(القِرَاءَةُ فِي الفَرْضِ وَاجِبَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ)
في المبسوط: إنما جعل التراويح ركعتين؛ ليكون أروح على البدن، وما يشترك فيه العامة يبتني على اليسر (^١).
وفي الْمُجْتَبى: جعل التخفيف في التراويح لكثرتها، ثم طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود (^٢).
وقال أبو يوسف: إذا كان له ورد من الليل فالأفضل أن يكثر عدد الركعات وإلا فطول القيام أفضل.
وقال محمد: كثرة الركوع والسجود أفضل وإخفاء التطوع أفضل من إبدائه.
قال ﵊: «صلاةُ المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجده إلا المكتوبة» (^٣).
وقال ﵊: «تطوع الليل في بيته يزيد على تطوُّعِهِ عندَ الناس كفضل الجماعة على صلاته وحده» (^٤).
فصل
قوله: (واجبة)؛ أي: لازمة وفريضة؛ إذ الواجب نوعان: قطعي وظني، فالقطعي هو الفرض، وهذا الواجب قطعي في حق العمل. كذا في الخبازية (^٥).
_________________
(١) "المبسوط" (١/ ١٥٩).
(٢) وانظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬١٧)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٣٢).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ١٤٧ رقم ٧٣١)، ومسلم (١/ ٥٣٩ رقم ٧٨١) من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٦٠، رقم ٦٤٥٥)، وعبد الرزاق (٣/ ٧٠، رقم ٤٨٣٥) من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: تطوع الرجل … . موقوفًا. وبنحوه أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/¬٤٦، رقم ٧٣٢٢) من حديث صهيب بن النعمان مرفوعا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٤٧، رقم ٣٤٩٦): فيه محمد بن مصعب القرقساني ضعفه ابن معين وغيره ووثقه أحمد.
(٥) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٣).
[ ٢ / ٢٠ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ»، وَكُلُّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، إِقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الكُلِّ تَيْسِيرًا.
وإنما وصفها بالوجوب؛ لعدم إكفار جاحد ما في الركعتين؛ يعني: من ذوات الأربع من الفرائض، وفيه إشارة إلى أنه لا يتعين الركعتين، ثم مسألة القراءة مخمسة فقال علماؤنا: في الركعتين.
وقال الشافعي ﵁: في الكل (^١)، وبه قال مالك (^٢) وأحمد (^٣) حتى قالوا بفرضية الفاتحة في الكل؛ لكن مالك أقام الأكثر مقام الكل.
وقال أبو بكر الأصم والحسن ابن صالح: القراءة في الصلاة سنة لا ركن؛ لأنها من الأقوال التي يؤتى بها في الصلاة فتكون سنة كسائر الأذكار فإن مبنى الصلاة على الأفعال دون الأقوال؛ ألا ترى العاجز عن الأفعال كلا، والقادر على الأذكار لا يخاطب بالصلاة بخلاف العكس، وبخلاف التكبير الأول فإنه لا يؤتي به في الصلاة (^٤).
وروي عن عمر أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيها شيئًا، فقيل له، قال: لا بأس به (^٥).
وروي أن رجلا قال لعلي: صليت فلم أقرأ؟ قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم، قال: تمت صلاتك، رواهما الشافعي وغيره (^٦).
وعن مالك في رواية شاذة: الصلاة صحيحة بلا قراءة.
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٢٩).
(٢) انظر: التلقين للثعلبي (١/¬٤٢)، والتاج والإكليل للغرناطي (٢/ ٢١٣)، ومنح الجليل لمحمد عليش (١/ ٢٤٨).
(٣) انظر: الإقناع للحجاوي (١/ ١٣٣)، والروض المربع للبهوتي (ص ٨٩)، والفروع لابن مفلح (٢/ ١٧٢).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٤).
(٥) أخرجه الشافعي في "الأم" (٧/ ٢٥١).
(٦) أخرجه الشافعي في "الأم" (٧/ ١٧٤).
[ ٢ / ٢١ ]
وَلَنَا: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]
وعن زيد بن ثابت قال: القراءة فيها سنة، رواه البيهقي (^١).
وقال الحسن البصري وزفر (^٢) والمغيرة من المالكية (^٣): هي ركن في ركعة واحدة؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ أمر بفعل القراءة في الصلاة بالإجماع، وأنه لا يوجب التكرار ولو صليت بظاهر الأمر بسائر الأركان لقلت بأنه لا يتكرر؛ لأن التكرار يثبت فيه بالإجماع فيبقى الباقي على الأصل (^٤)
وقلنا: إلحاق القراءة بسائر الأركان (^٥) لا يصح؛ لأن سائر الأذكار حين شرع، شُرِعَ سُنَّة حتى وجبت المخافتة على كل حال، وهاهنا وجب الجهر بالقراءة في أكثر الصلوات؛ بل في الكل في الأصل، وسقط في البعض لعذر فلو كانت سنة لكان يخافت بها؛ لما أن مبنى التطوع على الخفية والكتمان ومبنى الأركان على الشهرة والإعلان.
وقوله: مبنى الصلاة على الأفعال.
قلنا: على الأفعال والأقوال جميعًا؛ لأن الأمر كما ورد بها ورد بالأذكار أيضًا.
وفي الأذكار تعظيم أيضًا كما في الأفعال، وإنما العاجز عن الأفعال والقادر على الأقوال لا يخاطب بها، لا لأن مبناها على الأفعال لا غير؛ بل لأنه عجز عن أركان الصلاة وقدر على ركن، وجانب العجز يرجح للكثرة؛ لأن لها حكم الكل، فصار كأنه عجز عن الكل، مع أن هذا منقوض بتكبير الافتتاح؛ فإنه ذكر في الصلاة، ومع ذلك فرض، ولئن سلم عن النقض؛ فهذا قياس في مقابلة النص، فلا يكون حجة. كذا في جامع الكردري.
وما روي من أثر عمر وغيره؛ ضعيف، غريب مخالف لظاهر الكتاب
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٣٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٤).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٤).
(٥) هكذا في الأصل، في الحاشية إلى أنه في نسخة: (الأذكار).
[ ٢ / ٢٢ ]
وَالأَمْرُ بِالفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا فِي الثَّانِيَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْأُولَى، لِأَنَّهُمَا يَتَشَاكَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، فَأَمَّا الأَخْرَيَانِ فَيُفَارِقَانِهِمَا فِي حَقِّ السُّقُوطِ بِالسَّفَرِ.
والأحاديث المشهورة، مع أنه روي عن عمر اشتراط الفاتحة وضم ثلاث آيات، ومعنى قول زيد: إن القراءة سنة؛ أي: على وفق ما في المصحف، وحروف القراءة سنة متبعة.
وأما قوله: (إن الأمر لا يقتضي التكرار)؛ مسلم، لكن التكرار في الثانية لم يجب بالأمر؛ بل باعتبار أن الركعة الثانية تكرار للأولى، فلا بد أن يتكرر بجميع ما وجد من الأركان في الأولى؛ ليكون تكرارًا، ولهذا يتكرر بالصفة التي وجبت في الأولى، وفي كل ركعة صلاة؛ بدليل أنه لو حلف أن لا يصلي، فصلى ركعة؛ حنث؛ فلا يصح بغير قراءة؛ لظاهر الحديث.
أما فرضية الفاتحة؛ فلما بينا، ولأن الشفع الثاني تكرار للشفع الأول؛ كالركعة الثانية تكرار للأولى، فتكون القراءة فرضًا فيهما كما في الركعة الثانية، إلا أنها لا يجب فيهما على الصفة الأولى؛ إظهارا لنقصان القراءة في الركنية.
ولنا: أن الأمر وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠] لا يقتضي التكرار؛ لما عرف في الأصول.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] أمر، ومع هذا يتكرر في كل ركعة.
قلنا: لأنه ﵊ بَيَّنَهما في الركعات كلها، وقال في القراءة: القراءة في الأوليين؛ قراءة في الآخرين، وخَيَّر بين أن يقرأ أو يسبح أو يسكت في الأخيرتين. كذا في الكافي (^١)؛ لأنهما؛ أي: الأولى والثانية يتشاكلان من كل وجه.
فإن قيل: الأولى تفترق عن الثانية في تكبيرة الافتتاح والتعوذ والثناء، فكيف يتشابهان من كل وجه؟
_________________
(١) وانظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٥٦)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٥٣).
[ ٢ / ٢٣ ]
وَصِفَةِ القِرَاءَةِ وَقَدْرِهَا، فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِمَا، وَالصَّلَاةُ فِيمَا رَوَى مَذْكُورَةٌ تَصْرِيحًا
قلنا: المشابهة والمشاكلة في الكمية والكيفية فيما يرجع إلى نفس الصلاة وأركانها، أما التكبير: فشرط، وهو زائد، والقعود والثناء أيضًا زائدان وليسا من أركان الصلاة، فالافتراق فيهما لا يقدح في ثبوت المماثلة. كذا في الخبازية (^١)، وفيه تأمل.
(وصفة القراءة)؛ أي: في حق الجهر والمخافتة. (وقدرها)؛ أي: في ضم السورة كذا في الإيضاح.
فأما الأخريان، وفي بعض النسخ: الأخراوان، وفي ذيل المغرب: هو لحن وإنما الصواب الأخريان؛ وذلك لأن الألف إذا كانت ثالثة ردت إلى أصلها في التثنية نحو عضوان وريحان، وإن كانت رابعة فصاعدا لم تقلب إلا نحو: أعشيان، وأجليان، والأوليان.
(فلا يلحقان)؛ أي: للأخريان بأوليين؛ لحديث علي ﵁ كما روينا، ولأنها ذكر مخافت بها في الشفع الثاني في كل الأحوال بالإجماع، فتكون سنة كسائر الأذكار؛ ولهذا عُينت الفاتحة دون غيرها؛ لأنها ذكر وثناء.
ولهذا قال علماؤنا: ينوي بها الذكر والدعاء دون القراءة. وفي غير الرواية: لو قرأ الفاتحة في الأخريين بنية القراءة، ضم إليها سورة، وهذا لأن القراءة ركن ناقص؛ لأنها تتأدى باللسان، واللسان عضو باطن من وجه، ظاهر من وجه؛ فلكونه باطنا من وجه ينبغي أن لا يتعلق به ركن كالقلب، ولكونه ظاهرًا يتعلق به كسائر الأعضاء الظاهرة؛ فلذلك كانت القراءة ركنا ناقصا.
فلو قلنا بأنها تتكرر بالركنية في الركعات كلها، سوينا بين الناقص والكامل، فأظهرنا ذلك في الشفع الثاني؛ لأنه شرع زيادة على أصل الصلاة، فإنه ذكر في جامع فخر الإسلام أن الصلاة في الأصل كانت ركعتان؛ لما روي
_________________
(١) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٦).
[ ٢ / ٢٤ ]
فَتَنْصَرِفُ إِلَى الكَامِلَةِ، وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ عُرْفًا، كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةَ، بِخِلَافِ
أنه ﵊ كان على حراء، وكان وقت الظهر، فأتاه جبريل ﵊ فأمره بالوضوء، فقال ﵊: «أين الماء؟» فمسح جبريل بجناحه الأرض ونبع الماء، فتوضأ، وصلى ركعتين (^١)، فصار أولى لصرف النقصان إليه، كما جعل أولى بالإسقاط في حالة السفر.
فإن قيل: قوله ﵊: «لا صلاة إلا بالقراءة» (^٢) يتناول الشفع الثاني أيضًا؛ لأن الصلاة مذكورة صريحًا.
قلنا: النص عام، ولا يمكن إجراؤه على العموم؛ لأنه بفحواه يدل على أن كل الصلاة لا تخلو عن القراءة، وأن كل ركن من أركان الصلاة فصار كالمجمل، وقد بين النبي ﵊ في الركعتين فقال: «القراءة في الأوليتين قراءة في الأخريين» (^٣)؛ أي: ينوب عنهما كذا في المستصفى (^٤)، وفيه نوع تأمل.
وأما قوله: لا صلاة إلا بالقراءة؛ فالمراد منه نفي الفضيلة لا نفي الجواز، فإن الصلاة توجد بدونها من حيث الحقيقة، مع أن القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين، ولأنه تشهد.
لنا: لأنه ﵊ ذكر الصلاة مطلقا فلا ينصرف إلى ركعة؛ بل ينصرف إلى الكامل؛ إذ المطلق ينصرف إليه، والكامل منهما ركعتان، بدليل مسألة اليمين، ونحن نقول بقوله.
وأما قوله: إن الشفع الثاني تكرار للأول.
قلنا: لا كذلك؛ بدليل أن الجهر لم يتكرر، ولو كان تكرارًا [١/ ١٤٨].
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢١٦، رقم ٨٢٠)، وأحمد (٢/ ٤٢٨ رقم ٩٥٢٥) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، وصححه الحاكم (١/ ٢٣٩، رقم ٨٧٢) وأقره الذهبي.
(٣) ذكره ابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ٣٧٢) من حديث علي وقال: وهذه الأحاديث لا تعرف، وراويه الحارث الكذاب.
(٤) وانظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٦٦)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٣٤).
[ ٢ / ٢٥ ]
مَا إِذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي (وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الأُخْرَيَيْنِ) مَعْنَاهُ: إِنْ شَاءَ سَكَتَ وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، … … ..
لتكررت القراءة بالصفة التي وجدت في الشفع الأول؛ ألا ترى أن الركعة الثانية تكرار للأولى، تكررت القراءة بالصفة التي وجدت في الأولى، مع أن هذا منقوض بتكبير الافتتاح على مذهبه، فإنه ركن عنده، ومع ذلك لا تستوي فيه الركعات.
وأما إظهار نقصان الركنية في المخافتة مع بقائه ركنا؛ غير مستقيم؛ لأن المخافتة جعلت علمًا على السنة والنافلة لا على نقصان الركن في موضع هذا. حاصل ما ذكر في مبسوط شيخ الإسلام.
وفي الأسرار: أصل أركان الصلاة أفعال لما مر؛ ولهذا سقطت القراءة بالاقتداء إذا خاف فوت الركعة بالإجماع دون غيرها؛ ولذلك كانت الصلاة مشروعة قبل القراءة.
وفي المغرب: وإن شاركت الركعة الثالثة للأوليين في عدم السقوط بالسفر، إلا أنا تركنا القراءة فيها بفعل عمر.
لا يصلي صلاة فإنه ينصرف إلى الركعتين فلا يحنث بركعة؛ لأن المصدر متى ذكر صريحًا ينصرف إلى الكامل بخلاف قوله: لا يصلي، حنث يحنث بركعة واحدة؛ لأن المصدر غير مذكور صريحًا فكان ثابتًا ضرورة صحة قوله: لا يصلي، وهي تندفع بركعة واحدة.
قوله: (إن شاء سكت)؛ أي: مقدار تسبيحة. وقيل: بقدر ما ينطلق عليه اسم القيام، ولو أطال السكوت فهو أفضل، وعن علي وابن مسعود ﵄ قالا: لا يقرأ في الأخيرتين شيئًا.
(قرأ)؛ أي: الفاتحة على جهة الثناء كما بينا.
(وإن شاء سبح)؛ أي: ثلاث تسبيحات، كذا في المحيط (^١) والتحفة (^٢).
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٢٩٧).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٧)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٧٣).
[ ٢ / ٢٦ ]
وَهُوَ المَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ ﵃، إِلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ، لِأَنَّهُ ﵊ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
(وهو)؛ أي: التسبيح. (هو المأثور)؛ أي: المروي.
وفي المبسوط: سأل رجل عن عائشة ﵂ عن قراءة الفاتحة في الأخريين فقالت: اقرأ وليكن على جهة الثناء (^١).
وقوله: (إلا أن الأفضل): استثناء من قوله: مخير، وكأنه أراد به نفي رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵁؛ أن القراءة تجب فيهما حتى لو لم يقرأ، أو لم يسبح كان مسيئًا إن كان عمدًا، وإن كان ساهيًا فعليه السهو؛ لظاهر قول عائشة ﵄. ولأن القيام في الأخريين مقصود فيكره إخلاؤه عن الذكر والقراءة جميعًا، كما في حال الركوع والسجود.
والأصح: أن تركها لا يوجب الكراهية ولا السهو؛ لأن الأصل في القيام القراءة، فإذا سقطت القراءة فيهما بقي القيام المطلق، فيكون كقيام المؤتم، بخلاف الركوع والسجود؛ لأن القراءة فيهما غير مشروعة؛ بل المشروع فيهما الذكر لا يجوز إخلاؤهما عن الذكر. كذا في المحيط (^٢).
وذكر الولوالجي في التعليل الأفضلية بقوله: ليكون مؤديا الصلاة الجائزة بيقين، وعلل في الكتاب بقوله؛ لأنه ﵊ داوم على ذلك (^٣)، فهذا يدل على أنها سنة كذا ذكره في المحيط، فعلى هذا ينبغي أن يكره تركها (^٤).
وقوله: (ولهذا لا يجب السهو بتركها)؛ لا يدل على الأفضلية لجواز أن تكون سنة لا يجب تركها السهو.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬١٨).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٢٩٨).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٨).
[ ٢ / ٢٧ ]
(وَالقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَفِي جَمِيعِ الوِتْرِ) أَمَّا النَّفَلُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعِ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ، وَالقِيَامُ إِلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الأُولَى إِلَّا رَكْعَتَانِ فِي المَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا ﵏، …
وفي الْمُجْتَبى: والأصح عدم وجوب السهو بتركها؛ لأن الأخبار قد تعارضت ففي بعضها يتخير بين القراءة والتسبيح أو السكوت (^١)، وفي بعضها أنه ﵊ داوم على قراءة الفاتحة فيهما؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: والصحيح أن يقرأ الفاتحة فيهما على وجه الثناء والذكر (^٢).
وقال أبو بكر الرازي: قال علماؤنا: ينوي بها الذكر والدعاء (^٣)، فعلى هذا لا يكون تركها مكروها.
قوله: (صلاة على حدة)؛ بدليل أن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول، وقد قال ﵊: «لا صَلاة إلَّا بالقراءة» (^٤).
وقوله: (ولهذا) توضيح، ولقوله: (إن كل شفع صلاة على حدة).
وقوله: (في المشهور): احتراز عن قول أبي يوسف الأول، فإنه ذكر في مبسوط شيخ الإسلام: لو افتتح النفل أربعًا، ثم تكلم على رأس الركعتين بعد ما قعد قدر التشهد؛ لا يلزمه شيء عندهما، وهو قول أبي يوسف الآخر (^٥).
وقال أولا: يلزمه أربع ركعات؛ لأن نية الأربع قارن سبب الوجوب وهو الشروع فيلزمه الأربع قياسًا على النذر، ولكنا نقول: إن النية في حق الشفع الثاني لم يقارن سبب الوجوب؛ لأن الشروع فيه لم يوجد وهو ملزم فبقي مجرد النية، ومجرد النية لا يؤثر في الإيجاب، كما لو نوى أن يصلي ولم يشرع لا يلزمه شيء بخلاف النذر فإن نية الأربع قارنت سبب الوجوب من حيث اللفظ؛
_________________
(١) وانظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٤٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١١٢)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ٧٥).
(٢) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٧)، والمبسوط للسرخسي (١/¬١٩).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/¬٣٤٥).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٥).
[ ٢ / ٢٨ ]
وَلِهَذَا قَالُوا: يُسْتَفْتَحُ فِي الثَّالِثَةِ،
لأن اسم الصلاة كما يتناول اسم الركعتين يتناول الأربع، فإذا نواه فقد نوى ما يحتمله اللفظ فيصح، فعلم أن قوله: في المشهور فيما إذا نوى أربعًا؛ ليصح التقييد بالمشهور.
أما لو شرع في النفل بمطلق النية؛ لا يلزمه أكثر من ركعتين باتفاق الروايات. ذكره في المحيط (^١).
قوله: (ولهذا يستفتح)؛ أي: يقرأ سبحانك اللهم توضيح لقوله.
والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة.
وفي الْمُجْتَبى: في الأربع قبل الظهر والجمعة، وبعدها لا يصلي على النبي ﵊، ولا يستفتح إذا قام إلى الثالثة، بخلاف سائر ذوات الأربع من النوافل (^٢).
فإن قيل: يشكل على هذا كله قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد؛ فإنهم يجوزون ترك القعدة الأولى من الشفع الأول في التطوعات، وكذا في الست والثماني في الصحيح يجوز ترك القعدة، فلو كان كل شفع صلاة على حدة؛ ينبغي أن لا يجوز تركها؛ لأنها الأخيرة، كما في الفرائض كما في الفجر وظهر المسافر.
قلنا: القياس أن تفسد، وهو قول زفر ورواية عن محمد.
وفي الاستحسان: لا تفسد، ويجب سجدتا السهو بتركها ساهيًا؛ لما أن التطوع كما شرع ركعتين شرع أربعا أيضًا، فإذا ترك القعدة وقام إلى الشفع الثاني، أمكننا أن نجعل الكل صلاة واحدة، وفي الصلاة الصلاة الواحدة من ذوات الأربع لا تفترض إلا القعدة الأخيرة، وهي قعدة الختم والتحلل، كما في الظهر بخلاف صلاة الفجر؛ لأنها شرعت ركعتين لا غير، وبضم الشفع الثاني
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٣٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٩٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٩).
(٢) وانظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٥٣)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬١٦).
[ ٢ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يصير الكل صلاة واحدة، وهذا الفقه وهو أن القعدة الثانية ليست من جملة الأركان على ما مر، ولكنها فرضت للختم؛ لأن ختم المفروض فرض؛ ولذا لم تكن القعدة الأولى فرضا؛ لأنها ليست بحالة الختم، فإذا قام إلى الثالثة هاهنا؛ صارت الصلاة من ذوات الأربع، فلم تكن القعدة الأولى حالة الختم فلم يبق فرضا كما في الفرض.
فإن قيل: ينبغي أن يكون في حق القراءة كذلك؟
قلنا: إنما اعتبر في حق القراءة كصلاتين؛ لأن القراءة ركن مقصود في الصلاة شرعت لعينها، بدليل أنها شرعت في الركعة الأولى كسائر الأركان، أما القعدة فما شرعت مقصودة، بل شرعت للتحلل أو للفصل بين الشفعين، إلا أن ما يجب للتحلل يفترض، وما شرع للفصل يكون واجبا، فإذا صارت الصلاة أربعا سقطت الفرضية.
فإن قيل: لو صار بالقيام إلى الشفع الثاني كصلاة واحدة كالظهر؛ لما أمر بالعود كما في الظهر.
قلنا: يشابهه من وجه حتى قلنا: إن الفساد في آخره يسري إلى الأول متى ترك القعدة، ويفارقه من وجه، حتى إن القراءة تجب في الشفع الثاني، فكان هذا مشابها للفجر أيضا؛ فلشبهه به يعود إليها ما لم يقيد بالسجدة، ولشبهه بالظهر لا يؤمر بالعود إذا قيد الثالثة بالسجدة، ولم يفسد توفيرا للشبهتين كذا في مبسوط شيخ الإسلام والمحيط (^١).
وفي الْمُجْتَبى (^٢): يقرأ في كل ركعة من النفل الفاتحة وسورة أو ثلاث آيات أو الآية الطويلة، ولو جمع بين السورتين أو السورة في ركعة لا يكره؛ لأنه ﵊ أوتر بتسع من المفصلة (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٠).
(٢) وانظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/¬٣٥)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٠٦، ٢٠٧).
(٣) أخرجه الترمذي (١/ ٥٨٢، رقم ٤٦٠) من حديث علي ﵁، وضعفه جدًا الشيخ الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ص: ٥١، رقم ٣٣٣).
[ ٢ / ٣٠ ]
وَأَمَّا الوِتْرُ فَلِلِاحْتِيَاطِ.
وقال أبو اليسر: يكره تكرار السورة والآية منها أو في الركعتين، وتطويل الثانية على الأولى يجوز في النوافل لا في الفرائض إلا إذا قرأ في المغرب في الأولى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ سهوا يكررها في الثانية كما فعل أبو حنيفة ﵀ (^١).
وقال الطحاوي: يبتدئ من البقرة.
قوله: (فَلِلِاحْتِيَاطِ)؛ إذ الوتر سنة اعتقادًا. كذا في جامع البرهاني (^٢).
وفي الكافي: لأنها سنة عندهما فتجب القراءة في الكل نظرا إليه، وبالنظر إلى مذهب أبي حنيفة لا يجب، فيجب احتياطا.
وفي الخبازية: شبهه كون الوتر سنة ثابتة لاختلاف الأحاديث، فإنه روي أنه ﵊ قال: «ثلاث كُتبت علي وهنَّ لَكُمْ سنة: الوِتْرُ، والضُّحَى، والأضحَى» (^٣) وترك القراءة في ركعة من السنة يفسدها.
وقال الشافعي ﵀: لا قضاء عليه؛ لكن يستحب إتمامها (^٤)، وبه قال أحمد (^٥)، وكذا في صوم التطوع.
وقال مالك ﵀: يلزمه إتمامها، ولو خرج من الصوم بعذر كالسفر؛ لم يلزمه القضاء في إحدى الروايتين عنه (^٦)، وبه قال أبو ثور (^٧).
ولو خرج بغير عذر يجب القضاء في رواية عنه (^٨)، وعندنا يلزمه إتمامها
_________________
(١) انظر: حاشية الطحاوي (ص ٣٥٢)، ومراقي الفلاح للشرنبلالي (ص ١٢٩).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٢٩٨).
(٣) رواه أحمد (١/ ٣٢١، رقم ٢٠٥٠) من حديث ابن عباس، وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٤، رقم ١٣٩٧٩) بأبي جناب الكلبي لأنه ضعيف مدلس.
(٤) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٥٥٥)، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ٤٣٠)، والتنبيه للشيرازي (ص ٦٧).
(٥) انظر: الإقناع للحجاوي (١/ ٣١٩)، والإنصاف للمرداوي (٣/ ٣٥٢)، والروض المربع للبهوتي (ص ٢٤١).
(٦) انظر: مواهب الجليل للحطاب (٢/ ٤٣٠)، ومنح الجليل لمحمد عليش (٢/ ١٦٦)، والكافي في فقه أهل المدينة للقرطبي (١/ ٣٥٠).
(٧) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (٦/ ٣٩٤)، وحلية العلماء للقفال الشاشي (٣/ ١٧٧).
(٨) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (٢/ ٣٤٠)، مواهب الجليل للحطاب (٢/ ٤٣٠).
[ ٢ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقضاؤها بالخروج، وهو قول أبي بكر الصديق ﵁ وابن عباس ومالك وآخرين.
وفي الكافي: صورة المسألة فيما لو شرع قصدًا، أما لو شرع ضمنًا؛ لا يلزمه القضاء عندنا خلافًا لزفر كصلاة المظنون (^١).
وكما لو شرع في الصوم بنية القضاء ثم علم أنه ليس عليه شيء؛ يتم صومه تطوعًا، ولو أفطر؛ لا يلزمه القضاء عندنا، خلافًا لزفر. كذا في المبسوط (^٢).
والسلف أوردوا هذه المسألة في كتاب الصوم اتباعًا للآثار، ولأنها وردت في الصوم، لكن القدوري لما علم أن الحكم فيهما واحد أوردها ههنا.
احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] والمتنفل محسن.
وبما روي أنه ﵊ قال: «الصَّائم المتطوع أمير نفسه» (^٣)، وبما روي أنه ﵊ أتي بإناء من لبن، فشرب، وناول أم هانئ فشربت، ثم قالت: يا رسول الله؛ والله إني كنت صائمة، لكن كرهت أن أرد سؤرك، فقال ﵊: «أَمِن قضاء كنت تقضين؟» قالت: لا، فقال ﵊: «إن شئت قضيته وإن شئتَ لا» (^٤).
ولأن المتنفل متبرع بما ليس عليه؛ فلا يلزمه.
(بما لم يتبرع)؛ أي: الذي لم يتبرع فيه، لكنه مخير في آخره كما كان في أوله، وكمن شرع في تطوع ينوي أربعًا، فصلى ركعتين، كان مخيرًا في الشفع الثاني.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فالله تعالى أخبر أن أهل
_________________
(١) وانظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٦٩١).
(٢) انظر: "المبسوط" للسَّرَخْسِي (٣/ ٦٣).
(٣) أخرجه الترمذي (٢/ ١٠١ رقم ٧٣٢) من حديث أم هانئ ﵄. قال الترمذي: حديث أم هانئ في إسناده مقال. وضعفه ابن حجر في تلخيص الحبير (٢/ ٤٥٧) بضعف سماك وغلطه، وله متابعات صححه بها الشيخ الألباني في صحيح أبي داود - الأم - (٧/ ٢١٨، رقم ٢١٢٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٢٩ رقم ٢٤٥٦)، والترمذي (٢/ ١٠١ رقم ٧٣١، ٧٣٢) وصححه الحاكم (١/ ٦٠٥، رقم ١٦٠٠) ووافقه الذهبي، وانظر تخريج الحديث السابق.
[ ٢ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكتاب ابتدعوها رهبانية ولم تكتب عليهم، ثم لم يرعوها حق رعايتها ففسقوا، والرهبانية هي: الاعتزال عن الناس للعبادة أبدا، فلولا أنها كانت سبب التزام لما ابتدعوا ما سبقوا بالترك، وشريعة من قبلنا تلزمنا ما لم يظهر نسخها، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فإذا حرم الإبطال لزم الإتمام، فإذا لزم الإتمام يجب القضاء بعد الإتمام.
وما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، فَأُهِدَي لَنَا حيس، فأكلنا، فدخل النبي ﵊، فابتدرنا لنسأله، فبدرتني حفصة وكانت ابنة أبيها سباقة إلى الخيرات، فقال ﵊: «اقضيا يوما مكانه» (^١)، فإن كان هذا بعد حديث أم هانئ كان ناسخا، وإن كان قبله تبين به أن المراد من قوله: «إن شئت قضيته وإن شئت لا» (^٢) تأخير القضاء وتعجيله، أو تبين أنه ﵊ خص أم هانئ ﵂ بإسقاط القضاء لقصدها إلى التبرك بسؤره ﵊، وكأنها غفلت عن صومها؛ لفرط قصدها إلى التبرك.
كما أن أبا طيبة لما حجم رسول الله ﷺ شرب دمه ﵊، فقال له ﵊: «حرَّمَ اللهُ جسدك على النَّارِ» (^٣)، وشرب الدم لا يوجب هذا، ولكنه لفرط المحبة غفل عن الحرمة، فأكرمه النبي ﵊ بذلك، وحديث سؤال أعرابي عن أركان الدين، فبين ﵊ له الإيمان والصلاة وغيرهما، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تَطَّوَّعَ» (^٤) فاستثنى التطوع عن النفي وكان إيجابًا.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠ رقم ٨٦٢٣ - ٨٦٢٥) وأعله ابن أبي حاتم في العلل (٣/ ١٧٣، رقم ٧٨٢).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٣١٦) في ترجمة (نافع أبو هرمز الجمال) وضعفه جدا ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٤٧٤).
(٤) أخرجه البخاري (١/¬١٨، رقم ٤٦)، ومسلم (١/¬٤٠، رقم ١١) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁.
[ ٢ / ٣٣ ]
قَالَ: (وَمَنْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا قَضَاهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِيهِ، وَلَا لُزُومَ عَلَى المُتَبَرِّعِ. وَلَنَا: أَنَّ المُؤَدَّى وَقَعَ قُرْبَةً فَيَلْزَمُ
فإن قيل: معناه إلا أن تفعل ما ليس عليك.
قلنا: نعم، لكن إذا فعل ما ليس عليه يصير عليه حفظه لحكم الاستثناء، ولأن القدر المشروع فيه عمل على سبيل القربة؛ فيحرم عليه إبطاله، وبالخروج عما بقي يبطل ما مضي؛ لأنه مما لا يتحرى، فيحرم بهذا حتى إذا كان لا يبطل لا يحرم، وما ذكر من الشروع في التطوع بنية الأربع يصلي ركعتين من قبيل ذلك؛ فلذلك لا يحرم.
فإن قيل: العبادة لا تتم قربة إلا بآخرها؛ لأنها لا تتجزأ، ولما توقف الجزء الأول على الآخر ليصير قربة لم يحرم إبطال ما صنع؛ لأنه لا يتم قربة كالذي أخرج المال للصدقة، وقال للفقير: تصدقت به عليك؛ لم يلزمه التسليم، وإن كان ما وجد من جملة القرب.
قلنا: إذا شرع في الصوم أو الصلاة فهو متقرب إلى الله تعالى بفعل الصوم أو الصلاة، والفعل حاصل، وهو الركن أو القيام إلى الصلاة، وإنما عدم ما يسمى صومًا أو صلاة.
فأما الصدقة: فإنها شرعت قربة؛ لما فيه من صلة الفقير وإغنائه، ومن هذا الوجه لم يثبت منه شيء قبل التسليم، وإنما يثبت [إذا] (^١) سلم.
وأما قوله: (فإنه متبرع): فلا يلزمه ما لم يتبرع به، فإنا لا نقول إن تبرعه بما ليس عليه يلزمه ما لم يتبرع به، ولكن وجب عليه حفظ المؤدى؛ لكونه قربة، فإن التحرز عن إبطال العمل واجب بالنص، ولأنا لو أبحنا له الترك وخيرناه؛ بطل ما مضى باعتبار، فرجحنا جانب العبادة على جانب المباح من الفعل، وهو أصل في الشرع؛ ألا ترى أن الرجل إذا كان في الصلاة في جانب منها مقيما، وفي جانب مسافرًا؛ تلزمه صلاة الإقامة، وإن قصد الترخص بالقصر؛ فيرجح الموجب على المسقط، فكذلك هاهنا، على أنا لا نقول ما بقي
_________________
(١) في الأصل: (إنما)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٣٤ ]
الإِثْمَامُ ضَرُورَةَ صِيَانَتِهِ عَنِ البُطْلَانِ
من الفعل صار واجبًا في نفسه، بل نفليته باقية كما كانت.
ولهذا قال أبو حنيفة ﵀: لو شرع في النفل قائما؛ كان له أن يتمه قاعدًا بلا عذر كابتداء الشروع فيه؛ لأنه في نفسه نفل وليس بواجب، وإنا نأمر بالفعل لحق ما مضى حتى لا يبطل؛ لأنه تعالى نهى عن إبطال القرب، كما أمر بالوفاء بالنذر والعهود، فوجب الاحتراز عن إبطالها، كما وجب الائتمار بوفاء النذور بالإجماع. هذا حاصل ما ذكر في الأسرار والمبسوط (^١).
قال شيخ شيخي -رحمهما الله -: لما وجب الفعل بالنذر بالإجماع لأن يجب بالشروع بالطريق الأولى، وبيانه من وجوه:
أحدها: أن الوجوب المستفاد من النذر مستفاد من الأمر بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وبقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] ووجوب صيانة المؤدى مستفاد من النهي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وما يثبت من الوجوب بالنهي أكد من الوجوب الثابت بالأمر، وإليه أشار النبي ﵊: «لَتَرْكَ ذَرَّةٍ مما نهى الله تعالى خَيْرٌ من عبادة الثقلين» (^٢).
وقد صرح التمرتاشي في جامعه: ولو كان على بدن المصلي نجاسة لا يمكنه غسلها إلا بإظهار عورته يصلي معها؛ لأن إظهار العورة منهي والغسل مأمور به، والأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى (^٣).
والثاني: أن صيانة الفعل أولى من صيانة التسمية التي هي القول؛ لأن فضيلة العبادة تزيد بزيادة المشقة، وهي في الفعل أكثر؛ ولهذا كان بناء الصلاة
_________________
(١) وانظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٨)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧٥)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١١٨).
(٢) لم أقف عليه في كتب الحديث، وذكره ابن نجيم في الأشباه والنظائر (ص: ٧٨) وضعفه بعد أن عزاه للكشف.
(٣) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٢٣٨)، والمعتصر من المختصر من مشكل الآثار لأبو المحاسن جمال الدين المُلَطِّي (١/¬٣٤).
[ ٢ / ٣٥ ]
(وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَرَأَ فِي الأُولَيَيْنِ وَقَعَدَ ثُمَّ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ قَضَى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ الشَّفْعَ الأَوَّلَ قَدْ تَمَّ، وَالقِيَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فَيَكُونُ مُلْزَمًا، هَذَا
على الأفعال أكثر وأرسخ من بنائها على الأقوال لما عرف.
والثالث: أن البقاء أسهل من الابتداء، فلما وجب ابتداء الفعل مع قوته لصيانة القول في النذر، لأنف يجب بقاء الفعل مع ضعفه وسهولته لصيانة ابتداء الفعل أولى.
وفي الْمُجْتَبى: وحديث الشافعي ﵁ «أن الصائم المتطوع أمير نفسه» (^١) محمول على ما قبل الشروع، وكذا على هذا تحمل الآية (^٢).
وفي الصغرى: لو أفسد الصوم النفل في الحال لا يلزمه القضاء، أما لو اختار المضي ثم أفسده؛ عليه القضاء (^٣).
قلت: وهكذا في الصلاة ولو شرعت في النفل ثم حاضت وجب القضاء.
قوله: (وإن صلى أربعًا)؛ أي: افتتح وشرع بنية الأربع، فإنها لو كانت على حقيقتها لا يتصور إفساد الأخريين بعد إتمامها، فذكر المسبب وأراد السبب.
وقيد بقوله: (وقعد ثم أفسد)؛ لأنه لو لم يقعد وأفسد الأخريين؛ يلزمه قضاء الأربع بالإجماع؛ اعتبارًا للشروع بالنذر؛ لأن نيته عند الشروع كتسميته بالنذر؛ فيلزمه ما نوى.
وفي المبسوط: افتتح التطوع ينوي أربعًا، ثم تكلم، قضى ركعتين عندهما، وعن أبي يوسف ثلاث روايات في رواية ابن سماعه؛ يلزمه الأربع دون الزيادة وإن نواها؛ لأن التطوع نظير الفرائض، وفي الفرائض أربع بتسليمة واحدة (^٤).
وفي رواية بشر عنه: يلزمه ما نوى وإن نوى مائة ركعة؛ لأن نيته عند الشروع كتسميته بالنذر، وعنه في الأربع قبل الظهر والجمعة يلزمه الأربع، وفي
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) انظر: الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة لسراج الدين أبو حفص (ص ٦٩)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٣٢٥)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ٢٠٣).
(٣) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٤٢٨).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٩).
[ ٢ / ٣٦ ]
إِذَا أَفْسَدَ الأُخْرَيَيْنِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، وَلَوْ أَفْسَدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَا يَقْضِي الْأُخْرَيَيْنِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَقْضِي اعْتِبَارًا لِلشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الشُّرُوعَ يَلْزَمُ مَا شُرِعَ فِيهِ (*)، وَمَا لَا صِحَّةَ لَهُ إِلَّا بِهِ، وَصِحَّةُ الشَّفْعِ الأَوَّلِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي، بِخِلَافِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَلَى هَذَا سُنَّةُ الظَّهْرِ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَقِيلَ:
غيرهما ركعتان (^١).
وفي الْمُجْتَبَى: والصحيح أنه رجع إلى قولهما (^٢)، واتفقوا أن بمطلق النية لا يلزمه أكثر من ركعتين، وكل ركعتين أفسدهما قضاهما دون ما قبلهما ولو ترك القعدة عند الثانية يفسد قياسًا، وبه أخذ محمد وزفر (^٣).
وفي الاستحسان: لا يفسد اعتبارًا بالفرض، وبه أخد أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله-.
ولو ترك عند الرابعة أو السادسة اختلف في قولهما.
قوله: (يلزم ما شرع فيه)؛ أي: إتمام ما شرع فيه؛ وهي الركعة الأولى.
(وما لا صحة له إلا به)؛ يعني: لا صحة للركعة الأولى بدون الثانية فيلزمه. (وصحة الشفع الأول لا تتعلق بالشفع الثاني)؛ لأنه منفك عنه في التطوع؛ ولهذا لو دخلت المرأة على زوجها وهو في الشفع الأول، فانتقل إلى الشفع الثاني، ثم خرجت فطلقها؛ يجب كمال المهر لصحة الخلوة، وتبطل الشفعة أيضًا إذا أخبر في الشفع الأول فانتقل إليه.
أما في الفريضة وسنة الظهر لا تصح الخلوة، ولا تبطل الشفعة. كذا في الكافي (^٤).
(وعلى هذا)؛ أي: على هذا الخلاف سنة الظهر.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الطرفين، أي: لو أفسد قبل الشروع في الشفع الثاني لا يقضي الأخريين.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٤)، والمبسوط للسرخسي (١/ ١٥٩).
(٣) وانظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٩١).
(٤) وانظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٣)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٣٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٩).
(٥) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٢).
[ ٢ / ٣٧ ]
يَقْضِي أَرْبَعًا احْتِيَاطًا، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا أَعَادَ رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَقْضِي أَرْبَعًا) (*)، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَوْجُهِ: وَالأَصْلُ فِيهَا، أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ تَظَلَّهُ تَرْكَ القِرَاءَةِ فِي الأُولَيَيْنِ أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ، لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلْأَفْعَالِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: اللهُ تَرْكُ القِرَاءَةِ
وقيل: يقضي أربعًا احتياطا (^١).
في المبسوط: اختار بعض المتأخرين من أصحابنا قول أبي يوسف الله فيما يؤدي من الأربع بتسليمة، كالأربع قبل الظهر ونحوها (^٢).
وقال الفضيلي له: يقضي أربعًا في أي حال قطعها؛ لأنها بمنزلة صلاة على حدة، حتى إن الزوج إذا خير امرأته وهي في الشفع الأول من هذه الصلاة، أو أخبرت بشفعة لها، فأتمت أربعًا؛ لا تبطل خيارها ولا شفعتها، بخلاف سائر التطوعات كذا في جامع قاضي خان (^٣).
قوله: (والأصل فيها)؛ أي: في مسألة الثمانية.
(بطلان التحريمة)؛ أي: في حق الشفع الثاني.
(لأنها) أي: التحريمة. (تعقد للأفعال) والأفعال قد فسدت بالإجماع، ومع صفة الفساد للأفعال لا بقاء للتحريمة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: إذا فسد الأداء بحيث لا يمكن إصلاحه تنقطع التحريمة كالمبيع إذا هلك قبل القبض انفسخ العقد؛ لأنه فات المعقود عليه بحيث لا يرجى وجوده، فكذلك هاهنا التحريمة شرعت للأداء، فإذا فسد فقد فات المعقود عليه بحيث لا يرجى وجوده فتنقطع التحريمة (^٤).
_________________
(١) (*) الراجح: قول الطرفين.
(٢) وانظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٥٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٢)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٣٣).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٩).
(٤) وانظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٤).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٣).
[ ٢ / ٣٨ ]
فِي الشَّفْعِ الأَوَّلِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ فَسَادَ الأَدَاءِ، لِأَنَّ القِرَاءَةَ رُكْنُ زَائِدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ للصَّلَاةَ وُجُودًا بِدُونِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا صِحَّةَ لِلْأَدَاءِ إِلَّا بِهَا، وَفَسَادُ الأَدَاءِ لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِهِ فَلَا يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ.
وفي مبسوط فخر الإسلام ﵀: لما فسدت الأفعال صارت بمنزلة أفعال ليست هي من الصلاة، ومن فعل في صلاته أفعالا ليست منها تبطل بها التحريمة كالتكلم والحدث العمد كذا هاهنا (^١).
فإن قيل: الوضوء لأجل الصلاة وببطلانها لا يبطل الوضوء.
قلنا: التحريمة لأجل ترتيب الأفعال عليها بدون اختياره، سواء اختار الدخول أو لا يكون داخلا، أما الوضوء لأجل إباحة الصلاة؛ ولهذا يؤجل الصلاة بعده باختياره، فيكون فساد الأفعال مبطلا لها لا في الوضوء. كذا في الكافي.
(بدونها)؛ أي: بدون القراءة كما في حق المقتدي، والأمي، والأخرس، فكانت ركنا زائدًا، فإن بناء الصلاة على الأفعال دون القراءة؛ ألا ترى أن من قدر عليها دون القراءة؛ تجب الصلاة، وفي العكس؛ لا يجب إلا بها؛ أي: بالقراءة، يعني: في حق القارئ.
(لا يزيد على تركه)؛ أي: على ترك الأداء، فإن من يُحرم ولم يشتغل بأركان الصلاة حالة كونه منفردًا، أو خلف الإمام، أو سبقه الحدث، فذهب ليتوضأ؛ لا تفسد تحريمته بالاتفاق، وترك الأداء لا يوجب فساد التحريمة؛ ففساده بالطريق الأولى؛ لأن بالفساد ينعدم الجواز، وبالترك تنعدم الصلاة.
فإن قيل: ما ذكرتم تأخير لا ترك.
قلنا: ترك قبل الاشتغال بالأداء، وإنما يعرف كونه تأخيرا إذا اشتغل بالأداء. كذا عن الكردري (^٢)، بخلاف الكلام والحدث العمد فإنهما من محظورات التحريمة، وارتكاب المحظور يقطع التحريمة؛ لأنه يمنع انعقادها في
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٣).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٣)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٥٧).
[ ٢ / ٣٩ ]
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: تَرْكُ القِرَاءَةِ فِي الأُولَيَيْنِ يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا لَا يُوجِبُ، لِأَنَّ كُلَّ شَفْعِ مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ، وَفَسَادُهَا بِتَرْكِ القِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مُجْتَهَدٌ فِيهِ،
الابتداء فيجوز أن يقطعها بعد الصحة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
والفقه فيه: أن التحريمة شرط الأداء عندنا كما مرّ، وبفساد الأداء لا يفسد الشرط، كالوضوء؛ لا يفسد بفساد الصلاة. إليه أشير في المحيط (^٢).
قوله: (مجتهد فيه): فإن عند الحسن البصري لا يجب القراءة إلا في الركعة الأولى كما مر.
فإن قيل: ترك القراءة في الكل مجتهد فيه أيضًا، فإن عند أبي بكر الأصم والحسن ابن الصالح القراءة فيها غير واجبة كما مر، فعلى هذا ينبغي أن لا تفسد التحريمة عند ترك القراءة في الشفع الأول؛ لأنه مجتهد فيه أيضًا.
قلنا: ذاك خلاف لا اختلاف؛ لأن قوله مخالف للدليل القطعي؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ فلم يعتبر قوله؛ لما أن القضاء في المجتهد فيه إنما يأخذ حكم الصحة إذا كان قول من يخالف لا يخالف الدليل القطعي من الكتاب والسنة.
وفيه تأمل؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ غير قطعي عند الأصم في الصلاة؛ لجواز أن يكون أمر ندب أو خارج الصلاة.
قوله: (احتياطا)؛ في المحيط: أن أبا حنيفة عمل بالاحتياط؛ حيث قال: إن الأمر بفعل القراءة لا يقتضي التكرار كما قاله الحسن، لكن أوجبناها في الثانية احتياطا؛ لأنها تكرار الأولى على ما مرَّ، والاحتياط هاهنا في أن لا تجعل القراءة فرضًا في الثانية في حق بقاء التحريمة، حتى حكم بصحة الشروع في الشفع الثاني، فيجب عليه إتمامه، ولا يحكم بصحة الأداء احتياطا أيضًا،
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٥٧).
(٢) وانظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٣١٣)، (٣١٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٤).
[ ٢ / ٤٠ ]
فَقَضَيْنَا بِالفَسَادِ فِي حَقِّ وُجُوبِ القَضَاءِ، وَحَكَمْنَا بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ فِي حَقِّ لُزُومِ الشَّفْعِ الثَّانِي احْتِيَاطًا، إِذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ: إِذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الكُلِّ قَضَى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا، لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ فِي الشَّفْعِ الأَوَّلِ عِنْدَهُمَا، فَلَمْ يَصِحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، وَبَقِيَتْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، فَصَحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، ثُمَّ إِذَا فَسَدَ الكُلُّ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ فِيهِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأَرْبَعِ عِنْدَهُ.
(وَلَوْ قَرَأَ فِي الأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ: فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُخْرَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَمْ تَبْطُلْ فَصَحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، ثُمَّ فَسَادُهُ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الشَّفْعِ الأَوَّلِ وَلَوْ قَرَأَ فِي الأَخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُولَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَمْ يَصِحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُ: إِنْ صَحَ فَقَدْ أَدَّاهَا وَلَوْ قَرَأَ فِي الأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الأُخْرَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُخْرَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الأَخْرَيَيْنِ وَإِحْدَى الأُولَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُولَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي إِحْدَى الأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الأَرْبَع، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ بَاقِيَةٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: عَلَيْهِ قَضَاءُ الأُولَيَيْنِ (*)، لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ قَدْ ارْتَفَعَتْ عِنْدَهُ.
فأخذ في كل حكم بالاحتياط (^١). إليه أشار المصنف بقوله: (فقضينا بالفساد) إلى قوله: (احتياطا).
وفي مبسوط شيخ الإسلام ﵀: ما قاله أبو حنيفة عدل حيث أوجب الفساد بفساد الأداء ولم ترفع التحريمة؛ لأنه لم يوجد ما يقطعها فعليه قضاء الأخريين بالإجماع؛ لبقاء التحريمة وصحة الشروع في الشفع الثاني، وهذا إذا قعد بينهما فإن لم يقعد يقضي أربعًا؛ لأن عندهما لم يصح الشروع في الثاني والأخريان لا يكونان قضاء عن الأولين؛ لأن بنائهما على تلك التحريمة والتحريمة الواحدة لا يتسع فيها الأداء والقضاء. كذا في المبسوط (^٢).
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٣١٤).
(٣) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٤).
[ ٢ / ٤١ ]
وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وَقَالَ: رَوَيْتُ لَكَ عَنْ أَبِي
قوله: (وأنكر أبو يوسف هذه الرواية)؛ أي: قضاء الأربع عند أبي حنيفة.
في المبسوط: جرت محاورة بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في مذهبه، حين عرض عليه الجامع الصغير، فقال أبو يوسف: رويت لكم عن أبي حنيفة قضاء ركعتين، وقال محمد: بل رويت لي قضاء الأربع (^١).
وقيل: ما حفظ عن أبي يوسف قياس مذهبه؛ لأن التحريمة ضعفت بالفساد بترك القراءة في ركعة فلا يلزمه الشفع الثاني بالشروع فيه لهذه التحريمة، والاستحسان ما حفظه محمد؛ لأن الشروع وإن حصل بصفة الفساد فقد أكده بوجود القراءة في ركعة، فصار ذلك ملزما إياه لتأكده (^٢).
والدليل على أن التأكيد يحصل بالقراءة في ركعة قوله ﵊: («لا صلاة إلا بالقراءة») (^٣)، وبالقراءة في ركعة تكون صلاة بالقراءة؛ ولهذا قال بعض العلماء: لا تجب القراءة في كل صلاة إلا في ركعة.
وقيل: هذا الخلاف مبني على أن المروي عنه إذا أنكر الرواية، تحل له الرواية بعد ذلك عنه عند محمد خلافًا لأبي يوسف.
قوله: (قال)؛ أي: محمد في الجامع الصغير وتفسير قوله ﵊ إلى آخره.
في جامع الإِسْبِيجابي: هذا التفسير مروي عن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃ (^٤).
وفي الخبازية: علي ﵁ مكان زيد (^٥) وفيها: وقد رفعه بعضهم إلى النبي ﷺ، والتمسك به أنه ﵊ أخبر أنه لا يصلي بعد الظهر
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٠)، والعناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٥٩).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٠).
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٢١٦ رقم ٨٢٠)، وأحمد (٢/ ٤٢٨ رقم ٩٥٢٥) من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الحاكم (١/ ٢٣٩ رقم ٨٧٢) وأقره الذهبي.
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٩).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٩).
[ ٢ / ٤٢ ]
حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ، وَمُحَمَّدٌ ﵀ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ رِوَايَتِهِ عَنْهُ. (وَلَوْ قَرَأَ فِي إِحْدَى الأُولَيَيْنِ لَا غَيْرَ قَضَى أَرْبَعًا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قَضَى رَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي إِحْدَى الأَخْرَيَيْنِ لَا غَيْرَ قَضَى أَرْبَعًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَهُمَا:
مثلها ركعتين بقراءة وركعتين بدونها، فيكون أمر بالقراءة في جميع ركعات النفل، وهذا الحمل أولى من حمل الشافعي على المماثلة في العدد، فإنه مشروع بالإجماع في ركعتي الفجر مع الفجر، والأربع قبل الظهر مع الظهر في الحضر، وفي الظهر مع ركعتين بعدها في السفر، ولو حمل على تكرار الجماعة في مسجد له أهل أو على قضاء صلاة عند توهم الفساد يكون صحيحا. كذا في جامع فخر الإسلام (^١).
وفي الخبازية: فإن ذلك مكروه؛ لما فيه من تسليط الوسوسة على القلب (^٢)، وبعضهم قالوا: هذا حكم ظهر عقيب سبب، وهو ما روي أنه ﵊ غداة ليلة التعريس دعا بماء فأوتر ثم صلى الفجر بجماعة، فقال له أصحابه: أو نقضي هاتين الركعتين في وقت الصلاة من اليوم الثاني؟ فقال ﵊: «إِنَّ الله تعالى نهاكم عنِ الرِّبا فلا يأمركم به لا يصلى بعد صلاة مثلها» (^٣).
معناه: أن الفائتة إذا قضيت لا تقضى في اليوم الثاني في وقت تلك الصلاة من غير دليل (^٤).
وفي الكافي: ما ذكر في الهداية أنه بيان فرضية القراءة في ركعات النفل مشكل؛ لأنه خبر الواحد فكيف يقتضي الفرضية، ولئن كان مشهورًا فهو مؤوّل كما ذكرنا فلا يوجب العلم (^٥).
_________________
(١) وانظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬٣٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٠).
(٢) وانظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٠).
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٤٤١، رقم ١٩٩٧٨) من حديث عمران بن حصين ﵁ وصححه ابن حبان (٦/ ٣٧٥، ٢٦٥٠).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٠).
(٥) انظر: مجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٣٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٣٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٦٠).
[ ٢ / ٤٣ ]
رَكْعَتَيْنِ) (*) قَالَ: (وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﵊: («لَا يُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةٍ مِثْلُهَا» يَعْنِي: رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ، فَيَكُونُ بَيَانُ فَرْضِيَّةِ القِرَاءَةِ فِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ كُلِّهَا، وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ قَاعِدًا مَعَ القُدْرَةِ عَلَى القِيَامِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «صَلَاةُ القَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ القَائِمِ».
ولئن قيل: إنه بيان لمجمل الكتاب، فصار كخبر المسح على الرأس، وخبر القعدة الأخيرة لا يستقيم أيضًا؛ لأن نص القراءة ظاهر مستغن عن البيان وليس بمجمل، ولو كان مجملا؛ لقيل بفرضية الفاتحة وضم السورة.
قال شيخي العلامة رَحْمَةُ اللهِ: ليس فيه إشكال؛ لأنه قال: هو بيان الفرضية ولم يقل أن الفرضية ثابتة به، ويجوز أن يكون خبر الواحد بيان فرضية شيء، وفرضيته ثابتة بدليل آخر كقوله ﵊: «خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوء هن …» (^١) الحديث؛ فإن فرضية الصلوات ثابتة بالدلائل، وهاهنا فرضية القراءة في ركعات النفل ثابتة بالدليل الذي أوجب فرضيتها في ركعتي الفرض وركعتي النفل؛ إذ كل شفع صلاة على حدة، وهذا الحديث بيان لتلك الفرضية (^٢).
وفي الخبازية: تفسير الحديث على الوجه المنقول بيان أن كل شفع من النوافل محل فرض القراءة باعتبار أنه صلاة على حدة كالفرائض ثم الفرضية ثبتت بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ وهذا كما يقال تقدير المسح بالربع ثبت بحديث مغيرة وفرضيته ثبتت بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا﴾ [النساء: ٤٣] (^٣).
قوله: (على النصف من صلاة القائم)؛ أي: في حق الآخر.
فإن قيل: هذا الحديث لم يتعرض للنفل، ولا للفرض، ولا لحالة العذر
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ١١٥، رقم ٤٢٥)، وابن ماجه (١/ ٤٤٩، رقم ١٤٠١)، والنسائي (١/ ٢٣٠، رقم ٤٦١) من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وصححه ابن حبان (٥/¬٢٣، رقم ١٧٣٢) والشيخ الألباني في الصحيحة (٢/ ٤٩٧، رقم ٨٤٢).
(٣) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٠).
(٤) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٠).
[ ٢ / ٤٤ ]
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعِ وَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ القِيَامُ فَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ القُعُودِ، وَالمُخْتَارُ: أَنْ يَقْعُدَ كَمَا يَقْعُدُ فِي حَالَةِ التَّشَهُدِ، لِأَنَّهُ عُهِدَ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ.
وغيرها، فكيف وجه التمسك به؟
قلنا: الإجماع منعقد على أن صلاة القاعد بعذر مساوية لصلاة القائم في الأجر، فلم يبق حينئذ إلا صلاة النفل قاعدًا بدون العذر؛ لأن الفرض لم يجز قاعدًا بلا عذر، وعنه ﵊: أنه كان يصلي بعد الوتر قاعدًا. وعنه ﵊: أنه كان يجلس في عامة صلاته بالليل تخفيفًا. كذا ذكره شيخ الإسلام (^١).
وفي الْمُجْتَبى: قالت عائشة: لم يُقْبَض النبي ﵊ حتى كان أكثر صلاته جالسا (^٢).
وفي رواية عنها: «فلما أراد أن يركع قام فقرأ آيات ثم ركع وسجد وعاد إلى القعود» (^٣)، وهو المستحب في كل تطوع قاعدًا، وبه قال الشافعي (^٤)، وسأله عمران بن الحصين عن صلاة القاعد فقال ﵊: «من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد» قالوا: وهذا في حق القادر، أما العاجز: فصلاته بالإيماء أفضل من صلاة القائم الراكع الساجد؛ لأنه جهد المقل.
(خير موضوع)؛ أي مشروع لك، ومرفوع عنك؛ يعني: غير واجب، قال ﵊: «الصلاة خير موضوع، من شاء استقل، ومن شاء استكثر» (^٥).
_________________
(١) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٠٣).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٠٦، رقم ٧٣٢) من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٥٠٥، رقم ٧٣١) من حديث عائشة ﵂.
(٤) انظر: تحفة المحتاج للهيتمي (٢٧٢)، وحاشية البجيرمي على الخطيب (٢/¬١٢)، وإعانة الطالبين للبكري (١/ ١٦١).
(٥) أخرجه أحمد (٥/ ١٧٨ رقم ٢١٥٨٦) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ وصححه ابن حبان=
[ ٢ / ٤٥ ]
(وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)
قوله: واختلفوا عن أبي حنيفة، إن شاء قعد كما في التشهد، وإن شاء تربع، وإن شاء احتبى، وعن محمد عن أبي حنيفة: أنه يقعد كيف شاء؛ لأنه لما جاز له ترك أصل القيام؛ فترك صفة القعود أولى، وإنما يقعد متربعًا في حال قيامه، فإذا أراد أن يركع قعد على ركبتيه؛ ليكون أيسر عليه.
وعن أبي يوسف: يحتبي.
وعن محمد: يتربع.
وعن زفر: أنه يقعد كما في التشهد وهو المختار، وكذا في المبسوط (^١) والإيضاح (^٢).
وذكر أبو الليث أن الفتوى على قول زفر (^٣)، ولكن ذكر شيخ الإسلام الأفضل له أن يقعد في موضع القيام محتبيًا؛ لأن عامة صلاة رسول الله ﷺ في آخر عمره كان محتبيًا، ولأن المُحْتَبِي أكثر توجهًا لأعضائه القبلة؛ لأن الساقين يكونان متوجهين كما يكون حالة القيام (^٤).
وفي شرح الوجيز: الافتراش أفضل في قول والتربع في قوله (^٥).
وقيل: ينصب ركبته اليمنى؛ كالقارئ يجلس بين يدي المقرئ.
وعند مالك يتربع (^٦)، وعند أحمد يتربع في حال القيام ويثني رجليه في الركوع والسجود (^٧).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٠).
(٢) وانظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ١٥٠)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٦٨).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٦٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٢)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٠٤)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١١٨).
(٥) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٢٨٥)، وحاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ١٩١).
(٦) انظر: التاج والإكليل لمحمد الغرناطي (٢/ ٢٦٨)، والذخيرة للقرافي (٢/ ١٦١).
(٧) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ١٨٨)، والفروع لابن مفلح (٢/ ٣٩٩)، والمبدع لابن مفلح (٢/¬٢٩).
[ ٢ / ٤٦ ]
وَهَذَا اسْتِحْسَانُ، (وَعِنْدَهُمَا: لَا يُجْزِيهِ) (*)، وَهُوَ قِيَاسٌ، لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُعْتَبَرُ بِالنَّذْرِ لَهُ: أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِر القِيَامَ فِيمَا بَقِيَ، وَلَمَّا بَاشَرَ صَحَّ بِدُونِهِ، بِخِلَافِ النَّذْرِ،
(وهذا)؛ أي: قول أبي حنيفة استحسان، وبه قال الشافعي وبعض أصحاب مالك. وقال بعض أصحابه: لا يجوز أن يتمها كما هو قولهما إلا من عذر، وهو القياس؛ لأن الشروع كالنذر، ولو نذر أن يصلي قائمًا لا يجوز له القعود. كذا هذا؛ ولهذا لو صلى الباقي بالإيماء بلا عذر؛ لا يجوز بالاتفاق، مع أنه يجوز ابتداء.
(له)؛ أي: لأبي حنيفة. (أنه)؛ أي: المتطوع لم يباشر القيام يعني: إنما يلزمه ما باشر، وما لا صحة لما باشر إلا به، وللركعة الأولى صحة بدون القيام في الركعة الثانية بدليل حالة العذر، فلم يلزمه القيام بالشروع بخلاف النذر؛ فإنه التزم بالتسمية نصا، فإنه نص فيه على صفة القيام فيراعى تنصيصه. كذا في المحيط، والمبسوط، وجامع التمرتاشي (^١).
قال شيخ شيخي - رحمهما الله -: وبهذا يعلم أن معنى قوله: ولما باشر صحته بدونه؛ أي: بدون الباقي في حق صفة القيام لا في حق نفس الركعة، فإنه لا صحة للركعة الأولى بدون الثانية عندنا.
وفي الجامع البرهاني: يعني الشروع ليس بملزم بعينه؛ بل ليبقى ما باشر قربه وما باشر من القيام يبقى قربة؛ لأن التطوع قاعدًا قربة مع القيام بخلاف النذر؛ لأنه ملزم بنفسه (^٢).
وفي المبسوط: القعود في التطوع بلا عذر كالقعود في الفرض بعذر، ثم هناك لا فرق بين الابتداء والبقاء فكذلك هاهنا؛ وهذا لأنه في الابتداء كان
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٨)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٣٦).
(٣) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ١٤٣).
[ ٢ / ٤٧ ]
لِأَنَّهُ التَزَمَهُ نَصًّا حَتَّى لَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى القِيَامِ لَا يَلْزَمُهُ القِيَامُ عِنْدَ بَعْضِ المَشَايِخِ ﵏.
مُخَيَّرًا بين القيام والقعود وخياره فيما لم يؤد باق، وبالشروع إنما يلزمه ما باشر، وما لا صحة لما باشر إلا به وللركعة صحة بدون القيام في الركعة الثانية بدليل حالة العذر فلم يلزمه القيام بالشروع (^١)، وروت عائشة ﵂ أنه ﵊ يفتتح التطوع، ثم ينتقل من القيام إلى القعود، ومن القعود إلى القيام (^٢)، فدل أن ذلك جائز في التطوع.
وهذا يدل أنه إذا قعد في الركعة الأولى؛ يجوز أيضًا، وقد ذكر في الفوائد الظهيرية أنه يجوز في تلك الركعة أيضًا، فإنه ذكر فيها وقع الاشتباه أن الاختلاف في الركعة الأولى والثانية جميعًا أم في الثانية فقط، فأحد وجهي أبي حنيفة وهو أن البقاء أسهل من الابتداء يدل على الأولى، والثاني وهو أن القيام في الثانية إلى آخره يدل على الثاني (^٣).
فإن قيل: قوله: وإن لم يباشر القيام فيما بقي ولما باشر صحة بدونه؛ يقتضي أن لا يكون الشروع ملزمًا كما هو مذهب الشافعي؛ لأن الجزء الذي باشر قد أدى وسائر الأجزاء لم يباشر فلا يلزمه القضاء.
قلنا: هو شرع فيما سمي صلاة، واستحقاق هذا الجزء إسمية الصلاة إنما تكون بانضمام أجزاء أخر؛ فلضرورة استحقاق هذا الجزء إسمية الصلاة إلزام صفة القيام؛ لأن صلاة التطوع تجوز بدون صفة القيام ابتداء فكذا بقاء؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء كذا في المحيط (^٤).
قوله: (حتى لو لم ينص على القيام)؛ يعني: نذر أن يصلي ولم يتعرض للقيام ولا للقعود؛ لم يلزمه القيام عند بعض المشايخ.
وقال الهندواني: لا رواية لهذه المسألة واختلف المشايخ فيه قال بعضهم:
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢/¬٤٨، رقم ١١١٩)، ومسلم (١/ ٥٠٥، رقم ٧٣١) من حديث عائشة ﵂.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٣)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٦٢).
(٤) المحيط للبرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٣٦).
[ ٢ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو بالخيار إن شاء صلَّى قائمًا وإن شاء قاعدًا؛ لأن القيام زيادة وصف في التطوع بدليل جوازه بدونه فلا يلزمه إلا بالشرط كالتتابع في الصوم (^١).
وقال بعضهم: يلزمه قائمًا؛ لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وأينما أوجبه الله تعالى أوجبها قائمًا، فكذا ما أوجبه العبد، بخلاف الصوم؛ لأن الله تعالى أوجبه متابعًا وغير متتابع، فلا يلزم التتابع إلا بالشرط (^٢).
وقيل: هو على الاختلاف الذي بيناه بين أبي حنيفة وصاحبيه.
ولو افتتح التطوع قاعدًا، وصلى ما بقي قائما؛ يجوز بالاتفاق؛ لما روينا من حديث عائشة ﵂. وهذا يشكل على قول محمد؛ فإن عنده التحريمة المنعقدة للقعود لا تكون منعقدة للقيام، حتى إن المريض إذا قدر على القيام في وسط الصلاة؛ فسدت صلاته عنده، ومع ذلك جوز هاهنا، وذلك إما أن يثبت ذلك بالحديث الذي روينا، أو لأن المريض ما كان قادرا على القيام وقت الشروع، فما انعقدت تحريمته للقيام، فأما في التطوع شرع قاعدًا مع القدرة عليه، وافتتاحها قاعدًا مع القدرة على القيام؛ جائز بالاتفاق؛ لما روينا. كذا في المبسوط والمحيط (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: في مبسوط بكر أطلق النذر (^٤).
قيل: يلزمه بصفة القيام.
وقيل: بصفة القعود، قيل: يتخير، وعلى الدابة؛ لا يجوز.
وعن الكرخي: لو نذر راكبًا يجزئه (^٥). ولو أعيا المتطوع قائمًا؛ لا بأس بأن يتكئ على العصا أو حائط، وكذا بغير عذر عند أبي حنيفة.
ولو نذر أن يصلي بغير وضوء أو بغير قراءة؛ فعند أبي يوسف: يلزمه،
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٣٦).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٣٦).
(٣) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٣٧)، والمبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٤).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٤).
[ ٢ / ٤٩ ]
(وَمَنْ كَانَ خَارِجَ المِصْرِ تَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ، يُومِئُ إِيمَاءً)
ويلغو ذكر الوصف، وعند زفر: لا يلزمه.
وعند محمد: لو سمى ما لا يجوز أداء الصلاة إلا معه كالصلاة بغير الطهارة؛ لا يلزمه، وإلا يلزمه كالصلاة بغير القراءة.
ولو شرع في الأوقات المكروهة وقطعها؛ لزمه القضاء، فإن قضاها فيها أو في مثلها؛ سقط القضاء.
قوله: (ومن كان خارج المصر): في المحيط: من الناس من يقول: إنما يجوز التطوع على الدابة إذا توجه إلى القبلة عند افتتاحها، ثم يترك التوجه، وانحرف عن القبلة، أما لو افتتح إلى غير القبلة؛ لا يجوز؛ لأنه لا ضرورة في حال الابتداء، وإنما الضرورة في حال البقاء (^١).
وعند العامة: يجوز كيف ما كان، وصرّح في الإيضاح (^٢): بأن القائل به الشافعي.
وفي المبسوط، والإيضاح وغيرهما: إن صلاة التطوع على الدابة تجوز من غير عذر بخلاف المكتوبة (^٣).
وشرط عذر عدم إمكان وقف الدابة، وفي المحيط فقال: ولو أومأ عليها وهي تسير؛ لم يجز إذا قدر أن يوقفها، وإن تعذر الوقف جاز؛ لأن سير الدابة مضاف إلى صاحبها، ويتحقق بسبب ذلك اختلاف المكان، فلا يتحمل إلا عند تعذر الوقف (^٤).
وفي المبسوط: لو كان على سرجه قذر [مقدار ما يمنع الصلاة] (^٥)؛ تجوز صلاته (^٦).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ٥٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٤).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٥٠)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٦٣).
(٤) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ٥٥).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٦) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٩).
[ ٢ / ٥٠ ]
لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهُ إِلَى خَيْبَرَ يُومِيُّ إِيمَاءً وَلِأَنَّ النَّوَافِلَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَالِاسْتِقْبَالَ تَنْقَطِعُ عَنْهُ القَافِلَةُ، أَوْ يَنْقَطِعُ هُوَ عَنْ القَافِلَةِ، أَمَّا الفَرَائِضُ فَمُخْتَصَّةٌ
وكان أبو حفص الكبير ومحمد ابن مقاتل يقولان: لا تجوز إذا كانت النجاسة في موضع الجلوس أو في موضع الركابين أكثر من قدر الدرهم؛ اعتبارًا للصلاة على الدابة بالصلاة على الأرض (^١).
وأكثر مشايخنا قالوا: تجوز؛ لما قال في الكتاب: (والدابة أشد من ذلك)، يعني باطنها لا يخلو عن النجاسة. وفيه تأمل؛ إذ النجس لا يعطى له حكم النجاسة في معدته، وإلا لما جاز للآدمي الصلاة أصلا ومع بيضة حال مخها دما.
(ولأنه)؛ أي: ولأن الركوع والسجود من الأركان، ويجوز تركهما عليها مع إمكان النزول، فإذا سقط اعتبار الأركان لحاجته؛ فلأن يسقط اعتبار شرط طهارة المكان أولى؛ لأن الركن أقوى، ولأنه لا يؤدى على موضع سرجه وركابيه راكبًا، فإن ركوعه وسجوده بالإيماء في الهواء، فلا يضره نجاستهما حتى لا تنقطع عنه النافلة، فإنها خير موضوع مشروع على حسب النشاط، فلو
الزمناه النزول والاستقبال يتعذر عليه أداء ما ينشط فيه من التطوعات.
وفي المبسوط: لو لم يكن في التطوع على الدابة إلا حفظ اللسان وحفظ القلب عن الوسواس والخواطر الفاسدة لكان كافيا (^٢).
(أو ينقطع هو)؛ أي: المتطوع (عن القافلة)؛ أي: على تقدير النزول، وكلاهما ضرر.
(أما الفرائض)؛ يعنى: لا يصلي الفرائض على الدابة؛ لأنها في أوقات مخصوصة، فلا يشق عليه النزول للأداء، أما بالعذر فيجوز أداؤه عليها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. ومن الأعذار: الخوف من اللص، والسبع، وطين المكان، وكون الدابة جموحًا، وكون المسافر شيخًا
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٩، ٢٥٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٩).
[ ٢ / ٥١ ]
بِوَقْتِ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ نَوَافِلُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الفَجْرِ، لِأَنَّهَا أَكَدُ مِنْ سَائِرِهَا، وَالتَّقْيِيدُ بِخَارِجِ المِصْرِ يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ وَالجَوَازَ فِي المِصْرِ.
كبيرا لا يجد من يُرْكِبُهُ، فعند هذه الأحوال يجوز أداؤها على الدابة لما تلونا.
(والسنن الرواتب نوافل)؛ يعني: في حكم النوافل.
(لأنها)؛ أي: سنة الفجر.
ذكر ابن سماعة: يجوز أن يكون ذلك لبيان الأولى أن ينزل لركعتي الفجر؛ لما ذكرنا أنها أقوى السنن، حتى يجوز للعالم أن يترك سائر السنن لتحصيل العلم دون الفجر (^١).
وفي قول الشافعي (^٢) وأحمد (^٣): أنها أكد من الوتر.
(ينفي اشتراط السفر)؛ لأن خارج المصر يتناول السفر وغيره.
فإن قيل: التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه.
قلنا: لا ينفي الاشتراط والجواز بطريق الدلالة؛ بل باعتبار أنه حكم شرعي، لا يعرف إلا على الوجه الذي شرع، والشرع ورد خارج المصر من غير اشتراط مدة السفر، روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: جواز التطوع على الدابة للمسافر خاصة، وبه قال مالك (^٤)؛ لأن الجواز بالإيماء بخلاف القياس للضرورة، وهي إنما تتحقق في السفر، والصحيح أن المسافر وغيره في ذلك سواء؛ لإطلاق ما روينا من حديث عائشة، ذكر في الأصل إذا خرج من المصر فرسخين أو ثلاثة؛ فله أن يتطوع على الدابة (^٥).
وقال بعضهم: بقدر ميل، وإن كان أقل من ذلك لا يجوز، وكذا في
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٦)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٧).
(٢) حاشية الرملي الكبير على أسنى المطالب (١/ ٢٠١)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٨٦) ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٣٤٧).
(٣) المغني لابن قدامة (٢/ ١١٩)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٧٦)، والعدة شرح العمدة لعبد الرحمن المقدسي (ص ٩٤).
(٤) المدونة لمالك بن أنس (١/ ١٧٤).
(٥) الأصل للشيباني (١/ ٢٩٥).
[ ٢ / ٥٢ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي المِصْرِ أَيْضًا. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ خَارِجَ المِصْرِ، وَالحَاجَةُ إِلَى الرُّكُوبِ فِيهِ أَغْلَبُ (*).
المحيط (^١).
وفي فتاوى المرغيناني: والأصح أن في كل موضع يجوز للمسافر قصر صلاته فيه يجوز التطوع فيه على الدابة (^٢).
وفي الهارونيات عن أبي حنيفة: لا يجوز التطوع عليها في المصر (^٣)، وعند محمد: يجوز ويكره، وعند أبي يوسف: لا بأس به.
فأبو حنيفة قال: إنما جوز بالنص بخلاف القياس، والنص في خارج المصر، والمصر في هذا ليس في معناه؛ لأن سيره على الدابة في المصر لا يكون مديدًا عادة فلا يلحق به دلالة.
حكي عن أبي يوسف أنه لما سمع هذا عن أبي حنيفة قال: حدثني سالم عن ابن عمر أنه ﵇ ركب الحمار في المدينة، يعود سعد بن عبادة، وكان يصلي وهو راكب؛ فلم يرفع أبو حنيفة رأسه.
قيل: إنما لم يرفع رجوعًا منه إلى الحديث.
وقيل: إنما لم يرفع؛ لأن هذا حديث شاذ فيما تعم به البلوى، والشاذ في مثله لا يكون حجة، فأبو يوسف أخذ بالحديث، ومحمد كذلك؛ لكنه كره ذلك في المصر.
(لكثرة اللغط)؛ أي: الصوت فيه، فربما يبتلى بالغلط في القراءة؛ فلذلك كره. كذا في المبسوط، والمحيط (^٤).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة
(٢) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ٥٤).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٦)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٣٠)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٦٩).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٦٣)، والمبسوط للسرخسي (١/ ٢٥٠)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ٥٤).
(٥) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ٥٥)، والمبسوط للسرخسي (١/ ٢٥٠).
[ ٢ / ٥٣ ]
(فَإِنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً نَازِلًا ثُمَّ رَكِبَ اسْتَقْبَلَ)
قوله: (ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي)، فإن قيل في هذا: يلزم بناء القوي على الضعيف، وذلك لا يجوز، كالمريض يصلي بالإيماء ثم قدر على الأركان؛ لا يجوز له البناء.
قلنا: ليس كذلك؛ لأن الإيماء من المريض دون الإيماء من الراكب؛ فإن الإيماء منه بدل من الأركان، والإيماء من الراكب ليس ببدل عنها؛ لأن البدل في العبادات ما يصار إليه عند عوز غيره، والمريض أعجزه مرضه عن الأركان، فكان الإيماء بدلًا عنها، والراكب لم يعجزه الركوب عنها؛ لأنه يمكنه الانتصاب على الركابين، فيكون ذلك قيامًا منه، وكذلك يمكنه أن يخر راكعًا وساجدًا، ومع هذا أطلقه الشارع في الإيماء، فلا يكون الإيماء بدلًا عنها، فكان قويًا في نفسه، فلا يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف كما في حق المريض؛ ألا ترى أنه لما جاز مسح الخف مع القدرة على الغسل؛ جاز اقتداء الغاسل بالماسح.
فإن قيل: إذا كان الإيماء قويًا؛ لماذا [لا] (^١) يجوز البناء إذا تحرم بالإيماء ثم ركب أو أُركِبَ. قلنا: أما إذا ركب؛ فلأن الركوب عمل كثير، وأنه قاطع للتحريمة.
وأما إذا ركب؛ فلأن الدليل يأبى جواز الصلاة راكبًا؛ لأن سير الدابة مضاف إلى راكبها، فيتحقق الأداء في أماكن مختلفة كالأداء في حالة المشي، وهذا لا يجوز بالإجماع، إلا أن الشرع جعل الأماكن المختلفة كمكان واحد؛ للحاجة إلى قطع المسافة، وصيانة نفسه وماله عن التَّوَى، فكان ابتداء التحرم نازلًا دليل استغنائه عما ذكرنا؛ فلا يجوز له البناء بعد ذلك، وكذا في فوائد الظهيرية (^٢).
وفرق في المحيط بين المريض والراكب، فقال في المريض: ليس له أن يفتتح الصلاة بالإيماء مع القدرة على الركوع والسجود، فكذلك إذا قدر عليهما
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٧).
[ ٢ / ٥٤ ]
لِأَنَّ إِحْرَامَ الرَّاكِبِ انْعَقَدَ مُجَوِّزًا لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّزُولِ، فَإِنْ أَتَى
في أثناء الصلاة لا يبني (^١).
أما للراكب أن يفتتح الصلاة بالإيماء، مع القدرة على الركوع والسجود بالنزول، فكذلك قدرته على الركوع والسجود بالنزول لا يمنعه من البناء.
قلت: وعلى هذا الفرق يجب أن لا يبني في المكتوبة فيما إذا افتتحها راكبًا ثم نزل؛ لأنه ليس له أن يفتتحها بالإيماء على الدابة عند القدرة على الركوع والسجود بالنزول (^٢)؛ ولذلك قيد المسألة في الكتاب بقوله: (فإن افتتح التطوع راكبا).
وذكر الإسبيجابي استقبال المريض في المكتوبة، ولا رواية عنهم في التطوع في حق المريض، فيحتمل أن المريض لا يستقبل في التطوع أيضًا فحينئذ لا يحتاج إلى الفرق، ويحتمل أن يستقبل بخلاف الراكب والفرق ما بينا (^٣).
قوله: (انعقد مجوّزًا): اختار فخر الإسلام هذا الدليل.
وقد قيل في الفرق بينهما: الركوب عمل كثير يقطع التحريمة، والنزول عمل يسير لا يقطع، وهذا أمر مضطرب؛ لأنهما سواء عند عامة الناس؛ أرأيت لو رفع فوضع في السرج وضعًا، يعني: لا فعل منه أصلا، ومع ذلك لا يجوز.
ثم ذكر هذا الفرق الذي ذكره في الكتاب، وما قيل في جوابه: إن سير الدابة مضاف إلى صاحبها، فيتحقق الأداء إلى آخره، غير قوي لأنه قد يحتاج إلى قطع المسافة، وصيانة المال والنفس حالة البناء أيضًا.
وذكر الإسبيجابي الشروع ملزم عين العبادة لا صفتها؛ ألا ترى أنه لو افتتح الحج ماشيًا، ثم ركب؛ لا يلزمه شيء. وفيه تأمل؛ فإنه على هذا التقدير، لو صلى ركعة نازلا ثم ركب؛ ينبغي أن لا يستقبل؛ لأن الشروع ملزم عين العبادة لا صفتها كما في الأول.
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ٥٧).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجم (٢/ ٧١).
[ ٢ / ٥٥ ]
بِهِمَا صَحَّ، وَإِحْرَامُ النَّازِلِ انْعَقَدَ لِوُجُوبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ مَا لَزِمَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ إِذَا نَزَلَ أَيْضًا، وَكَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ إِذَا نَزَلَ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً، وَالأَصَحُ هُوَ الأَوَّلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ (*).
(أنه)؛ أي: الراكب يستقبل إذا نزل؛ لئلا يلزم بناء القوي على الضعيف.
وفي جامع قاضي خان، وعن محمد: إذا نزل الراكب يستقبل، والنازل إذا ركب يبني؛ لأنه إذا ترك لو استقبل (^١)؛ كان مؤديا جميع صلاته بالركوع والسجود، وهو أولى من أداء البعض بالإيماء، والنازل لو بني؛ كان مؤديا بعضها بركوع وسجود، ولو استقبل؛ كان مؤديا جميعها بالإيماء، وكان البناء أولى.
وعلى قول زفر: يبني في الوجهين؛ لأنه لما جاز له الافتتاح على الدابة بالإيماء، مع القدرة على النزول؛ فالبناء أولى. كذا في المحيط (^٢).
قوله: (وكذا عن محمد إذا نزل بعد ما صلى ركعة)؛ يعني: يستقبل ما لو لم يُصلِّ ركعة بإيماء ثم نزل أتمها نازلا؛ لكن هذا على أصل محمد غير مستقيم؛ لأن تحريمة الصلاة انعقدت للإيماء، فلا يصح إتمامها بركوع وسجود؛ لأنه يكون بناء القوي على الضعيف. كذا نقل عن أبي اليسر (^٣). ووجهه: مع أنه
مخالف لظاهر الرواية عنه أنه كان إذا لم يتم ركعة، كان مجرد تحريمة، وهي شرط عندنا، فالشرط المنعقد للضعيف كان شرطًا للقوي، كالطهارة للنافلة؛ تكون طهارة للمكتوبة فتصح، أما إذا صلى ركعة؛ فقد تأكد فعل الصلاة الضعيف، فلا يبني عليه القوي كما في الاقتداء.
(والأصح هو الظاهر)؛ أي: ظاهر الرواية وهو أنه يبني الراكب إذا نزل. ووجهه ما ذكر في الكتاب.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٨)، والعناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٦٦).
(٣) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ٥٦).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٤٨).
[ ٢ / ٥٦ ]