قَالَ: (الإِجَارَةُ تُفْسِدُهَا الشُّرُوطُ، كَمَا تُفْسِدُ البَيْعَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَقْدٌ يُقَالُ وَيُفْسَخُ وَالوَاجِبُ فِي الإِجَارَةِ الفَاسِدَةِ: أَجْرُ المِثْلِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ المُسَمَّى) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ بَالِغَا مَا بَلَغَ اعْتِبَارًا بِبَيْعِ الْأَعْيَانِ.
وَلَنَا: أَنَّ المَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا، بَلْ بِالعَقْدِ، لِحَاجَةِ النَّاسِ،
بَابُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ
لما ذكر حكم الصحيحة شرع في الفاسدة لأنها تأخذ الحكم من الصحيحة.
قوله: (تفسدها الشروط، أي: شرط مخالف لموجب العقد، كما لو استأجر رحى ماء على أنه إن انقطع ماؤه فالأجر عليه، فإن موجب العقد أن لا يجب الأجر إلا بالتمكن من استيفاء المعقود، فكل شرط مخالف لموجب العقد يفسد لأن الإجارة بنيت على المضايقة والمماكسة فيفسد بالشرط كالبيع؛ لأن اشتراطه يكون سببًا للمنازعة.
ألا ترى أن النكاح لا يفسد بالشرط لما أنه بني على المسامحة، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: والواجب في الإجارة الفاسدة إلى آخره، هذا الحكم إذا كان فساد الإجارة بسبب شرط فاسد لا باعتبار جهالة المسمى، ولا باعتبار عدم التسمية؛ لأنه لو كان باعتبار واحد منهما يجب الأجر بالغًا ما بلغ، ذكره في المغني، والذخيرة، وفتاوى قاضي خان (^١).
قوله: (وقال زفر والشافعي)، وبه قال مالك وأحمد؛ لأن المنافع متقومة عندهم، فإذا تعذر إيجاب المسمى للفساد يجب المصير إلى القيمة كما في الأعيان.
ولنا أن المنافع لا تتقوم بنفسها؛ لأن التقوم يستدعي سبق الإحراز، وما لا يبقى كيف يحرز، كما ذكر في الأصول.
بل بالعقد) يعني صارت متقومة شرعًا بالعقد لضرورة حاجة الناس إليه.
_________________
(١) انظر: فتاو قاضي خان (٢/ ١٥٢).
[ ٧ / ٢٦٣ ]
فَيُكْتَفَى بِالضَّرُورَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنهَا، إِلَّا أَنَّ الفَاسِدَ تَبَعٌ لَهُ، وَيُعْتَبَرُ مَا يُجْعَلُ بَدَلًا فِي الصَّحِيحِ عَادَةً، لَكِنَّهُمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى مِقْدَارٍ فِي الفَاسِدِ فَقَدْ أَسْقَطَا الزِّيَادَةَ، وَإِذَا نَقَصَ أَجْرُ المِثْلِ لَمْ يَجِبْ زِيَادَةُ المُسَمَّى لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ، بِخِلَافِ البَيْعِ؛ لِأَنَّ العَيْنَ مُتَقَوِّمَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهِيَ المُوجِبُ الأَصْلِيُّ، فَإِنْ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ انْتَقَلَ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا.
(فيكتفى بالضرورة في الصحيح)، أي: تقوم المنافع للضرورة فيكتفى في العقد الصحيح دون الفاسد.
(ويعتبر ما جعل بدلًا في الصحيح) بدلا في الفاسد؛ لأن الفاسد ملحق بالصحيح لكونه تبعًا له، والتبع يثبت بحسب ثبوت الأصل، وهذا لأن الفاسد مشروع بأصله دون وصفه، وفي تمييزه من الصحيح حرج فألحقناه به، فإذا التحق به يعتبر فيه ما يعتبر في الصحيح من البدل عادة وهو أجر المثل، إلا أنه إذا كان المسمى أقل يجب المسمى لاتفاقهما على هذا القدر.
(فقد أسقطا الزيادة) والإسقاط وإن كان في ضمن التسمية لكن لا يفسد بفسادها لرضاه بسقوط الزيادة، وعدم تقوم المنافع في نفسها فلم يظهر التقويم فيما زاد على ذلك.
(وإذا نقص أجر المثل) يحسب أجر المثل (لفساد التسمية).
(فإن صحت التسمية انتقل)، أي: التسمية على تأويل ذكر التسمية.
(عنه)، أي: عن الموجب الأصلي وهو القيمة في الأعيان.
وفي الحاصل من شرح الطحاوي: في الإجارة الفاسدة لا يجب الأجر إذا لم ينتفع به عندنا وأحمد، وعند الشافعي ومالك: يجب أجر المثل بالتمكن من الاستيفاء كالصحيح، ولو استأجر شيئًا ثم أجره قبل قبضه لا يجوز بلا خلاف، وقيل: يجوز في العقار عند أبي حنيفة، وإن أجره بعد القبض يجوز بلا خلاف.
فلو كانت الأجرة الثانية أكثر لا يطيب له الفضل عندنا والثوري، والشعبي، [والنخعي] (^١)، وابن المسيب، وأحمد في رواية.
وقال الشافعي وأحمد، وأبو ثور، وعطاء، والحسن، والزهري: يطيب
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٢٦٤ ]
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ: فَالعَقْدُ صَحِيحٌ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ، فَاسِدٌ فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ، إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ جُمْلَةَ شُهُورٍ مَعْلُومَةٍ)؛ لِأَنَّ الأَصْلَ: أَنَّ كَلِمَةَ «كُلِّ» إِذَا دَخَلَتْ فِيمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ تَنْصَرِفُ إِلَى الوَاحِدِ، لِتَعَدُّرِ العَمَلِ بِالعُمُومِ، فَكَانَ الشَّهْرُ الوَاحِدُ مَعْلُومًا فَصَحَّ العَقْدُ فِيهِ، وَإِذَا تَمَّ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا أَنْ يَنْقُضَ الإِجَارَةَ لِانْتِهَاءِ العَقْدِ الصَّحِيحِ (وَلَوْ سَمَّى جُمْلَةَ شُهُورٍ مَعْلُومَةٍ: جَازَ)؛ لِأَنَّ المُدَّةَ
لملكه المنفعة بعقد الإجارة.
وقلنا: هذا ربح ما لم يضمن، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك (^١).
قوله: (فالعقد صحيح في شهر واحد)، وبه قال الشافعي في الإملاء، واختاره الإِصْطَخْرِي من أصحابه، وأحمد، وقال الشافعي في الأصح: الإجارة باطلة لأن كل اسم للعدد فإذا لم يقدره كان مبهما مجهولًا فيكون فاسدًا، وقال مالك: الإجارة صحيحة، وكلما مضى شهر استحق الأجرة؛ لأن الإجارة لا تكون لازمة عنده، لأن المنافع مقدرة بتقدير الأجر فلا يحتاج إلى ذكر المدة.
أما لو قال: أجرتك دارًا عشرين شهرًا كل شهر بدرهم يجوز عند الجميع ولا خلاف فيه؛ لأن المدة صارت معلومة.
قوله: (لأن الأصل) إلى آخره، معناه أنه لا يمكن تصحيح العقد على جملة الشهور لجهالتها، ولا على ما بين الأدنى والكل لعدم أولوية بعضها على البعض فتعين الأدنى.
(وإذا تم)، أي: الشهر الأول (كان لكل واحد نقض الإجارة).
ثم إذا فسخ أحدهما الإجارة من غير محضر صاحبه هل يصح؟ قال بعض المشايخ على الخلاف، على قول أبي يوسف يصح، وعلى قول أبي حنيفة
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٨٣ رقم ٣٥٠٤)، والترمذي (٢/ ٥٢٦ رقم ١٢٣٤)، والنسائي (٧/ ٢٩٥ رقم ٤٦٢٩)، وابن ماجه (٢/ ٧٣٧ رقم ٢١٨٨)، والحاكم (٢/¬١٧ رقم ٢١٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث على شرط جملة من أئمة المسلمين صحيح.
[ ٧ / ٢٦٥ ]
صَارَتْ مَعْلُومَةٌ. قَالَ: (وَإِنْ سَكَنَ سَاعَةً مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي: صَحَّ العَقْدُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُخْرِجَهُ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهْرٍ سَكَنَ فِي أَوَّلِهِ سَاعَةٌ)؛ لِأَنَّهُ تَمَّ العَقْدُ بِتَرَاضِيهِمَا بِالسُّكْنَى فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، إِلَّا أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ هُوَ القِيَاسُ، وَقَدْ مَالَ إِلَيْهِ بَعْضُ المَشَايِخِ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ: أَنْ يَبْقَى الخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي اللَّيْلَةِ الأُولَى مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي وَيَوْمِهَا؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الأَوَّلِ بَعْضَ الحَرَج.
ومحمد لا يصح، وقال بعضهم: لا يصح الفسخ هاهنا إلا بمحضر صاحبه بالاتفاق، والوجه من الطرفين مذكور في الذخيرة.
قوله: (فإن سكن ساعة من الشهر الثاني تم العقد)، وبه قال أحمد؛ لأن التراضي منهما جرى مجرى ابتداء العقد كالبيع بالمعاطاة.
قوله: (إلا) أن الذي ذكره في الكتاب من قوله: (إذا سكن ساعة من الشهر الثاني تم العقد) (هو القياس)، وقد مال إليه بعض المتأخرين؛ لأن رأس الشهر في الحقيقة هو الساعة التي يهل فيها الهلال، فإذا هل مضى رأس الشهر فلا يمكن الفسخ.
وفي ظاهر الرواية: لكل واحد منهما الخيار في الليلة الأولى من الشهر ويومها؛ لأن ذلك رأس الشهر عرفًا، وفي اعتبار الأول نوع حرج، كذا في المبسوط (^١).
وفي الذخيرة: قيل: لم يردَّ محمد بقوله: (لكل منهما) أن ينقض الإجارة رأس الشهر من حيث الحقيقة، بل مراده رأس الشهر من حيث العرف والعادة، وهي الليلة التي يهل فيها الهلال مع يومها؛ كما قال محمد في كتاب الأيمان: حلف ليقضين حقه رأس الشهر فقضاه في الليلة التي يهل فيها لم يحنث استحسانا (^٢).
وقيل: طريق فسخه أن يقول الفاسخ قبل مجيء الشهر: فسخت الإجارة رأس الشهر، فتنفسخ الإجارة إذا أهل؛ إذ عقد الإجارة مضافًا يصح فكذا فسخه.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٣١).
(٢) انظر: المحيط البرهاني (٧/ ٤٠٨).
[ ٧ / ٢٦٦ ]
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا سَنَةٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ: جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ كُلِّ شَهْرٍ مِنْ الأَجْرَةِ)؛ لِأَنَّ المُدَّةَ مَعْلُومَةٌ بِدُونِ التَّقْسِيمِ فَصَارَ كَإِجَارَةِ شَهْرٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ كُلِّ يَوْمٍ، (ثُمَّ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ المُدَّةِ مِمَّا سَمَّى، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ الوَقْتِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ)؛ لِأَنَّ الأَوْقَاتِ كُلَّهَا فِي حَقِّ الإِجَارَةِ عَلَى السَّوَاءِ فَأَشْبَهَ اليَمِينَ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ لَيْسَتْ بِمَحَلٌ لَهُ (ثُمَّ إِنْ كَانَ العَقْدُ حِينَ يَهِلُّ الهِلَالُ: فَشُهُورُ السَّنَةِ كُلَّهَا بِالأَهِلَّةِ)؛
وذكر الحاكم أحمد السمرقندي في شروطه في هذه المسألة: لو عجل أجرة شهرين أو ثلاثة وقبض الآجر الأجر ذلك ليس لأحدهما الفسخ في قدر ما عجل به إذ التعجيل دلالة العقد فيما عجل.
قوله: (استأجر دارًا سنة) إلى آخره، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (يعتبر ابتداء المدة مما سمى) بأن يقول: من شهر رجب من هذه السنة، وإن لم يُسَمِّ شيئًا فهو من الوقت الذي استأجرها لتساوي الأوقات كلها، وفي مثله يتعين الزمان الذي يتعقب السبب كما في الأيمان، والآجال، بأن حلف لا يكلم فلانًا شهرًا، بخلاف الصوم فإنه إذا نذر أن يصوم شهرًا لم يعين الشهر الذي يلي النذر؛ لأنه يختص الشروع فيه ببعض الأوقات؛ لأن الليل ليست بمحل للصوم (^١).
وفي المبسوط: لو استأجر كل شهر بكذا ولم يسم أول الشهر فهو الوقت المتصل بالعقد عندنا، وعند الشافعي: لا تصح الإجارة إلا أن يتصل ابتداء المدة بالعقد، ولا يتصل إلا بالشرط؛ لأنه نَكَّر الشهر والشهر المتصل بالعقد معين فلا يتعين باسم النكرة، كما لو قال: الله عليَّ أن أصوم شهرًا، لا يتعين الشهر الذي يعقب نذره، قلنا: الأوقات كلها، إلى آخر ما ذكرنا (^٢).
قوله: (يُهل الهلال) بضم الياء وفتح الهاء على بناء المفعول، أي: يبصر الهلال، أراد به اليوم الأول من الشهر.
_________________
(١) هكذا في النسخ الخطية، وتقدم في المتن: (لأن الليالي ليست بمحل … ..).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٣١).
[ ٧ / ٢٦٧ ]
لِأَنَّهَا هِيَ الأَصْلُ (وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَالكُلُّ بِالأَيَّامِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الأَوَّلُ: بِالأَيَّامِ وَالبَاقِي بِالأَهِلَّةِ؛ لِأَنَّ الأَيَّامَ يُصَارُ إِلَيْهَا ضَرُورَةٌ، وَالضَّرُورَةُ فِي الأَوَّلِ مِنهَا. وَلَهُ: أَنَّهُ مَتَى تَمَّ الأَوَّلُ بِالأَيَّامِ ابْتَدَأَ الثَّانِيَ بِالأَيَّامِ ضَرُورَةٌ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ السَّنَةِ، وَنَظِيرُهُ العِدَّةُ وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ.
(لأنها)، أي: الأهلة هي الأصل في الشهور، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، والأيام بدل عن الأهلة، ألا ترى إلى قوله ﵊: «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فإِن غُمَّ عَلَيْكُمُ الهلالُ فأَكْمِلُوا عِدَّةَ شعبان ثلاثين يوما» (^١)، وإنما يصار إلى البدل إذا تعذر اعتبار الأصل، وهاهنا ممكن فكان له أن يسكنها إلى أن يهل الهلال من الشهر الداخل.
(وإذا كان في أثناء الشهر) فقد تعذر اعتباره بالأهلة (فيعتبر بالأيام)، يعني: لو وقعت الإجارة في نصف الشهر، أو بعد مضي أيام كلها بالأيام عند أبي حنيفة بثلاثمائة وستين يوما، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، وفي قول آخر، ورواية أخرى كقول محمد، وعند محمد الشهر الأول بالأيام، والثاني بالأهلة.
وفي الذخيرة: على قول محمد يعتبر الشهر الأول بالأيام ويكمل من الشهر الآخر وباقي الشهور بالأهلة (^٢).
قوله: (ونظيره)، أي: نظير هذا الاختلاف مسألة العدة، (وقد مر في الطلاق)، قال صاحب النهاية: هذه حوالة غير رابحة فإن مثل هذا الاختلاف لم يمر في الطلاق وما يتعلق به.
قال الإمام المحقق برهان الدين السمرقندي: ناقله (^٣) المصنف غلط صاحب النهاية فإن الحوالة رابحة؛ لأنه ذكر في أول الكتاب الطلاق: (ثم إن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/¬٢٧ رقم ١٩٠٩)، ومسلم (٢/ ٧٦٢ رقم ١٠٨١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) المحيط البرهاني (٣/ ٤٥٩).
(٣) هكذا في النسخ الخطية، ولعلها: (ما قاله).
[ ٧ / ٢٦٨ ]
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَخْذُ أَجْرَةِ الحَمَّامِ وَالحَجَّامِ) أَمَّا الحَمَّامُ فَلِتَعَارُفِ النَّاسِ، وَلَمْ
كان الطلاق في أول الشهر بقية الشهور بالأهلة) إلى قوله: (وفي حق العدة كذلك عند أبي حنيفة) إلى آخره (^١).
قوله: (ويجوز أخذ [أجرة] (^٢) الحمام، والحجام) إلى آخره، وإنما خصهما بالذكر لأن لبعض الناس فيه خلافًا، فقال القاضي الحنبلي، عن أحمد: أنه لا يباح أجر الحجام، وممن كره كسبه: عثمان وأبو هريرة، والحسن، والنخعي، وذلك لأنه ﵊ قال: «كَسْبُ الحَجامِ خَبيثُ»، رواه مسلم (^٣)، وقال: «أطعمهُ نَاضِحَكَ ورَقِيقَكَ» (^٤).
وفي المبسوط: كره بعض العلماء غلة الحجام والحمام أخذا بظاهر الحديث وقالوا: الحمام بيت الشياطين، وسماه رسول الله ﷺ شر بيت، فإنه تكشف فيه العورات، وتصب فيه الغسالات والنجاسات.
ومنهم من فصل بين حمّام الرجال، وحمّام النساء، فقالوا: يكره اتخاذ حمام النساء لأنهن منعن من الخروج، واجتماعهن قلما يخلو عن فتنة، وروي أن نساء دخلن على عائشة ﵂ قالت: أهنّ من اللاتي يدخلن الحمام؟ وأمرت بإخراجهن (^٥).
وعند أكثر العلماء والمجتهدين لا بأس باتخاذ الحمام للرجال والنساء للضرورة خصوصا في ديار البرد، وقد صح أنه ﵊ دخل حمام جحفة (^٦).
_________________
(١) انظر: كتاب الطلاق، باب طلاق البدعة.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) أخرجه مسلم (٣/ ١١٩٩ رقم ١٥٦٨) من حديث رافع بن خديج ﵁.
(٤) أخرجه الترمذي (٢/ ٥٦٦ رقم ١٢٧٧)، وابن حبان (١١/ ٥٥٧ رقم ٥١٥٤) عن ابن محيصة، أخي بني حارثة، عن أبيه، أنه استأذن النبي ﷺ في إجارة الحجام، فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ». قال الترمذي: حديث حسن.
(٥) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٥٦).
(٦) أخرج الشافعي في المسند (ص ٣٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٦٣ رقم ٩٤٠٣) عن ابن عباس ﵄ أنه دخل حماما وهو بالجحفة وهو مُحْرِمٌ، وقال: ما يَعْبَأُ الله بأوساخنا شيئًا. وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٣٨٣).
[ ٧ / ٢٦٩ ]
تُعْتَبَرُ الجَهَالَةُ لِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ. قَالَ: ﵊: «مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَأَمَّا الحَجَّامُ فَلِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الحَجَّامَ الأَجْرَةَ» وَلِأَنَّهُ اسْتِنْجَارٌ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَيَقَعُ جَائِزًا.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةِ عَسْبِ التَّيْسِ) وَهُوَ أَنْ يُؤَجَّرَ فَحْلًا لِيَنْزُوَ عَلَى الإِنَاثِ، لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ مِنْ السُّحْتِ عَسْبَ التَّيْسِ» وَالمُرَادُ أَخْذُ
وتأويل ما روي من الكراهة إذا كان مكشوف العورة، ولا كراهة في غلّة الحمام كما لا كراهة في غلة الدور والحوانيت.
وأما كسب الحجام فأصحاب الظاهر يأخذون بظاهر الحديث؛ وهو ما روي أنه ﵊ نهى عن عسب التيس، وكسب الحجام، وقفيز الطحان (^١)، وروى أبو هريرة أنه عليه الصلاة السلام قال: «مِنَ السُّحْتِ عَسْبُ التيس، ومَهرُ البَغْيِّ، وكَسَبُ الحَجام» (^٢).
ولنا ما روى ابن عباس: أنه عليه الصلاة السلام احتجم وأعطى الحجام أجره، متفق عليه (^٣)، ولو علمه حرامًا لم يعطه، والنهي عن كسب الحجام قد انتسخ بدليل ما ذكره في آخر حديث أبي هريرة قال: فأتاه رجل من الأنصار وقال: إن لي عيالا، وحجامًا، وناضحًا أفأعلف ناضحي من كسبه؟ قال: «نعم»، وقال آخر: إن لي عيالا وحجامًا أفأطعم عيالي من كسبه؟ قال: «نعم»، فالرخصة بعد النهي دليل انتساخ الحرمة؛ إذ لو بقيت لما جاز أن يطعم رقيقه وعياله فإنهم آدميون يحرم ما حرم الله عليهم.
قوله: (ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس)، أي: لا يجوز إجارة الفحل
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٣/ ٤٨٦ رقم ٢٩٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٣٩ رقم ١١١٧١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٧/¬٤٠)، والبوصيري في إتحاف الخيرة (٣/ ٣٣٠).
(٢) أخرجه النسائي (٧/ ٣١٠ رقم ٤٦٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁، بنحوه. قال البيهقي: ورواه الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح والمثنى بن الصباح، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «ثلاث كلّهنَّ سُحتٌ، فذكر: كَسْبَ الحجامِ، وَمَهرَ البَغِيِّ، وثمن الكلب إلا كلبا ضاريًا»، والوليد والمثنى ضعيفان. السن الكبرى (٦/¬٦).
(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٩٣ رقم ٢٢٧٩)، ومسلم (٣/ ١٢٠٥ رقم ١٢٠٢).
[ ٧ / ٢٧٠ ]
الأَجْرَةِ عَلَيْهِ. قَالَ: (وَلَا الاسْتِنْجَارُ عَلَى الأَذَانِ وَالحَجِّ، وَكَذَا الإِمَامَةُ وَتَعْلِيمُ القُرْآنِ وَالفِقْهِ) وَالأَصْلُ: أَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا المُسْلِمُ، لَا يَجُوزُ الاسْتِنْجَارُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَصِحُ فِي كُلِّ مَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِنْجَارُ عَلَى
للضقراب، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^١) وأكثر العلماء، وخرج أبو الخطاب الحنبلي وبعض أصحاب الشافعي وجها في جوازه، وقال: انتفاع مباح، والحاجة تدعو إليه فيجوز؛ كإجارة الظئر للإرضاع، والبئر للاستقاء، ولهذا يباح الانتفاع به بالإعارة فيستباح بالإجارة.
ولنا أنه ﵊ نهى عن عَسْبِ التيس، رواه البخاري (^٢)، وفي لفظة: عن "ضراب الجمل" (^٣)، ولأنه يلتزم ما لا يقدر على الوفاء به وهو الإحبال فإن ذلك ليس في وسعه إذ هو يبتني على نشاط الفحل ولأنه أخذ مال بمقابلة الماء وهو مهين لا قيمة له كالميتة والدم وفي المُغرِب عَسْبُ الفحل: ضرابه يقال: عسب الفحل الناقة يعسبها عسبا والمراد [عن كراء] (^٤) العسب على حذف مضاف.
قوله: (وعند الشافعي يصح في كل ما لا يتعين على الأجير)، حتى لو تعين بأن كان الإمام أو المفتي واحدًا لا يجوز الاستئجار بالإجماع، وبقوله قال مالك، وأحمد في رواية أبي الخطاب عنه، وأبو ثور، وأبو قلابة، ونص أحمد مثل قولنا.
وبقولنا قال عطاء، والضحاك، والزهري، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، والنخعي، والشعبي.
للشافعي أنه ﵊ زوج رجلًا بما معه من القرآن، متفق
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقرافي (٥/ ٤١٤)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٥/ ٧٢). انظر: الأم للشافعي (٣/ ٢٦٠)، والحاوي الكبير للماوردي (٥/ ٣٢٤). انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ١٥٩)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٣/ ٦٣٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٩٤) رقم (٢٢٨٤) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) أخرجه مسلم ١١٩٧٣ رقم (١٥٦٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٤) في الأصل: (ذكرا) والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٢٧١ ]
عَمَلٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُتَعَيَّنٍ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ» وَفِي آخِرِ مَا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ: «وَإِنْ اتَّخِذْتَ مُؤَذِّنَا فَلَا تَأْخُذْ عَلَى الأَذَانِ أَجْرًا» وَلِأَنَّ القُرْبَةَ مَتَى حَصَلَتْ وَقَعَتْ عَنْ العَامِلِ، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّتُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الأَجْرِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ التَّعْلِيمَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ المُعَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَعْنَى مِنْ قِبَلِ المُتَعَلِّمِ، فَيَكُونُ مُلْتَزِمًا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا يَصِحٌ. وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا اسْتَحْسَنُوا الِاسْتِنْجَارَ عَلَى
عليه (^١)، فإذا جاز تعليم القرآن عوضًا في باب النكاح فجاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة، وقد قال ﵊: «أَحَقُّ ما أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كتاب الله» (^٢)، حديث صحيح.
وثبت أن أبا سعيد رَقَى رجلًا بفاتحة الكتاب على جعل فأخذ أصحابه الجُعْلَ، فأتوا به النبي ﷺ فقال ﵊: «لَعَمْرِي لَمَنْ أَكلَ بِرُقِيَةٍ باطِلَةٍ، لقد أَكَلْتَ برُقيةِ حَقٌّ، كُلوا واضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمِ» (^٣)، فإذا جاز أخذ الجعل جاز أخذ الأجر عليه؛ كبناء المسجد، والقناطر إذ الحاجة تدعو إليه، فإنه قد يحتاج إلى الاستنابة في الحج عمن وجب عليه الحج وعجز عن فعله، ولا يكاد يوجد متبرع بذلك فيحتاج إلى بدل الأجر فيه.
ولنا قوله ﵊: «اِقْرَؤُوا القُرآنَ ولَا تَأْكُلُوا بِهِ» (^٤)، وحديث عثمان بن أبي العاص المذكور في المتن قال الترمذي: هذا حديث حسن (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٠٠ رقم ٢٣١٠)، ومسلم (٢/ ١٠٤٠ رقم ١٤٢٥) من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (١٣١٧ رقم ٥٧٣٧) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٢٧ - ١٧٢٧ رقم ٢٢٠١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) سيأتي.
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ١٤٦ رقم (٥٣١)، والترمذي (١) ٢٨٥ رقم (٢٠٩)، والنسائي (٢/¬٢٣ رقم ٦٧٢)، وابن ماجه (١/ ٢٣٦ رقم ٧١٤)، وابن خزيمة (١/ ٢٢١ رقم ٤٢٣)، والحاكم (١) ١٩٩ رقم ٧١٥) عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: إن من آخر ما عهد إلى رسول الله ﷺ: أن أَتَّخِذَ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرًا. وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم.
[ ٧ / ٢٧٢ ]
تَعْلِيمِ القُرْآنِ اليَوْمَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ التَّوَانِي فِي الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. فَفِي الامْتِنَاعِ تَضْيِيعُ حِفْظِ القُرْآنِ وَعَلَيْهِ الفَتْوَى.
وروى الأثرم في سننه عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقْرَؤُوا القُرآنَ ولا تُغْلُوا فِيهِ، ولا تَجْفُوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تَسْتَكثِرُوا بِهِ» (^١)، ولأن القربة متى حصلت وقعت عن الفاعل لغيره، ولهذا يعتبر أهلية الفاعل ونيته لا نية الأمر وأهليته كما في الزكاة، حتى لو كان المأمور كافرًا يصح أداء الزكاة منه عن المسلم، فكان الأجر على عمل نفسه لا للمستأجر فلا يجوز كما في الصلاة والصوم.
وأما حديث النكاح بالتعليم فليس فيه تصريح بأن التعليم صداق، إنما قال ﵊: «زَوَّجْتُكَها بِما معكَ مِنَ القُرآنِ» (^٢)، فيحتمل أنه زوجها إياه بغير صداق إكرامًا له، كما زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه، أو تزوجها بسببه (^٣)، ومع ذلك يجب مهر المثل فإن النكاح يصح بدون ذكر المهر.
ويجوز أن تكون الباء مكان اللام، أي: "لما معك من القرآن"؛ لأن ذلك سبب للاجتماع بينهما، ولعل المرأة وهبت مهرها له باعتبار ذلك.
وأما حديث أبي سعيد فإن الرقية نوع مداواة، والمأخوذ عليها جُعل، والمداواة يباح أخذ الأجر عليها، مع أن الجعالة أوسع من الإجارة، ولهذا تجوز الجعالة مع جهالة العمل، والمدة دون الإجارة ومعنى قوله عليه الصلاة
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٨ رقم ١٥٥٦٨)، وأبو يعلى (٣/ ٨٨ رقم ١٥١٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/¬١٧ رقم ٢٣٦٢) من حديث عبد الرحمن بن شبل الأنصاري ﵁. قال الهيثمي: رجاله ثقات. مجمع الزوائد (٤/ ٩٥)، وقال ابن حجر: سنده قوي. فتح الباري (٩/ ١٠١).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) أخرجه النسائي (٦/ ١١٤ رقم ٣٣٤١)، وابن حبان (١٦/ ١٥٥) رقم (٧١٨٧) من حديث أنس ﵁ قال: خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسْلِم فذاك مهري وما أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها. قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرًا من أم سليم الإسلام، فدخل بها فولدت له.
[ ٧ / ٢٧٣ ]
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ الاسْتِئْجَارُ عَلَى الغِنَاءِ وَالنَّوْحِ، وَكَذَا سَائِرُ المَلَاهِي)؛ لِأَنَّهُ
والسلام: «أحقُّ ما أَخَذْتُم عليهِ أجرًا كتابُ اللَّهِ» (^١)، يعني الجعالة في الرقية لأنه ذكر ذلك في سياق خبر الرقية.
وأما الرزق من بيت المال فيجوز على ما يتعدى نفعه من هذه الأمور؛ لأن بيت المال لمصالح المسلمين فجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح، بخلاف الأجر.
وأما الاستنابة عن الحج فللآمر ثواب الإنفاق، وبه يسقط الفرض عنه كما ذكر في الأصول، فيكون لخدمته، أو لقطع مسافته، وعلى تقدير أن الأفعال تقع عن الأمر لا يكون إجارة على الحج بل هو إنفاق على النائب، فلا يكون إجارة.
قوله: (وبعض مشايخنا) (^٢) إلى آخره، وهم أئمة بلخ؛ فإنهم اختاروا أقوال أهل المدينة وقالوا: إن المتقدمين منعوا ذلك لرغبة الناس في التعليم حسبة، ومروءة المتعلمين في مجازاة الإحسان بالإحسان بلا شرط، وفي زماننا قد زال المعنيان ففي الامتناع عنه تضييع حفظ القرآن، ولا يبعد أن يختلف الحكم باختلاف الأوقات.
ألا ترى أن النساء كن يحرصن إلى الجماعات في زمن النبي ﵊، وزمن أبي بكر حتى منعهن عمر عن ذلك، وكان ما رآه صوابا، فيفتي بالجواز، وكذا يفتى بجواز الإجارة على تعليم الفقه لما ذكرنا إذا ضربوا لذلك مدة، حتى يجبر الأب على دفع الأجر إلى المعلم، وإن لم يضرب المدة يجب أجر المثل ويجبر على دفعه، وكذا يجبر على الحلوة المرسومة، وقال الإمام الخَيْزَاخَزِي (^٣): يجوز في زماننا للإمام والمؤذن والمعلم أخذ الأجر، كذا في الروضة، والذخيرة.
قوله: (وكذا سائر الملاهي)؛ كالمزامير والطبل وغيرهما، وبه قالت الأئمة
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) انظر المتن ص ٢٧٢.
(٣) عبد الله بن الفضل الخَيْزَاخَزِي بفتح الخاء المعجمة، وسكون الياء تحتها نقطتان، وفتح الزاي، وسكون الألف، وفتح الخاء الثانية، وكسر الزاي الثانية، نسبة إلى قرية خيزاخز من قرى بخارى. الجواهر المضية في طبقات الحنفية (١/ ٧٢).
[ ٧ / ٢٧٤ ]
اسْتِئْجَارٌ عَلَى المَعْصِيَةِ وَالمَعْصِيَةُ لَا تُسْتَحَقُّ بِالعَقْدِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ إِجَارَةُ المُشَاعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا مِنْ الشَّرِيكِ، وَقَالَا: إِجَارَةُ
الثلاثة، وأبو ثور، وقال الشعبي، والنخعي: يكره ذلك ويجوز، أما الاستئجار لكاتب يكتب له غناءً ونحوحًا (^١) يجوز عند أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه وللأئمة الثلاثة، وعلى هذا الخلاف استئجار على حمل الخمر.
قوله: (والمعصية لا تستحق بالعقد)؛ إذ لا يستحق على أخذ شيء يكون به عاصيًا شرعًا لئلا تصير المعصية مضافة إلى الشرع، ولأن الآجر مع المستأجر يشتركان في منفعة ذلك فتكون الإجارة واقعة على عمل هو شريك، كذا في الذخيرة.
قوله: (ولا يجوز إجارة المشاع إلا من الشريك عند أبي حنيفة)، وزفر، وأحمد فيما يقسم كالأرض، وفيما لا يقسم كالعبد، وعند أبي يوسف، ومحمد، والشافعي، ومالك: يجوز ويتهايئان، ويجبران على ذلك.
وصورته: أن يُؤَجِّر نصيبًا من داره، أو نصيبه من دار مشتركة بينه وبين غيره من غير الشريك، أو يُؤَجِّر نصف عبد، أو نصف دابة من غير الشريك.
لهم: أن هذا عقد معاوضة فيجوز في الشائع كالبيع، وهذا لأن موجب الإجارة ملك المنفعة، وللجزء الشائع منفعة، ولهذا إذا سكن المستأجر فيها يجب أجر المثل على قول أبي حنيفة ولو كانت فائتة أصلًا لما انعقد أصلًا؛ كالإجارة على منافع الرضيع، والتسليم ممكن بالتخلية، أو بالتهايؤ، فصار كما لو أجر من شريكه.
ولو كان الشيوع مانعًا جاز من شريكه؛ كالهبة، ولو أجار (^٢) من رجلين يجوز، وكل واحد من المستأجرين يملك منفعة النصف شائعًا، ولأنه لو أعار نصف داره شائعًا يجوز، وأثر الشيوع في منع التبرع أكبر من المنع من المعاوضة [وَ] أَوْلَى.
_________________
(١) كذا بالأصل، وفي النسخة الثانية: (ونحوا).
(٢) كتب فوقها في الأصل بخط صغير: (كذا) ليدل على أنها هكذا في النسخة التي نقل منها وتحتاج إلى تأمل ونظر.
[ ٧ / ٢٧٥ ]
المُشَاعِ جَائِزَةٌ) (*) وَصُورَتُهُ: أَنْ يُؤَاجِرَ نَصِيبًا مِنْ دَارِهِ، أَوْ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ مِنْ غَيْرِ الشَّرِيكِ. لَهُمَا: أَنَّ لِلْمُشَاعِ مَنْفَعَةٌ وَلِهَذَا يَجِبُ أَجْرُ المِثْلِ، وَالتَّسْلِيمُ مُمْكِنُ بِالتَّخْلِيَةِ، أَوْ بِالتَّهَا يُةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا آجَرَ مِنْ شَرِيكِهِ، أَوْ مِنْ رَجُلَيْنِ وَصَارَ كَالبَيْعِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ. أَنَّهُ آجَرَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ المُشَاعِ وَحْدَهُ لَا يُتَصَوَّرُ، وَالتَّخْلِيَةُ اعْتُبِرَتْ تَسْلِيمًا لِوُقُوعِهِ تَمْكِينًا وَهُوَ الْفِعْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّمَكُنُ وَلَا تَمَكَّنَ فِي المُشَاعِ بِخِلَافِ البَيْعِ لِحُصُولِ التَّمَكَّنِ فِيهِ، وَأَمَّا التَّهَايُؤُ فَإِنَّمَا
ولأبي حنيفة أنه آجر ما لا يقدر تسليمه؛ إذ تسليم المشاع وحده غير متصور، واستيفاء المنفعة في النصف شائعًا لا يتصور؛ لأن الانتفاع أمر حسي، والشائع لا يحتمله، والسكنى من الساكن لا تتصور في جزء شائع، وإنما يحل جزءا عينا، وكذا سائر الانتفاعات لا تتصور في الشائع.
وقوله: (والتخلية) إلى آخره جواب سؤال، وهو أن التخلية تكون تسليما في البيع فكذا في الإجارة، فقال: إنما اعتبرت التخلية تسليما في البيع (لوقوعه)، أي: لوقوع التخلية بتأويل رفع المانع.
(تمكينا)، أي: من القبض، وهو الفعل الذي يحصل به التمكن من القبض، أي من المشتري؛ كالبيع والإعتاق، والانتفاع بالتهايؤ.
(ولا تمكن في المشاع) أي: في إجارة المشاع؛ لأن القبض في الاستئجار للانتفاع حقيقةً وحسا، ولا يحصل في المشاع بالتخلية؛ لأن ذلك حكمي وليس بحقيقي، وحكم البيع ثبوت الملك وهو أمر شرعي فيجوز أن يقوم التخلي مقام القبض؛ لأن بناء الشراء ليس على الانتفاع الحقيقي، ولهذا يجوز بيع الجحش لتحقق حكم البيع فيه وهو الملك، ولا يجوز إجارته لعدم تحقق حكم الإجارة وهو الانتفاع الحقيقي، فلا يكون التخلي في باب الإجارة قبضا، إليه أشار في الأسرار.
قوله: (وأما التهايؤ) إلى آخره جواب سؤال آخر بأن يقال: يمكن الانتفاع بالتهايؤ.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٢٧٦ ]
يَسْتَحِقُّ حُكْمًا لِلْعَقْدِ بِوَاسِطَةِ المِلْكِ، وَحُكْمُ العَقْدِ يَعْقُبُهُ وَالقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطُ العَقْدِ وَشَرْطُ الشَّيْءِ يَسْبِقُهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ المُتَرَاخِي سَابِقًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا آجَرَ مِنْ شَرِيكِهِ، فَالكُلُّ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا شُيُوعَ، وَالاخْتِلَافُ فِي النِّسْبَةِ لَا يَضُرُّهُ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُ فِي رِوَايَةِ الحَسَنِ عَنْهُ، وَبِخِلَافِ الشُّيُوعِ الطَّارِي؛ … … … .
فأجاب عنه فقال: التهايؤ إنما يستحق حكمًا لملك المنفعة، وملك المنفعة حكم عقد الإجارة، وكونه مقدور التسليم شرط العقد، فينبغي أن يكون سابقا على العقد، أو حالة العقد فلا يمكن أن يجعل المتأخر سابقا؛ لأنه قلب الحكم شرطًا، وذا لا يجوز.
قوله: (والاختلاف في النسبة لا يضره)، يعني كل المنفعة تحدث على ملك الشريك فلا يظهر معنى الشيوع، وإنما يظهر الاختلاف في حق السبب، فالبعض يحدث بحكم الملك، والبعض بحكم الإجارة، ولا عبرة لاختلاف الأسباب مع اتحاد الحكم.
وإذا لم يظهر الشيوع صح العقد، على أنه لا يصح في رواية الحسن عن أبي حنيفة؛ لأن استيفاء المنفعة التي تناولها عقد الإجارة لا يتأتى إلا بغيرها وهو منفعة نصيبه، وذلك مفسد للإجارة؛ كمن استأجر أحد زوجي المقراض لمنفعة قرض الثياب فإنه لا يجوز.
وجه ظاهر الرواية أن استيفاء المعقود عليه على الوجه الذي استحقه بالعقد يتأتى هاهنا كما ذكرنا، بخلاف الإجارة من غيره فهناك يتقدر الاستيفاء لما ذكرنا وهذا نظير بيع الآبق عمن في يده يجوز لكون التسليم مقدورا عليه ومن غيره لا يجوز للعجز عن التسليم ..
قوله: (وبخلاف الشيوع الطارئ) بأن مات أحد المستأجرين فإن العقد يبقى في الحي شائعًا في ظاهر الرواية، وذكر الطحاوي عن خالد بن صبيح، عن أبي حنيفة: أنه يفسد في حق الحي؛ لأن الإجارة تجدد انعقادها بحسب حدوث المنفعة، فكان هذا في معنى الشيوع المقترن بالعقد.
وجه الظاهر أن تجدد الانعقاد في حق المعقود عليه، فأما أصل العقد فمنعقد لازم في الحال، والشيوع طارئ، والشيوع الطارئ ليس كالمقارن؛ كما
[ ٧ / ٢٧٧ ]
لِأَنَّ القُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ لَيْسَتْ بِشَرْطِ لِلْبَقَاءِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا آجَرَ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ يَقَعُ جُمْلَةٌ ثُمَّ الشُّيُوعُ بِتَفَرُّقِ المِلْكِ فِيمَا بَيْنَهُمَا طَارِيٌّ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِنْجَارُ الظُّهْرِ بِأَجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَتَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَلِأَنَّ التَّعَامُلَ بِهِ كَانَ جَارِيًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَبْلَهُ
في الهبة بأن وهب جميع الدار وسلمها، ثم رجع في نصفها، كذا في الأسرار، والمبسوط (^١).
وذكر في الأسرار: كلام أبي حنيفة أدق، وكلامهما أظهر؛ لأن أصل المنفعة قائمة في الشيوع.
وفي المغني: الفتوى على قولهما في إجارة المشاع، ولو أراد حيلة ليجوز على قول الكل يرفع العقد إلى القاضي يحكم به، ولو تعذر المرافعة يُعقد العقد في الكل، ثم يفسخان العقد في بعضه بقدر ما يتفق عليه العاقدان؛ لأن الشيوع الطارئ لا يمنع الجواز بالاتفاق على ظاهر الرواية.
قوله: (لأن التسليم يقع جملة) إذ العقد أضيف إلى كل الدار ولا شيوع فيه، وإنما الشيوع يظهر بتفرق الملك.
وقوله: (بتفرق الملك) بالباء الجارة فيما بينهما، وهي طارئ.
وفي المبسوط: ثم المهايأة بعد ذلك تكون بين المستأجرين بحكم ملكهما، وهو نظير الرهن من رجلين فهو جائز لوجود المعقود عليه (^٢).
وإنما وجب أجر المثل إذا سكن لأن الفساد للعجز عن التسليم لا يمنع الانعقاد على الفساد، كما لو باع آبقًا بألف فالعقد ينعقد على الفساد، حتى لو قبض الألف ملكها بحكم العقد الفاسد، ولو استأجر طريقًا ليمر فيه ولم يبين موضعه لم يجز عند أبي حنيفة خلافًا لهما، وهو فرع اختلافهم في إجارة المشاع.
قوله: (قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]) والمراد بعد الطلاق، وبعث النبي ﵊ والناس يتعاطونه فأقرهم عليه، واجتمعت
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٤٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٤٦).
[ ٧ / ٢٧٨ ]
وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ قِيلَ: إِنَّ العَقْدَ يَقَعُ عَلَى المَنَافِعِ وَهِيَ خِدْمَتُهَا لِلصَّبِيِّ وَالْقِيَامُ بِهِ وَاللَّبَنُ يُسْتَحَقُّ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ بِمَنْزِلَةِ الصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ. وَقِيلَ: إِنَّ العَقْدَ يَقَعُ عَلَى اللَّبَنِ، وَالخِدْمَةُ تَابِعَةٌ، وَلِهَذَا لَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ شَاةٍ لَا تَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ.
وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى الفِقْهِ؛
الأمة على جوازها بأجرة معلومة، ولأن الحاجة ماسة إليه إذ الصغير لا يتربى إلا بلبن الآدمية، والأم قد تعجز عن الإرضاع المرض، أو موت، أو حَبَلٍ فلا يحصل المقصود إلا بالاستئجار.
(ثم قيل) المعقود عليه المنفعة، وهو القيام بخدمة الولد وما يحتاج إليه، واللبن يستحق على طريق التبع وهو اختيار صاحب الذخيرة، والإيضاح، والهداية، وبعض أصحاب أحمد، والشافعي.
(وقيل: إن العقد يقع على اللبن)، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي فإنه ذكر في المبسوط والأصح أن العقد يرد على اللبن لأنه المقصود، وما سواه من القيام بمصالح الولد يحتاج إليه في الإرضاع تبع له، هكذا ذكر ابن سماعة عن محمد فإنه قال: استحقاق لبن الآدمي بعقد الإجارة دليل على أنه لا يجوز بيعه، وجواز بيع لبن الأنعام دليل على أنه لا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة، وقد ذكر بعد هذا في الكتاب: ولو أرضعته بلبن الشاة فلا أجر لها، وهذا يدل أيضًا أن اللبن غير تابع بل معقود عليه (^١).
قال صاحب النهاية: عجبت لمن تبع غيره مع الدليل الواضح معه، والرواية المنصوصة عن محمد مثله.
وقال القاضي الحنبلي: وهو الأشبه؛ لأن المقصود هو اللبن دون الخدمة ولهذا لو أرضعته بلا خدمة تستحق الأجر، ولأنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فجعل الأجر مرتبًا على الإرضاع، كذا في المغني لابن قدامة الحنبلي (^٢)، وبه قال بعض الشافعية.
قوله: (والأول)، وهو أن العقد يقع على المنافع (أقرب إلى الفقه).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١١٩).
(٢) المغني (٥/ ٣٦٨).
[ ٧ / ٢٧٩ ]
لِأَنَّ عَقْدَ الإِجَارَةِ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى إِتْلَافِ الأَعْيَانِ مَقْصُودًا، كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ بَقَرَةً؛ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا. وَسَنُبَيِّنُ العُذْرَ عَنْ الإِرْضَاعِ بِلَبَنِ الشَّاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا يَصِحُ إِذَا كَانَتْ الأَجْرَةُ مَعْلُومَةً اعْتِبَارًا بِالِاسْتِنْجَارِ عَلَى الخِدْمَةِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) (*)؛ لِأَنَّ الأَجْرَةَ مَجْهُولَةٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِلْخَبْزِ وَالطَّبْخِ. وَلَهُ: أَنَّ الجَهَالَةَ لَا تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ فِي العَادَةِ التَّوْسِعَةَ عَلَى الْأَظارِ شَفَقَةٌ عَلَى الأَوْلَادِ فَصَارَ كَبَيْعِ قَفِيزِ مِنْ صُبْرَةٍ، بِخِلَافِ الخَبْزِ وَالطَّبْنِ؛ لِأَنَّ الجَهَالَةَ فِيهِ تُفْضِي
وفي الكافي: وهو الصحيح؛ لأن عقد الإجارة لا ينعقد على إتلاف الأعيان قصدًا، كما لو استأجر بقرة أو شاة مدة معلومة ليشرب لبنها.
وفي المغني: وإنما جاز هذا في الآدميين دون سائر الحيوانات للضرورة إلى حفظ الآدمي، والحاجة إلى إبقائه (^١).
قوله: (استحسانا عند أبي حنيفة)، وبه قال مالك، وأحمد، وعند مالك، وأحمد يجوز - في رواية - في كل أجير بطعامه وكسوته، ويكون له ما يكون لمثله من الوسط.
(وقالا)، أي: أبو يوسف ومحمد: (لا يجوز)، وبه قال الشافعي (^٢) لجهالة الأجرة، إذ الطعام مجهول الجنس والقدر والصفة، وكذا الكسوة، فصار كما لو استأجرها بطعامها وكسوتها للخبز والطبخ، وهذا لا يلزم على مالك وأحمد لما أنه يجوز عندهما.
(وله)، أي: ولأبي حنيفة الجهالة إنما تفسد العقود لما أنها تفضي إلى المنازعة لا لعينها، وهذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن العادة التوسعة على الأظار والجري على موجب مرادهن؛ لأن منفعة ذلك يرجع إلى الولد،
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) المغني لابن قدامة (٥/ ٣٦٨).
(٣) انظر: المجموع للنووي (١٥/¬٢٩).
[ ٧ / ٢٨٠ ]
إِلَى المُنَازَعَةِ (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: فَإِنْ سَمَّى الطَّعَامَ دَرَاهِمَ وَوَصَفَ جِئْسَ الكِسْوَةِ وَأَجَلَهَا وَذَرْعَهَا: فَهُوَ جَائِزٌ يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ.
وَمَعْنَى تَسْمِيَةِ الطَّعَامِ دَرَاهِمَ: أَنْ يَجْعَلَ الأَجْرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ يَدْفَعُ الطَّعَامَ مَكَانَهُ، وَهَذَا لَا جَهَالَةَ فِيهِ (وَلَوْ سَمَّى الطَّعَامَ وَبَيَّنَ قَدْرَهُ جَازَ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا، وَلَا يُشْتَرَطُ تَأْجِيلُهُ)؛ لِأَنَّ أَوْصَافَهَا أَثْمَانُ. وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ مَكَانِ الإِيفَاءِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي البُيُوعِ (وَفِي الكِسْوَةِ يُشْتَرَطُ بَيَانُ الْأَجَلِ أَيْضًا مَعَ بَيَانِ القَدْرِ
بخلاف الخبز، والطبخ والطحن وغير ذلك؛ لأن الجهالة ثمة تفضي إلى المنازعة لجريان العادة بالمنافسة والاستقصاء فيها.
قوله: (ومعنى تسمية الطعام دراهم أن يجعل) إلى آخره، قيل: هذا التفسير الذي ذكره لا يستفاد من لفظ الجامع، ولكن يحتمل أن يكون معناه: أي سمى الدراهم المقدرة بمقابلة الطعام بأن قال: عشرة بمقابلة الطعام، وبعده أعطاها طعامًا بإزاء العشرة، فإنه ذكر في جامع فخر الإسلام وإذا سمى الطعام دراهم فإنما معناه بأن يجعل الدراهم بدلا فلا شك في جوازه، ثم يستبدل به طعامًا فيصح.
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله (لا جهالة فيه).
قوله: (لأن أوصافها)، أي: أوصاف الطعام على تأويل الحنطة (أثمان)، أي: المكيل والموزون إذا كان موصوفًا غير مشار ثمن بدليل ثبوته في الذمة، فلا يشترط بيان الأجل كما في سائر الأثمان، وهذا احتراز عن الطعام إذا كان مسلما فيه فإن الطعام فيه مبيع مع كونه دينا فاشترط تأجيله، ولكن بشرط بيان مكان الإيفاء عند أبي حنيفة إن كان له حمل ومؤنة خلافًا لهما، وقد مر في البيوع.
قوله: (وفي الكسوة)، يعني إذا استأجرها بثياب يشترط فيه جميع شرائط السلم من بيان الأجل، وبيان القدر والجنس؛ لأن وجوب الثياب دينا في الذمة عرف شرعًا بخلاف القياس فيقتصر على مورده، والشرع ورد بطريق السلم فيشترط جميع شرائط السلم.
[ ٧ / ٢٨١ ]
وَالجِنْسِ)؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ إِذَا صَارَ مَبِيعًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَبِيعًا عِنْدَ الأَجَلِ كَمَا فِي السَّلَمِ.
قَالَ (وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأجِرِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا)؛ لِأَنَّ الوَطْءَ حَقُّ الزَّوْجِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الإِجَارَةَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ صِيَانَةٌ لِحَقِّهِ،
قوله: (ليس للمستأجر أن يمنع زوجها)، وبه قال الشافعي، وأحمد، وقال مالك: ليس له وطؤها إلا برضى المستأجر لأنه ينقص اللبن وقد يقطعه بالحبل.
وقلنا: الولي مستحق له قبل العقد بعقد النكاح وعقد النكاح باق فيبقى ما كان حقا له ولا يسقط لأمر مشكوك.
قوله: (إذا لم يعلم به)، أي: بعقد الإجارة.
وفي المبسوط: أجرت نفسها للإرضاع بغير إذن الزوج، وللزوج أن يفسخ الإجارة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعند الشافعي في وجه: لا يصح العقد بغير رضاه، وبه قال أحمد.
ولو زوج بعد عقد الإجارة له الفسخ بالإجماع.
وقيل: إن كان الزوج ممن يشينه أن تكون امرأته ظئرا فله الفسخ لدفع الضرر عن نفسه، وإلا لا يكون له الفسخ، والأصح أن له فسخ ذلك في الوجهين؛ لأنها إن كانت مرضعة في بيت أبويه فللزوج منعها عن الخروج عن منزله، ولأنها في الإرضاع والسهر بالليل تتعب، وذلك ينقص من جمالها، وجمالها حق الزوج، وكان له أن يمنعها من الإضرار به، ففي حقه أولى، كما يمنعها من التطوعات (^١).
وهذا إذا كان زوجها معروفًا فلو كان مجهولًا لا يعرف أنها امرأته إلا بقولها فليس له الفسخ؛ لأن العقد قد لزمها وقولها غير مقبول في حق المستأجر، ولأنه يمكن تهمة المواضعة مع هذا الرجل وهو نظير المنكوحة إذا كانت مجهولة الحال فأقرت بالرق على نفسها لا تصدق في إبطال النكاح.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٢٠).
[ ٧ / ٢٨٢ ]
إِلَّا أَنَّ المُسْتَأْجِرَ يَمْنَعُهُ عَنْ غِشْيَانِهَا فِي مَنْزِلِهِ؛ لِأَنَّ المَنْزِلَ حَقَّهُ (فَإِنْ حَبِلَتْ كَانَ لَهُمْ
قوله: (كان لهم) (^١)، أي: لأولياء الصبي أن يفسخوا، وكذا إذا مرضت أيضًا لهم أن يفسخوا الإجارة، فالحاصل أن العقد لازم من الجانبين، إلا أن الإجارة تفسخ بالعذر عندنا.
ثم من العذر لهم أن لا يأخذ الصبي من لبنها، وكذا إذا كانت سارقة فيخافون على متاعهم، وكذا إذا تقيأ الصبي لبنها، وكذا إذا كانت فاجرة بينا فجورها لأنها تشتغل بالفجور، وتنتقص من قيامها بمصالح الصبي.
وهذا بخلاف ما لو كانت كافرة حيث لا يكون عذرًا في الفسخ؛ لأن كفرها في اعتقادها، ولا يضر ذلك بالصبي، ولا يبعد أن يقال: عيب الفجور في هذا فوق عيب الكفر؛ لما أن في بعض نساء الرسل كانت كافرة؛ كامرأة نوح، وامرأة لوط، وما بغت امرأة نبي قط، هكذا قاله النبي ﵊ (^٢)، وكذا لو أرادوا السفر فتأبى الخروج معهم فهو عذر.
وأما عذرها فمرض يصيبها لا تستطيع معه الإرضاع، وكذا إن لم تكن معروفة بالظؤورة فلها أن تفسخ؛ لأنها ربما لا تعرف عند ابتداء ما تبتلى به من المقاساة والسهر، فإذا جربت ذلك تضررت، وكذا إذا لم يكفوا عن إيذائها بألسنتهم كان لها الفسخ، كذا في المبسوط (^٣).
ولو استأجر امرأته ليرضع ولده منها لا يجب الأجر، وبه قال الشافعي، والقاضي الحنبلي، وقال مالك وأحمد: يجوز؛ لأن كل عقد يصح أن يعقد مع غيره يصح أن يعقده مع زوجه كالبيع، ولأن منافعها في الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج، ولهذا لا يملك إجبارها على الإرضاع والحضانة فيجوز أخذ العوض عنها منه كما يجوز من غيره.
_________________
(١) انظر المتن ص ٢٨٤.
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٦ رقم ٣٨٣٣) عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: مَا زَنَتَا، أما امرأة نوح فكانت تقول للناس: إنه مجنون، وأمّا امرأة لوط فكانت تدل على الضيف، فذلك خيانتهما. موقوفا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٣) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٢٢).
[ ٧ / ٢٨٣ ]
أَنْ يَفْسَخُوا الإِجَارَةَ إِذَا خَافُوا عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ لَبَنِهَا)؛ لِأَنَّ لَبَنَ الحَامِلِ يُفْسِدُ الصَّبِيَّ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ الفَسْخُ إِذَا مَرِضَتْ أَيْضًا (وَعَلَيْهَا أَنْ تُصْلِحَ طَعَامَ الصَّبِيِّ)؛
وقلنا: إن ذلك مستحق عليها ديانة، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإن كانت لا تجبر على ذلك فلا تستوجب الأجر، كما لو استأجرها لكنس البيت، أو الطبخ، أو الغسل وغير ذلك، كذا في المبسوط (^١).
وحكي عن الشافعي أنه قال: استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض، فلا يجوز أن يلزمه عوض آخر، كذلك ورد بأن الاستمتاع بها في غير الحضانة، واستحقاق منفعة من وجه لا يمنع استحقاقها سواها بعوض آخر، كما لو استأجرها أولا ثم تزوجها.
وفي المبسوط: ولو استأجرها لإرضاع ولدها منه بمال الولد وللولد مال صح في رواية ابن رستم عن محمد، ويكون لها الأجر في مال الولد (^٢).
وبعض المشايخ أخذوا بهذه الرواية؛ لأن الإرضاع بمنزلة النفقة، ونفقة الصغير تجب في ماله إذا كان له مال.
ولو استأجرها لإرضاع ولده من غيرها بغير خلاف وكان لها الأجر؛ لأن ذلك غير مستحق عليها ديانة، ولو استأجر خادمها ليرضع ولده منها لا يجب الأجر، ولو استأجر مكاتبتها جاز، ولو أرضعت خادمة الظئر الصبي فلها الأجر؛ لأنه لم يشترط الإرضاع بثديها، وهذا كمن استأجر قصارا أو خياطا ولم يشترط العمل بنفسه فعمل بغيره يستحق الأجر، كذا هذا، بخلاف ما لو شرط الإرضاع بنفسها، كذا في الذخيرة، وفتاوى قاضي خان (^٣).
وقال أحمد وأبو ثور: لا أجر لها؛ لأنها لم ترضعه، فصار كما لو سقته لبن الغنم، ويجوز استئجار أمه، وأخته وابنته لرضاع ولده، وكذا سائر أقاربه بلا خلاف.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/¬١٢٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/¬١٢٨).
(٣) انظر: فتاوى قاضي خان (٢/¬١٦٦).
[ ٧ / ٢٨٤ ]
لِأَنَّ العَمَلَ عَلَيْهَا. وَالحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيمَا لَا نَصَّ عَلَيْهِ العُرْفُ فِي مِثْلِ هَذَا البَابِ، فَمَا جَرَى بِهِ العُرْفُ مِنْ غَسْلِ ثِيَابِ الصَّبِيِّ وَإِصْلَاحِ الطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى الظُّفْرِ أَمَّا الطَّعَامُ فَعَلَى وَالِدِ الوَلَدِ، وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ: أَنَّ الدُّهْنَ وَالرَّيْحَانَ عَلَى الظُّفْرِ فَذَلِكَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الكُوفَةِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ فِي المُدَّةِ بِلَبَنِ شَاةٍ: فَلَا أَجْرَ لَهَا)؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِعَمَلٍ مُسْتَحَقٌ عَلَيْهَا، وَهُوَ الإِرْضَاعُ، فَإِنَّ هَذَا إِيجَارٌ وَلَيْسَ بِإِرْضَاعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْأَجْرُ … .
قوله: (يعتبر فيما لا نص عليه العرف)، يعني الأصل أن الإجارة إذا وقعت على عمل فما كان من توابع ذلك العمل ولم يشترط في الإجارة على الأجير فالمرجع فيه العرف، فكل عمل راجع إلى منفعة الصبي على الظئر؛ كالحضانة، وغسل ثيابه، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعن الشافعي في وجه: لا يلزمها.
قوله: (ولو أرضعته بلبن الشاة لا أجر لها)، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (لأنها لم تأت بعمل مستحق عليها)، وهو الإرضاع، يعني لا باعتبار أن المعقود عليه اللبن وهو العين بدليل أن الصبي لو أوجر بلبن الظئر في المدة لا تستحق الأجر، فعلم أن المستحق هو الإرضاع والعمل دون العين، كذا في الأوضح.
وهذا هو العذر الموعود قبله بقوله: (وسنبين عن الإرضاع) إلى آخره (^١).
قال شيخي صاحب النهاية ﵀: يجوز أن يكون هذا الحكم غير مُسَلَّمٍ عند شمس الأئمة.
فإن قيل: ذكر في المبسوط: لو ضاع الصبي في يدها، أو وقع فمات، أو سرق من حلي الصبي، أو من متاعه وثيابه في يدها لم تضمن الظئر؛ لأنها بمنزلة الأجير الخاص لورود العقد على منافعها في المدة، بخلاف الأجير المشترك على قول من يضمنه (^٢).
وذكر في الذخيرة: لو أجرت الظئر نفسها من قوم آخرين ترضع صبيا لهم
_________________
(١) تقدم قوله: (وَسَنُبَيِّنُ الْعُذْرَ عَنِ الْإِرْضَاعِ بِلَبَنِ الشَّاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٢١).
[ ٧ / ٢٨٥ ]
لِهَذَا المَعْنَى أَنَّهُ اخْتَلَفَ العَمَلُ.
ولا يعلم بذلك أهلها الأولون حتى يفسخوها، فأرضعت كل واحد منهما وفرغت فقد أثمت، وهذه جناية منها، ولها الأجر كاملا على الفريقين.
وهذه تدل على أنها الأجير المشترك، وإلا لما وجب الأجر كاملا، ولو وجب الأجر كما ينبغي أن لا تأثم.
قلنا: الوجه أن الأجير الوحد في الرضاع يشبه الأجير المشترك من حيث إنه يمكنه إيفاء العمل لكل واحد منهما كما في الخياط، ثم لو كانت أجير وحد حقيقة لم تستحق الأجر كاملا، فلشبهها بالأجير المشترك تستحق الأجر كاملا، ولشبهها بالأجير الوحد تأثم، كذا قرره شيخي صاحب النهاية.
وقوله: (لأنه اختلف العمل)، بدل من قوله: (لهذا المعنى)، أي: إنما لم يجب الأجر لاختلاف المعنى.
الوجور: الدواء (^١) الذي يصب في وسط الفم، يقال: أوجرته، ووجرته.
ولو استأجر رجلًا ليقتل قاتل وليه قصاصًا لم يجز عندهما، وعند محمد يجوز، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور؛ لأنه عمل معلوم فصار كذبح الشاة، أو كاستيفاء القصاص في الطرف.
ولهما أنه لا تعارف فيه، وجواز الإجارة بالتعارف، ذكره في الكافي.
وفي المغني لابن قدامة: أبو حنيفة لا يجوز الإجارة لاستيفاء القصاص في النفس لأن عدد الضربات يختلف، وموضع [الضربات] (^٢) غير متعين؛ إذ يمكن أن يضرب مما يلي الرأس، ومما يلي الكتف فكان مجهولا (^٣).
ويجيب عنه ويبطل قوله بخياطة الثوب فإن عدد الغرزات مجهول.
وقوله: ومحله غير متعين أنه متقارب فلا يمنع صحته؛ كموضع الخياطة من الحاشية، هكذا ذكره، لكن هذا الذي قاله ما نقل عنه، بل المنقول ما قلنا.
_________________
(١) في الأصل: (الداء)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) المغني لابن قدامة (٥/ ٣٤٤).
[ ٧ / ٢٨٦ ]
قَالَ: (وَمَنْ دَفَعَ إِلَى حَائِكِ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ بِالنِّصْفِ: فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ. وَكَذَا إِذَا اسْتَأْجَرَ حِمَارًا يَحْمِلُ عليه طَعَامًا بِقَفِيزِ مِنهُ: فَالإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ)؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَجْرَ بَعْضَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ فَيَصِيرُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَانِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ، وَهُوَ: أَنْ يَسْتَأْجِرَ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ لَهُ حِنْطَةٌ بِقَفِيرٍ مِنْ دَقِيقِهِ.
قوله: (ومن دفع إلى حائك) إلى قوله: (من دقيقه)، أي من دقيق الحنطة على تأويل البر، وفي بعض النسخ: (دقيقها).
(وكذا لو استأجر رجلًا (^١) ليحمل طعامًا بقفيز منه)، أي: من الطعام المحمول فالإجارة فاسدة، ذكره التمرتاشي، ولا يعلم فيه خلاف.
وفي المبسوط: حكى الحلواني عن أستاذه أبي علي النسفي أنه كان يفتي بجواز دفع الثوب إلى الحائك لينسجه بالنصف في دياره بنسف؛ لأن فيه عرفًا ظاهرًا، وكذا مشايخ بلخ يفتون بجواز هذه الإجارة في الثياب للتعامل والقياس قد يترك بالتعامل كما في الاستصناع (^٢).
قال ﵀: والأصح عندي أن ما ذكره في الكتاب أصح؛ لأن هذا في معنى قفيز الطحان من كل وجه فيكون الحكم فيه ثابتًا بالنص لا بالقياس ومشايخ [الضربات] (^٣) يقولون: يجوز تخصيص النص بالتعامل؛ كما خصصنا الاستصناع عن النهي الذي ورد عن بيع ما ليس عند الإنسان لا تركًا للنص أصلا؛ لأنا عملنا بالنص في غير موضع الاستصناع، فكذلك خصصنا الثياب عن النهي عن قفيز الطحان، حتى لو تعامل أهل بلدة قفيز الطحان لا يجوز.
ولكن مشايخنا لم يجوزوا هذا التخصيص لأن ذلك تعامل أهل بلدة واحدة، وبتعامل أهل بلدة واحدة لا يخص الأثر؛ لأن تعامل أهل بلدة واحدة يجوزه، وترك تعامل أهل بلدة أخرى لا يجوز فلا يثبت التخصيص بالشك، بخلاف الاستصناع فإنه وجد التعامل فيه في كل البلاد، كذا في جامع شمس الأئمة، والذخيرة (^٤).
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية، وتقدم في المتن: (وَكَذَا إِذَا اسْتَأْجَرَ حِمَارًا يَحْمِلُ طَعَامًا بِقَفِيرٍ مِنْهُ).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/ ٩٠).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر: الذخيرة البرهانية (١١/ ٥١٠).
[ ٧ / ٢٨٧ ]
وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ يُعْرَفُ بِهِ فَسَادُ كَثِيرٍ مِنْ الإِجَارَاتِ، لَا سِيَّمَا فِي دِيَارِنَا، وَالمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ المُسْتَأْجِرَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِ الأَجْرِ، وَهُوَ بَعْضُ المَنْسُوجِ أَوْ المَحْمُولِ. إِذْ حُصُولُهُ بِفِعْلِ الأَجِيرِ فَلَا يُعَدُّ هُوَ قَادِرًا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ نِصْفَ طَعَامِهِ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ، … ..
والحيلة في ذلك أن يشترط صاحب الحنطة قفيزا من الدقيق الجيد، ولم يقل من هذه الحنطة؛ لأن الدقيق إذا لم يكن مضافًا إلى حنطة بعينها يجب في الذمة، ثم إذا جاز يعطيه دقيق هذه الحنطة إن شاء.
قوله: (والمعنى فيه أن المستأجر عاجز عن تسليم الأجر)؛ لأن المسمى غير مقدور التسليم عند العقد، إذ هو بعض المنسوج أو المحمول، وليس له حكم الوجود لأنه غير واجب في الذمة فكان معدومًا فيعجز عن تسليمه، وإنما يصير مقدور التسليم بفعل الغير فلا يعد قادرا قبل حصوله.
وفي مبسوط صدر الإسلام وجامعه: ومعنى النهي في قفيز الطحان ونظائره أنه جعل شرط صحة العقد بناءً على حكم العقد؛ لأنه لا يمكنه تسليمه إلا بعد العمل، وشرط العقد لا يجوز أن يكون حكم العقد لأنه خلاف وضع الشرع؛ إذ الشرط يسبقه، والحكم يعقبه.
وفي الذخيرة، والمبسوط: أن الدقيق معدوم في الحال، وليس له حكم الوجود؛ لأنه غير واجب في الذمة؛ لأنه إنما يجب في الذمة ما له وجود في العالم، والبدل في المعاملات يجب أن يكون موجودًا حقيقة كالعين، أو حكمًا كالثمن، ويجب أجر المثل إذا سلم المعقود عليه؛ لأن العامل لم يصر شريكا في العين؛ لأنه إنما شرط له قفيز محمول، وليس بمحمول في ابتداء التسليم.
(بخلاف ما لو استأجره ليحمل نصف طعامه بالنصف الآخر) إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
وهاهنا [مسألتان] (^١) أحدهما: ما إذا استأجر رجلًا ليحمل له كُرَّ حنطة إلى بغداد مثلا بنصفه كانت الإجارة فاسدة، وله أجر مثله إن بلغ بغداد، لا يجاوز قيمته نصف الكر عندنا.
_________________
(١) في الأصول الخطية (مسألتين)، وليس لها وجه.
[ ٧ / ٢٨٨ ]
حَيْثُ لَا يَجِبُ لَهُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ المُسْتَأجِرَ مَلَكَ الأَجِيرَ فِي الحَالِ بِالتَّعْجِيلِ فَصَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا.
وَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِحَمْلِ طَعَامٍ مُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا لَا يَجِبُ الْأَجْرُ: لِأَنَّ مَا مِنْ جُزْءٍ يَحْمِلُهُ إِلَّا وَهُوَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فِيهِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عَلَيْهِ. قَالَ: (وَلَا يُجَاوِزُ بِالْأَجْرِ قَفِيرًا)؛
والثانية: أن يستأجره ليحمل إلى المكان المعين بنصفه ودفع إليه كله، ولا أجر له هاهنا وهي مسألة الكتاب، وهي من مسائل إجارات جامع الكبير، وذلك لأنه إذا دفع إليه كله ملكه نصفه بالتعجيل فصار طعامًا مشتركًا، ولو عقد العقد على حمل طعام مشترك بينهما كان باطلا، فكذا هاهنا، وإذ بطلت الإجارة لم يجب الأجر، بخلاف المسألة الأولى؛ لأن الحنطة صارت محمولة بعمل الأجير؛ كالدقيق يوجد بعمل الأجير، فكان في معنى قفيز الطحان فيكون فاسدًا، فيجب أجر المثل، كذا في الجامع الكبير للسرخسي، وصدر الدين الحميدي (^١).
وفي الفوائد والحاصل أن العقد إن صادفت محلا غير مشترك ابتداءً وانتهاءً ينعقد جائزا، وإن صادفت محلا مشتركًا ابتداءً وانتهاء لا ينعقد أصلا، وإن صادفت محلا غير مشترك ابتداء، ومشترك انتهاء ينعقد فاسدًا، وفي الفاسد يجب أجر المثل، ففي المسألة الأولى ينعقد فاسدًا لأن المحل غير مشترك ابتداءً، وفي الثانية لا ينعقد أصلا لأنه مشترك ابتداء وانتهاء.
وفي الفوائد الظهيرية والحاصل أنه متى قال: استأجرتك لتحمل هذا الكر بنصفه لا يصير شريكا، ومتى قال: لتحمل نصف هذا الكر بنصفه الباقي يكون شركا.
قوله: (ولا يجاوز بالأجر)، أي: أجر المثل (قفيزا) عندنا، خلافًا لزفر والأئمة الثلاثة، كما في سائر الإجارات الفاسدة، وقد بيناه.
وقوله: (قفيزا) بالنصب فنصبه على قول من يُجَوِّز إسناد الفعل إلى الجار
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/¬٣٥).
[ ٧ / ٢٨٩ ]
لِأَنَّهُ لَمَّا فَسَدَتْ الإِجَارَةُ فَالوَاجِبُ الأَقَلُّ مَا سَمَّى وَمِنْ أَجْرِ المِثْلِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِحَطّ الزِّيَادَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا اشْتَرَكَا فِي الاحْتِطَابِ، حَيْثُ يَجِبُ الْأَجْرُ بَالِغَا مَا بَلَغَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ المُسَمَّى هُنَاكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَمْ يَصِحَ الحَطَّ.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَخْبِزَ لَهُ هَذِهِ العَشَرَةَ المَخَاتِيمَ مِنْ الدَّقِيقِ اليَوْمَ
والمجرور مع وجود المفعول بدون الجار وهو ضعيف.
(لأنه)، أي: العامل (رضي بحط الزيادة)، أي: الزيادة على أحدهما من المسمى ومن أجر المثل، أما رضاه بالمسمى بعقده عليه، وأما رضاه بأجر المثل فإقدامه على الإجارة الفاسدة.
قوله: (فيجب الأجر بالغا ما بلغ) هذا إذا احتطب أحدهما وجمع الآخر فيجب أجر المثل لمن جمع بالغًا ما بلغ عند محمد؛ لأن المسمى غير معلوم فلا يصح الحط.
وعند أبي يوسف: لا يجاوز بأجره نصف ثمن ذلك؛ لأنه قد رضي بنصف المسمى حيث اشتركا، كما لو استأجر لحمل الحنطة بقفيز منها، وقد مرت المسألة في الشركة.
قوله: (عشرة مخاتيم)، هو جمع مختوم، وهو الصاع، ويشهد عليه حديث الخدري: «الوَسْقُ سِتُّونَ مَخْتومًا» (^١)، وسمي به لأنه يجعل على أعلاه خاتم مطبوع كيلا يزاد ولا ينقص، كذا في المغرب (^٢).
وفي المبسوط: المختوم والقفيز واحد ونصيب العشرة على أنها صفة
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٩٤ رقم ١٥٥٩)، وابن خزيمة (٤/¬٣٨) رقم (٢٣١٠)، والدارقطني (٢/ ٤٨٤ رقم ١٩٢٥). والحديث في الصحيحين دون هذه الزيادة.
(٢) المغرب في ترتيب المُعرَب للمطَّرِزي (ص) (١٣٨) وفيه: (ختم) الشيء وضع عليه الخاتم، ومنه ختم الشهادة، وذلك على ما ذكر الحلوائي ﵀ أن الشاهد كان إذا كتب اسمه في الصك جعل اسمه تحت رصاص مكتوبًا، ووضع عليه نقش خاتمه حتى لا يجري فيه التزوير والتبديل … .. إلى أن قال: (والمختوم) الصاع بعينه عن أبي عبيد، ويشهد له حديث الخدري: «الوَسْقُ سِتُّونَ مختوما».
[ ٧ / ٢٩٠ ]
بِدِرْهَمٍ: فَهُوَ فَاسِدٌ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الإِجَارَاتِ: هُوَ جَائِزٌ) (*)؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ المَعْقُودَ عَلَيْهِ عَمَلًا وَيَجْعَلُ ذِكْرَ الوَقْتِ لِلاسْتِعْجَالِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ فَتَرْتَفِعُ الجَهَالَةُ. وَلَهُ: أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، لِأَنَّ ذِكْرَ الوَقْتِ يُوجِبُ كَوْنَ المَنْفَعَةِ مَعْقُودًا عَلَيْهَا، وَذِكْرَ العَمَلِ يُوجِبُ كَوْنَهُ مَعْقُودًا عَلَيْهِ وَلَا تَرْجِيحَ، وَنَفْعُ المُسْتَأْجِرِ فِي الثَّانِي، وَنَفْعُ الأَجِيرِ فِي الأَوَّلِ، فَيُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ.
(هذه) المفعول بها، وجر (المخاتيم) على مذهب أهل الكوفة في قولهم: الثلاثة الأثواب، ونصب (اليوم) على الظرفية.
قوله: (وهذا)، أي: الفساد (عند أبي حنيفة)، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وعن أحمد مثل قولهما.
قوله: (في الإجارات: هو جائز)، وإنما قيد قولهما (في الإجارات)، أي إجارات المبسوط؛ لأنه لم يذكر قولهما في الجامع الصغير.
وفي المبسوط: قولهما استحسان، ويكون العقد على العمل؛ لأنه المقصود في الإجارات، وذكر الوقت محمول على التعجيل لا لتعليق الحق به (^١)، حتى لو فرغ منه في نصف النهار كان له الأجر كاملا، ولو لم يفرغ في اليوم فعليه أن يعمله في الغد لأنه صار أجيرًا مشتركًا (^٢).
قوله: (ولا ترجيح)، أي: ليس أحدهما بأولى من الآخر في الاعتبار؛ لأن كل واحد منهما يصلح معقودًا عليه في باب الإجارة، ألا ترى أنه لو استأجره ليخبز له اليوم وإن لم يبين القدر يجوز، وكذا لو استأجره ليخبز له عشرة مخاتيم بلا ذكر الوقت يجوز، وثبت أن كل واحد يصلح معقودًا عليه، فصار المعقود عليه مجهولا، وجهالته تفسد العقد؛ لأنها تفضي إلى المنازعة، فإنه إذا فرغ من العمل قبل مضي اليوم فللمستأجر أن يقول: منافعك في بقية اليوم حقي باعتبار تسمية الوقت، وأنا أستعملك.
وإذا لم يفرغ من العمل إلى آخر اليوم فللأجير أن يقول: عند مضي اليوم
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) في المبسوط: (لا لتعليق العقد به).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/¬٤٤).
[ ٧ / ٢٩١ ]
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَصِحُ الإِجَارَةُ إِذَا قَالَ: فِي اليَوْمِ، وَقَدْ سَمَّى عَمَلًا؛ … … .
قد انتهى العقد بانتهاء المدة، وإن كان العمل مقصود المستأجر فالمدة مقصود للأجير، ولا ترجيح.
فإن قيل: يشكل عليه مسألة الخياطة بطريق الترديد بإن قال: إن خُطْتَهُ اليوم فلك درهم، وإن خُطْتَهُ غدًا فلك نصف درهم؛ فإن العقد في اليوم جائز عند أبي حنيفة، على ما يجيء، فجعل ذكر اليوم هناك للتعجيل.
قلنا: نقصان الأجر للتأخير دليل أن مراده من ذكره مجازه وهو التعجيل لا حقيقته وهو التأقيت، وفي مسألتنا لم يقم دليل على التعجيل، فيحمل على حقيقته وهو التأقيت، فيصير المعقود عليه مجهولًا.
وهذا كما لو استأجره ليخبز له هذه العشرة المخاتيم على أن يفرغ منه اليوم تجوز هذه الإجارة بالإجماع؛ لما أن اليوم في مسألة الفراغ ما ذكر مقصودا، وإنما ذكره لإثبات صفة في العمل وهو التعجيل، والصفة تابعة للموصوف غير مقصود بالعقد.
ألا ترى لو اشترى عبدًا على أنه خباز ولم يكن، لم يكن الخبز معقودًا عليه حتى لا يقابله شيء من الثمن؛ لأنه صفة كذا، هذا وفي مسألتنا اليوم ذكر قصدًا.
وأما قولهما: أن ذكر اليوم للتعجيل، فيه نظر لأن أغراض الناس ورغباتهم مختلفة، قد يكون غرضهم التعجيل، وقد يكون العقد على المنفعة وهو حقيقته، والأجر مجاز، فلا يصار إليه عند إمكان العمل بالحقيقة.
وقيل: الضابط للفرق بين ذكر الوقت للاستعجال، وبين ذكره لبيان الوقت أن الجمع المفسد بين الوقت والعمل إذا ذكرهما قبل ذكر الأجر، أما إذا ذكر أحدهما وذكر الآخر معه حتى يتم العقد، ثم ذكر الباقي لا يفسد العقد؛ لأن العقد لما تم بذكر الأجر كأن ذكر الباقي بعده إما لتعيين العمل، أو للتعجيل فلم يفسد العقد.
أما لو جمع بينهما قبل تمام العقد بذكر الأجر صلح كل واحد منهما معقودًا فيفسد لجهالة المعقود عليه، كذا في المبسوط، والذخيرة،
[ ٧ / ٢٩٢ ]
لِأَنَّهُ لِلظَّرْفِ فَكَانَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ العَمَلَ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: «اليَوْمَ» وَقَدْ مَرَّ مِثْلُهُ فِي الطلاق.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَكْرِبَهَا وَيَزْرَعَهَا، أَوْ يَسْقِيَهَا وَيَزْرَعَهَا: فَهُوَ جَائِز)؛ لِأَنَّ الزِّرَاعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ بِالعَقْدِ، وَلَا تَتَأَنَّى الزِّرَاعَةُ إِلَّا بِالسَّقْيِ وَالكِرَابِ. فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَحَقًّا. وَكُلُّ شَرْطٍ هَذِهِ صِفَتُهُ يَكُونُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ العَقْدِ فَذِكْرُهُ لَا يُوجِبُ الفَسَادَ (فَإِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَثَنِيَهَا أَوْ يَكْرِيَ أَنْهَارَهَا أَوْ يُسَرْقِنَهَا: فَهُوَ فَاسِدٌ)؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ العَقْدِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ
وشروح الجامع الصغير (^١).
قوله: (لأنه للظرف)، أي: لأن اليوم للظرف لا للمدة، فكان المعقود عليه العمل.
(بخلاف قوله: اليوم)؛ لأنه للمدة؛ لأنه بدون (في) يستغرق جميع [الظرف] (^٢)، وكانت المنفعة مستغرقة جميع الوقت فيكون أجير واحد، وأما نفي للظرف والعمل لا يستغرق جميع الظرف فيكون المعقود عليه نفس العمل فيكون أجير مشترك.
(وقد مر مثله في الطلاق)، أي: في مسألة: أنت طالق غدا وفي غد.
قوله: (وقيل أن يَكْرِبَهَا) إلى آخره، يقال: كَرَبَ الأرض كرابًا قلبها للحرث، من باب طلب وقيد بالكراب مرة والمدة سنة؛ لأنه إذا شرط الكراب مرتين لا يكون هذا الشرط مفسدًا لكونه من مقتضيات العقد، وكذا لو كانت تخرج بالكراب مرة، إلا أن مدة الإجارة كانت سنتين لا يفسد العقد؛ لأن منفعته تبقى سنة دون سنتين فلا يكون هو شرطًا فيه يقع لصاحب الأرض فيجوز.
وذكر أبو الليث عن مشايخنا أنهم قالوا: هذا الجواب في بلادهم، أما في بلاد الحضرة تجوز المزارعة بهذا الشرط؛ لأن منفعة التثنية في بلاد الحضرة لا تبقى بعد انقضاء المدة فإن الأرض وإن كرب مرارًا قلما تبقى منفعتها إلى العام
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/¬٤٤).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٢٩٣ ]
المُتَعَاقِدَيْنِ. وَمَا هَذَا حَالُهُ يُوجِبُ الفَسَادَ؛ لِأَنَّ مُؤَخِّرَ الْأَرْضِ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا مَنَافِعَ الأجِيرِ عَلَى وَجْهِ يَبْقَى بَعْدَ المُدَّةِ، فَيَصِيرُ صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. ثُمَّ قِيلَ: المُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ أَنْ يَرُدَّهَا مَكْرُوبَةٌ وَلَا شُبْهَةَ فِي فَسَادِهِ. وَقِيلَ: أَنْ يَكْرِبَها مَرَّتَيْنِ، وَهَذَا فِي مَوْضِعِ تُخْرِجُ الأَرْضُ الرِّيعَ بِالكِرَابِ مَرَّةً وَاحِدَةٌ، وَالمُدَّةُ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثَ سِنِينَ لَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ، وَلَيْسَ المُرَادُ بِكَرْيِ الْأَنْهَارِ الجَدَاوِلَ بَلْ المُرَادُ مِنْهَا: الأَنْهَارُ العِظَامُ، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ فِي العَامِ القَابِلِ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْرَعَهَا بِزِرَاعَةِ أَرْضِ أُخْرَى: فَلَا خَيْرَ فِيهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ جَائِزٌ،
الثاني (^١).
وقوله: (هو الصحيح)، احتراز عن قول من قال: المراد بالأنهار الجداول.
وقلنا: والصحيح أن المراد الأنهار العظام؛ لأنه تبقى منفعته إلى العام القابل، وذلك لأن اسم الأنهار مطلقًا يتناول الجداول، ومنفعة كري الجداول لا تبقى إلى العام القابل كذا ذكره المحبوبي، فكان المستأجر هو المنتفع بالجداول خاصة، وهو واجب على المستأجر بدون الشرط، فكان شرطًا يقتضيه العقد فلا يفسد به.
قوله: (لا خير فيه)، أي: لا يجوز أصلا.
قوله: (وقال الشافعي: هو جائز)، اختلف جنس المنفعة، أو اتفق، وبه قال مالك وأحمد؛ لأن المنافع كالأعيان عنده، ومبادلة العين بالعين بجنسه، أو بخلاف جنسه صحيحة عند المساواة، ولهذا تصح الإجارة ببدل دين، ولو لم يكن في حكم العين لكان بيع الدين بالدين، وكذا السكنى بالخدمة تجوز ولم يجعل دينا بدين، فكذا إذا قوبل بجنسه.
ولنا أن مبادلة الشيء بجنسه لا يجوز؛ لأن الجنس بانفراده يُحَرِّم النساء.
وفي المبسوط: لنا في المسألة طريقان أحدهما: هو المنقول عن محمد أن مبادلة السكنى بالسكنى كبيع القوهي بالقوهي نساءً.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١٠/ ٣٠٣).
[ ٧ / ٢٩٤ ]
وَعَلَى هَذَا إِجَارَةُ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى وَاللُّبْسِ بِاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ بِالرُّكُوبِ. له: أَنَّ المَنَافِعَ بِمَنْزِلَةِ الأَعْيَانِ حَتَّى جَازَتْ الإِجَارَةُ بِأَجْرَةِ دَيْنِ، وَلَا يَصِيرُ دَيْنَا بِدَيْنِ، وَلَنَا: أَنَّ الجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ عِنْدَنَا، فَصَارَ كَبَيْعِ القُوهِيِّ بِالقُوهِيِّ نَسِيئَةٌ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مُحَمَّدٌ، وَلِأَنَّ الإِجَارَةَ جُوِّزَتْ بِخِلَافِ القِيَاسِ لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ عِنْدَ اتِّحَادِ
والثاني: أن جواز عقد الإجارة للحاجة، ولا حاجة في مبادلة المنفعة بجنسها؛ لأنه كان متمكنا من السكنى قبل ذلك العقد، فلا يحصل بالعقد إلا ما كان متمكنا منه باعتبار ملكه، والكمال من باب الفضول، والإجارة ما شرعت لابتغاء الفضول، فأما في اختلاف الجنس فالحاجة متحققة فيجوز (^١).
قوله: (وإلى هذا أشار محمد)، وهو ما حكي أن ابن سماعة كتب من بلخ إلى محمد وقال: لم لا يجوز إجارة سكنى دار بسكنى دار؟
فكتب محمد في جوابه: إنك أطلت الفكرة، وجالست الحنائي وكانت منك زلة، أما علمت أن إجارة سكنى دار بسكنى دار كبيع قوهي بقوهي نساء، والحنائي مُحدّث ينكر الخوض على ابن سماعة في هذه المسائل، ويقول: لا برهان لكم عليها، كذا في جامع فخر الإسلام.
والقوهي: ثوب منسوب إلى قوهستان كورة من كور فارس، والكورة المدينة.
فإن قيل: النساء ما يكون مشروطًا في العقد، والأجل هاهنا غير مشروط، كيف والمنافع في حكم الأعيان دون الديون، وإلا نجز في مختلفي الجنس لأن الدين بالدين حرام، وقد نهى النبي ﵊ عن بيع الكالئ بالكالي (^٢).
ولأن النساء إنما حرم في الجنس لأن النقد خير من النسيئة، وهاهنا لا
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٣٩).
(٢) أخرجه الدارقطني (٤/¬٤٠ رقم ٣٠٦١)، والحاكم (٢/ ٥٧) رقم (٢٣٤٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢٩٠) رقم (١٠٨٤٢) من حديث ابن عمر ﵄. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، قال البيهقي: موسى هذا هو ابن عبيدة الربذي، وشيخنا أبو عبد الله - الحاكم - قال في روايته: (عن موسى بن عقبة)، وهو خطأ، والعجب من أبي الحسن الدارقطني شيخ عصره روى هذا الحديث في كتاب السنن =
[ ٧ / ٢٩٥ ]
الجِنْسِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ المَنْفَعَةِ.
فضل إذ العدم في البدلين على نمط واحد.
قلنا: لما كان المعقود عليه ما يحدث من المنفعة في المدة، ولا يتصور حدوثه جملة، لكن يكون ذلك شيئًا فشيئًا، فكان هذا بمنزلة اشتراط الأجل وأبلغ منه؛ فإن المطالبة بالتسليم تتأخر بالأجل، فكذا المطالبة بتسليم جميع المعقود عليه تتأخر إلى حدوث المنفعة، وهذا أبلغ من ذلك؛ لأن بالأجل يتأخر انعقاد العقد، وهاهنا يتأخر الانعقاد في حق المعقود عليه، وهذا ليس بدين حقيقةً لأن الدين ما ثبت في الذمة، والمنافع لا تثبت دينا في الذمة، والمحرم الدين بالدين، ولهذا أقمنا المنفعة التي يصحبها النِّسَاء حالة العقد مقام المعقود عليه إذ لا بد لعقد المعاوضة من المعقود عليه، فأقمنا العين مقام المنفعة فيما لم تصحبها الباء ضرورة صحة العقد، فكان بمنزلة بيع العين نساء بخلاف جنسه.
ونحن نسلم أن العدم في البدلين على نمط واحد، إلا أن في المنصوص يتعلق الحكم بعينه لا بعلته؛ فإنه ﵊ قال: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُم بعد أن يكون يدًا بِيَدٍ» (^١)، فتكون الحرمة فيما إذا لم يكن يدا بيد بالنص لا بالقياس، فلا يعتبر للحرمة قيام الفضل؛ لأن النص لم يشر إلى الفضل، كذا في الأسرار، والمبسوط (^٢).
وفي الفوائد الظهيرية: ثم لو استوفى المنفعة عند اتحاد الجنس فعليه أجر المثل في ظاهر الرواية؛ لأنه استوفى المنفعة بالإجارة الفاسدة، وذكر الكرخي عن أبي يوسف أنه لا شيء عليه لأن تقوم المنفعة بالتسمية، والمسمى بمقابلة
_________________
(١) = عن أبي الحسن علي بن محمد المصري هذا فقال: عن موسى بن عقبة، وقال ابن الملقن: رواه الدارقطني والبيهقي من رواية ابن عمر وضعَّفاه، والحاكم وصححه على شرط مسلم، وغلطه البيهقي في ذلك، وهو الحق فقد ضعفه غير واحد من الحفاظ، قال أحمد: ليس في هذا الباب حديث صحيح، إنما أجمع الناس على أنه لا يجوز بيعُ دَيْنِ بِدَيْنِ. "خلاصة البدر المنير" (١٥٣٠)، وقال ابن حجر: إسناده ضعيف. "بلوغ المرام" (١/ ١٧٣).
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٢١١ رقم ١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
(٣) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٣٩).
[ ٧ / ٢٩٦ ]
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الطَّعَامُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَاسْتَأجَرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، أَوْ حِمَارَ صَاحِبِهِ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ نَصِيبَهُ فَحَمَلَ الطَّعَامَ كُلَّهُ: فَلَا أَجْرَ لَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ المُسَمَّى؛ لِأَنَّ المَنْفَعَةَ عَيْنٌ عِنْدَهُ وَبَيْعُ العَيْنِ شَائِعًا جَائِزُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لِيَضَعَ فِيهَا الطَّعَامَ، أَوْ عَبْدًا مُشْتَرَكًا لِيَخِيطَ لَهُ الثَّيَابَ، وَلَنَا: أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ لَا وُجُودَ لَهُ؛ لِأَنَّ الحَمْلَ فِعْلُ حِسِّيٌّ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الشَّائِعِ، بِخِلَافِ البَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ حُكْمِيٌّ، وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ الأَجْرُ، وَلِأَنَّ مَا مِنْ جُزْءٍ يَحْمِلُهُ إِلَّا وَهُوَ شَرِيكٌ فِيهِ،
المنفعة ليس بمال متقوم في نفسها؛ لأنها منفعة.
وقلنا: الفاسد يعتبر بالجائز، والمنفعة تتقوم بالعقد الجائز، فكذا بالفاسد، كذا في المبسوط (^١)، وجامع المحبوبي.
قوله: (فلا أجر له)، أي: لا المسمى، ولا أجر المثل، وعلى قياس قول أبي حنيفة ينبغي أن يجب أجر المثل؛ لما أن إجارة المشاع فاسدة أيضًا عنده، وإذا استوفى المعقود عليه يجب أجر المثل، إلا أنه تعذر استيفاء المعقود عليه هاهنا؛ لأن المحل مشترك، ففي كل جزء عامل لنفسه وهو العمل الواحد لا يكون عاملا لنفسه ولغيره في حالة واحدة، وبدون الاستيفاء لا يجب أجر المثل في الفاسد عندنا وأحمد في رواية، خلافًا للشافعي ومالك، وقد مر.
قوله: (وقال الشافعي له المسمى)، أي: يجوز العقد وله المسمى؛ لأن الإجارة بيع المنفعة فيصح في الشائع كبيع العين، وبه قال أحمد.
قوله: (لأن الحمل فعل حسي لا يتصور في الشائع)، أي: المعقود عليه نصف الشائع، وحمل نصف الشائع غير متصور فيبطل العقد لوروده على ما لا يحتمل الوجود، وصار كإجارة ما لا منفعة له، ولهذا ضرب نصف الشائع غير متصور، وكذا وطء الجارية المشتركة في النصف الشائع لعدم تصور فعل الحسي في الشائع.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٤٠).
[ ٧ / ٢٩٧ ]
فَيَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّسْلِيمُ، بِخِلَافِ الدَّارِ المُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَالِكَ المَنَافِعُ وَيَتَحَقَّقُ تَسْلِيمُهَا بِدُونِ وَضْعِ الطَّعَامِ، وَبِخِلَافِ العَبْدِ؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ مِلْكُ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ يُمْكِنُ إِيقَاعُهُ فِي الشَّائِعِ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَزْرَعُهَا، أَوْ أَيَّ شَيْءٍ يَزْرَعُهَا: فَالإِجَارَةُ
قوله: (فيكون عاملا لنفسه) فلا يتحقق تسليم المعقود عليه؛ لأن كونه عاملا لنفسه يمنع تسليم عمله إلى غيره، وبدون التسليم لا يجب الأجر.
غاية الأمر أنه عامل للغير أيضًا، لكنه جعله عاملا لنفسه أولى؛ لأن الأصل أن الإنسان يعمل لنفسه مع ما فيه من تمليك المنافع المعدومة، ولأنه لو كان عاملا لنفسه لا يجب الأجر، ولو كان عاملًا لغيره يجب، فلا يجب بالشك.
ولا يقال: المحمول لما كان مالا مشتركًا وجب أن يقع الحمل مشتركًا؛ لأن وقوع الحمل مشتركًا محال؛ لأنه عرض، وهو لا يتجزأ، بخلاف الدار المشتركة لأن المعقود عليه ثم المنافع، والبدل بمقابلتها، ولا شركة في ذلك، ويتحقق تسليمها بدون وضع الطعام، حتى لو سلم الدار في المدة يستوجب الأجر وإن لم يضع فيها طعامًا، فكان العقد واردًا على المنفعة الحكمية لا على الفعل الحسي، وكان نظير البيع في حق قبول التصرف الحكمي فيصح استئجاره للتصرف الحكمي كما في البيع.
قوله: (إنما هو ملك نصيب صاحبه)، أي: منفعة ملك نصيب صاحبه، (وأنه) أي: ملك نصيب صاحبه أمر حكمي والشائع يقبل الصفات الحكمية.
قوله: (أو أي شيء يزرعها)، أي استأجرها للزراعة ولكن لم يذكر أي شيء يزرعها، فالإجارة فاسدة في الصورتين، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك: يصح في الصورتين، وكان له أن يفعل في الأول ما نسيه من البناء والغرس والزرع، فإن أشبه الجميع وكان بعضه أضر بالأرض من بعض لم يصح العقد، وفي الثاني - وهو أنه بذكر الزرع - صح العقد، ولا يزرع إلا ما يشبه، ذكره في الجواهر (^١).
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٥٠).
[ ٧ / ٢٩٨ ]
فَاسِدَةٌ)؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُسْتَأْجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَلِغَيْرِهَا، وَكَذَا مَا يُزْرَعُ فِيهَا مُخْتَلِفٌ، فَمِنْهُ مَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ مَا لَا يَضُرُّ بِهَا غَيْرُهُ، فَلَمْ يَكُنْ المَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا.
(فَإِنْ زَرَعَهَا وَمَضَى الأَجَلُ: فَلَهُ المُسَمَّى) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ. وَفِي القِيَاسِ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الجَهَالَةَ ارْتَفَعَتْ قَبْلَ تَمَامِ العَقْدِ فَيَنْقَلِبُ جَائِزًا،
أما لو استأجرها ليزرع فيها ما شاء، أو يغرس ما شاء يجوز بالإجماع، ولو قال: لتزرعها ما شئت، وتغرسها ما شئت صح أيضًا، وهو المنصوص من الشافعي، وخالفه أكثر أصحابه وقالوا: لا يجوز؛ لأنه لا يدري كم يزرع، وكم يغرس، وقال بعضهم: يصح، ويغرس نصفها، ويزرع نصفها (^١).
قوله: (فمنه)، أي: مما يزرع يضر بالأرض فإن ضرر زراعة القطن والكتان والجوارش أكبر من ضرر الحنطة والشعير، كذا ذكره المحبوبي.
(فإن زرعها)، أي نوعا من أنواع الزراعات.
وفي القياس: لا يجوز العقد، أي: لا ينقلب جائزا فيجب أجر المثل لا المسمى، وهو قول الشافعي وأحمد، وزفر؛ لأنه استوفى المعقود عليه بحكم عقد فاسد، وما وقع فاسدًا لا ينقلب جائزا.
قوله: (أن الجهالة ارتفعت قبل تمام العقد فينقلب جائزا)، فإن قيل: إن ارتفعت الجهالة بالزراعة، ولكن لم يرتفع ما هو الموجب لفساد العقد وهو احتمال أن يزرع ما يضر بالأرض لجواز أن يكون ما زرعها مضرا بالأرض، فتقع بينهما المنازعة بسبب ذلك، والموجب في الابتداء كان احتمال ذلك، ولأن المعقود عليه إذا كان مجهولًا لا يتعين إلا بتعيينهما صونًا عن الإضرار بأحدهما، ولا ينفرد أحدهما بالتعيين لما أن العقد قام بهما، ثم الاستعمال تعين من أحدهما فلا يصح ذلك.
قال صاحب الفوائد: ولي فيه إشكال هائل، ثم قال: قلنا: الأصل إجازة
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٧/ ٣٠٧)، والمجموع للنووي (١٥/¬١٣).
[ ٧ / ٢٩٩ ]
كَمَا إِذَا ارْتَفَعَتْ فِي حَالَةِ العَقْدِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أَسْقَطَ الأَجَلَ المَجْهُولَ قَبْلَ مُضِيِّهِ وَالخِيَارَ الزَّائِدَ فِي المُدَّةِ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا إِلَى بَغْدَادَ بِدِرْهَمٍ، وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ، فَحَمَلَ مَا يَحْمِلُ النَّاسُ، فَنَفَقَ فِي نِصْفِ الطَّرِيقِ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ العَيْنَ المُسْتَأْجَرَةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ المُسْتَأْجِرِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَجْرَةُ فَاسِدَةٌ.
العقد عند انتفاء المانع؛ لأن عقود الإنسان تصحح بقدر الإمكان، والمانع الذي فسد العقد باعتباره يوقع المنازعة بينهما في تعيين المعقود عليه، وعند استيفاء أحد النوعين من المنافع يزول هذا التوقع فيجوز هذا العقد.
قوله: (كما إذا أسقط الأجل المجهول)، أي: في البيع بأن باع إلى الحصاد، أو الدياس فأسقط الأجل قبل أوان الحصاد أو الدياس.
(والخيار الزائد في المدة) بأن شرط الخيار أربعة أيام مثلا، ثم أسقط اليوم الرابع، قيل: هذا رد المختلف على المختلف فكان عند زفر لا ينقلب جائزا في هاتين المسألتين كالأولى، أو جعل هاتين المسألتين من المسائل المسلمة لإقامة الدليل على الانقلاب إلى الجواز، فجعلهما بمنزلة المجمع عليه.
قوله: (وإن كانت الأجرة فاسدة)؛ لأن حكم الفاسد يؤخذ من الصحيح، ولا يعلم فيه خلاف أن هذه الإجارة فاسدة، والفاسدة في حكم الصحيح في أن العين المستأجرة أمانة فلا يضمن بلا تَعَدّ، ولو تعدَّى المستأجر وضمن لا يجب الأجر؛ لأنه صار غاصبا للعين، فكان هذا إتلافا للمنافع بطريق الغصب لاستيفاء المنافع المملوكة بالعقد فلم يجب عليه بدلها.
وعند الشافعي يضمن؛ لأنها ملحقة بالعين، وثمن المبيع لا يسقط بجناية المشتري على مال آخر للبائع، وبه قال أحمد، ومالك.
ولو جحد الإجارة في بعض الطريق وجب أجر ما ركب قبل الإنكار، ولا يجب الأجر لما بعده عند أبي يوسف؛ لأنه بالجحود صار غاصبا؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان، وعند محمد يجب الأجر كله؛ لأنه لما سلم من الاستعمال سقط الضمان، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
[ ٧ / ٣٠٠ ]
كَمَا إِذَا ارْتَفَعَتْ فِي حَالَةِ العَقْدِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أَسْقَطَ الأَجَلَ المَجْهُولَ قَبْلَ مُضِيِّهِ وَالخِيَارَ الزَّائِدَ فِي المُدَّةِ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا إِلَى بَغْدَادَ بِدِرْهَمٍ، وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ، فَحَمَلَ مَا يَحْمِلُ النَّاسُ، فَنَفَقَ فِي نِصْفِ الطَّرِيقِ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ العَيْنَ المُسْتَأْجَرَةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ المُسْتَأْجِرِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَجْرَةُ فَاسِدَةٌ.
العقد عند انتفاء المانع؛ لأن عقود الإنسان تصحح بقدر الإمكان، والمانع الذي فسد العقد باعتباره يوقع المنازعة بينهما في تعيين المعقود عليه، وعند استيفاء أحد النوعين من المنافع يزول هذا التوقع فيجوز هذا العقد.
قوله: (كما إذا أسقط الأجل المجهول)، أي: في البيع بأن باع إلى الحصاد، أو الدياس فأسقط الأجل قبل أوان الحصاد أو الدياس.
(والخيار الزائد في المدة) بأن شرط الخيار أربعة أيام مثلا، ثم أسقط اليوم الرابع، قيل: هذا رد المختلف على المختلف فكان عند زفر لا ينقلب جائزا في هاتين المسألتين كالأولى، أو جعل هاتين المسألتين من المسائل المسلمة لإقامة الدليل على الانقلاب إلى الجواز، فجعلهما بمنزلة المجمع عليه.
قوله: (وإن كانت الأجرة فاسدة)؛ لأن حكم الفاسد يؤخذ من الصحيح، ولا يعلم فيه خلاف أن هذه الإجارة فاسدة، والفاسدة في حكم الصحيح في أن العين المستأجرة أمانة فلا يضمن بلا تَعَدّ، ولو تعدَّى المستأجر وضمن لا يجب الأجر؛ لأنه صار غاصبا للعين، فكان هذا إتلافا للمنافع بطريق الغصب لاستيفاء المنافع المملوكة بالعقد فلم يجب عليه بدلها.
وعند الشافعي يضمن؛ لأنها ملحقة بالعين، وثمن المبيع لا يسقط بجناية المشتري على مال آخر للبائع، وبه قال أحمد، ومالك.
ولو جحد الإجارة في بعض الطريق وجب أجر ما ركب قبل الإنكار، ولا يجب الأجر لما بعده عند أبي يوسف؛ لأنه بالجحود صار غاصبا؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان وعند محمد يجب الأجر كله؛ لأنه لما سلم من الاستعمال سقط الضمان، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
[ ٧ / ٣٠٠ ]
(فَإِنْ بَلَغَ بَغْدَادَ: فَلَهُ الأَجْرُ المُسَمَّى) اسْتِحْسَانًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى (وَإِنْ اخْتَصَمَا قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ) وَفِي المَسْأَلَةِ الأُولَى قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ (نُقِضَتْ الإِجَارَةُ) دَفْعًا لِلْفَسَادِ إِذْ الفَسَادُ، قَائِمٌ بَعْدُ.