قَالَ: (الْأُجْرَةُ لَا تَجِبُ بِالعَقْدِ،
قوله: (كما في أجير الوحدِ)، وفي بعض النسخ: (الأجير الوحد)، والأول أصح لأنه ذكر في المغرب: أجير الوحد على الإضافة، أي: أجير المستأجر الواحد بخلاف الأجير، وفي معناه: الأجير الخاص، ولو حرك الحاء صح؛ لأنه يقال: رجل وحد، أي: واحد (^١).
بَابُ الْأَجْرِ مَتَى يَسْتَحِقُّ
لما ذكر أن صحة الإجارة موقوفة إلى إعلام الأجرة احتاج إلى بيان وقت وجوبها، وتسليمها.
قوله: (لا تجب بالعقد)، عن العلامة مولانا حافظ الدين: أي لا يجب تسليمها وأداؤها، يؤيده ما ذكر في الذخيرة: يجب أن يعلم أن الأجرة لا تملك بنفس العقد، ولا يجب إيفاؤها إلا بعد استيفاء المنفعة إذا لم يشترط تعجيلها، سواء كانت عينًا، أو دينًا، هكذا ذكر محمد في الجامع.
وذكر في الإجارات: إن كانت عينًا لا يملك بنفس العقد، وإن كانت دينا يملك بنفس العقد، ويكون بمنزلة الدين المؤجل، فعامة المشايخ على أن الصحيح ما ذكره في الجامع، وقال بعضهم: ما ذكره في الإجارات قوله أولا، وما ذكره في الجامع آخرًا، وهو الأصح لأن الإجارة عقد معاوضة فيوجب المساواة بين البدلين ما أمكن ما لم يغير بالشرط، فلو قلنا أن إيفاءها قبل استيفاء المنفعة تزول المساواة، وبه قال مالك (^٢).
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٧٩).
(٢) الذخيرة البرهانية لابن مازة (١١/ ٤٤١).
[ ٧ / ٢٣٠ ]
وَتُسْتَحَقُّ بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلَاثَةِ: إِمَّا بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ، أَوْ بِالتَّعْجِيلِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، أَوْ بِاسْتِيفَاءِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُمْلَكُ بِنَفْسِ العَقْدِ؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ المَعْدُومَةَ صَارَتْ مَوْجُودَةٌ حُكْمًا ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ العَقْدِ، فَيَثْبُتُ الحُكْمُ فِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ البَدَلِ. وَلَنَا: أَنَّ العَقْدَ يَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ المَنَافِعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالعَقْدُ مُعَاوَضَةٌ، وَمِنْ قَضِيَّتِهَا المُسَاوَاةُ،
قوله: (بأحد معاني)، وفي بعض النسخ: (بإحدى معاني ثلاثة) على تأويل العلل، فالصحيح: (بأحد معاني) يعرف بالتأمل.
قوله: (وقال الشافعي: تملك بنفس العقد)، وبه قال أحمد لما ذكرنا أن الأعيان كالموجودة عنده فصار كالبيع، ولهذا صح الإبراء عن الأجرة قبل استيفاء المنفعة بالإجماع، وصح الارتهان به بالإجماع، وصح الكفالة به بالإجماع، ولو شرط التعجيل تملك بالإجماع.
فلو كان مقتضى العقد تأخر الملك في الأجر لما وجب بالشرط كما قلتم في الإجارة المضافة إلى وقت في المستقبل، ولأن الشرع لما جوز العقد على المنافع المعدومة فقد جعلها كالموجودة؛ لاشتراط كون المعقود عليه موجودًا لنهيه عن بيع ما لم يوجد.
وللشارع ولاية جعل المعدوم موجودًا كما جعل النطفة في الرحم ولا حياة فيها كالحي حكمًا، وكالسلم فإنه جعل العين المعدوم حقيقةً كالموجود حكمًا في حق جواز السلم.
والدليل على أن المنفعة في حكم العين صحة الاستئجار بأجر مؤجل، وما ليس بعين فهو دين، والدينُ بالدَّينِ حرام، وكذا يجوز جعل السكني مهرًا، والمهر لا يكون إلا بالمال لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] الآية، وكذا الحيوان لا يثبت دينا في الذمة بدل المنفعة عندكم، ويثبت بدلا عما ليس بمال كما في النكاح، والخلع، والصلح عن دم العمد، فعلم أن المنفعة في حكم المال.
ولنا ما ذكرنا أن عقد الإجارة عقد معاوضة فتجب المساواة كما أشار إليه في الكتاب بقوله: (ومن قضيتها المساواة) إلى آخره، يؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ
[ ٧ / ٢٣١ ]
فَمِنْ ضَرُورَةِ التَّرَاخِي فِي جَانِبِ المَنْفَعَةِ التَّرَاخِي فِي البَدَلِ الْآخَرِ. وَإِذَا اسْتَوْفَى المَنْفَعَةَ يَثْبُتُ المِلْكُ فِي الأَجْرِ لِتَحَقُّقِ التَّسْوِيَةِ. وَكَذَا إِذَا شَرَطَ التَّعْجِيلَ أَوْ عَجَّلَ؛ لِأَنَّ المُسَاوَاةَ تُثْبِتُ حَقًّا لَهُ وَقَدْ أَبْطَلَهُ.
﴿أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقوله ﵊: «أعْطُوا الأجير أجره قبل أن يَجِفَّ عَرَقُهُ» (^١)، فخصص الوعيد بالامتناع بعد العمل، فدل على أنهما حالة الوجوب، وفيه نوع تأمل.
وجواز العقد باعتبار إقامة العين التي هي سبب لوجود المنفعة مقامها في صحة الإيجاب والقبول.
ثم انعقاد العقد في حق المعقود عليه على حسب حدوث المنافع كما ذكرنا، وكيف يقال أن المنفعة المعدومة جعلت موجودة حكمًا، فإن الموجود من المنفعة حقيقة لا تقبل العقد؛ لأنها عرض لا يبقى زمانين، فلا يتصور تسليمه بحكم العقد، وما لا يتصور تسليمه بحكم العقد لا يكون محلا لعقد المعاوضة، بل اعتبار إقامة العين وهو السبب مقامها، وهو المسبب كما ذكرنا من تقرير صاحب الأسرار، والإيضاح.
ولما أقمنا السبب مقام المسبب ضرورة تصحيح العقد، ولا ضرورة في ملك البدل بنفس البدل، بل في حق البدل؛ كالعقد المضاف إلى وقت الحدوث، وما قلنا أولى كما ذكرنا.
وأما جواز السلم باعتبار أن المسلم فيه أخذ حكم الثمن، ولهذا شرط قبض رأس المال في المجلس كيلا يكون دينا بدين، ولو كان له حكم العين الموجود لما اشترط قبض رأس المال في المجلس، كما لو باع حنطة بعينها بدرهم.
وأما صحة الإبراء قول محمد خلافًا لأبي يوسف، كذا في الإيضاح، وإليه أشار في المبسوط (^٢)، وذكر في الأسرار مطلقًا.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨١٧ رقم ٢٤٤٣) من حديث ابن عمر ﵄. وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٧/¬٣٧)، وابن حجر في تلخيص الحبير (٣/ ١٤٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١١٦).
[ ٧ / ٢٣٢ ]
(وَإِذَا قَبَضَ المُسْتَأْجِرُ الدَّارَ: فَعَلَيْهِ الأَجْرُ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا)؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ عَيْنِ
قوله: قول أبي يوسف ظاهر لأنه إبراء قبل الوجوب، ووجه قول محمد أن الإبراء بعد وجود سبب الوجوب جائز؛ كعفو المجروح عن القصاص، وأما صحة الرهن والكفالة فإنهما وثيقتان، والتوثيق يلائم هذا الدين، كما لو رهن بشرط الخيار، كذا في الإيضاح.
وفي المبسوط: الأجرة وإن لم تجب بنفس العقد فالسبب الموجب قد وجد، والكفالة بعد وجود السبب صحيحة؛ كالكفالة بالدرك، والكفالة بما يدون له على فلان، وموجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء، واستيفاء الأجر قبل وجوبه صحيح؛ لأن تعجيل الأجر صحيح.
وأما صحة الملك إذا استوفى أو شرط التعجيل لأن المساواة ثبت حقا له، وقد أبطله، بخلاف الإجارة المضافة فإن امتناع ثبوت الملك في البدل هناك ليس بمقتضى العقد، بل بالتصريح بالإضافة إلى وقت في المستقبل.
وأما قوله (^١): وما ليس بعين هو دين فليس كذلك؛ لأن الدين محله الذمة، وهو لا يلتزم المنفعة في الذمة فلم يكن حينئذ بيع دين بدين.
وأما صحة النكاح لا تتعلق بالمهر بحال فلا يتغير حكمه لأجله، بخلاف الإجارة فإن المنافع فيها مبيعة، والأجرة ثمن، فكانت المنافع أصلا.
وأما قوله: أن الشرع جعل المعدوم حقيقة موجودًا حكمًا إلى آخره، فقلنا: نعم، إنما عهد ذلك فيما يمكن التقدير؛ لأنه إنما يقدر الشيء حكمًا إذا كان يتصور حقيقة، كما فيما استشهدوا به فإن الميت تتصور فيه الحياة، ولا تصور لوجود المنافع التي تحدث في المدة جملة، فلا يجوز أن يقدر حكمًا، إليه أشار في المبسوط (^٢)، والأسرار.
قوله: (وإن لم يسكنها)، هذا إذا تمكنت من الاستيفاء، والإجارة صحيحة حتى لو منعه المالك أو الأجنبي، أو سلم الدار والدار مشغولة بمتاعه ولم يتمكن من الاستيفاء لا يجب الأجر، وبه قال أكثر أهل العلم.
_________________
(١) أي: الشافعي، كما تقدم.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٠٩).
[ ٧ / ٢٣٣ ]
المَنْفَعَةِ لَا يُتَصَوَّرُ فَأَقَمْنَا تَسْلِيمَ المَحَلِّ مَقَامَهُ، إِذْ التَّمَكُنُ مِنْ الانْتِفَاعِ يَثْبُتُ بِهِ. قَالَ: (فَإِنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ يَدِهِ سَقَطَتْ الأَجْرَةُ)؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ المَحَلِّ إِنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَ تَسْلِيمِ المَنْفَعَةِ لِلتَّمَكَّنِ مِنْ الانْتِفَاعِ، فَإِذَا فَاتَ التَّمَكُنُ فَاتَ التَّسْلِيمُ، وَانْفَسَخَ العَقْدُ فَسَقَطَ الأَجْرُ، (وَإِنْ وُجِدَ الغَصْبُ فِي بَعْضِ المُدَّةِ سَقَطَ الْأَجْرُ بِقَدْرِهِ). إِذْ الانْفِسَاخُ
وفي الذخيرة، وشرح الأقطع: التمكن من المستأجر يجب أن يكون في المكان الذي وقع العقد في حقه، حتى إذا استأجر دابة إلى الكوفة فسلمها المؤجر فأمسكها المستأجر ببغداد حتى مضت مدة تمكنه المسير إلى الكوفة فلا أجر، وإن ساقها معه إلى الكوفة ولم يركبها وجب الأجر (^١).
وقال الشافعي، وأحمد: يجب الأجر في الوجهين؛ لأن المنافع تلفت تحت يده باختياره.
وقلنا: العقد وقع فبالتسليم في غيرها لا يستحق البدل، وينبغي أن يكون التمكن من الاستيفاء في المدة، فلو استأجر [دابَّةٌ] (^٢) إلى مكة فلم يركبها، فإن كان بغير عذر في الدابة فعليه الأجر، وإن كان بعذر لم يقدر على الركوب لا أجر عليه، ولو استأجر ثوبا (^٣) ليلبسه كل يوم بدانق فوضعه في بيته ولم يلبسه حتى مضى عليه سنون فعليه لكل يوم دانق ما دام في الوقت الذي يعلم أنه لو كان لبسه لا يتخرق لتمكن اللبس، فإذا مضى وقت يعلم أنه لو كان يلبسه يتخرق سقط عنه الأجر لتعذر جعله منتفعا به.
قوله: (وانفسخ العقد)، ذكر الفضلي، وقاضي خان في الفتاوى: لا تنفسخ الإجارة، ولكن يسقط الأجر ما دامت في يد الغاصب، وبه قال الشافعي، ولكن له حق الفسخ، ولو وجد الغصب في بعض المدة سقط من الأجر بقدره، ولا يعلم فيه خلاف (^٤).
_________________
(١) انظر: الذخيرة البرهانية (١١/ ٤٤٢).
(٢) في الأصل (دارا)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) في الأصل (توليا)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر: فتاوى قاضي خان (٢/ ١٦٥).
[ ٧ / ٢٣٤ ]
فِي بَعْضِهَا. قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَلِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأُجْرَةِ كُلِّ يَوْمٍ)؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ (إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ وَقْتَ الاِسْتِحْقَاقِ بِالعَقْدِ)؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ (وَكَذَلِكَ إِجَارَةُ الْأَرَاضِي) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا إِلَى مَكَّةَ، فَلِلْجَمَّالِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأُجْرَةِ كُلِّ مَرْحَلَةٍ)؛ لِأَنَّ سَيْرَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ مَقْصُودٌ. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلا: لَا يَجِبُ الأَجْرُ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ وَانْتِهَاءِ السَّفَرِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ المَنَافِعِ فِي المُدَّةِ فَلَا يَتَوَزَّعُ الْأَجْرُ عَلَى أَجْزَائِهَا، كَمَا إِذَا كَانَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ العَمَلَ. وَوَجْهُ القَوْلِ المَرْجُوعِ إِلَيْهِ: أَنَّ القِيَاسَ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الأَجْرِ سَاعَةً فَسَاعَةً لِتَحَقُّقِ المُسَاوَاةِ، إِلَّا أَنَّ المُطَالَبَةَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ تُفْضِي إِلَى أَنْ لَا يَتَفَرَّغَ لِغَيْرِهِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، فَقَدَّرْنَا بِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْقَصَّارِ وَالخَيَّاطِ أَنْ يُطَالِبَ بِأَجْرِهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ العَمَلِ)؛
قوله: (ومن استأجر دارًا) إلى مدة معلومة.
قوله: (بأجرة كل مرحلة)، في المبسوط، والإيضاح: هذا قول الكرخي، وأما في قول أبي حنيفة المرجوع لم يقدر بتقدير، بل قال: كلما سار مسيرا، له من الأجر شيء فله أن يأخذه بذلك، وهو قولهما، كما إذا كان المعقود عليه العمل؛ فإنه لو استأجر خياطًا ليخيط له ثوبًا لا يلزمه إيفاء الأجر ما لم يفرغ من العمل (^١).
قوله: (إلا أن المطالبة في كل ساعة) إلى آخره، يعني لو أخذنا بالقياس يقتضي أنه كلما سار شيئًا ولو خطوة يجب تسليم ما يقابله من الأجر، ولكن ذلك القدر لا يعرف، ولو أخذنا بالقياس لم يتفرغ لشغل آخر، بل يسلم الأجر في كل خطوة وذلك بعيد، كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (فقدرنا بما ذكرنا)، أي: استحسانًا وهو بيوم ومرحلة.
قوله: (حتى يفرغ من العمل)، يعني إن كان حصته ما استوفى من العمل معلومًا.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١١١).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١١١).
[ ٧ / ٢٣٥ ]
لِأَنَّ العَمَلَ فِي البَعْضِ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْأَجْرَ، وَكَذَا إِذَا عَمِلَ فِي بَيْتِ المُسْتَأْجِرِ لَا يَسْتَوْجِبُ الأَجْرَ قَبْلَ الفَرَاغِ لِمَا بَيَّنَا. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ التَّعْجِيلَ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ لَازِمٌ.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ خَبَّارًا لِيَحْبِزَ لَهُ فِي بَيْتِهِ قَفِيرًا مِنْ دَقِيقٍ بِدِرْهَم: لَمْ يَسْتَحِقَّ الأَجْرَ حَتَّى يُخْرِجَ الخُبْزَ مِنْ التَّنُّورِ)؛ لِأَنَّ تَمَامَ العَمَلِ بِالإِخْرَاجِ فَلَوْ احْتَرَقَ أَوْ
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله (لأن العمل في البعض غير منتفع به)، وفي النهاية: هذا الذي ذكره في الحكم في أن العامل في بيت المستأجر لا يستوجب الأجر قبل الفراغ من العمل مخالف لعامة روايات الكتب من المبسوط، والذخيرة، والمغني، والجامع لفخر الإسلام، وقاضي خان يستحق الأجر بقدر عمله، حتى لو سرق الثوب فله الأجر بقدر عمله؛ لأن كل جزء من العمل يصير مسلمًا إلى صاحب الثوب بالفراغ منه.
ولعل المصنف اتبع صاحب التجريد أبا الفضل الكرماني في هذا الحكم، والله أعلم بما هو الحق عنده.
وعند الشافعي وأحمد يستحق المطالبة بعد الفراغ من العمل، ولكن يجب بنفس العقد.
قوله: (لأن تمام العمل بالإخراج)، فليس كل أحد يحسنه على وجه لا ينقطع.
فإن قيل: استحقاق الأجر بعد إخراج الخبز من التنور يدل على أن هذا أجير مشترك لا أجير وحد، فإن الأجير الوحد يستحق الأجر بمجرد تسليم النفس، ولا يتوقف استحقاقه إلى الفراغ من العمل، واستعمال المستأجر في بيته يدل على أنه أجير وحد؛ لأن الوحد هو الذي لا يعمل إلا المستأجر الواحد فلذلك سمي به.
فالخيار في هذه المسألة إن كان أجير وحد ينبغي أن يستحق الأجر بمجرد تسليم النفس أخرج الخبز من التنور أو لا، وإن كان أجيرًا مشتركا ينبغي أن يستحق الأجر بقدر عمله على ما مر من روايات عامة الكتب.
[ ٧ / ٢٣٦ ]
سَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الإِخْرَاجِ، فَلَا أَجْرَ لَهُ لِلْهَلَاكِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، (فَإِنْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ احْتَرَقَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَهُ الأَجْرُ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَلَّمًا إِلَيْهِ بِالوَضْعِ فِي بَيْتِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنهُ الجِنَايَةُ. قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ،
قلنا: الصحيح إنه أجير مشترك لأنه وقع العقد في حقه على العمل بدون ذكر المدة فكان استحقاق الأجر موقوفا على الفراغ من العمل، والأجير الوحد من وقع العقد في حقه على المدة، ووقع العقد ههنا على العمل، وإنما يستحق الأجر بقدر عمله في بيت المستأجر إذا كان لعمله قدر وقيمة كما في الخياطة، وههنا لا قيمة للخبز قبل الإخراج فلا يستحق الأجر بحسب ذلك القدر، إليه أشار الإمام قاضي خان (^١).
قوله: (للهلاك قبل التسليم)، وفي المبسوط: وهو ضامن لأن هذا جناية يده ويخير صاحب الخبز إن شاء ضمنه مخبوزا وأعطاه الأجر، وإن شاء ضمنه دقيقا وإن لم يكن [له] (^٢) أجر (^٣).
قوله: (قال ﵀: وهذا)، أي: عدم الضمان في الهلاك بعد الإخراج (قول أبي حنيفة) إلى آخره، وهذا الذي ذكره من الاختلاف اختيار القدوري، وأما عند غيره مجرى على ظاهره ولا ضمان عليه بالاتفاق.
أما عند أبي حنيفة؛ لأنه لم يهلك من عمله، وأما عندهما فلأنه هلك بعد التسليم، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وقال القدوري: إن العين مضمونة على الأجير بمنزلة المغصوب في يد الغاصب، فلا يبرأ عن الضمان إلا بالتسليم دون الوضع في بيته كما في المغصوب.
ثم على قوله: إذا وجب الضمان كان لصاحب الدقيق الخيار إن شاء ضمنه دقيقا ولا أجر له، وإن شاء ضمنه مخبوزا وأعطاه الأجر، ولا ضمان عليه في الحطب والملح عندهما؛ لأن ذلك صار مستهلكا قبل وجوب الضمان عليه فهو
_________________
(١) انظر: فتاو قاضي خان (٣/ ٣٩٤).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٠٧).
[ ٧ / ٢٣٧ ]
وَعِنْدَهُمَا: يَضْمَنُ مِثْلَ دَقِيقِهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ (*)؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَلَا يَبْرَأُ إِلَّا بَعْدَ حَقِيقَةِ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الخُبْزَ، وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ طَبَّاخًا لِيَطْبُخَ لَهُ طَعَامًا لِلْوَلِيمَةِ فَالغَرْفُ عَلَيْهِ) اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ. قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ إِنْسَانًا لِيَضْرِبَ لَهُ لَبِنَا: اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ إِذَا أَقَامَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَسْتَحِقُهَا حَتَّى يُشَرِّجَهَا (**»؛ لِأَنَّ التَّشْرِيجَ مِنْ تَمَامِ عَمَلِهِ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الفَسَادِ قَبْلَهُ، فَصَارَ كَإِخْرَاجِ الخُبْزِ مِنْ التَّنُّورِ؛ وَلِأَنَّ الأَجِيرَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ عُرْفًا، وَهُوَ المُعْتَبَرُ فِيمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ العَمَلَ قَدْ تَمَّ بِالإِقَامَةِ، وَالتَّشْرِيجُ عَمَلٌ زَائِدٌ كَالنَّقْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ قَبْلَ التَّشْرِيحِ بِالنَّقْلِ إِلَى
رماد لا قيمة له، كذا في الذخيرة.
قوله: (طعامًا للوليمة)، قيد به لأنه لو استأجره لطبخ قدر خاص بعينه لا يكون الغرف عليه، ذكره في المغني، والمحيط، والإيضاح (^١).
والمرجع في الجميع العرف الطبخ من حد: نَصَرَ، والغرف وهو جعل الطعام في القصعة من حد: ضَرَبَ.
قوله: (إذا أقامها عند أبي حنيفة) إلى آخره، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعندهما لا يستحق الأجر بدون التسريح استحسانًا، اعتبارًا للعرف بمنزلة الغرف على الطباخ.
وفي المبسوط: هذا كله إذا كان يقيم العمل في ملك المستأجر، أما في غير ملكه فلما لم يعد عليه ويسلمه إليه لا يستحق الأجر بالاتفاق، حتى لو فسد قبل العد لا أجر له إلا على قول زفر (^٢).
في نظم الزندويستي: لو صرفه في ملك نفسه لا يجب الأجر عنده إلا بالعد عليه بعد إقامته، وعندهما بالعد عليه بعد التسريح.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة. (**) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٧/ ٤٩٤).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٥٧).
[ ٧ / ٢٣٨ ]
مَوْضِعِ العَمَلِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ طِينٌ مُنْتَشِرٌ، وَبِخِلَافِ الخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ قَبْلَ الإِخْرَاجِ.
قَالَ: (وَكُلُّ صَانِعِ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي العَيْنِ كَالقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ العَيْنَ بَعْدَ الفراغ من عمله حَتَّى يَسْتَوْفِي الأَجْرَ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ وَصْفٌ قَائِمٌ فِي الثَّوْبِ
قوله: (فله حق الحبس)، وبه قال الشافعي في وجه (^١)، وعند زفر، والشافعي في وجه (^٢)، وأحمد (^٣): لا حق له في الحبس؛ لأن المعقود عليه وقع في يد المستأجر باعتبار اتصاله بملكه، وذا يعدُّ قبضا؛ كمن استقرض من آخر كُر بر وأمره أن يبذره في أرض المستقرض فإنه يصير قابضًا.
وقلنا: المعقود عليه هو العمل حقيقة، ولكن من حيث الاعتبار المعقود عليه وصف أحدثه وهو قائم في الثوب فله حق حبسه لاستيفاء البدل، كما في بيع العين، ولا يمكن حبسه إلا بحبس العين فيكون له حبس العين ضرورة، ووقوعه في يده بغير رضاه فلا يبطل حقه في الحبس، كما إذا قبض المشتري المبيع بغير رضى البائع بخلاف مسألة الكر فإن الأمر بأن يبذره، فإذا بذره صار كالأمر بأن يجعله في غرائره وجعله، فيصير قابضا؛ لأنه برضاه.
فإن قيل: في القصار عمله في إزالة الدرن والوسخ لا إحداث البياض في أنه صفة أصلية له.
قلنا: لما غلب الدرن والوسخ حتى استتر به صار في حكم المعدوم، وحين أظهره القصار بعمله جعل ظهوره مضافًا إلى عمله، فيكون أثر عمله قائما في المعمول، كذا في المبسوط (^٤).
وفي جامع قاضي خان: ظهر أثر عمله في الثوب باستعمال النشاستجة (^٥)
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٧/ ٤٠٤)، والمجموع للنووي (١٥/ ١٠٩).
(٢) المصادر السابقة.
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٣١٤).
(٤) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٠٦).
(٥) قال الجوهري: النشا، هو النشاستج، فارسي معرب حذف شطره تخفيفًا، كما قالوا للمنازل: منا. الصحاح تاج اللغة (٦/ ٢٥١٠). =
[ ٧ / ٢٣٩ ]
فَلَهُ حَقُّ الحَبْسِ؛ لِاسْتِيفَاءِ البَدَلِ كَمَا فِي المَبِيعِ، وَلَوْ حَبَسَهُ فَضَاعَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدِّ فِي الحَبْسِ فَبَقِيَ أَمَانَةٌ كَمَا كَانَ عِنْدَهُ، وَلَا أَجْرَ لَهُ لِهَلَاكِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: العَيْنُ كَانَتْ مَضْمُونَةٌ قَبْلَ الحَبْسِ فَكَذَا بَعْدَهُ (*)، لَكِنَّهُ بِالخِيَارِ إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مَعْمُولًا وَلَهُ الأَجْرُ، وَسَيُبَيِّنُ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَكُلُّ صَانِعِ لَيْسَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي العَيْنِ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ العَيْنَ لِلْأَجْرِ كَالحَمَّالِ وَالمَلاحِ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ نَفْسُ العَمَلِ، وَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ فِي العَيْنِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ حَبْسُهُ، فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الحَبْسِ، وَغَسْلُ الثَّوْبِ نَظِيرُ الحَمْلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الآبِقِ، حَيْثُ يَكُونُ لِلرَّادٌ حَقٌّ حَبْسِهِ لِاسْتِيفَاءِ الجُعْلِ، وَلَا أَثَرَ لِعَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرَفِ الهَلَاكِ وَقَدْ أَحْيَاهُ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ فَلَهُ حَقُّ الحَبْسِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ حَقُّ الحَبْسِ فِي الوَجْهَيْنِ؛
كان له حق الحبس، وإن لم يكن لعمله إلا إزالة الدرن اختلفوا فيه، والأصح أن له حق الحبس على كل حال؛ لأن البياض مستتر وقد ظهر بفعله بخلاف الحمل؛ لأنه ما ظهر أثر عمله في العين.
قوله: (كالحمال) روي هذا بروايتين بالحاء المهملة، وبالجيم، وهو مكاري الجمل، وكان بخط شيخي بالجيم، ولا خلاف فيه.
قوله: (وغسل الثوب نظير الحمل)، وهذا مخالف لما ذكرنا من رواية المبسوط، وجامع قاضي خان من الأصح.
وذكر في الذخيرة مثل غسل الثوب بدون النشاستجة، وفيه خلاف بلا ذكر
الأصح، فوقع اختيار المصنف على اختيار البعض.
قوله: (في الوجهين)، أي: فيما لعمله أثر، وقد بينا خلافه قبل.
_________________
(١) = وقال ابن سيده: النشا مقصور شيء يعمل به الفالوذج، فارسي، يقال له: النشاستج، سمي بذلك لخموم رائحته. المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ١٢٤). (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٢٤٠ ]
لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّسْلِيمُ بِاتِّصَالِ المَبِيعِ بِمِلْكِهِ فَيَسْقُطَ حَقُّ الحَبْسِ. وَلَنَا: أَنَّ الاِتِّصَالَ بِالمَحَلِّ ضَرُورَةُ إِقَامَةِ تَسْلِيمِ العَمَلِ فَلَمْ يَكُنْ هُوَ رَاضِيًا بِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَسْلِيمٌ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الحَبْسِ، كَمَا إِذَا قَبَضَ المُشْتَرِي بِغَيْرِ رِضَا البَائِعِ.
قَالَ: (وَإِذَا شَرَطَ عَلَى الصَّانِعِ أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ غَيْرَهُ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ العَمَلُ فِي مَحَلٌ بِعَيْنِهِ فَيَسْتَحِقُّ عَيْنَهُ كَالمَنْفَعَةِ فِي مَحَلٌ بِعَيْنِهِ (وَإِنْ أَطْلَقَ لَهُ العَمَلَ: فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُهُ)؛ لِأَنَّ المُسْتَحَقَّ عَمَلٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَيُمْكِنُ إِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ إِيفَاءِ الدَّيْنِ.
فَصْلٌ: [بَيَانُ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ تَمَامِ الْأَجْرِ أَوْ بَعْضِهِ]
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَذْهَبَ إِلَى البَصْرَةِ فَيَجِيءَ بِعِيَالِهِ، فَذَهَبَ فَوَجَدَ بَعْضَهُمْ قَدْ مَاتَ فَجَاءَ بِمَنْ بَقِيَ: فَلَهُ الأَجْرُ بِحِسَابِهِ)؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى بَعْضَ المَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَسْتَحِقُّ العِوَضَ بِقَدْرِهِ، وَمُرَادُهُ إِذَا كَانُوا مَعْلُومِينَ.
قوله: (باتصال المبيع)، أي: المعقود عليه (بملكه)، وفي بعض النسخ: (باتصال المعقود عليه)، وهو الأظهر.
قوله: (لأنه)، أي: الآبق كان على شرف الهلاك فصار (كأنه أحياه)، أي: الآبق وملكه منه فله حق الحبس، أما ههنا لم يوجد إحياء العين، ولا وصف قائم بالعين فلا يملك الحبس، كذا ذكره قاضي خان.
قوله: (ومراده إذا كانوا معلومين)، وهذا اختيار الهندواني، وعن الفضلي: استأجر في المصر ليحمل الحنطة من القرية، فذهب لم يجد الحنطة فعاد، إن كان قال: استأجرتك من المصر حتى أحمل الحنطة من القرية، يجب نصف الأجر بالذهاب، ولو كان قال: استأجرتك حتى أحمل من القرية، لا يجب شيء؛ لأن في الأول العقد على شيئين: الذهاب إلى القرية، والحمل منها، وفي الثانية: شرط الحمل، ولم يوجد، فلا يجب شيء، كذا في الذخيرة، وجامع التمرتاشي (^١).
_________________
(١) انظر: الذخيرة البرهانية لابن مازة (١١/ ٤٤٦).
[ ٧ / ٢٤١ ]
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِكِتَابِهِ إِلَى فُلَانٍ بِالبَصْرَةِ وَيَجِيءَ بِجَوَابِهِ، فَذَهَبَ فَوَجَدَ فُلَانًا مَيْتًا فَرَدَّهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
قوله: (ليذهب بكتابه)، في المسألة قيود، قيد الذهاب بالكتاب ليشير إلى هذا الحكم فيما ليس له حمل ومؤنة، حتى لو استأجر بالذهاب والمسألة بحالها فلا أجر له بالاتفاق، وعند زفر يجب، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة؛ لأن المعقود عليه حمل الطعام إلى البصرة، وقد وجد فوفَّى بالشرط، ثم هو في رده جان فلا يسقط حقه في الأجر. وقيد بالمجيء بالجواب لأنه لو لم يشترط المجيء بالجواب وترك الكتاب ثمة فيما إذا كان ميتا أو غائبًا فإنه يجب الأجر كاملا. وقيد بالذهاب بالكتاب حتى لو ذهب إلى فلان بلا كتاب فلا أجر له.
وقيد بأنه وجده ميتًا لأنه إذا لم يجده ميتًا وأتى بالجواب يستحق الأجر كملا.
وقيد بأنه وجده ميتا حتى لو وجده غائبًا ودفع الكتاب إلى آخر ليدفعه إليه، أو دفعه إلى فلان وهو لم يقرأ ورجع بالجواب فله أجر الذهاب.
وقيد استئجاره بتبليغ الكتاب؛ لأنه لو استأجره لتبليغ الرسالة إلى فلان بالبصرة فذهب ولم يجده، أو وجده ولم يبلغ رسالته ورجع له الأجر بالإجماع.
وقيد بأنه رد لأنه لو ترك الكتاب ثمة يستحق أجر الذهاب بالإجماع.
وهذه القيود استفيدت من الذخيرة، وجامع قاضي خان، وأشير إلى الفرق بين الرسالة والكتاب في الذخيرة على قولهما، فقال: لما رد الكتاب فقد نقص عمله لأنه غير مأذون بالرد لا نصا، ولا دلالة.
أما نصا فظاهر، وأما دلالة لأن الإذن إنما يثبت باعتبار أن للكاتب فيه سرا ولا يطلع عليه غير فلان، ولا يصح ذلك في الكتاب؛ لما أنه مختوم أو لا، فإن كان لا يطلع عليه غير فلان وإن لم يكن فيه سرا، وأما الرسالة فلا تخلو عن الأسرار، وما اختار الرسالة على الكتابة إلا لتستر سره عن غير الرسول، والمرسل إليه، فكان الستر مقصودًا فيها، فلهذا إذا ذهب ولم يجد فلانا يستحق الأجر.
[ ٧ / ٢٤٢ ]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ الأَجْرُ فِي الذَّهَابِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى بَعْضَ المَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَطْعُ المَسَافَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الأَجْرَ مُقَابَلٌ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ المَشَقَّةِ دُونَ حَمْلِ الكِتَابِ لِخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ. وَلَهُمَا: أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ نَقْلُ الكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ المَقْصُودُ أَوْ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ وَهُوَ العِلْمُ بِمَا فِي الكِتَابِ، وَلَكِنَّ الحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِهِ، وَقَدْ نَقَضَهُ فَيَسْقُطُ الْأَجْرُ كَمَا فِي الطَّعَامِ، وَهِيَ المَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ المَسْأَلَةَ (وَإِنْ تَرَكَ الْكِتَابَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ وَعَادَ: يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِالذَّهَابِ بِالإِجْمَاعِ)؛ لِأَنَّ الحَمْلَ لَمْ يُنْتَقَضْ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِطَعَام إِلَى فُلَانٍ بِالبَصْرَةِ، فَذَهَبَ فَوَجَدَ فُلَانًا مَيْتًا فَرَدَّهُ، فَلَا أَجْرَ لَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ نَقَضَ تَسْلِيمَ المَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَمْلُ الطَّعَامِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الكِتَابِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛
وأما التبليغ في الكتاب فممكن بقدر الإمكان بأن يترك الكتاب ثمة، ولما لم يفعل لم يستحق الأجر.
قوله: (وقال محمد: له الأجر في الذهاب)، وعند الأئمة الثلاثة له الأجر في الذهاب والرد أيضًا؛ لثبوت الإذن بالرد دلالة إذا وجده ميتا، إذ ليس له سوى رده إلا بصنيعه فتعين رده.
وذكر أبو الليث قول أبي يوسف مع محمد وغيره مع أبي حنيفة.
لمحمد أنه أوفى بعض المعقود دون البعض فيستحق الأجر بقدره.
(وهذا لأن الأجر يقابل به)، أي: يقطع المسافة لما فيه من المشقة لا لحمل الكتاب، وحمل الجواب لخفة مؤنته، وقد قطعها له في الذهاب، فصار كما لو ترك الكتاب وعاد فإنه يستحق أجر الذهاب إجماعًا.
قوله: (أو وسيلة إليه)، أي: إلى المقصود إما حقيقةً أو اعتبارًا؛ فلأن ترك الكتاب ثمة مفيد لأنه ربما يصل إلى ورثته فينتفعون به، أو الكتاب يُنتفع به، فإذا رده فقد فات ما هو المقصود بالإجارة فيكون ناقصًا للعمل اعتبارًا، كذا ذكره المرغيناني في شروطه.
قوله: (بخلاف مسألة الكتاب على قول محمد) فإنه يقول: نقل الطعام عمل يقابل الأجر لما فيه من المشقة، وقد نقضه بالرد كما في مسألة خاطه فنقص،
[ ٧ / ٢٤٣ ]
لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَاكَ قَطْعُ المَسَافَةِ عَلَى مَا مَرَّ.