﷽
المقدمة
الحمد لله البر الجواد، الذي جلَّت نِعَمه عن الإحصاء بالأعداد، خالق اللطف والإرشاد الهادي إلى سبيل الرشاد، المُوَفِّق بكرمه لطرق السداد، المان بالتفقه في الدين على من لطف به من العباد، الذي كرم هذه الأمة، زادها الله شرفًا، بالاعتناء بتدوين ما جاء به رسول الله ﷺ حفظا له على تَكَوُّرِ العصور والآباد.
ونصب كذلك جهابذة من الحُفَّاظ النقاد، وجعلهم دائبين في إيضاح ذلك في جميع الأزمان والبلاد، باذلين وسعهم، مستفرغين جهدهم في ذلك في جماعات وآحاد مستمرين على ذلك متابعين في الجهد والاجتهاد، أحمده أبلغ الحَمْدِ وأَكْمَلَه وأزكاه وأشمله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار، الكريم الغفار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله المصطفى بتعميم دعوته ورسالته، المُفَضَّل على الأوّلين والآخرين من برِيَّتِه، المُشَرَّف على العالمين قاطبة بشمول شفاعته، المَخصُوص بتأييد مِلته، وسماحة شريعته، المُكَرَّم بتوفيق أُمَّته للمبالغة في إيضاح منهاجه وطريقته، والقيام بتبليغ ما أُرسل به إلى أُمَّته، صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من النَّبِيِّين وآله كلهم وسائر الصالحين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
لما استوى علم الفقه على سُوقِه، واستقامت مناهج الأئمة، ودونت المذاهب المتبوعة، وصار لكلِّ إمام تلاميذ ورواة يحملون علمه، ويروون نصوصه، وانتشرت هذه النصوص، وصار الفقهاء أتباع إمام يلتزمون نصوصه، ويجعلونها أساس استنباطهم وبحثهم، وموضع تفصيلهم وتفريعهم.
[ ١ / ٣ ]
فجرى في هذا المضمار الإمام العالِم المَرْغِينَاني (ت ٧٤٩ هـ) وجعل الأساس لنفسه في هذا المضمار الأَصْلَيْن الأَغَرَّيْن: "الجامع الصغير" للإمام محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ)، و"المختصر" لأبي الحسين القدوري (ت ٤٢٨ هـ) ﵄، فجمع بينهما على ترتيب "الجامع". ووَسَمَهُ بـ "بداية المبتدي"، وإنما اختار هذين الأصْلَيْن من بين سائر كتب المذهب لما أنهما من أوفرها حظًّا، وأعظمها نفعًا، وأكثرها قبولًا لدى العلماء وأئمة المذهب، وكان علماء زمانه يُرَغّبون الكبير والصغير بحفظ "الجامع الصغير".
وشرحه أولا بشرح طويل موسوم بـ "كفاية المنتهي"، فما أن فرغ منه إلا وقد شعر بالإطناب، والتطويل فيه، فاختصره وسماه "الهداية"، فجاء بحيث لا يكاد يوجد له نظير، ولم لا يكون هكذا؟ وقد أكمله في ثلاث عشرة سنة صائمًا.
جمع فيه بين الرواية والدراية، وذكر أصول المسائل وترك الزوائد في كل باب، فمن أراد الاختصار اكتفى بـ "الهداية"، ومن رغب في الأطول ذهب إلى "الكفاية"، ومن قصد ضبط المذهب أخذ بـ "البداية". فقد راعى في تأليف كتبه الثلاثة طبقات التَّلَقِّي والطلب فالله درُّه ورحمه الله-.
ثُمَّ العلماء يختلفون في طريق تأليفهم في الفقه؛ فبعضهم يذكر أقوال فقهاء المذاهب الأخرى كما يذكر أقوال فقهاء مذهبه، وبعضهم يهتم بذكر أقوال فقهاء مذهبه فحسب، على طُرُقٍ لهم في ذلك. وعلى كلا الطريقين بعضهم يذكر الروايات المختلفة، وبعضهم يقتصر على الرواية الراجحة أو المشهورة في المذهب.
والإمام المَرْغِينَانِي جَمَعَ في كتابه "الهداية" بين الحُسْنَيَيْن، حيث اهتم بذكر خلاف المذاهب الأخرى في كثير من مسائله، مما يجعل لكتابه مَكَانَةً ومَنْزِلَةً بين كتب الفقه بعامة، فهو في عداد كتب الفقه المُقارن، كما اهتم ﵁ بذكر الاختلاف بين الإمام وصاحبيه ﵃ وما فيه من اختلاف الروايات عنهم. وكذلك يذكر أقوال مشايخ المذهب المُعْتَبَرين في كثير من المسائل مما يجعل للكتاب مكانةً علمية بين كتب المذهب بخاصة.
وقد وصفه كثير من المشايخ، منهم: محمود بن عبيد الله بن تاج
[ ١ / ٤ ]
الشريعة المَحْبُوبي (ت ٧٤٧ هـ)، قال: "كتاب فاخِرُ لم يكتحِل عَيْنُ الزَّمانِ بثانيه ".
ومنهم: العلامة البدر العيني (ت ٨٥٥ هـ)، شارح "الهداية"، قال في مطلع شرحه "البناية ": "إنَّ كتاب الهداية قد تباهَجَت بهِ علماء السلف، وتفاخرت به فُضَلاءُ الخَلَفِ، حتى صار عُمْدَة المُدَرِّسين في مدارسهم، وفخر المُصَدِّرين في مجالسهم، فلم يزالوا مشتغلين به في كل زمان، ويتدارسونه في كل مكان، وذلك لكونه حاويًا لـ "كُنز الدقائق"، وجامعا لـ " رمز الحقائق"، ومشتملا على "مُختار الفتاوى"، ووافيًا بخلاصة "أسرار الحاوي"، كافيًا في إحاطة الحادثات، وشافيًا في أجوبة الواقعات، موصولًا في قواعد عجيبة، ومفصلا على قواعد غريبة، وماشيًا على أصول مبنيَّةٍ، وفصول رصينة، ومسائل غزيرة، وترتيب أنيق، وتركيب حقيق … .. " انتهى.
وقد تسابق العلماء لشرح كتاب الهداية، ومن أَجَلِّ هذه الشروح وأبدعها شرح الإمام قِوامُ الدِّين الكَاكِي المُسمَّى "معراج الدراية" فهو من أهم شروح كتاب الهداية حتَّى أنَّ كُلَّ من جاء بعدَهُ قد نقل عنه واستفاد منه ورجع إليه، لما حواه من الآراء واختلاف العلماء في كلّ مسألة، فهو كتاب جامع في الفقه عمومًا والفقه الحنفي خصوصًا، كدَابِ الإمام الكاكي في مؤلفاته الجامعة كـ "عيون المذاهب وجامع الأسرار ".
وقد حاولنا جاهدين إخراج هذه الموسوعة الفقهية في أبهى صورة، وندعو من الله التوفيق.
وصلى الله وسلم على سيد البلغاء من النَّاسِ مُحمّد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يَوْمِ الدِّين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ١ / ٥ ]