(وَإِذَا قَالَ لِلْخَيَّاطِ: إِنْ خِطْتَّ هَذَا الثَّوْبَ فَارِسِيًّا فَبِدِرْهَم، وَإِنْ خِطَّته رُومِيًّا فَبِدِرْهَمَيْنِ، جَازَ، وَأَيَّ عَمَلٍ مِنْ هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ عَمِلَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ بِهِ) وَكَذَا إِذَا قَالَ
(فأخذنا فيه بالقياس)، وهو أن العين أمانة في يده، أو لأن البدل ليس بمقابلة العمل فلا يشترط السلامة عن العيب.
قوله: (وأما الثاني)، وهو ما إذا تلف من عمله فلأن المنافع صارت مملوكة للمستأجر بتسليم نفسه، ولهذا يستحق الأجر بتسليم نفسه بدون العمل، إلى آخر ما ذكره في الكتاب، وهذا إذا لم يتعمد الفساد، أما لو تعمد الفساد يضمن بالتعدي كالمودع إذا تعدى.
وعلى هذا أجير القصار وسائر الصُّنَّاع؛ لأن التلميذ أجير خاص كذا فلا يضمن، ويضمن الأستاذ، ولا يرجع الأستاذ بما ضمن على التلميذ؛ لأنه أجير خاص، كذا في الإيضاح، ولا خلاف فيه.
بَابُ الْإِجَارَةِ عَلَى أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ
لما ذكر الإجارة على شرط واحد حتى أفسدها إذا كان الشرط على خلاف مقتضى العقد ذكر هذا الباب إذ الاثنين بعد الواحد.
قوله: (وأي العملين من هذين عمل استحق الأجر المسمى)، وبه قال أحمد في رواية، وقال الشافعي، ومالك، والثوري، وأبو إسحاق، وزفر، وأبو حنيفة، وأبو يوسف أولا، وأحمد في رواية وهو القياس: لا يصح العقد وله أجر المثل إذا عمل؛ لأنه عقد معاوضة ولم يتعين فيه العوض والمعوض فلم يصح، كما لو قال: بعتك هذا بدرهم وهذا بدرهمين.
وقلنا: استحسانا الأجر يجب بالعمل وعند العمل ما يلزمه من البدل معلوم فلا تبقى الجهالة لا في المعقود عليه ولا في بدله بخلاف البيع فإن الثمن يجب
[ ٧ / ٣١٢ ]
لِلصَّبَّاغِ: إِنْ صَبَغْته بِعُصْفُرٍ فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ صَبَغْتَهُ بِزَعْفَرَانٍ فَبِدِرْهَمَيْنِ، وَكَذَا إِذَا خَيَّرَهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِأَنْ قَالَ: أَجَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا بِخَمْسَةِ، أَوْ هَذِهِ الدَّارَ الْأُخْرَى بِعَشَرَةٍ، وَكَذَا إِذَا خَيَّرَهُ بَيْنَ مَسَافَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِأَنْ قَالَ: أَجَرْتُكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ إِلَى الكُوفَةِ بِكَذَا، أَوْ إِلَى وَاسِطَ بِكَذَا، وَكَذَا إِذَا خَيَّرَهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، وَإِنْ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: لَمْ يَجُزْ، وَالمُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ البَيْعُ وَالجَامِعُ دَفْعُ الحَاجَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الخِيَارِ فِي البَيْعِ، وَفِي الإِجَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا يَجِبُ بِالعَمَلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ المَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا، وَفِي البَيْعِ يَجِبُ الثَّمَنُ بِنَفْسِ العَقْدِ فَتَتَحَقَّقُ الجَهَالَةُ عَلَى وَجْهِ لَا تَرْتَفِعُ المُنَازَعَةُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ الخِيَارِ (وَلَوْ قَالَ: «إِنْ خِطْتَه اليَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ خِطْتَه غَدًا فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ»، فَإِنْ خَاطَهُ اليَوْمَ فَلَهُ دِرْهَمْ، وَإِنْ خَاطَهُ غَدًا فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُجَاوَزُ بِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا يُنْقَصُ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ وَلَا يُزَادُ عَلَى دِرْهَمٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الشَّرْطَانِ جَائِزَانِ) (*) قَالَ: زُفَرُ: الشَّرْطَانِ فَاسِدَانِ؛ لِأَنَّ الخِيَاطَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ
بنفس العقد، فإذا لم يكن معلومًا عند العقد يفسد العقد.
قوله: (وإن خيره بين أربعة لم يجز)، وكذا في الخياطة والصبغ إذا ذكر ثلاثة أنواع جاز، وإن زاد عليها لم يجز.
قوله: (لا بد من اشتراط الخيار في البيع، يعني لو باع أحد العبدين لم يصح إلا بشرط الخيار.
وفي الإجارة لا يشترط ذلك؛ لأن الأجر إنما يجب بالعمل) إلى آخره، وهذا هو الفرق بين الإجارة والبيع.
قوله: (وقال زفر: الشرطان فاسدان)، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في ظاهر مذهبه، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وهو القياس كما لو قال في البيع: إن أعطيت الثمن إلى شهر فعشرة، وإن أعطيته إلى شهرين فخمسة عشر درهما، وهذا فاسد فكذا هذا للتردد بين التسميتين.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٣١٣ ]
ذُكِرَ بِمُقَابَلَتِهِ بَدَلَانِ عَلَى البَدَلِ فَيَكُونُ مَجْهُولًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اليَوْمِ لِلتَّعْجِيلِ، وَذِكْرَ الغَدِ لِلتَّرْفِيهِ فَيَجْتَمِعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَسْمِيَتَانِ.
وَلَهُمَا: أَنَّ ذِكْرَ اليَوْمِ لِلتَّأْقِيتِ. وَذِكْرَ الغَدِ لِلتَّعْلِيقِ، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَسْمِيَتَانِ؛ وَلِأَنَّ التَّعْجِيلَ وَالتَّأخِيرَ مَقْصُودٌ، فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ اخْتِلَافِ النَّوْعَيْنِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ ذِكْرَ الغَدِ لِلتَّعْلِيقِ حَقِيقَةٌ.
قوله: (وذكر الغد للترفيه) لا للإضافة والتعليق، ولهذا لو أفرد العقد في الغد بأن قال: خِطْهُ غدًا بنصف درهم ثبت هذا العقد في اليوم، حتى لو خاطه اليوم استحق نصف درهم، فاجتمع في اليوم تسميتان فتفسد الجهالة البدل.
وكذا في الغد اجتمع تسميتان؛ لأن العقد المنعقد في اليوم باق إلى الغد؛ لأن ذكر اليوم للتعجيل لا لتوقيت العقد به حتى لو خاطه في الغد استحق الأجر، فصح أنه اجتمع في اليوم والغد تسميتان والخياطة واحدة، فيجب أحد التسميتين وهي مجهولة، وهذه جهالة توقعهما في المنازعة.
(ولهما)، أي: لأبي يوسف ومحمد (أن ذكر اليوم للتأقيت) حقيقةً، والتعجيل والترفيه مجاز، والكلام بحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه، كيف وقد قام الدليل على أن المجاز غير مراد؛ لأن العقد يفسد على تقديري التعجيل والترفيه لاجتماع العقدين حينئذ، وعلى تقدير التأقيت والإضافة لا، بخلاف حالة الانفراد؛ لأنه لو حمل على التوقيت يفسد العقد، ومتى حمل على التعجيل أو الترفيه لا، فصرنا إلى المجاز بدلالة حالهما.
وكذا ذكر الغد للإضافة، وإذا كان كذلك لا يجتمع في كل يوم تسميتان؛ لأن التوقيت يقتضي قصر العقد على اليوم فلا يبقى إلى الغد، والعقد المضاف إلى الغد لا يكون ثابتا في الحال فلا تجتمع التسميتان في عقد واحد.
قوله: (وذكر الغد للتعليق) المراد الإضافة أي: للإضافة، ولهذا ذكر في بعض النسخ: (وذكر الغد للإضافة) لما أن الإجارة تصح إضافتها لا تعليقها.
(ولأبي حنيفة أن ذكر الغد للتعليق)، أي: للإضافة حقيقة وذكر اليوم للتأقيت حقيقة كما ذكرا، إلا أن الدليل قام على المجاز في ذكر اليوم وهو
[ ٧ / ٣١٤ ]
وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ اليَوْمِ عَلَى التَّاقِيتِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَسَادَ العَقْدِ لِاجْتِمَاعِ الوَقْتِ وَالعَمَلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَجْتَمِعُ فِي الغَدِ تَسْمِيَتَانِ دُونَ اليَوْمِ، فَيَصِحُ اليَوْمُ الأَوَّلُ، وَيَجِبُ المُسَمَّى، وَيَفْسُدُ الثَّانِي، وَيَجِبُ أَجْرُ المِثْلُ لَا يُجَاوَزُ بِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ المُسَمَّى فِي اليَوْمِ الثَّانِي. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا يُزَادُ عَلَى دِرْهَمٍ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْ نِصْفِ دِرْهَم؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ الأُولَى لَا تَنْعَدِمُ فِي اليَوْمِ الثَّانِي، فَتُعْتَبَرُ لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ
التعجيل؛ لأنه ازداد له في الأجر متى خاط في اليوم ونقص متى أخر إلى الغد، والنقصان بتقدير التأخير والزيادة بتقدير التعجيل عادة، وإلا لم يكن في الزيادة والنقصان فائدة، وفي الغد لم يقم الدليل على إرادة المجاز أي: الترفيه، بل الدليل على إرادة الحقيقة وهي الإضافة؛ لأنه نقص عن الأجر متى خاطه في الغد، ولو كان ذكر الغد للترفيه لما نقص عن الأجر بسبب التأخير إليه؛ لأنه يزول معنى الترفيه بنقصان الأجر، فصار ذكر الغد للإضافة وذكر اليوم للتعجيل.
والعقد المضاف إلى الغد لم يثبت في اليوم، فلم يجتمع في اليوم تسميتان فيصح، ويجتمع في الغد تسميتان فلا يصح؛ لما أن العقد المضاف إلى اليوم يبقى إلى الغد لما ذكرنا أن ذكره للتعجيل لا للتأقيت فلم ينقضي بمضي اليوم فيجتمع في الغد تسميتان درهم ونصف درهم فيكون الأجر مجهولا جهالة مانعة من التسليم، والتسليم وهي يمنع جواز العقد.
فإن قيل: يشكل على قول أبي حنيفة مسألة المخاتيم فإنه جعل ذكر اليوم فيها للتأقيت وجعل العقد منعقدًا على تسليم النفس في المدة، أو على حقيقة العمل فأفسده على ما سبق، وجعل ذكر اليوم هاهنا للتعجيل حتى أجاز العقد.
قلنا: ذكر اليوم للتوقيت حقيقة وللتعجيل مجاز، فلا يحمل على المجاز حتى يقوم الدليل، وفي مسألتنا قام الدليل على المجاز وهو نقصان الأجر بسبب التأخير فعدلنا عن الحقيقة بهذا الدليل، ولم يقم مثل هذا الدليل في مسألة المخاتيم فكان التأقيت مرادًا فيفسد العقد، وفيه نوع تأمل.
قوله: (لا يجاوز به)، أي: بأجر المثل (نصف درهم)، خلافًا لزفر والأئمة الثلاثة لأن عندهم في الإجارة الفاسدة يجب أجر المثل بالغا ما بلغ.
(وفي الجامع الصغير) إلى آخره، إنما أعاد لفظ الجامع للمخالفة الظاهرة
[ ٧ / ٣١٥ ]
وَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ الثَّانِيَةُ لِمَنْعِ النُّقْصَانِ، فَإِنْ خَاطَهُ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَلَتْهُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى الغَدِ فَبِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ إِلَى مَا بَعْدَ الغَدِ أَوْلَى (وَلَوْ قَالَ: إِنْ سَكَنْتَ فِي هَذَا الدُّكَّانِ عَطَارًا فَبِدِرْهَمٍ فِي الشَّهْرِ، وَإِنْ سَكَنْتَهُ حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ جَازَ، وَأَيَّ الأَمْرَيْنِ فَعَلَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ المُسَمَّى فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: الإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ، وَكَذَا إِذَا اسْتَأْجَرَ بَيْتًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَكَنَ فِيهِ عَطَارًا فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ سَكَنَ فِيهِ حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ: فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) (*).
بين رواية الجامع، والرواية الأولى.
وفي الإيضاح: واختلفت الرواية عن أبي حنيفة إذا خاطه في اليوم الثاني، فذكر في الأصل، والجامع: لا يزاد على درهم، ولا ينقص من نصف درهم، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: لا يزاد على نصف درهم.
ثم قال: وهي الصحيحة؛ لأن الإجارة الفاسدة يجب فيها أجر المثل لا يزاد على المستحق، والمستحق في اليوم الثاني نصف درهم، فأما الدرهم فهو مسمى في اليوم الأول، ولا يقال التسمية الأولى باقية في اليوم الثاني؛ لأن الاعتبار المصرح أولى من غيره، والمصرح نصف درهم لا الدرهم. وجه ظاهر الرواية أنه اجتمع في الغد تسميتان فتعتبر التسمية الأولى لمنع الزيادة عليها، وتعتبر التسمية الثانية لمنع النقصان عنها عملا بالتسميتين، وهذا أولى من الترجيح بالمصرح.
قوله: (في اليوم الثالث لا يجاوز به نصف درهم عند أبي حنيفة هو الصحيح)، والصحيح عندهما أن ينقص من نصف الدرهم ولا يزاد عليه، ذكره في الإيضاح.
قوله: (إن سكنت)، ولفظ سكنت من السكنى لا من الإسكان، وانتصاب (عطارًا) و(حدادًا) على الحال لا على المفعول على ما مر، وفي بعض النسخ: (أسكنت)، ولكن المقيد بقيد التفات الأول، وقالا: الإجارة فاسدة وبه قالت الأئمة الثلاثة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٣١٦ ]
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةٌ إِلَى الحِيرَةِ بِدِرْهَمٍ، وَإِنْ جَاوَزَ بِهَا إِلَى القَادِسِيَّةِ فَبِدِرْهَمَيْنِ: فَهُوَ جَائِزٌ)، وَيُحْتَمَلُ الخِلافُ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا إِلَى الحِيرَةِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ شَعِيرٍ فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ حِنْطَةٍ فَبِدِرْهَمٍ: فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) (*) وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، وَكَذَا الْأَجْرُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ وَالجَهَالَةُ تُوجِبُ الفَسَادَ، بِخِلَافِ الخِيَاطَةِ الرُّومِيَّةِ وَالفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَجِبُ بِالعَمَلِ وَعِنْدَهُ تَرْتَفِعُ الجَهَالَةُ.
أَمَّا فِي هَذِهِ المَسَائِلِ، يَجِبُ الأَجْرُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّسْلِيمِ فَتَبْقَى الجَهَالَةُ، وَهَذَا الحَرْفُ هُوَ الأَصْلُ عِنْدَهُمَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ عَقْدَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُخْتَلِفِينَ،
قوله: (ويحتمل الخلاف)، يعني ذكر محمد هذه المسألة في الجامع الصغير ولم يحك فيه خلافًا فيحتمل أن يكون هذا قول الكل، ويحتمل أن يكون قول أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز كما في نظائرها من المسائل، كذا في الذخيرة.
لهما (أن المعقود عليه مجهول) لأنه أحد الشيئين وهو مجهول، (وعنده) أي: عند العمل (ترتفع الجهالة) أي: لا تبقى الجهالة.
قوله: (فيجب الأجر بالتخلية والتسليم) أي تسليم الدار، والبيت، والدابة، والأجر مجهول عند التسليم فيفضي إلى المنازعة.
(وهذا الحرف)، أي: المعنى وهو جهالة الأجر عند وجوبه (هو الأصل عندهما).
(لأبي حنيفة أنه خيره) إلى آخره، وهذا لأن السكني وعمل الحدادين مختلفان، وكل واحد منهما عند الانفراد صحيح، وكذا عند الجمع، والغالب في الإجارة الانتفاع لأنها مشروعة للحاجة، فالظاهر أن لا يخلو عن الانتفاع، فإذا جاء الانتفاع زالت الجهالة، والتمكن من غير انتفاع ليس بأصل، بل هو من العوارض والاحتراز من العوارض غير واجب، ولو تحقق ترك الانتفاع بأن لم يسكن أصلا، ومضى المدة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٣١٧ ]
فَيَصِلُّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّومِيَّةِ وَالفَارِسِيَّةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ سُكْنَاهُ بِنَفْسِهِ يُخَالِفُ إِسْكَانَهُ الحَدَّادَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ العَقْدِ وَكَذَا فِي أَخَوَاتِهَا، وَالإِجَارَةُ تُعْقَدُ لِلانْتِفَاعِ وَعِنْدَهُ تَرْتَفِعُ الجَهَالَهُ، وَلَوْ احْتِيجَ إِلَى الإِيجَابِ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ يَجِبُ أَقَلُّ الْأَجْرَيْنِ لِلتَّيَقُنِ بِهِ.