قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِدُيُون، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ، وَدُيُونٌ لَزِمَتْهُ فِي مَرَضِهِ بِأَسْبَابِ مَعْلُومَةٍ: فَدَيْنُ الصِّحَّةِ وَالدَّيْنُ المَعْرُوفُ الأَسْبَابِ مُقَدَّمٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: دَيْنُ المَرَضِ وَدَيْنُ الصِّحَّةِ يَسْتَوِيَانِ لِاسْتِوَاءِ سَبَبِهِمَا، وَهُوَ الإِقْرَارُ الصَّادِرُ عَنْ عَقْلٍ وَدِينِ، وَمَحَلُّ الوُجُوبِ الذِّمَّةُ القَابِلَةُ لِلْحُقُوقِ، فَصَارَ
بَابُ إِقْرَارِ الْمَرِيضِ
بَابُ إِقْرَارِ لما فرغ من إقرار الصحيح شرع في إقرار المريض؛ لأن المرض عارض، وأفرده بباب؛ لاختصاصه بأحكام، وقد مرَّ في الطلاق تفسير مرض الموت.
اتفق أكثر أهل العلم أن إقرار المريض مَرَضَ الموت بالدين لغير الوارث صحيح، وعن أصحاب أحمد في رواية لا يصح؛ لأن إقراره في مرضه أشبه الإقرار لوارث، وفي رواية لا يصح بالزيادة على الثلث؛ لأنه ممنوع من عطية ذلك للأجنبي، كما هو ممنوع من عطية الوارث، وللعامة أنه غير متهم في إقراره فيقبل منه كالإقرار في الصحة؛ بل أولى؛ لأن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه، وإبراء ذمته وتحري الصدق، فكان أولى بالقبول.
قوله: (فدين الصحة) إلى آخره، قال القاضي الحنبلي: قياس مذهب أحمد أن دين الصحة أولى إذا ضاق ماله عنهما، وهو قولنا، وبه قال النخعي والثوري. وقال الشافعي: كلاهما سواء، وبه قال مالك والحربي والتميمي من أصحاب أحمد وأبو ثور وأبو عبيد، وذكر أبو عبيد أنه مذهب أهل المدينة.
قوله: (والديون معلومة الأسباب) (^١).
صورته: استقرض مالا في مرضه، أو اشترى أو استأجر بمعاينة الشهود، أو تزوج بمعاينة الشهود.
قوله: (الصادر عن عقل ودين) وإنما يعرض هذين الوصفين؛ لأنهما يمنعان عن الكذب في الإخبار، وهذا المعنى لا يختلف في المرض والصحة؛ بل المرض يزداد جهة الصدق؛ لأن المرض سبب التورع عن المعاصي، والإنابة
_________________
(١) انظر المتن ص ٩٢٥.
[ ٦ / ٩٢٣ ]
كَإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ مُبَايَعَةً وَمُنَاكَحَةً. وَلَنَا: أَنَّ الإِقْرَارَ لَا يُعْتَبَرُ دَلِيلًا إِذَا كَانَ فِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ الغَيْرِ، وَفِي إِقْرَارِ المَرِيضِ ذَلِكَ، لِأَنَّ حَقَّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ تَعَلَّقَ بِهَذَا المَالِ اسْتِيفَاءٌ، وَلِهَذَا: مُنِعَ مِنْ التَّبَرُّعِ وَالمُحَابَاةِ إِلَّا بِقَدْرِ الثُّلُثِ.
بِخِلَافِ النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ مِنْ الحَوَائِجِ الأَصْلِيَّةِ، وَهُوَ بِمَهْرِ المِثْلِ، وَبِخِلَافِ
عما جرى في الماضي، فالاحتراز عن الكذب في هذه الحالة أكثر، فكان جهة قبول الإقرار أوفر، وإذا استويا وجوبًا استويا استيفاء، كما لو اشترى أو تزوج بمهر المثل أو استأجر أو استقرض بمعاينة الشهود.
قوله: (إذا كان فيه) أي: في الإقرار (إبطال حق الغير) كما لو رهن أو أجر شيئًا ثم أقر أنه لغيره لا ينفذ إقراره في حق المرتهن والمستأجر؛ لتعلق حقهما به، وفي إقرار المريض ذلك لتعلق دين الصحة بماله، وصار بمنزلة المحجور في حق غرماء الصحة، فلا ينفذ تصرفه في حقهم، فلا يستوي السببان.
وقوله: (ولهذا يمنع من التبرع جواب عما قال الشافعي باستواء حالة المرض والصحة؛ يعني: لو كان كذلك ينبغي ألا يمنع من التبرع بالزيادة على الثلث، كما في حالة الصحة، فيما لم تستغرق الديون جميع ماله، أو لم يكن عليه دين، وفي حق الثلث يمنع أيضًا إذا استغرق الدين جميع ماله.
فإن قيل: إقرار المريض بالوارث صحيح مع أنه يبطل به حق سائر الورثة.
قلنا: استحقاق الوارث بالمال بالنسب والموت جميعًا، والاستحقاق يضاف إلى آخرهما وجودًا فيضاف إلى الموت؛ ولهذا لو رجع شهود النسب بعد الموت، والمشهود له المال؛ لم يضمنوا شيئًا، فأما الدين فلا يجب بالموت بل بالإقرار. إليه أشار في الأسرار والمبسوط.
قوله: (لأنه) أي: النكاح من الحوائج الأصلية) لأن بقاء النفس بالتناسل، ولا طريق للتناسل إلا النكاح، والمرءُ غير ممنوع عن صرف ماله إلى الحوائج الأصلية وإن كان ثم دين كالصرف إلى ثمن الأدوية والأغذية.
فإن قيل: لو تزوج وهو لا يحتاج إليه بسبب أن له نساء وجواري، أو هو شيخ كبير لا يولد له عادة، أو المرأة آيسة؛ فينبغي ألا يشارك؛ لأن هذا النكاح لم يكن من الحوائج الأصلية.
[ ٦ / ٩٢٤ ]
المُبَايَعَةِ بِمِثْلِ القِيمَةِ، لِأَنَّ حَقَّ الغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِالمَالِيَّةِ لَا بِالصُّورَةِ، وَفِي حَالَةِ الصِّحَّةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالمَالِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الاكْتِسَابِ فَيَتَحَقَّقُ التَّثْمِيرُ، وَهَذِهِ حَالَةُ العَجْزِ وَحَالَنَا المَرَضِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ حَالَةُ الحَجْرِ، بِخِلَافِ حَالَتَيْ الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ؛ لِأَنَّ الأُولَى حَالَةُ إِخْلَاقٍ وَهَذِهِ حَالَةُ عَجْزِ فَافْتَرَقَا، وَإِنَّمَا تُقَدَّمُ الدُّيُونُ المَعْرُوفَةُ الأَسْبَابِ، لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهَا، إِذْ المُعَايَنُ لَا مَرَدَّ لَهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ: بَدَلِ مَالٍ
قلنا: النكاح في أصل الوضع من الحوائج، والعبرة للأصل لا للعارض، وهذه العوارض مما لا يوقف عليها ليُبنى الأمر عليها. إليه أشار في الأسرار.
قوله: (لا بالصورة) إذ ما وصل إليه بمقابلته مال تعلق به حق الغرماء، فلم يكن في تصرفه إبطال حقهم، بل فيه تحويل حقهم من محل إلى محل يعدله.
قوله: (وفي حال الصحة) إلى آخره، جواب عن سؤال، وهو أن يقال: ينبغي ألا يصح إقراره في الصحة بالدين إذا كان عليه دين؛ لما أن الدين تعلق بماله، فقال: (يتعلق في حال الصحة بالمال)؛ لقدرته على الاكتساب، فيتحقق (التثمير)، فلم تقع الحاجة إلى تعليق حق الغرماء بماله.
(وهذه) أي: حالة المرض (حالة العجز) عن الاكتساب؛ إذ المريض عاجز عن الكسب، فتعين ما في يده لحق الغرماء.
وقوله: (وحالتا المرض) إلى آخره، جواب سؤال، وهو أن يقال: ينبغي إذا أقر في حالة المرض ثانيًا ألا يصح؛ لتعلق حق المقر له الأول، كما لا يصح إقراره في المرض في حق غرماء الصحة؛ لتعلق حقهم بماله.
فأجاب عنه بقوله: (وحالتا) أي: حالة أول المرض، وحالة آخر المرض بعد أن يتصل بها الموت (حالة واحدة في حق الحجر) فكانا بمنزلة إقرار واحد، كما أن حالة الصحة حالة واحدة، ويعتبر الإقراران جميعًا.
قوله: (لما بينا) (^١) إشارة إلى قوله: (أنه من الحوائج الأصلية) (^٢).
وقوله: (لأنه لا تهمة في ثبوتها) وأما قوله: فإن ترجح جهة الصدق، فقلنا: هذا في حق من لم يرجح أمر دينه على هواه، وهاهنا ليس كذلك؛ لأنه بإقراره آثر من يهوى على من هو المستحق لماله، تعلقت التهمة بالسبب الداعي
_________________
(١) النظر المتن ص ٩٢٦.
(٢) انظر المتن ص ٩٢٧.
[ ٦ / ٩٢٥ ]
مَلَكَهُ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ وَعُلِمَ وُجُوبُهُ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ، أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمَهْرِ مِثْلِهَا، وَهَذَا الدَّيْنُ مِثْلُ دَيْنِ الصِّحَّةِ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنِ فِي يَدِهِ لِآخَرَ: لَمْ يَصِحٌ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ بَعْضِ الغُرَمَاءِ دُونَ البَعْضِ؛ لِأَنَّ فِي إِيثَارِ البَعْضِ إِبْطَالَ حَقِّ البَاقِينَ، وَغُرَمَاءُ الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، إِلَّا إِذَا قَضَى مَا اسْتَقْرَضَ فِي مَرَضِهِ أَوْ نَقَدَ ثَمَنَ مَا اشْتَرَى فِي مَرَضِهِ وَقَدْ عُلِمَ بِالبَيِّنَةِ.
قَالَ: (فَإِذَا قُضِيَتْ يَعْنِي الدُّيُونَ المُقَدَّمَةَ وَفَضَلَ شَيْءٌ يُصْرَفُ إِلَى مَا أَقَرَّ بِهِ فِي حَالَةِ المَرَضِ) لِأَنَّ الإِقْرَارَ فِي ذَاتِهِ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا رُدَّ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ،
إلى الوصية وصلة الناس بماله، وهو مرض الموت.
ولو أقرَّ بعين لآخر في يده؛ لم يصح في حق غرماء الصحة، وعند الشافعي ومالك وأحمد في رواية يصح كما في الدين، وكذا يجوز عندهم له أن يقضي دين بعض الغرماء دون البعض هنا، على أصلهم أن سبب المرض لا يلحقه الحجر في فكاك رقبته، فكان المرض والصحة سواء.
وقوله: (إلا ما استقرض) إلى آخره استثناء من قوله: (لا يجوز أن يقضي دين بعض الغرماء) إلى آخره، وذلك أن هذا ليس بإيثار ولا إبطال حق الغرماء؛ لأنه حصل له مثل ما نفذ، وحق الغرماء بمعنى التركة بالصورة، فإذا حصل له مثله معنى لم يعد ذلك تفويتا. ذكره في الإيضاح.
وفي المبسوط: أرأيت لو رد ما استقرض بعينه أو فسخ البيع ورد المبيع بعيب لا يمتنع ذلك، فكذا إذا رد بدله؛ لأن حكم البدل حكم المبدل (^١)، فكان في ذلك تحويل حقهم من محل إلى محل، وله ولاية النقل. هكذا ذكره في الذخيرة.
قوله: (لأن الإقرار صحيح في ذاته) لصدوره عن أهله في محله؛ إذ كلام العاقل البالغ محمول على الصحة، ولكن لم يقبل في حق غرماء الصحة؛ لتعلق حقهم به، فإذا لم يبقَ حقهم زال المانع، فيقبل؛ ولهذا إذا لم يكن عليه ديون في صحته جاز إقراره بكل ماله؛ لأنه لا يؤدي إلى إبطال حق الغير، والمقر له أولى من الورثة؛ لتأخر الإرث والوصية عن الدين، والقياس ألا يجوز إلا في
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٨/¬٢٨).
[ ٦ / ٩٢٦ ]
فَإِذَا لَمْ يَبْقَ حَقُّهُمْ ظَهَرَتْ صِحْتُهُ. قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ جَازَ إِقْرَارُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ إِبْطَالَ حَقِّ الغَيْرِ، وَكَانَ المُقَرُّ لَهُ أَوْلَى مِنْ الوَرَثَةِ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: «إِذَا أَقَرَّ المَرِيضُ بِدَيْنِ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ تَرِكَتِهِ»، وَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ الحَوَائِجِ الأَصْلِيَّةِ، وَحَقُّ الوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ بِشَرْطِ الفَرَاغِ، وَلِهَذَا تُقَدَّمُ حَاجَتُهُ فِي التَّكْفِينِ.
قَالَ: (وَلَوْ أَقَرَّ المَرِيضُ لِوَارِثِهِ لَا يَصِحُ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الوَرَثَةِ) وَقَالَ
الثلث كما نقل عن أصحاب أحمد؛ لأن الشرع قصر بصرفه في الثلث، وإنما ترك القياس بأثر عن عمر، فإنه قال: إذا أقر المريض جاز ذلك عليه في جميع تركته، ولأن حق الورثة متعلق بالتركة بشرط الفراغ عن حاجته الأصلية، وقضاء الدين من الحوائج الأصلية؛ لأن رفع الحائل بينه وبين الجنة، قال ﵊: «الدين حائل بينه وبين الجنة» (^١) ألا ترى أنه تقدم التجهيز والتكفين على الإرث.
قوله: (ولو أقر لوارثه) إلى آخره، وبقولنا قال أحمد وشريح والنخعي ويحيى الأنصاري والقاسم وسالم وأبو هشام والشافعي في قول. وقال الشافعي في الأصح: يقبل إقراره، وبه قال أبو ثور وعطاء والحسن. وقال مالك: يصح إذا لم يتهم، ويبطل إن اتهم، كمن له بيت وابن عم فأقر لابنته؛ لم يقبل، ولو أقر لابن عمه؛ قبل إذ لا يتهم أن يزيد في نصيبه، ويتهم أن يزيد في نصيبها، واختاره الروياني من أصحاب الشافعي؛ لفساد الزمان. وقال مالك: لو أقر لأجنبي لا يصح في رواية إذا كان متهما، بأن كان الأجنبي صديقا له ملاطفا، والمقر يورث كلالة.
_________________
(١) لعله يريد ما أخرجه البخاري (٣/ ٩٤) رقم (٢٢٨٩) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ، إذ أتي بجنازة، فقالوا: صل عليها، فقال: «هل عليه دين؟»، قالوا: لا، قال: «فهل ترك شيئا؟»، قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول الله، صل عليها، قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم، قال: «فهل ترك شيئا؟»، قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثم أتي بالثالثة، فقالوا: صل عليها، قال: «هل ترك شيئا؟»، قالوا: لا، قال: «فهل عليه دين؟»، قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة صل عليه يا رسول الله وعلي دينه، فصلى عليه.
[ ٦ / ٩٢٧ ]
الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَصِحُ، لِأَنَّهُ إِظْهَارُ حَقٌّ ثَابِتٍ لِتَرَجُحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ، وَصَارَ كَالإِقْرَارِ لِأَجْنَبِي وَبِوَارِثٍ آخَرَ وَبِوَدِيعَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ لِلْوَارِثِ.
وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ» وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ الوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنْ التَّبَرُّعِ عَلَى الْوَارِثِ أَصْلًا، فَفِي
قوله: (لأنه) أي: الإقرار (إظهار حق ثابت) يعني إخبار عن حق لازم عليه، وحال المريض أدل على الصدق؛ لأنه حال تدارك الحقوق، فصار كحال الصحة بل أدل، فلا يثبت الحجر عن الإقرار به.
قوله: (بوارث آخر) فإن كل واحدٍ من الإقرارين يضر بالوارث المعروف (وبوديعة مستهلكة) أي: باستهلاك وديعة معروفة (للوارث) فإنه صحيح.
قوله: (والإقرار بالدين)، وفي المبسوط: هذه الزيادة شاذة، والمشهور «لا وصية لوارث» والمشهور عن ابن عمر أنه قال: إذا أقرّ المريض لغير وارث؛ جاز ذلك وإن أحاط بماله، وإن أقر لوارث؛ فهو باطل إلا أن يصدقه بقية الورثة، وبه أخذ علماؤنا؛ لأن قول واحد من فقهاء الصحابة مقدم على القياس عندنا، ولأنه أثر بعض ورثته بشيءٍ من ماله بعد تعلق حق الكل بماله فيرد، كما لو أوصى أوْ وَهَبَه، وهذا معنى قول الشيخ: (ولأنه تعلق حق الورثة) إلى آخره.
فإن قيل: حق الورثة إنما يظهر بعد الفراغ من حاجته، فإذا أقر لبعض الورثة ظهر حاجته؛ لأن العاقل لا يكذب على نفسه جزافًا، وبالمرض تزداد جهة الصدق؛ لأن الباعث الشرعية (^١) ينضم إلى العقل، فيبعثه على الصدق.
قلنا: الإقرار للوارث إيصال النفع به من حيث الظاهر، وبه إبطال حق الباقين، ووجوب الدين لم يعرف إلا بقوله، وهو متهم فيه؛ لجواز أنه أراد به الإيثار بهذا الطريق حيث عجز عنه بطريق الوصية، فتوقف صحته على رضا الباقين؛ دفعًا للوحشة والعداوة، بخلاف الأجنبي؛ لأنه غير متهم فيه؛ لأنه يملك إيصال النفع إليه بطريق الوصية، ولأن تعلق حق الورثة بماله في المرض
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية.
[ ٦ / ٩٢٨ ]
تَخْصِيصِ البَعْضِ بِهِ إِبْطَالُ حَقِّ البَاقِينَ، وَلِأَنَّ حَالَةَ المَرَضِ حَالَةَ الِاسْتِغْنَاءِ وَالقَرَابَةِ سَبَبُ التَّعَلُّقِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّعَلُّقَ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الأَجْنَبِيِّ لِحَاجَتِهِ إِلَى المُعَامَلَةِ فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْحَجَرَ عَنْ الإِقْرَارِ بِالمَرَضِ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنْ المُعَامَلَةِ مَعَهُ، وَقَلَّمَا تَقَعُ المُعَامَلَةُ مَعَ الوَارِثِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الإِقْرَارِ بِوَارِثٍ آخَرَ لِحَاجَتِهِ أَيْضًا، ثُمَّ هَذَا التَّعَلُّقُ حَقُّ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ، فَإِذَا صَدَّقُوهُ فَقَدْ أَبْطَلُوهُ فَيَصِحُ إِقْرَارُهُ.
لا يظهر في حق الأجنبي؛ لكثرة حاجته إلى المعاملة معه في الصحة، فلو انحجر عن الإقرار بالمرض يمتنع الناس عن المعاملة معه، بخلاف الوارث؛ لأن المبايعة معه نادرة بالنسبة إلى الأجانب، وبخلاف الإقرار لوارث آخر؛ لحاجته إلى إبقاء نسله، فلا ينحجر عنه لحق الورثة كما لا ينحجر عن الإنفاق؛ لبقاء نفسه.
وهذا معنى قول الشيخ: (ولأن حالة المرض حالة الاستغناء) إلى آخره، وإنما قال: حالة المرض حالة استغنائه؛ لظهور آثار الموت، والظاهر أن الإنسان لا يحتاج إلى ماله لظهور انتهاء آماله.
فإن قيل: لو أقرَّ لامرأته بمهرها صدق فيما بينه وبين مهر مثلها، وتحاص غرماء الصحة.
قلنا: لا تهمة في إقراره؛ لوجوب قدر المثل بالنكاح لا بإقراره؛ ولهذا يجعل عند المنازعة القول قولها إلى قدر مهر مثلها، أما لو أقر بالزيادة على قدر مهر المثل؛ بطلت الزيادة للتهمة فيها؛ ولهذا لو أقرت المرأة في مرضها بقبض مهرها من زوجها لا تصدق؛ لأنه إقرار باستيفاء الدين من وارثها، وإقرار المريض باستيفاء الدين من وارثه باطل.
وأما الجواب عن الإقرار باستهلاك وديعة معروفة أنه لو لم يعتبر إقراره يصير أنه مات مجهلًا فيجب الضمان، فلا يفيد رد إقراره، ولأن الوديعة بكونها معينة للوارث تندفع التهمة؛ لأنه لا تهمة في المعاينة. ذكره في الجامع الكبير، وأما ما ذكره مالك لا يصح؛ لأن التهمة لا يمكن اعتبار نفسها؛ لأنها مخفية فوجب اعتبار مظنتها، وهو الإرث؛ ولذلك اعتبر في الوصية والتبرع وغيرهما.
[ ٦ / ٩٢٩ ]
قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ لِأَجْنَبِيّ جَازَ وَإِنْ أَحَاطَ بِمَالِهِ) لِمَا بَيَّنَّا، وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجُوزَ إِلَّا فِي الثُّلُثِ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ تَصَرُّفَهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: لَمَّا صَحَ إِقْرَارُهُ فِي الثُّلُثِ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلُثِ البَاقِي، لِأَنَّهُ الثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ، ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى الكل.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيّ ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَبَطَلَ إِقْرَارُهُ، فَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُهُ لَهَا) وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ دَعْوَةَ النَّسَبِ تَسْتَنِدُ إِلَى
قوله: (لما بينا) وهو أن قضاء الدين من الحوائج الأصلية.
قوله: (لما صح إقراره في الثلث لانتفاء التهمة عن إيثاره في ذلك القدر؛ لأن ذلك القدر لم يتعلق به حق الورثة، فيصح في ثلث ما بقي؛ لأن الثلث بعد الدين ثم وثم حتى يأتي على الكل). هكذا ذكره في الإيضاح.
فإن قيل: فعلى هذا التعليل ينبغي أن تجوز وصيته بجميع المال إذا لم يكن عليه دين بهذا الطريق؛ لأن المريض له حق التصرف في الثلث بدون إجازة الورثة، فلما صح تصرفه في الثلث كان له التصرف في الثلث الباقي؛ لما أن جميع المال بعد إخراج الثلث كأنه من الابتداء، فيجب أن تنفذ وصيته في ثلثه هم، ثم إلى أن يأتي على الكل.
قلنا: الوصية تبرع محض ابتداء، وتبرعه مقصور على الثلث، أما الإقرار إخبار عن دين لازم في نفسه، وإنما جعل تبرعًا في حق غرماء الصحة؛ لئلا يبطل حقهم، ولما كان إخبارًا فظاهر حال العاقل أنه لا يكذب على نفسه، خصوصًا في حال المرض، فيثبت الدين، والثلث يعتبر بعد الدين، ولا كذلك في الوصية. إليه أشار في الأسرار.
قوله: (ثبت نسبه وبطل إقراره) وبه قال أحمد والشافعي في قول لا يصح إقراره للوارث.
قوله: (ثم تزوجها) أي: الأجنبية (لم يبطل إقراره) وبه قال أحمد في الأصح والشافعي في القديم ومالك واختاره الروياني وأبو إسحاق من أصحابه.
وقال في الجديد، وهو أظهر من مذهبه، وأحمد في رواية: يبطل إقراره؛ لأن اعتبار كونه وارثًا حال الموت لا حال الإقرار، كالوصية.
[ ٦ / ٩٣٠ ]
وَقْتِ العُلُوقِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَقَرَّ لِابْنِهِ فَلَا يَصِحُ، وَلَا كَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ، لِأَنَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى زَمَانِ التَّزَوُّحِ فَبَقِيَ إِقْرَارُهُ لِأَجْنَبِيَّةِ.
ولنا: الفرق المذكور في الكتاب.
وحاصل جنس هذه المسائل على خمسة أوجه: إما أن كان المقرّ له وارثًا بطريق الاستمرار، أو كان وارثا وقت الإقرار دون الموت، أو على العكس، أو كان وارثا وقت الإقرار والموت لا فيما بينهما. ففي الوجه الأول يبطل الإقرار بلا خلاف، وفي الوجه الثاني لا يبطل بلا خلاف.
وفي الوجه الثالث، وهو ما إذا كان وارثًا وقت الإقرار، بأن أقر لأخيه، ثم ولد للمريض ابن، أو كان ابنه رقيقًا أو كافرًا، ثم أسلم أو أعتق عند الموت فصار الابن هو الوارث لا الأخ جاز إقراره؛ لأن المانع من صحته كون المقر له وارثًا، والوراثة تثبت عند الموت، فكان هو كالأجنبي وقت الإرث.
وفي الوجه الرابع، وهو ألا يكون وارثا وقت الإقرار، ثم صار وارثا عند الموت، بأن أقر لأخيه وله ابن، فمات ابنه قبل أخيه، حتى صار الأخ وارثا بطل إقراره عندنا، وبه قال أحمد والشافعي في الأصح. وقال زفر: إقراره له، وبه قال مالك والشافعي في القديم؛ لأن إقراره بغير تهمة موجب الحق، وقد حصل لمن له غير وارث، فيصح ولا يبطل؛ لصيرورته وارثا بعد ذلك، كما لو أقر في صحته ثم مرض، وكما لو أقر لأجنبية ثم تزوجها.
وقلنا: إنه وارث وقت الإقرار؛ لوجود القرابة عنده، إلا أنه لم يستحق المال لوجوب الأقرب منه، بخلاف الأجنبية إذا تزوجها؛ لأنها صارت وارثة بسبب حادث بعد الإقرار، والحكم لا يسبق سببه. وبخلاف ما لو أقر في الصحة ثم مرض؛ لأن المرض حادث بعد الإقرار، فالحجر بسببه لا يستند إلى وقت الإقرار.
وفي الوجه الخامس، وهو أن يكون وارثا وقت الإقرار والموت فيما
[ ٦ / ٩٣١ ]
قَالَ: (وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ ومات، فَلَهَا الأَقَلُّ مِنْ الدَّيْنِ وَمِنْ مِيرَاثِهَا مِنهُ) لِأَنَّهُمَا مُتَهَمَانِ فِيهِ لِقِيَامِ العِدَّةِ، وَبَابُ الإِقْرَارِ مَسْدُودٌ لِلْوَارِثِ فَلَعَلَّهُ أَقْدَمَ عَلَى هَذَا الطَّلَاقِ لِيَصِحَّ إِقْرَارُهُ لَهَا زِيَادَةٌ عَلَى مِيرَاثِهَا وَلَا تُهْمَةَ فِي أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ فَيَثْبُتُ.