قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ الخَيَّاطُ وَرَبُّ الثَّوْبِ، فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَعْمَلَهُ
بالعقد، وتسليم العبد إليه في المدة، لكن المستأجر يدعي ما ينافي الوجوب معترضًا بعد ظهور السبب والظاهر يكفي شاهدا للمؤجر في إنكاره فيكون مرجحا.
قوله: (وأصله) أي: أصل هذا الاختلاف بين المالك والمستأجر، الخلاف بين مستأجر الرحى والمؤجر فإنه بحكم الحال، فإن كان الماء منقطعًا وقت الخصومة فالقول للمستأجر فيما مضى، وإن كان جاريًا فالقول لرب الرحى مع يمينه، ولو اختلفا في قدر الانقطاع فالقول للمستأجر، والبينة للمؤجر.
وعلى هذا لو أعتق جارية ولها ولد فقال المولى: أعتقتك بعد الولادة، والولد ملكي، وقالت: أعتقتني قبل الولادة وقد عتق بإعتاقي، فالقول لمن كان الولد في يده، واعتبار الولد ليس إلا تحكيم الحال.
وكذا لو باع شجرا فيه ثمر ثم قال البائع: بعت الأشجار دون الثمار، والمشتري يقول: اشتريتها مع الثمار، قالوا: ينظر إن كان الثمار في يد البائع فالقول له وإن كانت في يد المشتري فالقول للمشتري، كذا ذكره التمرتاشي، والمحبوبي.
بَابُ الِاخْتِلَافِ
لما ذكر أحكم الاتفاق وهو الأصل شرع في بيان الاختلاف إذ هو العارض.
قوله: (فالقول لصاحب الثوب)، أي: مع يمينه، وبه قال مالك، والشافعي في قول، وأبو ثور، وقال أحمد وابن أبي ليلى والشافعي في قول: القول للخياط والصباغ؛ لأنهما اتفقا على الإذن، واختلفا في صفته، فكان القول للمأذون له، كالمضارب إذا قال: أذنت في البيع نساء، ولأنهما اتفقا على ملك الخياط الخيط والصباغ الصبغ والظاهر أنه فعل ما ملكه، واختلفا في لزوم
[ ٧ / ٣٢٥ ]
قَبَاءٌ، وَقَالَ الخَيَّاطُ: بَلْ قَمِيصًا، أَوْ قَالَ: صَاحِبُ الثَّوْبِ لِلصَّبَّاغِ، أَمَرْتُكَ أَنْ تَصْبُغَهُ أَحْمَرَ فَصَبَغْته أَصْفَرَ وَقَالَ الصَّبَّاغُ: لَا بَلْ أَمَرْتَنِي أَصْفَرَ، فَالقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ)؛ لِأَنَّ الإِذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الإِذْنِ كَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ، فَكَذَا إِذَا أَنْكَرَ صِفَتَهُ، لَكِنْ يَحْلِفُ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ شَيْئًا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ. قَالَ: (وَإِذَا حَلَفَ فَالخَيَّاطُ ضَامِنٌ) وَمَعْنَاهُ مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ بِالخِيَارِ إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ، وَكَذَا يُخَيَّرُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّبْغِ إِذَا حَلَفَ، إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ المُسَمَّى. وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: يُضَمِّنُهُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الغَصْبِ.
الغرم له، والأصل عدمه.
وقال بعض أصحاب الشافعي: للشافعي قول ثالث، وهو أنهما يتحالفان كالمتبايعين يختلفان في الثمن، وبعضهم قال: الصحيح أن القول لرب الثوب.
ولنا أن الإذن مستفاد من جهة رب الثوب، ولهذا لو أنكر أصل الإذن كان القول له فكذلك في صفته، ولأن الأصل عدم الإذن المختلف فيه فكان القول له فكذلك في صفته، ولأن الأصل عدم الإذن المختلف فيه فكان القول قول من ينفيه، بخلاف المضارب؛ لأن الأصل في المضاربة العموم في أنواع التجارة فالخصوص عارض، فكان القول لمن ينكر العارض.
قوله: (ما مر من قبل) أي: قبيل باب الإجارة الفاسدة في مسألة: من دفع إلى خياط ثوبًا، وقد بينا تمام اختلاف الأئمة الثلاثة فيها.
قوله: (وفي بعض النسخ)، أي: نسخ القدوري (يُضَمِّنُه) من الضمان، أي: يضمن صاحب الثوب قيمة زيادة الصبغ للصباغ، فالأولى: أعني قوله: (لا يجاوز به المسمى) ظاهر الرواية، والثانية أعني قوله: (يضمنه ما زاد الصبغ فيه) رواية ابن سماعة عن محمد.
وجه الظاهر أن الصبغ آلة للعمل المستحق على الصباغ بمنزلة الحرض والصابون في عمل الغسال، فلا يصير صاحب الثوب مشتريًا للصبغ حتى يعتبر القيمة.
[ ٧ / ٣٢٦ ]
(وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ: عملتُه لِي بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَقَالَ الصَّانِعُ: بِأَجْرٍ، فَالقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَقَوُّمَ عَمَلِهِ، إِذْ هُوَ يَتَقَوَّمُ بِالعَقْدِ، وَيُنْكِرُ الضَّمَانَ وَالصَّانِعُ يَدْعِيهِ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ حَرِّيفًا لَهُ) أَيْ خَلِيطًا لَهُ (فَلَهُ الأَجْرُ وَإِلَّا فَلَا)؛ لِأَنَّ سَبْقَ مَا بَيْنَهُمَا يُعَيِّنُ جِهَةَ الطَّلَبِ بِأَجْرٍ جَرْيًا عَلَى مُعْتَادِهِمَا (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ الصَّانِعُ مَعْرُوفًا بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ بِالأَجْرِ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ الحَانُوتَ لِأَجْلِهِ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى التَّنْصِيصِ عَلَى الْأَجْرِ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ وَالقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرُ. وَالجَوَابُ عَنْ اسْتِحْسَانِهِمَا: أَنَّ الظَّاهِرَ لِلدَّفْعِ، وَالحَاجَةُ هَاهُنَا إِلَى الاسْتِحْقَاقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ووجه رواية ابن سماعة أن الصبغ في الثوب بمنزلة عين مال قائم حكمًا، كما في الغصب حتى لو انصبغ ثوب إنسان بصبغ الغير واتفقا على بيعه، فصاحب الثوب يضرب في الثمن بقيمة ثوب أبيض، وصاحب الصبغ بقيمة الصبغ، ولم لم يكن الصبغ فيه في حكم عين مال قابل للبيع لما كان له من الثمن حصة، ولكن الأصح ما ذكره في ظاهر الرواية.
قوله: (فالقول قول صاحب الثوب)، وبه قال أصحاب الشافعي.
قوله: (إن كان الرجل حريفًا له)، وحريف الرجل من يكون بينه وبينه أخذ وإعطاء ومعاملة، وهو معنى قوله: (أي خليطا له).
(إن كان الصانع معروفًا بهذه الصنعة بالأجر) بأن اتخذ دكانا وانتصب لعمل القصارة يجب الأجر وإلا فلا، وبه قال مالك، وأحمد، قال شيخ الإسلام وصاحب المحيط والفتوى: على قول محمد.
قوله: (والقياس ما قال أبو حنيفة)؛ لأنه منكر للإجارة، والمنافع لا تتقوم إلا بالعقد عندنا، بخلاف ما لو دفع إلى آخر عينا ثم اختلفا، فقال الدافع: قرض، وقال الآخر: هبة، فالقول لمن يدعي القرض؛ لأن العين متقوم بنفسه، فالآخذ يدعي الإبراء عن قيمته، فالقول لمنكر الإبراء وهو مدعي القرض.
قوله: (والحاجة إلى الاستحقاق)، أي: استحقاق الأجر، ونظيره دار في يده فزعم آخر أنه ملكه فالقول لذي اليد وإن كان غيره يدعيها، ولا تنزع من يده
[ ٧ / ٣٢٧ ]