وينبغي أن لا يصلي على ميت بين المقابر؛ لأن عليا وابن عباس ﵄ يكرهان ذلك، ولو صلى جاز؛ لأن أبا هريرة صلى على عائشة وأم سلمة بين مقابر البقيع، وفيهم ابن عمر، وكذا يكره أن يصلي عند القبر لنهيه عن ذلك.
المسلم يدفن في مقابر المسلمين والكافر يدفن في مقابر الكفرة، ولو اختلطوا يعتبر الغالب، ولو استووا لا يُغسلون ولا يصلون، وعند الشافعي يتحرى، وقد مر.
ولا رواية في الدفن والأصح: أنهم يدفنون في مقابر على حدة.
ولو ماتت نصرانية وهي حبلى من مسلم ومات في بطنها؛ تدفن في مقابر المسلمين لأجل الولد.
وقيل: في مقابر الكفرة. وعن بعض أصحابه: يجعل ظهرها نحو القبلة.
ونبش القبر منهي لحق الله تعالى ونبش لحق آدمي كما إذا سقط فيه متاعه، أو كُفّن بثوب مغصوب أو دفن في أرض الغير، أو دفن معه مال إحياء لحق العبد المحتاج، وقد أباح النبي ﵇ نبش قبر أبي رغال لعصا من ذهب معه، ولو بلغ خطم الجيحون إلى المقابر لا يجوز النبش، والدفن في موضع آخر.
ولو ماتت امرأة وفي بطنها ولد حي؛ شق بطنها ويخرج، وبه أفتى أبو
_________________
(١) انظر: المجموع للنووي (٥/ ٢٩٥).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٢).
[ ٢ / ٥١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حنيفة في زمانه فخرج وعاش، وسموه حي أبي حنيفة (^١).
ولو علم بعد الدفن؛ نبش ويشق بطنها ويخرج، وبه قال ابن سريج من أصحاب الشافعي؛ لأن فيه إحياء النفس. وقال بعض أصحابه: لا تشق (^٢)، ولكن القابلة تمس بطنها فربما يخرج الولد؛ لأن وجوده في البطن غير محقق، فلا يجوز هتك حرمتها لأجله، ولأن ذلك الولد لا يعيش غالبًا.
وقال أحمد: يعطله القوابل فإن خرج، وإلا ترك حتى يموت ثم يدفن (^٣).
ولو ابتلع جوهرة لغيره؛ ففي شق البطن وجهان: أحدهما: يشق. والثاني: لا يشق كمذهبنا. كذا في تتمتهم (^٤).
وفي الحلية: لو ابتلع جوهرة لنفسه ثم مات؛ يشق بطنه في أحد الوجهين (^٥)، ولكن يتؤخذ قيمتها من تركته.
وفي الإيضاح: لا يدفن في قبر أكثر من واحد؛ لأن العادة جرت بذلك إلا للضرورة، فإن احتاجوا إلى ذلك قدم في اللحد أفضلهما، وجعل بينهما حاجزا من التراب (^٦)، وبه قال الشافعي (^٧)؛ لأنه ﵇ أمر بدفن قتلى أحد في قبر رجلان أو ثلاثة، وقال: «قَدِّموا أكثرَهُم قُرآنًا» (^٨).
ولو كان رجل وامرأة؛ قدم الرجل مما يلي القبلة، والصبي خلفه، والخنثى
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٠٣)، وفتاوى قضي خان (١/ ٩٢).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٦٢)، والبيان للعمراني (٣/ ١١٢).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٧٣)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤١٠).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٦٢)، والبيان للعمراني (٣/ ١١٢)، وفيهما: "إن ابتلع الميت جوهرة، فإن كانت لغيره؛ شق جوفه وأخرجت، وإن كانت للميت ففيه وجهان … ..
(٥) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٩٩).
(٦) انظر: المبسوط للسرخسي (٣٠/ ١٠٧)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٩).
(٧) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣١٦)، والبيان للعمراني (٣/ ٩٧).
(٨) بلفظه أخرجه النسائي (٤/ ٨٠، رقم ٢٠١٠) من حديث هشام بن عامر ﵁، وبنحوه أخرجه البخاري (٢/ ٩١، رقم ١٣٤٣) من حديث جابر ﵁.
[ ٢ / ٥١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خلفه، ثم المرأة.
ولو وضع في القبر لغير القبلة أو على يساره، فإن كان قبل أن يهال التراب أزالوا اللبن وسووا، وإن أهيل التراب ترك كذلك.
وفي الخلاصة: يدفن المسلم ذا رحم محرم معه كافرا، والكافر لا يدفن ذا رحم المحرم منه مسلما، ويدخل في قبر المرأة ذو رحم محرم منها، فإن لم يكن؛ فأهل الصلاح من جيرانها، فالمشايخ، ثم الشباب الصلحاء، ولا يحضر النساء (^١)، وبه قال مالك (^٢)، وأحمد (^٣)، والشافعي (^٤).
وفي السير الكبير: أحب أن يدفن الميت والقتيل في مقابر أولئك القوم (^٥)، وبه قال الشافعي (^٦).
ولا بأس بنقله ميلا أو ميلين أو نحو ذلك؛ لما روي أن جابرا ﵁ قال: حملت أبي وخالي لأدفنهم في المدينة، فسمعت منادي النبي ﷺ: «ادفنوا القتلى في مضاجعهم» (^٧) فرددتهما ودفنتهما.
وقال محمد: دفنهم في مضاجعهم أحسن، وليس بواجب، وأمر النبي ﷺ لدفع المشقة مع ما أصابهم من القرح (^٨).
وفي فتاوى قاضي خان: ولو مات في غير بلده يستحب تركه، فإن نقل إلى مصر آخر لا بأس به (^٩).
_________________
(١) انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٤٥).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (٤/ ١٩٠)، والبيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٢٧٣).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦٨)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٧٤).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٣/ ١٠٢)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٨٨).
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٥/ ٣٥٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢١٠).
(٦) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣١٥)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٢٦).
(٧) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٠٢، رقم ٣١٦٥) (٣/ ٢٦٧، رقم ١٧١٧) من حديث جابر ﵁، وقال: حسن صحيح.
(٨) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٢٢).
(٩) فتاو قاضي خان (١/ ٩٥).
[ ٢ / ٥١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشافعي: لا أحب نقله إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فحينئذ اختار النقل لفضل الدين فيها (^١).
قال النواوي: والأصح: حرمة نقله (^٢).
لنا: ما روى أن يعقوب ﵇ مات بمصر، نقل إلى الشام، وموسى ﵇ نقل تابوت يوسف من حبشة إلى الشام بعد زمان، ومات سعد بن أبي وقاص في ضيعته على أربعة فراسخ من المدينة، ونقل على أعناق الرجال إلى المدينة.
وبعد ما دفن، لا يسع إخراجه إلا بعذر، والعذر ما قلنا، ولم ير أحمد بأسا بأن يحول من قبره إلى قبر آخر، وخالف الجماعة في ذلك.
وقال الإمام السرخسي: قول محمد في الكتاب: لا بأس بقدر ميل أو ميلين؛ دليل أن النقل من بلد إلى بلد آخر مكروه (^٣)، ولا يدفن في الدار وإن كان صبيا.
وفي الخلاصة: لو مات في غير بلده وصلي عليه، ثم جاء أهله فحملوه إلى منزله؛ إن كانت الصلاة بغير إذن السلطان أو القاضي؛ تعاد، وإلا لا، ولو كان الإمام على غيره طهارة تعاد (^٤).
والسؤال في القبر، فإن مات وإن لم يدفن أيامًا، بأن جعل في تابوت ليحمل من مصر إلى مصر، فما لم يدفن لا يسأل، والسؤال لكل ذي روح حتى أن الرضيع ليسأل، ويلقنه الملك ويلهمه الله تعالى.
وفي فتاوى الظهيرية واعلم بأن السؤال في القبر حق ثبت ذلك بالمشاهير من الأحاديث.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٢٦)، والبيان للعمراني (٣/ ٩٤).
(٢) انظر: روضة الطالبين للنووي (٢/ ١٤٣).
(٣) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٤٦)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٦١٤).
(٤) انظر: فتاو قاضي خان (١/ ٩٤).
[ ٢ / ٥١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهل للأنبياء ﵈ سؤال في القبر؟.
قال الإمام الزاهد الصفار: ليس في هذا نص ولا خبر (^١)، ودليل نفي ذلك عنهم واضح، وما روي في الخبر أنه ﵇ استعاذ من عذاب القبر؛ فذلك للمبالغة في إظهار الافتقار إلى الله تعالى.
وأما حكم الأطفال في السؤال: روى الضحاك عن ابن عباس أنهم يسألون عن الميثاق الأول.
وأما جواب الأطفال عن ذلك: فعلى قياس قول أبي حنيفة يتوقف في جوابهم؛ لأنه توقف في أمر الأطفال، فكذا توقف في أمر جوابهم.
أما على مذهب من قال: إنهم خدم أهل الجنة، فكان جوابهم على الصواب على ما كان في الميثاق الأول.
والسؤال في القبر لا يختص بهذه الأمة في قول عامة العلماء، وقال الشيخ الحكيم الترمذي: يختص بهذه الأمة.
كذا ذكر في مجموع الشيخ الصفار (^٢).
وفي فتاوى الظهيرية: وهل يعذب الميت ببكاء أهله؟
قال عامة العلماء: لا يعذب (^٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وتأويل الحديث: أنهم في ذلك الزمان يوصون بالنوح عليهم، فقال ﵇ ذلك.
وقيل: المراد منه أنه يقال للميت إذا ندبوه: أكنت كما يقولونه؟ ولا شك أن الكلام توبيخ وتقريع وتخويف له، وهو ضرب من التعذيب.
وقيل: يعذب عند بكاء أهله بذنبه.
قال القاضي الحسن: يجوز أن يكون الله تعالى قدر العفو عنه إن لم تبكوا عليه.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٦٢).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٦٢)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٦٠).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٦٢)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٠٧).
[ ٢ / ٥١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن عائشة: رحم الله ابن عمر ما كذب، ولكن نسي وأخطأ، وإنما مر رسول الله ﷺ على يهودية، وهم يبكون عليها، فقال: «إنهم يبكون وإنَّها لَتُعَذَّبُ في قبرها» (^١). كذا في شرح الوجيز (^٢).
والتعزية لصاحب المصيبة حسن؛ لقوله ﵇: «حق المسلم على المسلم أن يُعَزِّيه إذا أصابته مُصيبةٌ» (^٣)، ولا بأس لأهل المصيبة أن يجلسوا في البيت أو في المسجد ثلاثة أيام والناس يأتونهم ويعزونهم، ويكره الجلوس على باب الدار؛ لأنه عمل أهل الجاهلية، ونهى النبي ﵇ عن ذلك.
وما يصنع في بلاد العجم من بسط الفرش والقيام على قوارع الطريق من أقبح القبائح.
وفي خيرة الفتاوى والجلوس للمصيبة ثلاثة أيام رخصة، وتركه أحسن (^٤)؛ لقوله ﵇: «إن من كنوز البِرِّ: كتمان المصائب، والأمراض، والصدقة» (^٥).
ويكره اتخاذ الضيافة عند ثلاثة أيام وأكلها.
وفي القنية أيضًا: يكره اتخاذ الضيافة في اليوم الأول والثاني والثالث، وبعد الأسبوع (^٦)، وفي الأعياد ونقل الطعام إلى المقبرة فيها، وإسراج السرج وغيرها، واتخاذ الدعوة لقراءة القرآن ولختمه، أو قراءة سورة الأنعام وسورة الإخلاص ألف مرة، وجمع الصبيان والصلحاء لذلك ليأكلوا ما أعد لهم، وكذا ضيافة أهل الفطر لستة أيام بعد رمضان، وكذا ضيافة أهل التزوير بعد ما جلسوا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٨٠، رقم ١٢٨٩) ومسلم (٢/ ٦٤٢، رقم ٩٣١) من حديث عائشة ﵂.
(٢) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٢٧١).
(٣) لم أجده بعد البحث.
(٤) انظر: فتاو قاضي خان (١/¬٣١).
(٥) ورد من حديث أنس وابن عمر أما حديث أنس فأخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٧) وفي سنده الجارود بن يزيد متروك. وحكم بوضعه الألباني في الضعيفة (٢/ ١١٧، رقم ٦٦٤) وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٩٧) وقال: غريب من حديث نافع وعبد العزيز تفرد به عنه زافر. قلت: زافر صدوق كثير الأوهام كما في تقريب التهذيب (ص: ٢١٣ رقم ١٩٧٦).
(٦) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٢٤٠)، وفتاو قاضي خان (٣/ ٢٤٧).
[ ٢ / ٥١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في مكان أربعين يوما؛ لاشتمال هذه الأفعال كلها على السمعة والرياء، فيحترز عنهم؛ لأنهم لا يريدون بها وجه الله تعالى.
وفي الْمُجْتَبى: ذكر محمد في الآثار: ولا بأس بزيارة القبور [للدعاء وذكر الآخرة، وهو قول أبي حنيفة، وظاهر قول محمد.
وفيه أيضًا: ونقيض هذا جواز زيارة القبور] (^١) للرجال والنساء، وأما حديث أبي هريرة، وهو قوله ﵇: «لعن الله زوارات القبور» (^٢)، وقال: «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتِ غَيْرَ مَأْجُورَاتِ، مُفتناتِ الأحياء، مؤذيات الموتى» (^٣)؛ فيجوز أن يكون قبل الرخصة (^٤)؛ قال ﵇: «كنت نهيتكم …» (^٥) الحديث.
وقال أبو الليث: لا يعرف وضع اليد على القبر سنة ولا مستحبا، ولا يرى به بأسا، وهكذا وجدناه من غير نكير من السلف (^٦).
قال شرف الأئمة: بدعة، وبه قال أكثر العلماء، ويقولون: إنه عادة أهل الكتاب (^٧).
وتعزية المصاب مندوب؛ قال ﵇: «من عزَّى مصابا فله مثل أجره» (^٨)، ولا بأس بالجلوس للعزاء ثلاثة أيام في البيت من غير أن يركبوا تأثما، ويمنعون العزاء، ولا يعطونهم شيئًا.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) أخرجه الترمذي (٢/ ٣٦٢، رقم ١٠٥٦) وقال: حسن صحيح.
(٣) أخرجه بنحوه أبو يعلى (٧/ ١٠٩، رقم ٤٠٥٦) من حديث أنس ﵁ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨/¬٣، رقم ٤١٢٤): فيه الحارث بن زياد، قال الذهبي: ضعيف.
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٢٢).
(٥) أخرجه مسلم (٢/ ٦٧٢، رقم ٩٧٧) من حديث بريدة ﵁ مرفوعا: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا».
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٦١).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٦١).
(٨) أخرجه الترمذي (٢/ ٣٧٦، رقم ١٠٧٣) ابن ماجه (١/ ٥١١، رقم ١٦٠٢) من حديث ابن مسعود ﵁ قال الترمذي: غريب. وضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ٢١٧، رقم ٧٦٥).
[ ٢ / ٥١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي جمع التفاريق: لا يكره في البيت أو المسجد؛ لأنه ﵇ لما قُتِلَ جعفر وابن رواحة وزيد بن حارثة والناس يأتونه ويعزونه (^١). والتعزية في اليوم الأول أفضل.
وقيل: الجلوس لها في المسجد مكروه، وفي غيره جاءت الرخصة.
وقيل: زيارة القبور مندوب إليه.
وقيل: محرم على النساء والأصح: أن الرخصة ثابتة في حقهما.
والنبي ﵇ عرف السلام على الموتى بقوله: «السّلامُ عليكُم أهل الديار» (^٢).
ولا بأس بقراءة القرآن عند القبور، ولكن لا يجلس على القبر، ولا يدخل في المقبرة؛ بل يكون أفضل؛ لأنه يجوز أن يخفف الله تعالى عن أهل القبور شيئًا من العذاب أو بقطعه عند دعاء القارئ وتلاوته. وفيه وردت آثار؛ قال ﵇: «مَنْ دخلَ المَقابِرَ فقرأ سورة (يس) خفَّفَ اللهُ عنهم يومئذ، وَكَانَ لهُ بعدد من فيها حسنات» (^٣).
ولما جاء نعي جعفر بن أبي طالب ﵁ أمر النبي ﵇، أن يصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ لأنه أتاهم ما شغلهم (^٤)، فصار ذلك مندوبا إليه.
ولو أوصى بأن يتخذ طعاما لمن حضر التعزية؟
قال أبو جعفر: يعتبر من الثلث، ويستوي فيه الغني والفقير الجائي من
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٦١)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٠٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٦٧١، رقم ٩٧٥) من حديث بريدة ﵁ وتتمته: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية».
(٣) بمعناه ما أخرجه الديلمي كما في كنز العمال (١/ ٥٨٩ - ٥٩٠، رقم ٢٦٨٥) من حديث علي وقال: مسعدة بن اليسع كذاب، وبنحوه رواه الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (١/ ٥٢٦، رقم ٤٦٩) وفي سنده حماد بن عمرو النصيبي كذاب كما في لسان الميزان (٣/ ٢٧٤، رقم ٢٧٤١).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ١٩٥، رقم ٣١٣٢) والترمذي (٢/ ٣١٤، رقم ٩٩٨) من حديث عبد الله بن جعفر ﵁ وقال: حديث حسن.
[ ٢ / ٥١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعيد، وأما القريب المقام منه فلا (^١).
وينبغي أن يقول المصاب: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ قال ﵇: «إذا مات ولد العبد يقول الله تعالى لملائكته: أقَبضْتُم ولد عبدي وثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم، قال تعالى: فماذا قال؟ قالوا: استرجَعَ وحَمدَك، قال تعالى: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد».
وفي الخلاصة: وجد طريقا في المقبرة، وهو يظن أنه طريق أحدثوه؛ لا يمشي في ذلك اليوم، وإن لم يقع ذلك في ضميره لا بأس به (^٢).
ولا بأس بقطع الحشيش اليابس من المقبرة، ولا يقطع الرطب من غير حاجة.
ويكره أن يطأ القبر وينام عليه، ويقضي حاجته من بول وغائط فيها، أو يصلي عليه أو إليه؛ قال ﵇: «لا تُجَصِّصوا القبور، ولا تبنوا عليها، ولا تقعدوا ولا تمشوا عليها ولا تصلُّوا إليها» (^٣).
[عن عبد الله بن مسعود: لأن أطأ على جمرة أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، وبه قال الشافعي (^٤).
وعن مالك: لا يكره شيء من ذلك (^٥).
وفي المجتبى: يكره المشي عليها] (^٦) وعلى التابوت يجوز عندهم، كالمشي على السقف (^٧).
وفي الخلاصة: ولا يكسر عظام اليهود إذا وجدت في قبورهم (^٨).
_________________
(١) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (٥/ ٨٣)، والجوهرة النيرة للزبيدي (٢/ ٢٩٦).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٠٩)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٦٢٣).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣١٦)، والبيان للعمراني (٣/ ١٢٥).
(٥) انظر: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ٢٥٨)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ٢٥٣).
(٦) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٧) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٢٢).
(٨) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٠٥)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢١٠).
[ ٢ / ٥١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي جمع العلوم: لا يجوز للرجل أن ينظر إلى عظام النساء في المقابر؛ لأنها عورة كما في حالة الحياة (^١).
وقال بعض المشايخ: لا ينظر إلى عظم ما؛ لاحتمال أنه للمرأة.
وفي فتاوى العتابي: لا يطأ القبر إلا للضرورة (^٢).
ويزار من بعيد قائمًا مستقبلة القبلة، وإن كان قبر النبي ﵇، وبه قال بعض الشافعية، ولا يقعد.
وقال الشافعي: لا يكره دخول المقابر (^٣).
وقال أحمد: يكره بالنعال، ولا يكره بالخفاف والتمسكات (^٤).
والتعزية بعد الدفن وقبله.
وقال الثوري: لا يعزي بعد الدفن.
وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره للنساء زيارة القبور، ويستحب للرجال (^٥).
وقال صاحب الحلية: وعندي لو فصل القول في ذلك لما كان به بأسًا، فيقال: إن كان زيارتهن لتجديد الحزن والبكاء والنوح والتعديد على ما جرت به عادتهن؛ كره، وعليه يحتمل الخير، وإن كان الاعتبار بلا تعديد ونياحة؛ يكره أيضًا، إلا أن تكون عجوزا لا تشتهى؛ فحينئذ لا تكره لحضور المساجد (^٦).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٦٢).
(٢) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٦٢٠)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٢٤٥).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٦٩)، والمجموع للنووي (٥/ ٣١٢).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٤٢٠)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٣٦٦).
(٥) انظر: البيان للعمراني (٣/ ١٢٤)، والمجموع للنووي (٥/ ٣٠٩).
(٦) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٣٠٨).
[ ٢ / ٥١٩ ]