] تقديرها: فاغسلوا هذه الأعضاء للقيام إليها كما يقال: جاء الشتاء فتأهب، ولا يعني بالنية سوى هذا.
قلنا: هذا مُسلَّم فيما إذا كان ذلك حكما غير شرط لحكم آخر، أما إذا كان فلا يشترط فيه ذلك لأن الشرط يراعي وجوده لا وجوده قصدًا كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] فإنه خرج مخرج الجزاء للشرط، لكن لما كان شرطًا لحكم آخر لا يشترط فيه النية حتى لو سعى لغير أداء الجمعة فأدى به الجمعة يجوز بالإجماع.
وحديثه حجة لنا لأن ظاهره يقتضي أن تكون جميع الأعمال ملصقا بالنية إما حقيقة أو حكمًا، والأول غير مراد [لوجودها] (^١) حسا بدون النية فيكون المراد حكم الأعمال بالنيات.
والحكم نوعان مختلفان فيكون مشتركًا ولا عموم له، أو مقتضى ولا عموم له، وقد عرف هذا البحث في الأصول (^٢).
فإن قيل: الوضوء طهارة شرعية لعدم النجاسة على الأعضاء حقيقة وحكما فلا يحصل بدون النية كالتيمم.
قلنا: الأعضاء محكومة بكونها نجسة لأنه أمر بتطهيرها، وهو لا يتحقق بدون النجاسة، والماء مطهر بطبعه فإذا لاقى النجس طهره قصد به أو لا كما بينا، فالشافعي نظر إلى المحل، وقال: النية شرطت في الخلف لأنه لم يعقل إنصاف المحل بها فتشترط في الأصل.
ونظرنا إلى الأدلة وقلنا: إنما شرطت في الخلف لأن الآلة ما أعدت للتطهير فلا يتعدى إلى الأصل إذ الماء يعد للتطهير، وفيه بحث ذكرناه في شرح المنار في دفع المناقضة.
_________________
(١) وقع في الأصل: (لودها)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: أصول السرخسي (١/ ١٢٥)، وكشف الأسرار شرح أصول البزدوي (١/¬٣٦).
[ ١ / ٩٥ ]
(وَيَسْتَوْعِبَ رَأْسَهُ بِالمَسْحِ) وَهُوَ سُنَّةٌ بماءٍ واحدٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهِ
ولأن الذمية لو كانت تحت مسلم فاغتسلت فيما دون العشرة يحل وطئها بالإجماع، ولو شرطت النية لما جاز غسلها لأنها ليست من أهل النية.
وقيل: في جوابه تصحيح غسلها للضرورة أو النية عبارة عن رفع الحدث فيصح من الكافر باعتباره لا باعتبار التقرب، ولكن يلزم عليهم أن لو أسلمت لم يجب عليها إعادة الغسل وحيث يجب في رواية أو يصح وضوء الكافر وغسله، وقياسهم الوضوء على التيمم ضعيف؛ لأن شرط صحة القياس أن لا يكون الأصل متأخرًا، والتيمم شرع بعد الهجرة والوضوء قبلها، وأن لا يكون الأصل على خلاف القياس وهو كذلك لما ذكرنا أنه ملوث.
قوله: (ويستوعب رأسه): لا خلاف بيننا وبين الشافعي في أن الاستيعاب سنة، إنما خلاف في التثليث، وفي القنية: تركه وداوم عليه يأثم.
قيل: لو داوم بغير عذر يأثم.
وكيفية الاستيعاب أن يبل كفيه وأصابع يديه، ويضع بطول ثلاث أصابع من كل كف على مقدم الرأس ويعزل السبابتين والإبهامين، ويجافي الكفين ويجرهما إلى مؤخر الرأس ثم يمسح الْفَوْدَيْن (^١) بالكفين ويجريهما إلى مقدم الرأس، ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين، وباطن الأذنين بباطن السبابتين، ويمسح رقبته بظهر اليدين حتى يصير ماسحًا ببلل لم يصر مستعملا، هكذا روت عائشة مسح رسول الله صلى الله عليه وهكذا المنقول عن السلف (^٢).
وعن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أنه يبدأ من أعلى رأسه إلى جبينه ثم إلى قفاه. وعن الصفار عكسه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٣).
وفي المحيط: مسح الأذنين سنة. وقيل: أدب لأنه اختلف للأثر فيه.
وفي الْمُجْتَبى: ثم التكرار بالمسح ليس بسنة عندنا وعند مالك (^٤)،
_________________
(١) الفودان: واحدهما فَوْدٌ، وهو معظم شعر اللمة مما يلي الأذن.
(٢) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/¬٧)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/¬٢٧).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٤٧)، والبناية شرح الهداية (١/ ٢٣٨).
(٤) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب (٢١١)، والذخيرة للقرافي (١/ ٢٦٢).
[ ١ / ٩٦ ]
مُخْتَلِفَةٍ اعْتِبَارًا بِالمَغْسُولِ. وَلَنَا: أَنَّ أَنَسًا ﵁ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
وَالَّذِي يُرْوَى مِنْ التَّثْلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّ المَفْرُوضَ هُوَ المَسْحُ وَبِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غَسْلًا، وَلَا
وأحمد (^١)، وأبي ثور، خلافًا للشافعي (^٢)، وقال ابن سيرين: يمسح مرتين لأنه روى أنه ﵇ مسح مرتين وعند الشافعي يستحب لمن على رأسه عمامة أن يمسح على ناصيته ويتمم المسح على العمامة ولو اقتصر على مسحها لا يجوز. وعند أحمد والثوري وداود يجوز المسح عليها لدفع الحرج واعتبر أن يكون قد تعمم على طهر. وشرط بعض أصحابه أن يكون تحت الحنك.
واحتج الشافعي بحديث مر في تكرار الغسل وقال: لا فرق بين المغسول والممسوح، ولفظ الخبر مطلق يتناولهما. وعن عثمان وعلي: أنه ﵇ توضأ ومسح رأسه ثلاثًا (^٣).
ولنا: أن أنسًا إلى آخره، روى عثمان وعلي، ومعاذ، وابن عباس، والبراء، والربيع بنت [معوذ] (^٤)، وأبو أمامة الباهلي أنه ﵇ مسح مرةً، قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم (^٥).
وقال أبو عمر بن عبد البر: كلهم يقول: مسح الرأس مسحة واحدة (^٦). والذي يروي ما رواه عثمان وعلي وعبد الله بن أوفي غير مشهور وقد ضعفه الثقات.
_________________
(١) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٦٥)، والمبدع في شرح المقنع لابن مفلح (١/ ١٢٥).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/¬٤٢)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٣٢).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١/¬٢٦ رقم ١٠٧) من حديث عثمان بن عفان ﵁. والحديث في الصحيحين بدون ذكر التثليث.
(٤) وقع في الأصل والنسخة الثانية: (مسعود)، وهو خطأ، وهي: الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية النجارية.
(٥) سنن الترمذي (١/ ٨٩).
(٦) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٤/¬٣٩).
[ ١ / ٩٧ ]
يَكُونُ مَسْئُونًا، فَصَارَ كَمَسْحِ الخُفْ، بِخِلَافِ الغَسْلِ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّكْرَارُ.
قَالَ: (وَيُرَتِّبَ الوُضُوءَ، فَيَبْدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَبِالْمَيَامِنِ)، فَالتَّرْتِيبُ
ولئن ثبت فمحمول عليه بماء واحد لأن المشهور عنهم أنه ﵇ مسح مرةً واحدة كما روينا فيوفق بينهما كذا في مبسوط شيخ الإسلام، على ما روى الحسن وهو ما روى عن أبي حنيفة أنه إذا مسح ثلاثا بماء واحد كان مسنونا، كذا في المجرد. وفي مبسوط بكر: لا بأس به وبمياه مختلفة بدعة (^١).
فإن قيل: قد صار البلل مستعملًا بالمرة الأولى فكيف يسن إمراره ثانية وثالثا قلنا: بلى، يأخذ حكم الاستعمال لإقامة فرضا آخر لا لإقامة السنة لأنها تبع للفرض كما بينا ألا ترى أنه يسن الاستيعاب بماء واحد واعتبار الشافعي الممسوح بالمغسول غير قوي كما ذكر في الأصول فلا يكون مسنونًا لأن السنة لإكمال الفرض لا لإخراجه عن حقيقته فيكون إكماله بالإطالة وهو الاستيعاب كإكمال أركان الصلاة يحصل بها حتى لو كرر آية واحدة لا يكون متممًا للفرض بل يكره في المبسوط وصار كمسح الخف حيث لا يسن فيه التكرار بالإجماع.
وفي قوله: بخلاف الغسل إشارة إلى فساد اعتبار الشافعي الممسوح بالمغسول.
قوله: (ويرتب): بالنصب، أي يستحب أن يرتب، ثم الترتيب واجب عند الشافعي. وفي تركه بالنسيان له قولان في القديم يقدر به، وبالجديد لا بل تركه به ككتركه ذاكرًا وهو الأصح عنده (^٢)، وبه قال أحمد (^٣)، وأبو ثور (^٤). وعندنا ومالك (^٥)، والليث (^٦)، وبعض أصحاب الشافعي (^٧)، والزهري، والمزني، وداود: لا يجب، بل هو سنة، ويكره تركه للشافعي.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٢٧١)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٧٢).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/¬٤٢)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٣٨).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٩٠)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (١/ ١٣٢).
(٤) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٢٧).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٢٨٣)، والتاج والإكليل لمختصر خليل للمواق (١/ ٣٦١).
(٦) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٢٧).
(٧) انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي للعمراني (١/ ١٣٥) وذكر أنه قول المزني، واختيار الشيخ أبي نصر في "المعتمد".
[ ١ / ٩٨ ]
في الوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ، وَالفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. وَلَنَا: أَنَّ المَذْكُورَ فِيهَا حَرْفُ الوَاءِ، وَهِيَ لِمُطْلَقِ
(قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، والفاء للتعقيب) أي مع الوصل فإذا كان كذلك اقتضى وصل الغسل بالقيام إلى الصلاة فلو قدم غير الوجه عليه يبطل الوصل فلا يجوز التقديم فإذا ثبت تقديم الوجه على الباقي يلزم ترتيب غيره عليه لأن غيره معطوف عليه بحرف الواو وهو للترتيب كما في قوله تعالى: ﴿أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ لعدم القائل بالفصل.
وقوله ﵇: «لا يقبلُ الله صلاة امرئ حتى يضع الظهور مواضِعَهُ، فيغسل وجهه، ثم يغسل يديه، ثم يَمْسَحَ رأسَهُ، ثم يغسِلَ رِجلَيْهِ» (^١)، وكلمة " ثم " للترتيب، ونقل أنه ﵇ كان يواظب على الترتيب، ولأن من علم وضوء رسول الله ﷺ كعثمان وعلي والبراء وغيرهم علمه مرتبا.
وقلنا: الفاء دخل في الغسل وهو في هذه الأعضاء، والأعضاء معطوفة بعضها على بعض بحرف الواو وهو لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة فصار كأنه قال - والله أعلم -: فاغسلوا هذه الأعضاء، فعلمنا بحرف الفاء والواو فقلنا الفاء دخل في الفعل لا في المحل فوجب الترتيب في فعل المجموع لا في المحل، ولأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة وهذه ليست عاطفة بل لجواب الشرط، ولو كانت للتعقيب فهي لتعقيب الجملة بواسطة الواو كما ذكرنا.
قال إمام الحرمين: تكلف أصحابنا في نقل أن الواو للترتيب واستشهدوا بأمثلة فاسدة، والحال أنها لا تقتضي ترتيبا، ومن ادعاه فهو مكابر (^٢)، قال
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٢٦ رقم ٨٥٧) واللفظ له من حديث رفاعة بن رافع ﵁. وأخرجه أبو داود (١/ ٢٢٧ رقم ٨٥٨)، والترمذي (١/ ٣٩١) رقم (٣٠٢)، وابن ماجه (١/ ١٥٦ رقم ٤٦٠)، والنسائي (٢/ ٢٢٥ رقم ١١٣٦)، والحاكم (١/ ٢٤١ رقم ٨٨١) بلفظ: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ﷿ …». قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(٢) انظر: البرهان في أصول الفقه له (١/¬٥٠).
[ ١ / ٩٩ ]
الجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَتَقْتَضِي إِعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ. وَالبُدَاءَةُ بِالمَيَامِنِ
النووي: وهو الصواب (^١).
فإن قيل: لما كانت الفاء داخلة في الغسل مقدمًا على المسح فيجب الغسل مقدما عليه، والقائل به قائل بالترتيب.
قلنا: لا نسلم ذلك لأن فعل الغسل لما كان مقدما يلزم منه تقديم جنس الغسل على المسح، ويلزم منه تقديم غسل الرجل على المسح، ومن قال بتقديم غسله لا يقول بالترتيب، ولأن ميمونة روت أنه ﵇ نسي المسح وغسل رجليه، ثم ذكر فمسح بها ولم يغسل رجليه (^٢).
وفي الخبازية: والمعنى في مسألة النية، والترتيب، والموالاة أن العمل في حصول الطهارة للماء لا للفعل، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، ولهذا لو أصاب المطر على أعضاء وضوئه، أو سال الميزاب ونوى بلا عمل تحصل الطهارة بالإجماع؛ لأن العبرة عندنا للماء لا للفعل، فكان الفعل زائدا في الباب فاعتبر الفعل لوصول الماء إلى المحل فلا يتوقف الماء على وجود النية التي اعتبرت لإخلاص الفعل أو الترتيب، أو الموالاة التي من صفات الفعل.
وأما كلمة: (ثم) للترتيب، لكن لا نقول بوجوبه لأنه يلزم الزيادة على النص بخبر الواحد مع أنه متروك الظاهر فإنها للتراخي، ولا يجب التراخي بالإجماع.
ولو بدأ بوجهه قبل يديه جاز بالإجماع، ولأنه قد ضعفه أبو بكر الرازي.
_________________
(١) المجموع شرح المهذب (١/ ٤٤٥)، وقال: قال إمام الحرمين في كتابه "الأساليب": صار علماؤنا …
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٦١) رقم (٢٦٠)، ومسلم في صحيحه (١/ ٢٥٤ رقم ٣١٧) من حديث ميمونة ﵂ قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غُسْلَهُ من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكا شديدا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فَردَّهُ.
[ ١ / ١٠٠ ]
فَضِيلَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَوُّلِ وَالتَّرَجُلِ».
وقال النواوي: هو ضعيف غير معروف.
أما مواظبته ﵇ ثبت مع الترك فتثبت السنة لا الوجوب.
وأما قوله: الواو للترتيب، قلنا: لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة فإنهم وضعوا لكل حرف معنى مخصوص، على ما بين في الأصول (^١).
وأما قوله: ﴿أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فالترتيب فيه ما عرف بسبب الواو إذ النصوص فيه متعارضة؛ لأنه في موضع آخر ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، بل عرف بفعله ﵇ إذ الصلاة مجملة فصار فعله بيانًا.
فإن قيل: قد نقل عن بعضهم خلاف ذلك حتى قيل: أنها للترتيب وللمقاربة، فكيف تصح دعوى الإجماع؟
قلنا: ذكر في أكثر كتب النحو أنه لمطلق الجمع ولم يذكر خلافًا، وصرح في بعضه بلفظ الإجماع فاعتبر المصنف ذلك، أو أنه لم يثبت عنده قول البعض بنقل صحيح فلم يلتفت إليه، أو لأن خلاف القليل لا يمنع انعقاد الإجماع عند البعض فسلك المصنف طريقهم، أو أراد به اتفاق الجمهور فسماه إجماعا تسمية للبعض باسم الكل.
ثم عد القدوري النية، والترتيب، والاستيعاب من المسحات، وعد صاحب الهداية، والمحيط، والتحفة، والإيضاح، والوافي من السنن، وهو الأصح لمواظبة النبي ﷺ عليها، ولم يتركها إلا نادرًا كذا في الْمُجْتَبى (^٢)، وفيه عد المصنف السنن تسعًا، والمستحبات أربعًا، وعدَّها في صلاة الحادي خمس عشرة.
وفي التحفة: إحدى وعشرين، هذه الثلاثة عشر، وثمانيا غيرها، وهي: الاستنجاء بالأحجار، وبالماء وهو من سنن الصحابة كالتراويح، والترتيب في
_________________
(١) انظر: أصول الشاشي (ص ١٩٣)، والمحصول للرازي (١/¬٣٦٣).
(٢) المجتبى شرح مختصر القدوري (ص ١٩٥).
[ ١ / ١٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما كما ذكرنا، وقيل تحريك الماء ليصل إلى جوانبه، وقيل: إكثاره ليصل إليها حالة الصوم، والبداية من رؤوس الأصابع في غسل اليدين والرجلين. ومن مقدم الرأس في المسح.
ثم الموالاة في الوضوء بأن لا يمكث قدر ما يجف فيه العضو المغسول فرض عند مالك (^١)، والشافعي في القديم (^٢)، وأحمد في رواية (^٣)، والليث بن سعد، لكن عند مالك إن كان ترك الموالاة للعجز عن الماء يبطل الوضوء، فإن كان للنسيان لا يبطل.
وقالوا: التفريق ينافي الجمع المستفاد من حرف الواو، ولأنه ﵇ واظب عليها، ولأنه روى أنه ﵇ توضأ على سبيل الموالاة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به» (^٤)، ولأنه عبادة ينقضها الحدث فيعتبر فيها الموالاة كالصلاة.
ولنا ما سبق في الترتيب، ولا تنافي بين الجمع والتفريق، وأنه يصدق مع التعاقب والقران والفصل وقد روي أنه ﵇ رأى رجلا توضأ وترك لمعة في عقبه فأمره بغسلها، ولم يأمره بالاستئناف، والتفحص عن قدر المدة الفاصلة (^٥).
وعن ابن عمر أنه كان يتوضأ في سوق المدينة فدعي إلى جنازة وقد بقي من وضوئه فرض الرجل فذهب معهما إلى المصلى، ثم مسح على خفيه، ولأن أفعال الوضوء يجوز أن يتخللها زمان يسير فكذا الكثير بخلاف الصلاة، ولم تثبت مواظبته ﵇ لما ذكرنا من الأخبار في الترتيب، ولئن
_________________
(١) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬١٩)، والذخيرة للقرافي (١/ ٢٧٠).
(٢) انظر: اللباب للمحاملي (ص ٦٠)، المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٦٢).
(٣) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (١/ ٢٣٩)، والمبدع في شرح المقنع لابن مفلح (١/ ٩٢).
(٤) أخرجه ابن ماجة في السنن (١/ ١٤٥ رقم ٤١٩)، وأحمد في المسند (٢/ ٩٨ رقم ٥٧٣٥)، والدارقطني في السنن (١/ ١٣٧ رقم ٢٦٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٥) أخرجه مسلم (٢٤٣) عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال: «ارجع فأحسن وضوءك» فرجع، ثم صلى.
[ ١ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثبت لا يثبت به الوجوب للزوم الزيادة على النص بخبر الواحد فثبتت السنية.
وعن الحلواني: تجفيف الأعضاء قبل غسل القدمين بالمنديل لا يفعل لأن فيه ترك الولاء، ولا بأس بأن يمسح بالمنديل بعد الوضوء (^١). وبه قال مالك (^٢)، وأحمد (^٣)، وروي عن عثمان، والحسن بن علي، وأنس، ومسروق.
وفي المحيط: آداب الوضوء سبعة عشر: ترك الإسراف، والتقتير، وكلام الناس فيه، وذكر الشهادتين عند كل عضو إلا في المستراح، واستقاء ماء الوضوء بنفسه (^٤).
وعن الوبري: لا بأس بصب الخادم الماء على مولاه في الوضوء، وكان يصب الماء على النبي ﷺ فيه والتبادر إلى ستر العورة بعد الاستنجاء والتأهب للوضوء قبل الوقت، فيقول بعد فراغه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ولا يمسح أعضاءه بخرقة مسح بها موضع الاستنجاء ويستقبل القبلة في الوضوء بعده ويقول بعد فراغه أو في أثناءه اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين وأن يشرب فضل وضوءه مستقبل القبلة قائما وخيره الحلواني بين القيام والقعود ويصلي ركعتين بعده ويملأ آنيته ويتوضأ بآنية الخزف ويتوقى التقاطر على الثياب.
وفي شرح الوجيز: من سننه أن لا يستعين بغيره فيه لقوله ﵊ لعمر حين بادر ليصب الماء على يديه: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحد» (^٥)، وهل تكره الاستعانة؟ الأظهر أنه لا تكره؛ لما روي أن أسامة،
_________________
(١) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١/¬٢٨)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ١٢٢).
(٢) انظر: التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق (١/ ٣٨٤)، ومنح الجليل شرح مختصر خليل لعليش (١/ ٩٦).
(٣) انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه للكوسج (٢/ ٢٧٠)، والمغني لابن قدامة (١/ ١٠٤).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٤٨).
(٥) أخرجه أبو يعلى في المسند (١/ ٢٠٠ رقم ٢٣١)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٨/ ٢٦٢). وضعفه ابن عدي، وضعفه كذلك ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ١١٤).
[ ١ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والربيع بنت [معوذ] (^١) صب الماء على يديه، واستعان بالمغيرة حين لبس جبة ضيقة الكمين وعسر عليه الإسباغ (^٢)، وأن لا تنشف الأعضاء على أظهر القولين، والتنشيف غير مكروه على الأظهر؛ لأنه روي عنه ﵇ التنشيف وتركه، وأن لا ينفض يديه لما روي أنه ﵇ قال: «إذا توضأتم لا تنفضوا فإنها مَراوِحُ الشَّيطان» (^٣)، وأن نحافظ على الأدعية الواردة في الوضوء لورود الأثر عن السلف الصالح بها.
وله مندوبات منها: أن يقول بعد التسمية: الحمد لله الذي جعل الماء طهورًا، وأن يستصحب النية في جميع الأفعال، وأن يجمع في النية بين القلب واللسان، وأن يتعهد المأقين بالسبابتين، وما تحت الخاتم بالتحريك، وكذلك المواضع الذي يحتاج فيها إلى الاحتياط، وأن يبدأ غسل الوجه من أعلاه، وفي مسح الرأس بمقدمه، وفي اليد والرجل بأطراف الأصابع وأن لا يسرف في صب الماء، وأن لا يزيد على الثلاث، وأن لا يتكلم في أثنائه، ولا يلطم الوجه بالماء، وأن يتوضأ في مكان لا يرجع الرشاش عليه، وأن يمر اليد على الأعضاء المغسولة، وأن يقول بعد فراغه: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني مِنَ التوابين» (^٤)، إلى آخره،
_________________
(١) وقع في الأصل والنسخة الثانية: (مسعود)، وهو خطأ، وهي: الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية النجارية.
(٢) أخرجه البخاري في الصحيح (٧/¬١٤٣) رقم (٥٧٩٨)، ومسلم في الصحيح (١/¬٢٢٩ رقم ٢٧٤).
(٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (١/¬٢٠٣). وضعفه ابن حبان، وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، والبختري ضعيف الحديث، وأبوه مجهول. علل الحديث (١/¬٥٠٦).
(٤) أخرجه الترمذي السنن (١/¬١٠٩ رقم ٥٥). الترمذي (٥٥) عن عمر بن الخطاب ﵁. وقال: حديث عمر قد خولف زيد بن حباب في هذا الحديث. وروى عبد الله بن صالح، وغيره، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، عن عمر، وعن ربيعة، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر. وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء. قال محمد وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا.
[ ١ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"سُبحانَكَ اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليكَ" (^١).
وزاد في المقدمة الغزنوية: ويغسل عروة الإناء ثلاثًا، ويضعه على يساره، ولو كان إناء يغترف منه يضعه على يمينه ويضع يده حالة الوضوء على عروة الإناء دون رأسه، ويغسل الأعضاء بالرفق ولا يستعجل في الوضوء، ويُدلّك أعضاءه وخصوصًا في زمان الشتاء، ويستقصي في الغسل والتخليل والدلك، ويجاوز حد الوجه في اليدين والرجلين ليتقن بغسل الحدود، ويدخل خنصره في صماخ أذنيه ويحركها، وينزع خاتمه أو يحركه كل مرة عند غسل اليدين، وينزعه حالة الاستنجاء إن كان في يساره وعليه اسم الله أو نبيه (^٢).
قوله: (والبداية) وفي المغرب: البداية عامية، والصواب: بداءة وهي فعالة من بدأ كالقراءة من قرأ (^٣)، وإن لم يثبت في الأصول فضيلة؛ لأن التيامن ليس من خصائص الوضوء كالتسمية.
التنعل: نعلين درباي كردن، والترجل: شرسانة كردن.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: زعم بعض الناس أن المراد من الترجل نزع الخف، وهو خطأ؛ لأن السنة في النزع أن يبدأ باليسار.
_________________
(١) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٩/¬٣٧) رقم (٩٨٣١)، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١/¬٣ رقم ١٩)، والبيهقي في "الدعوات الكبير " (٥٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁. قال النسائي: هذا خطأ، والصواب موقوف، خالفه محمد بن جعفر فوقفه. وقال البيهقي: وروي أيضًا عن شعبة عن أبي هاشم هكذا مرفوعًا، والمشهور موقوف. " الدعوات الكبير " (٥٩). وقال ابن حجر: واختلف في وقفه ورفعه، وصحح النسائي الموقوف، وضعف الحازمي الرواية المرفوعة لأن الطبراني قال في الأوسط: لم يرفعه عن شعبة إلا يحيى بن كثير. قلت: ورواه أبو إسحاق المزكي في الجزء الثاني تخريج الدارقطني له من طريق روح بن القاسم عن شعبة، وقال: تفرد به عس بن شعب عن روح بن القاسم. قلت: ورجح الدارقطني في العلل الرواية الموقوفة أيضًا. "تلخيص الحبير" (١/¬٣٠٠).
(٢) المقدمة الغزنوية (ص ٩٢).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب لأبي الفتح المطرزي (ص ٣٥).
[ ١ / ١٠٥ ]