قَالَ: (الشَّهَادَةُ إِذَا وَافَقَتْ الدَّعْوَى قُبِلَتْ، وَإِنْ خَالَفَتْهَا لَمْ تُقْبَلْ) لِأَنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى فِي حُقُوقِ العِبَادِ شَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِيمَا يُوَافِقُهَا … …
بالصلاح تُقبل شهادته فيما نفى، وإن لم يعرفه بالصلاح، وقال: رجعت عن شهادتي في كذا وكذا من هذا المال - فهذه تهمة، وكذا الحكم في: غلطت في ذلك أو نسيت، فهو مثل قوله: قد شككت في الشهادة.
وفي المغني: في نوادر ابن سماعة: عن محمد: إذا شهد بالدار للمدعي وقضى القاضي بشهادتهم، ثم قالا: لا ندري لمن البناء لا نضمنهم قيمة البناء، كأنهم قالوا: شككنا في شهادتنا، وإن قالا: ليس البناء للمدعي ضمنوا قيمة البناء للمشهود عليه.
فعلم أن بقولهم: (شككنا) لا يختلف الحكم بعد القضاء وقبله (^١) في أنه يقبل هذا القول منهم إذا كانوا عدولًا.
قوله: (يقبل قوله) أي: قول الشاهد (في غير المجلس) أي: في جميع المسائل، والظاهر ما ذكرنا، وهو أنه يقبل في المجلس في موضع شبهة التلبيس وبعده، وفي غير موضع شبهة التلبيس يقبل في جميع الأوقات (^٢).
بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ
لما فرغ من مسائل الاتفاق في الشهادة شرع في مسائل الاختلاف فيها؛ إذ الأصل هو الاتفاق؛ إذ الاختلاف بعارض الجهل والكذب، وكلاهما عارض خصوصا في حق العدول (^٣).
قوله: (لأن تقدم الدعوى في حقوق العباد شرط)، واحترز به عن حقوق
_________________
(١) (*) الراجح: هو ظاهر الرواية.
(٢) في النسختين: (بعده) والمثبت من البناية (٩/ ١٦٦).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٣١)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٦).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٣٢)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٧).
[ ٦ / ٥٧٢ ]
وَانْعَدَمَتْ فِيمَا يُخَالِفُهَا.
قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالمَعْنَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالآخَرُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا: تُقْبَلُ عَلَى الْأَلْفِ
الله تعالى، فإن الشهادة فيها تُقبل بدون تقدم الدعوى؛ إذ حقوق الله تعالى واجبة على كل أحد، فكان كل واحد خصمًا في إثباتها، أما في حق العباد لا بد من دعوى مدع؛ لأن حق العبد يتوقف على مطالبته أو مطالبة من يقوم مقامه؛ لأن القاضي نصب لفصل الخصومة، ولا خصومة بدون الدعوى (^١).
قوله: (وانعدمت) أي: الدعوى فيما يخالفها؛ لأن الشهادة لتصديق الدعوى، فإذا خالفتها فقد كذبتها، والدعوى الكاذبة وجودها كعدمها، واعتبرنا صدق الشاهد لا صدق المدّعي في المخالفة؛ لأن الأصل في الشهود العدول الصدقُ لا في المدعي؛ لعدم شرطية العدالة فيه.
وفي الذخيرة (^٢): كما يشترط التوافق بين الدعوى والشهادة تشترط الموافقة بين الشاهدين أيضًا؛ لأن القضاء إنما يجوز بالحُجّة، والحجة شهادة المثنى، وبالمخالفة تنعدم الحجة.
قوله: (في اللفظ والمعنى) إذ مطلق الموافقة في اللفظ والمعنى (عند أبي حنيفة)، والمراد باتفاقهما لفظًا تطابق لفظيهما على إعادة المعنى بطريق الوضع، كما قال أحدهما: الهبة، والآخر: العطية لا بطريق التضمن.
(وعندهما تقبل)، وبه قال الشافعي (^٣) في وجه، وأحمد (^٤) في رواية، وقالا: يحلف ويستحق الألف الأخرى.
وكذا الخلاف لو شهد أحدهما بدرهم والآخر بدرهمين، أو شهد بأربعة والآخر بخمسة، وقال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية: يستحق الألف بالحلف.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٧)، فتح القدير (٧/ ٤٣٢، ٤٣٣).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٤٦٧).
(٣) انظر: الأم (٧/ ٥٥)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٤٩).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩١)، المغني (١٠/ ٢٣٥).
[ ٦ / ٥٧٣ ]
إِذَا كَانَ المُدَّعِي يَدَّعِي الأَلْفَيْنِ) (*).
وَعَلَى هَذَا: المِائَةُ وَالمِائَتَانِ، وَالطَّلْقَةُ وَالطَّلْقَتَانِ، وَالطَّلْقَةُ وَالثَّلَاثُ.
لَهُمَا: أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الأَلْفِ أَوْ الطَّلْقَةِ وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالزِّيَادَةِ فَيَثْبُتُ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ دُونَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَصَارَ كَالأَلْفِ وَالأَلْفِ وَالخَمْسِمِائَةِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا لَفْظًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ المَعْنَى، لِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ بِاللَّفْظِ، وَهَذَا لِأَنَّ الأَلْفَ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الأَلْفَيْنِ، بَلْ هُمَا جُمْلَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ فَحَصَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَصَارَ كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ المَالِ.
وقيد بقوله: (إذا كان المدعي يدعي ألفين) لأنه لو ادعى الألف فقد كذب الشاهد في الزيادة، فلا تقبل، أما إذا ادعى الأكثر؛ لأنه يدعي ما شهد به صاحب الأقل وزيادة، فلا يكون مكذبًا له، وهذا الاختلاف في الدين، أما إذا كان في البيع أو في الكتابة والدعوى فلا تُقبل في شيء بالاتفاق كما يجيء.
قوله: (بل هما) أي: الألف والألفان (جملتان) أي: كلمتان (متباينتان) كزيد وعمر، ولم يرد بها الجملة المركبة من فاعل وفعل، أو مبتدأ وخبر كما في النحو؛ لأن ما ثبت بألف غير ما ثبت بالألفين، وليس على كل واحد من اللفظين إلا شهادة واحدة.
فإن قيل: الألف موجود في الألفين.
قلنا: نعم إذا ثبت الألفان ثبت في ضمنه الألف، وإذا لم يثبت المتضمن [كيف يثبت المُتضمَّن!] (^١)، ألا ترى أنه لو شهد أحدهما بأنه قال لامرأته: أنت خلية، وشهد الآخر بأنه قال: أنت بريّة لا يثبت شيء وإن اتفق المعنى، وصار كما إذا اختلف الجنسان بأن يقول أحدهما: كرّ حنطة، والآخر: كر شعير، أو قال أحدهما: بيض، والآخر: سود، وللبيض فضل على السود، والمدعي يدعي السود لا يُقبل؛ لأنه ادعى أقل المالين، فصار مكذبًا شاهد البيض، إلا أن يوقف المدعي فيقول: كان لي عليه إلا أني ابرأته عن صفة الجودة، علم
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٥٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك الشاهد أو لم يعلم، فحينئذ يُقبل، ولو ادعى البيض تُقبل شهادته؛ لأنهما اتفقا على الأقل لفظا ومعنى، وكذا في جميع المواضع في الجنس الواحد، بخلاف الجنسين. كذا في الذخيرة (^١).
فإن قيل: يشكل على قول أبي حنيفة ما لو ادعى ألفين، وشهدا بألف تُقبل بالاتفاق، ذكره في المبسوط، مع أن شرط صحة القضاء الموافقة بين الدعوى والشهادة، ولم يوجد.
قلنا: الاتفاق في اللفظ بين الدعوى والشهادة ليس بشرط لصحة الدعوى حسب اتفاقه بين الشاهدين، ألا ترى أنه لو ادعى الغصب أو القتل، وشهدا بإقراره به - تقبل، ولو شهد أحدهما بالغصب، والآخر بالإقرار بالغصب لا تقبل!
وهذا لأن الشهادة تعتمد التلفظ، ألا ترى أنها لم تُقبل ما لم يقل: أشهد! بخلاف الدعوى، فإنه لو صحح العقد دعواه بالكتابة تُقبل دعواه.
وفي المبسوط (^٢) والأسرار: والذي يبطل مذهبهما ما لو شهد شاهدان بتطليقة وآخران بثلاث تطليقات، وفرّق القاضي بينهما قبل الدخول، ثم رجعوا - كان ضمان نصف المهر على شاهدي الثلاث لا على شاهدي الواحدة، ولو اعتبر ما قالا - أن الواحدة توجد في الثلاث لكان الضمان عليهما جميعًا، ولأن مدعي إلهين اثنين أو الثلاثة لا يكون مقرًا بالواحد؛ إذ لو كان مقرًا بالواحد لكان مرتدا بالشرك بعد ذلك، فينبغي أن تقبل، ولا يلزم ما إذا قال لامرأته: طلقي نفسك ثلاثا، فقالت: طلقت واحدة؛ لأن الزوج لما فوّض إليها الثلاث فصارت الثلاث في يدها مع أبعاضها، كمن ملك عبدًا يملك رجله ويده، ولا يلزم ما لو طلق امرأته ألفًا فإن الثلاث تقع؛ لأن الرجل تكلم بالطلاق عن ملك لا عن أمر من حيث إنه ملك التطليق فيملك ما يشاء من العدد، إلا أنه لا يتقيد إلا بقدر المحل.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٤٦٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (٦/ ١٤٩).
[ ٦ / ٥٧٥ ]
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالأَلْفِ وَالآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الأَلْفِ) لِاِتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهَا لَفْظًا وَمَعْنَى، لأَنَّ الأَلْفَ وَالخَمْسَمِائَةِ جُمْلَتَانِ عُطِفَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى وَالعَطْفُ يُقَرِّرُ الأَوَّلَ، وَنَظِيرُهُ الطَّلْقَةُ وَالطَّلْقَةُ، وَالنِّصْفُ وَالمِائَةُ، وَالمِائَةُ وَالخَمْسُونَ، بِخِلَافِ العَشَرَةِ وَالخَمْسَةَ عَشَرَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ العَطْفِ، فَهُوَ نَظِيرُ الْأَلْفِ وَالأَلْفَيْنِ (وَإِنْ قَالَ المُدَّعِي: «لَمْ يَكُنْ لِي عَلَيْهِ إِلَّا الأَلْفُ» فَشَهَادَةُ الَّذِي شَهِدَ بِالْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ المُدَّعِي فِي المَشْهُودِ بِهِ، وَكَذَا إِذَا سَكَتَ، إِلَّا عَنْ دَعْوَى الأَلْفِ، لِأَنَّ التَّكْذِيبَ ظَاهِرٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ، وَلَوْ قَالَ: كَانَ أَصْلُ حَقِّي أَلْفُ وَخَمْسُمِائَةٍ وَلَكِنِّي اسْتَوْفَيْت خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَبْرَأَتُهُ عَنْهَا قُبِلَتْ لِتَوْفِيقِهِ.
قوله: (ونظيره الطلقة، والطلقة والنصف) إلى آخره، يعني: شهد أحدهما بالطلقة، والآخر بالطلقة والنصف تقبل شهادته على الطلقة بالاتفاق.
(بخلاف العشرة والخمسة عشر) يعني ادعى المدعي خمسة عشر، حيث لا تثبت العشرة عند أبي حنيفة؛ لأن الموافقة بين اللفظين شرط ولم يوجد؛ لأن الألف والخمسمائة مع الألف يتفقان في لفظ الألف، والخمسمائة عطف عليه كما ذكر في المتن والعشرة والخمسة عشر ما هو كذلك؛ لأن خمسة عشر يذكر بغير حرف العطف، فكانت كلمة واحدة غير العشرة، فلم توجد الموافقة. ذكره الإمام قاضي خان (^١).
وفي النهاية: هذا كله فيما إذا لم يدع المدعي عقدًا، أما إذا كان في دعوى العقد فهي ثمان مسائل: البيع والإجارة، والكتابة والرهن، العتق على مال، والصلح عن دم العمد، والخلع، والنكاح، ويجيء هذا كله مشروحًا في هذا الباب.
قوله: (لأنه) أي: الشاهد (كذبه المدعي) بدعوى الأقل، وتكذيب الشاهد تفسيق له، فكان مبطلا شهادته، فبقي شاهد واحد (^٢).
قوله: (فلا بد من التوفيق) ولم يوجد حتى وفق وقال: كان أصل حقي ألفًا
_________________
(١) فتاوى قاضي خان (٢/ ٤٦٧ - ٤٧٤).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٤٠)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٧٠).
[ ٦ / ٥٧٦ ]
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَا بِأَلْفٍ وَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا بِالْأَلْفِ) لاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ (وَلَمْ يُسْمَعْ قَوْلُهُ: إِنَّهُ قَضَاهُ) لِأَنَّهُ شَهَادَةُ فَرْدٍ (إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ مَعَهُ آخَرُ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يَقْضِي بِخَمْسِمِائَةٍ، لِأَنَّ شَاهِدَ القَضَاءِ مَضْمُونُ شَهَادَتِهِ أَنْ لَا دَيْنَ إِلَّا خَمْسُمِائَةٍ. وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا.
قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ) إِذَا عَلِمَ بِذَلِكَ (أَنْ لَا يَشْهَدَ بِأَلْفٍ حَتَّى يُقِرَّ المُدَّعِي أَنَّهُ قَبَضَ خَمْسَمِائَةٍ) كَيْ لَا يَصِيرَ مُعِينًا عَلَى الظُّلْمِ.
(وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَجُلَانِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِقَرْضِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَشَهِدَ
وخمسمائة كما شهد، ولكني استوفيت خمسمائة وأبرأته عنها، ولم يعلم بذلك الشاهد قبلت لزوال التكذيب بالتوفيق، وقد نقلنا من الذخيرة (^١) أيضًا مثله في السود والبيض.
وذكر التمرتاشي: ما ذكر في السكوت جواب الاستحسان، أما في القياس يقبل الإنكار والتوفيق، ولكن الأصح أن يذكر التوفيق صريحًا، ولا يكتفي بالاحتمال.
قوله: (لاتفاقهما عليه) أي: على وجوب الألف.
قوله: (وجوابه ما قلنا)، وهو قوله: (لاتفاقهما) على وجوب الألف.
فإن قيل: المدعي كذب شاهدي القضاء؛ لأنه لما ادعى الألف في الحال كان ذلك تكذيبا لمن شهد بالقضاء بخمسمائة، فينبغي ألا يقبل.
قلنا: هذا يكون له فيما شهد عليه، وهو القضاء، لا فيما شهد له، فلا يقدح في شهادته له (^٢).
قوله: (وينبغي للشاهد) إلى آخره.
وفي جامع أبي الليث: لا يُحل للشاهد الذي يعلم القضاء أن يشهد على أصل الدين؛ لعلمه بأن المُدَّعي يَدَّعي بغير حق.
قوله: (في الجامع الصغير) إلى آخره: التفات بين مسألة الجامع وبين
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٤٦٧، ٤٦٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٤١)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٧١).
[ ٦ / ٥٧٧ ]
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ قَضَاهَا، فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ عَلَى القَرْضِ) لاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالقَضَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَا. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀، لِأَنَّ المُدَّعِيَ أَكْذَبَ شَاهِدَ القَضَاءِ. قُلْنَا: هَذَا إِكْذَابٌ فِي غَيْرِ المَشْهُودِ بِهِ الأَوَّلِ وَهُوَ القَرْضُ وَمِثْلُهُ لَا يَمْنَعُ القَبُولَ.
المسألة التي ذكرها قبلها، أي: في مسألة الجامع شهد أحدهما بقضاء كل الدين، وفي التي قبلها شهد بقضاء بعض الدين.
وفي كشف الغوامض: وقد كان لقائل أن يقول في مسألة الجامع: لا تقبل شهادة شاهد القضاء على وجوب المال متقدمًا؛ لأن في المسألة الأولى للشاهد أن يقول: تحملت الشهادة، واحتاج إلى الخروج منها ليقضي به خمسمائة، ولكني أشهد كما أشهدت عليه، وهو الألف، إذا ظهرت شهادته مع شهادة الآخر - قضي له بالألف.
أما في مسألة الجامع فالشاهد يذكر أن الشهادة سقطت عنه، وليس علي أداؤها، فشهادتي باطلة، فرواية الجامع أزالت هذه الشهادة، وثبت جواز الشهادة؛ لأنه يصدق فيما ينكر من القبض متقدمًا، ولا ينظر الحاكم إلى اعتقاده؛ بل ينظر إلى أدائه الشهادة، فإذا اجتمعا عليها قضي بها (^١).
قوله: (وهو القرض) أي: المشهود به الأول، وهو القرض، لم يوجد في حقه التكذيب وهو له، وإنما وجد التكذيب فيما عليه، وهو الشهادة بالقضاء، وهو غير المشهود به الأول.
(ومثله لا يمنع القبول)، ولهذا لو شهد بألف ومائة دينار إذا ادعى المُدّعِي ألف درهم تُقبل شهادتهما وإن كذبهما المدعي في المائة. إليه أشار في الجامع والفوائد (^٢).
وحاصله أن بفسق المدعي يوجب رد الشهادة، وبفسق المدعى عليه لا يوجب؛ لأن في زعمه أن الشهود فَسَقَة؛ إذ لو اعتبر تفسيقه لا يسد باب القضاء بالشهادة مؤثر في حق المدعي؛ لأنه زعم أحدهما أن لا شيء عليه، فلو قضى بالمال لكان قضى بشهادة واحد، وأنه لا يجوز.
_________________
(١) انظر: فتح القدير (٧/ ٤٤٢).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٧٢).
[ ٦ / ٥٧٨ ]
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَتَلَ زَيْدًا يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِالكُوفَةِ، وَاجْتَمَعُوا عِنْدَ الحَاكِمِ لَمْ يَقْبَلِ الشَّهَادَتَيْنِ) لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ
قلنا: لا كذلك؛ لأن قوله: قد قضاها شهادة على الدين، وعلى شيء آخر، وهو القضاء، وقضاء الدين ليس بمشهود به، فلا يظهر تكذيبه في حق القرض (^١).
قوله: (لم يقبل الشهادتين) وبه قال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣)
وفي الذخيرة (^٤): لو شهد أحدهما بالقتل والآخر بالإقرار بالقتل - لا تقبل؛ لأن القتل فعل، والإقرار قول غير الفعل، فاختلف المشهود به، وكذا لو شهدا بالقتل واختلفا في المكان والزمان؛ لأن الفعل الثاني غير الفعل الأول، وكذا كل ما يكون من باب الفعل بحق الشجة وغير ذلك، فاختلافهما في الإنشاء والإقرار، وفي الزمان والمكان يمنع القبول، وكذا إذا اختلفا في الآلة التي كان بها القتل لا تقبل.
وفي المغني أيضًا: وكل شهادة على فعل اختلاف الزمان والمكان يمنع القبول، إلا في مسألة واحدة ذكرها داود بن رستم عن محمد: ذمي شهدا عليه، فقال أحدهما: يصلي في مسجد بني زائدة شهرًا، وآخر يصلي في مسجد بني عامر شهرًا، أو قال أحدهما: يصلي بالكوفة شهرًا، وقال آخر: رأيته يصلي بالشام، فإني أجيز شهادتهما، وأجبره على الإسلام، ولكن لا أقبله.
وفي الكافي: اختلافهما في الزمان أو المكان في البيع والشراء، والطلاق والعتاق والوكالة والوصية والرهن والدين والقرض والبراءة والكفالة والحوالة والقذف لا يمنع القبول، وفي الجناية والغصب والقتل والنكاح يمنع.
والأصل أن المشهود به إن كان قولا كالبيع ونحوه، فاختلافهما في الزمان
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٤٢، ٤٤٣).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٤٨)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٤/ ١٠٧).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٢)، المغني (١٠/ ٢١٥).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٤٧٤).
[ ٦ / ٥٧٩ ]
بِيَقِينِ وَلَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الأُخْرَى (فَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَضَى بِهَا ثُمَّ حَضَرَتْ الأُخْرَى لَمْ تُقْبَلْ) لِأَنَّ الأُولَى تَرَجَّحَتْ بِاتِّصَالِ القَضَاءِ بِهَا فَلَا تُنْتَقَضُ بِالثَّانِيَةِ.
(وَإِذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ بَقَرَةً، وَاخْتَلَفَا فِي لَوْنِهَا، قُطِعَ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: بَقَرَةً، وَقَالَ الآخَرُ: ثَوْرًا، لَمْ يُقْطَعْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (وَقَالَا: لَا يُقْطَعُ فِي الوَجْهَيْنِ) (*) جَمِيعًا، وَقِيلَ: الاخْتِلَافُ فِي لَوْنَيْنِ يَتَشَابَهَانِ كَالسَّوَادِ
أو المكان لا يمنع، وبه قال أحمد (^١) في رواية؛ لأن القول مما يعاد ويكرر، وإن كان المشهود به فعلا كالغصب ونحوه، أو قولا لكن الفعل شرط صحته كالنكاح فإنه قول، وحضور الشاهدين فعل، وهو شرط، فاختلافهما في الزمان والمكان يمنع القبول؛ لأن الفعل في زمان أو مكان غير الفعل في زمان أو مكان غيره، فاختلف المشهود به.
وقال الشافعي (^٢) وأحمد (^٣) في ظاهر روايته اختلافهما في الزمان أو المكان يمنع في الجيمع إلا فيما إذا شهد أحدهما أنه طلقها يوم الخميس، وقال الآخر: أقر بطلاقها يوم الجمعة فإنه يُقبل، وكذا في البيع والنكاح وغيرهما فلا ينتقض بالثانية؛ لأن القضاء بالأول قضاء ببطلان الثاني ضمنا؛ إذ قتل شخص واحد لا يكون في موضعين (^٤).
قوله: (وقالا: لا يقطع في الوجهين)، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^٥).
قال التمرتاشي: هذا الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه فيما إذا ادعى سرقة بقرة فقط، أما إذا ادعى سرقة بقرة بيضاء أو سوداء لا تقبل شهادتهما بالإجماع؛ لأنه كذب أحد الشاهدين، وكذا الخلاف فيما إذا ادعى سرقة ثوب فقط، فقال
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ٢٩٢)، المغني (١٠/ ٢١٧).
(٣) انظر: الأم (٧/ ٥٥)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٢)، المغني (١٠/ ٢١٧).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٧٢، ١٧٣)، فتح القدير (٧/ ٤٤٣، ٤٤٤).
(٦) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٩٠)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ٢٠٩)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٤٥)، المغني (١٠/ ٢١٥)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/¬٢٢).
[ ٦ / ٥٨٠ ]
وَالحُمْرَةِ، لَا فِي السَّوَادِ وَالبَيَاضِ، وَقِيلَ: هُوَ فِي جَمِيعِ الأَلْوَانِ. لَهُمَا: أَنَّ السَّرِقَةَ في السَّوْدَاءِ غَيْرُهَا فِي البَيْضَاءِ فَلَمْ يَتِمَّ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ نِصَابُ الشَّهَادَةِ وَصَارَ كَالغَصْبِ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ أَمْرَ الحَدَّ أَهَمُّ وَصَارَ كَالذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ. وَلَهُ: أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ فِي اللَّيَالِي مِنْ بَعِيدٍ، … ..
أحدهما: هروي، وقال الآخر: مروزي، فإن اختلفا في الزمان أو المكان لم تقبل بالإجماع.
قوله: (لا في السواد والبياض)، يعني لا في لونين لا يتشابهان كالسواد والبياض، فإنه حينئذ لا يُقبل بالإجماع. كذا ذكره الكرخي.
والأصح أن الكل على الخلاف. ذكره في المبسوط (^١) والفوائد الظهيرية.
قوله: (وصار كالغصب) يعني شهدا بغصب بقرة، واختلفا في لونها.
(بل أولى) لأن الثابت بالغصب ضمان لا يسقط بالشبهات، [والثابت هنا حد يسقط بالشبهات] (^٢) وهذا معنى قوله: (لأن أمر الحد أهم) أي: أعسر في الإثبات، ولهذا لا يثبت بالشهادة على الشهادة، ولا بشهادة النساء، ولا بأقل من أربعة.
وفي الأسرار، بعد ذكر وجه قولهما: وهذا أحق وأدق: فالحد يسقط بالشبهات، وهذا الاختلاف مما يقع في الغصب، فلا بد أن يوجب شبهة هنا.
قوله: (لأن التحمل في الليالي) إذ أكثر السرقات تكون في الليالي، فيكون التحمل فيها غالبًا.
فإن قيل: في هذا احتيال لإثبات الحدّ، والحَدُّ يحتالُ دَرْؤُه لا إثباته.
قلنا: القطع لا يضاف إلى إثبات الوصف؛ لأنهما لم يكلفا نقله، فصار كما إذا اختلفا في ثياب السارق، وهذا لأنهما يكلّفان لبيان القيمة ليعلم أنه: هل كان نصابًا؟ فأما اللون فلا، وإذا لم يكن القطع مضافًا إلى إثبات الوصف صار هذا بمنزلة الحقوق التي تثبت مع الشبهات، فصح الاحتيال فيه للإثبات إحياء للحقوق بقدر الإمكان، والتوفيق ممكن. كذا ذكره الكاساني.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٩/ ١٦٢).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٥٨١ ]
وَاللَّوْنَانِ يَتَشَابَهَانِ أَوْ يَجْتَمِعَانِ فِي وَاحِدٍ، فَيَكُونُ السَّوَادُ مِنْ جَانِبِ وَهَذَا يُبْصِرُهُ، وَالبَيَاضُ مِنْ جَانِبِ آخَرَ وَهَذَا الْآخَرُ يُشَاهِدُهُ، بِخِلَافِ الغَصْبِ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ فِيهِ بِالنَّهَارِ عَلَى قُرْبٍ مِنهُ، وَالذُّكُورَةُ وَالأُنُوثَةُ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي وَاحِدَةٍ، وَكَذَا الوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ بِالقُرْبِ مِنهُ فَلَا يَشْتَبِهُ.
قَالَ: (وَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ المَقْصُودَ إِثْبَاتُ السَّبَبِ وَهُوَ العَقْدُ وَيَخْتَلِفُ
ثم إذا وقفنا وقبلنا الشهادة يجب الحد ضرورة لا قصدًا. كذا في الكافي (^١).
قوله: (واللونان يتشابهان) كالحمرة والصفرة، (أو يجتمعان) كما ذكره.
فإن قيل: لو كانت البقرة على هذه الصفة يقال لها بلقاء، لا سوداء ولا بيضاء.
قلنا: نعم كذلك، ولكن في حق من يعرف اللونين، أما في حق من لا يعرف إلا أحدهما يكون عنده ذلك اللون. كذا في المبسوط (^٢).
وفي المبسوط (^٣): الاختلاف [في الصفة ليس الاختلاف] (^٤) في جنس الشهادة؛ لأنهما لم يكلفا نقل صفته، حتى لو سكتا عن بيانها تقبل شهادتهما، وإذا لم يكن بيانها من جنس الشهادة، فالاختلاف فيما ليس من جنس الشهادة على وجه يمكن التوفيق لا يمنع القبول عنده.
قوله: (لأن التحمل فيه) أي: في الغصب (بالنهار) غالبًا.
قوله: (وكذا الوقوف على ذلك) أي: الوقوف على صفة الذكورة والأنوثة لا يكون إلا بقرب منه؛ لأن الحيوان لا يشتمل عليهما، وعند القرب لا يقع الاشتباه، فلا يشتغل بالتوفيق. كذا في المبسوط (^٥).
(فالشهادة باطلة) لأنهما لم يتفقا على حد واحد؛ إذ الشراء
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٤٤)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٧٥).
(٢) المبسوط للسرخسي (٩/ ١٦٣).
(٣) المبسوط للسرخسي (٩/ ١٦٣).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) المبسوط للسرخسي (٩/ ١٦٢، ١٦٣).
[ ٦ / ٥٨٢ ]
بِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ، فَاخْتَلَفَ المَشْهُودُ بِهِ، وَلَمْ يَتِمَّ العَدَدُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ المُدَّعِيَ يُكَذِّبُ أَحَدَ شَاهِدَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ المُدَّعِي هُوَ البَائِعَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ المُدَّعِي أَقَلَّ المَالَيْنِ أَوْ أَكْثَرَهُمَا لِمَا بَيَّنَّا (وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ) لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ
بالألف وخمسمائة، والمقصود في إثبات السبب هو العقد، وإذا اختلف المشهود به تعذر الحكم؛ لقصور الحُجّة عن كمال العدد على ما يدعيه المُدّعي، وكذا إذا كان المدعي هو البائع، سواء ادعي أقل المالين أو أكثرهما؛ لما بينا، وهو أن المقصود إثبات السبب.
وفي الفوائد الظهيرية: عن السيد الإمام الشهيد السمرقندي: تُقبل؛ لأن الشراء الواحد قد يكون بألف، ثم يصير بألف وخمسمائة، بأن اشترى ثم يزيد في الثمن، فقد اتفقا على الشراء الواحد، بخلاف ما لو قال أحد: اشترى بألف درهم، والآخر بألف دينار، حيث لا تقبل؛ لأن الشراء الواحد لا يكون بألف ثم يصير بمائة دينار، وفيه نوع تأمل.
وإنما قلنا: المقصود إثبات السبب لا الملك المطلق، فلو كان المراد الملك لما احتاج إلى ذكر السبب، وقد وقع الاختلاف بينهما في حق السبب؛ إذ في الملك لا يقع الاختلاف (^١).
قوله: (وكذلك الكتابة)، وفي جامع قاضي خان: الكتابة بمنزلة البيع إن كان الدعوى من العبد؛ لأنه يدّعي العقد، وإن كان الدعوى من المولى لا يفيد؛ لأن العبد متمكن من الفسخ؛ إذ الكتابة غير لازمة في حق العبد، وكذا في جامع شمس الأئمة، وفيه: وكذا الخلع إذا ادعته المرأة وأنكر الزوج، أما لو ادعى المولى والزوج يثبت العتق والطلاق بالإقرار، وإنما بقي مجرد دعوى المال، وهو يدعي ألفًا وخمسمائة فيقضى له بشهادتهما بألف لاتفاق الشاهدين لفظًا ومعنى، ولأن الزوج غير مكذب لمن شهد بالأقل؛ بل هو يدعي ذلك وزيادة، فأما إذا كان الدعوى من العبد والمرأة فالحاجة إلى القضاء بالسبب، وقد اختلف الشاهدان فيه.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٤٦)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٧٦).
[ ٦ / ٥٨٣ ]
العَقْدُ، إِنْ كَانَ المُدَّعِي هُوَ العَبْدَ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إِذَا كَانَ هُوَ الْمَوْلَى، لِأَنَّ العِتْقَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الأَدَاءِ، فَكَانَ المَقْصُودُ إِثْبَاتَ السَّبَبِ (وَكَذَا الخُلْعُ وَالإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ العَمْدِ، إِذَا كَانَ المُدَّعِي هُوَ المَرْأَةَ أَوْ العَبْدَ أَوْ القَاتِلَ) لِأَنَّ المَقْصُودَ إِثْبَاتُ العَقْدِ وَالحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ جَانِبِ آخَرَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الدَّيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الوُجُوهِ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ العَفْوُ وَالعِتْقُ وَالطَّلَاقُ بِاعْتِرَافِ صَاحِبِ الحَقِّ، فَبَقِيَ الدَّعْوَى فِي الدَّيْنِ وَفِي الرَّهْنِ، إِنْ كَانَ المُدَّعَى هُوَ الرَّهْنَ لَا يُقْبَلُ، لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الرَّهْنِ فَعَرِيَتْ الشَّهَادَةُ عَنْ الدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ المُرْتَهِنَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الدَّيْنِ.
قوله: (والحاجة ماسة إليه) أي: إلى إثبات العقد ليثبت الطلاق والعتاق والعفو.
قوله: (وإن كان الدعوى من الجانب الآخر) بأن قال الزوج: طلقتك على ألف وخمسمائة، والمرأة تدعي الألف، وكذا المولى وولي القصاص إذا ادعيا أكثر المالين.
(لأنه لا حظ له في الرهن) أي: لا فائدة للراهن في هذه الدعوى؛ لأنه ليس له أن يسترد الرهن قبل قضاء الدين، فلما لم تفد الدعوى فائدتها صارت كأنها لا دعوى. إليه أشار المحبوبي (^١).
قوله: (وإن كان) أي: المدعي هو (المرتهن فهو بمنزلة دعوى الدين) أي: يقضى بأقل المالين إجماعا.
فإن قيل: الرهن لا يثبت إلا بإيجاب وقبول، فكان عقدا كسائر العقود، فينبغي أن يكون اختلاف الشاهدين في قدر المال بمنزلة اختلافهما في البيع أو الشراء وإن كانت الدعوى من المرتهن.
قلنا: لما كان عقد الرهن غير لازم في حق المرتهن؛ لأن له أن يرد الرهن متى شاء، بخلاف الراهن؛ لأنه ليس له ولاية استرداد الرهن متى شاء، فكان الاعتبار لدعوى الدين في جانب المرتهن؛ إذ الرهن لا يكون إلا بالدين، فتقبل
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٤٨)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٧٧).
[ ٦ / ٥٨٤ ]
وَفِي الإِجَارَةِ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ المُدَّةِ فَهُوَ نَظِيرُ البَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ وَالمُدَّعِي هُوَ الآخِرُ فَهُوَ دَعْوَى الدَّيْنِ.
قَالَ: (فَأَمَّا النِّكَاحُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِأَلْفِ اسْتِحْسَانًا، وَقَالَا: هَذَا بَاطِلٌ فِي النِّكَاحِ
بينته في حق ثبوت الدين، ويثبت الرهن بالألف ضمنًا وتبعا للدين. إليه أشار قاضي خان (^١).
قوله: (والمدعي هو الآجر فهو دعوى الدين) إذ لا حاجة هنا إلى إثبات العقد، وإن كان المدعي هو المستأجر بعد مضي المدة كان ذلك منه اعترافا بمال الإجارة، فيجب عليه ما اعترف، فلا حاجة فيه حينئذ إلى اتفاق الشاهدين أو اختلافهما (^٢).
قوله: (فأما النكاح) إلى آخره، وفي الفوائد الظهيرية: إن كان المدعي هو الزوج فهو كدعوى البيع والشراء، فلا تُقبل إجماعًا؛ لأن الزوج لا يقصد إلا العقد، وإن كانت المرأة هي المُدّعية، فالجواب عند أبي حنيفة كالجواب في دعوى الدين، وعندهما كالجواب في دعوى البيع.
وجه قولهما أن الحاجة هاهنا إلى إثبات العقد؛ إذ العقد لا يثبت بإقرار المرأة وحدها، والنكاح بألف غير النكاح بألف وخمسمائة، كالبيع والشراء.
ولأبي حنيفة أن التسمية في النكاح كما تصح عند العقد تصح بعده، فالتسمية في الصحة لا تفتقر إلى إنشاء العقد، وإنما تفتقر إلى قيام العقد، وقيام العقد تارة يكون حال ابتداء العقد، وطورًا يكون حالة، البقاء، والبينة على العقد لا تقبل حالة البقاء؛ لأن البقاء لعدم الدليل المزيل، والشهادة على يعرف لعدم الدليل المزيل لم تقبل كالشهادة على النفي، وإذا لم يمكن إثبات البقاء بالبينة لا يشترط لقبول البينة على التسمية قبول البينة على بقاء العقد، وابتداء العقد ليس بشرط لصحة التسمية، فلم يكن قبول البينة شرطًا لا ابتداء ولا بقاء لصحة القضاء بالتسمية، فكانت البينة القائمة على التسمية والبينة القائمة على المنفرد سواء، بخلاف البيع؛ لأن البينة إذا امتنع في حق العقد امتنع في حق التسمية؛
_________________
(١) فتاوى قاضي خان (٣/ ٥٥٧).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٤٩)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٧٧).
[ ٦ / ٥٨٥ ]
أَيْضًا) (*) وَذَكَرَ فِي الأَمَالِي قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَهُمَا: أَنَّ هَذَا اخْتِلَافُ فِي العَقْدِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنْ الجَانِبَيْنِ السَّبَبُ فَأَشْبَهَ البَيْعَ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ المَالَ فِي النِّكَاحِ تَابِعُ، وَالأَصْلُ فِيهِ الحِلُّ وَالِازْدِوَاجُ وَالمِلْكُ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي مَا هُوَ الأَصْلُ فَيَثْبُتُ، ثُمَّ إِذَا وَقَعَ الاخْتِلَافُ فِي التَّبَعِ يَقْضِي بِالأَقَلِّ لاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَيَسْتَوِي دَعْوَى أَقَلِّ المَالَيْنِ أَوْ أَكْثَرِهِمَا فِي الصَّحِيحِ.
ثُمَّ قِيلَ: لِاخْتِلَافٍ فِيمَا إِذَا كَانَتْ المَرْأَةُ هِيَ المُدَّعِيَةَ وَفِيمَا إِذَا كَانَ المُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ إِجْمَاعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ مَقْصُودَهَا قَدْ يَكُونُ المَالَ، وَمَقْصُودَهُ لَيْسَ إِلَّا العَقْدَ. وَقِيلَ: الاخْتِلَافُ فِي الفَصْلَيْنِ وَهَذَا أَصَحٌ، وَالوَجْهُ مَا ذَكَرْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لعدم صحة التسمية، فلا عقد، وبخلاف ما إذا كان المدعي هو الزوج؛ لأن الحاجة إلى إثبات العقد، وقد تعذر (^١).
قال الصدر الشهيد: يصح النكاح بأقل المالين، سواء كان المدعي الزوج أو المرأة، والمدعي يدعي الأقل والأكثر، كما أطلق في الكتاب.
وفي النهاية: وفيه نظر، والجواب فيه على التفصيل كما ذكره في الفوائد الظهيرية، وسمعت عن شيخي ﵀: وفيه نظر، وينبغي أن يكون الجواب فيه كالجواب في الدين إذا كان المُدّعِي يَدّعِي أكثر المالين عنده؛ لأن ما ثبت بالنكاح، وهو ملك البضع ثابت من غير اختلاف، فبقي المال منفردًا، والجواب فيه ما قلنا.
قوله: (يقضي بالأقل) لاتفاقهما عليه.
فإن قيل: لا، بل في هذا تكذيب لأحد الشاهدين، كما في البيع.
قلنا: المال ليس بمقصود هاهنا؛ لما أن النكاح يجوز بدون ذكره، وإنما لزم التكذيب في البيع؛ لأن المال مقصود فيه، فالتكذيب في المقصود يوجب نفي الحكم؛ لانعدامه نصاب الشهادة وفي النكاح، فالتكذيب فيه لا يوجب التكذيب في الأصل، وهو العقد (^٢).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٥٠)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٧٨).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٥٢)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٧٩).
[ ٦ / ٥٨٦ ]