قَالَ: (وَمَنْ اسْتَثْنَى مُتَّصِلًا بِإِقْرَارِهِ: صَلَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَزِمَهُ البَاقِي) لِأَنَّ
عنه، وفي قول: يصح، وهو الأصح، وبه قال أحمد ومالك إن تيقن بوجوده عند الإقرار.
قوله: (ومن أقر بشرط الخيار)، صورته: إن أقر لرجل بدين من قرض أو غصب أو وديعة أو عارية قائمة أو مستهلكة على أنه بالخيار ثلاثة أيام - فالإقرار جائز؛ لوجود الصيغة الملزمة وبطل الخيار؛ لأن الإقرار إخبار، لا مدخل للخيار في الإخبار؛ لأن الخبر إن كان صادقًا فهو واجب العمل به اختاره أو لم يختره، وإن كان كذبًا فهو واجب الرد فلا يتغير باختياره وعدمه، وإنما تأثير اشتراط الخيار في العقود ليتخير من له الخيار بين فسخه وإمضائه، ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأن الخيار في معنى التعليق بالشرط فيما دخل عليه، وهو حكم العقد، والإقرار لا يحتمل التعليق بالشرط، فكذا لا يحتمل الخيار.
أما لو أقر بدين من ثمن بيع على أن فيه بالخيار؛ فإن هناك ثبت الخيار إذا صدقه صاحبه؛ لأن سببه يقبل الخيار، وإن كذبه صاحبه لم يثبت الخيار؛ لأن مطلق البيع اللزوم، والخيار أمر عارض، فلا يثبت إلا بحجة.
ولو أقرّ بدين من كفالة على شرط الخيار مدة معلومة طويلة أو قصيرة، فإن صدقه المقر فهو كما قال، والخيار ثابت له إلى آخر المدة؛ لأن الكفالة عقد يصح اشتراط الخيار فيه، فيجعل ما تصادقا كالمعاين في حقهما. كذا في المبسوط (^١).
بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ
لما ذكر حكم الإقرار شرع في بيان ما تغير به موجبه، وهو الاستثناء.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٩٩).
[ ٦ / ٩٠٢ ]
الاسْتِثْنَاءَ مَعَ الجُمْلَةِ عِبَارَةٌ عَنْ البَاقِي وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الاتِّصَالِ، وَسَوَاءٌ اسْتَثْنَى الأَقَلَّ أَوْ الأَكْثَرَ، فَإِنْ اسْتَثْنَى الجَمِيعَ، لَزِمَهُ الإِقْرَارُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالحَاصِلِ بَعْدَ الثَّنِيَّا وَلَا حَاصِلَ بَعْدَهُ فَيَكُونُ رُجُوعًا، وَقَدْ مَرَّ الوَجْهُ فِي الطَّلَاقِ.
قوله: (لا بدَّ من الاتصال) وهو قول الأئمة الأربعة، وفيه خلاف بعض العلماء، وقد بين في الأصول مع دلائله.
وعن عبد الملك المالكي: لا يصح الاستثناء، وقد مر في الطلاق في فصل الاستثناء، ونقل عن مالك أنه لا يصح الاستثناء في الإقرار، ونقل عنه أنه لا يصحح استثناء الآحاد من العشرات، ولا المئين من الألوف؛ بل يصحح استثناء الآحاد والعشرات من المئين والألوف. هكذا نقله في تتمة أصحاب الشافعي.
واستثناء الأقل والأكثر يجوز. وقال الفراء: لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل، وعن أحمد مثله.
وفي الكافي: وعن أبي يوسف ومالك مثله.
وفي الحلية: وبه قال ابن درستويه النحوي، وأحمد، ولكن ما ذكره في الكافي من قول مالك لم يكن مشهورًا عند أصحابه ولهم: أن العرب لم تتكلم به.
وقلنا: هو تكلم بالباقي أو إخراج، وذا لا يتفاوت بين الأقل والأكثر، وقد مر في الطلاق.
واستثناء الكل من الكل لا يجوز بلا خلاف، وذكر المصنف في زياداته: هذا إذا استثنى بعين ذلك اللفظ، بأن قال: نسائي طوالق إلا نسائي، أما لو قال: نسائي طوالق إلا عمرة وزينب وفاطمة، حتى لو أتى على الكل، وكذا إذا قال: نسائي طوالق إلا هو لا يصح الاستثناء ولم تطلق واحدة منهن، وذلك لأن الاستثناء تصرف في اللفظ، فينبني على صحة اللفظ لا على صحة الحكم؛ ألا ترى أنه إذا قال لامرأته: أنت طالق ست تطليقات إلا أربعا يصح الاستثناء حتى [تقع] (^١) تطليقتان، وإن كان السبب لا صحة له من حيث الحكم، وهذا لأنه لما أخرج كل فرد فقد أخرج بعض ما يتناوله وإن أتى على الكل.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٩٠٣ ]
(وَلوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا أَوْ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ، لَزِمَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا قِيمَةَ الدِّينَارِ أَوِ القَفِيزِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (وَلوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا: لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَصِحُّ فِيهِمَا) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ فِيهِمَا. وَلِمُحَمَّدٍ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي خِلَافِ الجِنْسِ. وَلِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهُمَا اتَّحَدَا جِنْسًا مِنْ حَيْثُ المَالِيَّةُ.
قوله: (إلا قيمة الدينار أو القفيز) وكذا لو قال: إلا فلسا أو شيئا، أو استثنى مكيلا أو موزونا أو معدودا فهو على هذا الخلاف.
(وقال محمد: لا يصح فيهما) أي: في المقدرات وغيره، وبه قال زفر وأحمد.
وقال الشافعي: يصح فيهما، وبه قال مالك، ويبين قيمة الثوب فإن استغرقت المائة بطل الاستثناء في قول، وبه قال مالك. وفي قول: يلغو تفسيره، ويجب أن يبين ثوبا لا تستغرق قيمته المائة.
قوله: (أن الاستثناء ما لولاه) إلى آخره، يعني الاستثناء تصرف في اللفظ، وهو إخراج بعض ما يتناوله صدر الكلام على معنى أنه لولا الاستثناء لكان داخلا تحت الصدر، وهذا لا يتصور في خلاف الجنس.
وإطلاق الاستثناء على المنقطع بطريق المجاز، والكلام مع الشافعي بناء على الاختلاف في كيفية عمل الاستثناء، فعنده عمله بطريق المعارضة، كدليل الخصوص في العام، كما بين في الأصول، والعمل بالدليل المعارض واجب بحسب الإمكان، وقد أمكن هاهنا المجانسة، وإذا كان كذلك لا يصح استثناء الثوب ونحوه؛ لأن صدر الكلام لم يتناوله، فلم يكن استثناء بل كلاما مبتدأ؛ لبيان أنه ليس عليه شيء من الثوب، وعدم وجوب الثوب عليه لا ينافي وجوب الألف عليه، والقياس كذلك فيما إذا استثنى مكيلا أو موزونا أو معدودا من خلاف جنسه؛ لأن الصدر لم يتناوله، ولكن استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف وقالا: المقدرات جنس واحد معنى وإن كانت أجناسا صورة؛ لأنها
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
[ ٦ / ٩٠٤ ]
وَلَهُمَا: أَنَّ المُجَانَسَةَ فِي الأَوَّلِ ثَابِتَةٌ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ، وَهَذَا فِي الدِّينَارِ ظَاهِرُ. وَالمَكِيلُ وَالمَوْزُونُ أَوْصَافُهَا أَثْمَانٌ؛ أَمَّا الثَّوْبُ فَلَيْسَ بِثَمَنٍ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِمُطْلَقِ عَقْدِ المُعَاوَضَةِ، وَمَا يَكُونُ ثَمَنًا صَلَحَ مُقَدِّرًا بِالدَّرَاهِمِ فَصَارَ مُسْتَثْنَى مِنْ
تثبت في الذمة ثمنًا، أما الدينار فظاهر، وكذا غيره؛ لأن الكيلي والوزني مبيع بأعيانهما، ثمن بأوصافهما، حتى لو عينا تعلق العقد بأعيانهما، ولو وصفا ولم يعينا صار حكمهما حكم الدينار؛ ولهذا يستوي الجيد والرديء فيهما، فكانت في حكم الثبوت في الذمة كجنس واحد معنى.
والاستثناء استخراج وتكلم بالباقي معنى لا صورةً؛ لأنه تكلم بألف صورة، والعدديات المتقاربات كالمقدرات في ذلك، أما الثوب والشاة ونحوهما فليس من جنس المقدرات معنًى؛ لأنه لم يصلح ثمنًا، فلم يكن استثناؤه استخراجًا صورةً ولا معنى، فكان باطلا.
فإن قيل: إن قامت المماثلة من حيث الثمنية فقد بقيت من حيث المالية، فلم لا يصح الاستخراج باعتبارها؟
قلنا: الأثمان مقدرة لمالية الأشياء؛ لأنها مقدرة فيصلح أن تكون مقدرة للدراهم المستثناة، فكأنه ذكر المقدر وترك المقدر لدلالة المقدر على المقدر، فكان استثناء الدراهم من الدراهم معنى، وما لا يصلح ثمنا لا يكون من المقدرات، فلا يصلح مقدر الدراهم المستثناة؛ لافتقار المقدر إلى كونه مقدرًا، فبقي المستثنى من الدراهم مجهولا، فلا يصح الاستثناء؛ لأنه استخرج معنى، ولم يصح الاستخراج معنى، فبطل.
قوله: (أوصافهما أثمان) أي: كونهما أثمانًا وواجبا في الذمة إنما كان بسبب الوصف، كالحنطة الربيعية والخريفية لا بسبب الذات والعينية، حتى لو عينهما يتعلق العقد بعينهما، فيكون بيع مقابضة ولا يجب في الذمة، بخلاف الدراهم والدنانير، فإنهما أثمان وواجبة في الذمة عينت أو لا.
قوله: (ولهذا لا يجب بمطلق عقد المعاوضة) احترز به عن السلم، فإنه يجب في السلم.
[ ٦ / ٩٠٥ ]
الدَّرَاهِمِ، وَمَا لَا يَكُونُ ثَمَنًا لَا يَصْلُحُ مُقَدِّرًا، فَبَقِيَ المُسْتَثْنَى مِنْ الدَّرَاهِمِ مَجْهُولًا فَلَا يَصِحُّ.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقِّ وَقَالَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ» مُتَّصِلًا) بِإِقْرَارِهِ (لَمْ يَلْزَمُهُ الإِقْرَارُ)
قوله: (يصلح مُقدّرًا) بكسر الدال، على صيغة الفاعل.
قوله: (فبقي الاستثناء من الدراهم مجهولا) وفي بعض النسخ: (فبقي المستثنى من الدراهم مجهولا فلا يصح) أي: الاستثناء، فيجبر على البيان، ولا يمنع به صحة الإقرار؛ لصحته بجهالة المقر به، ولكن جهالة المستثنى تمنع صحة الاستثناء؛ لأن جهالة المستثنى تورث جهالة في المستثنى منه، فبقي المقر به مجهولا.
وفي الذخيرة: إذا صح الاستثناء يُطرح قدر قيمة المستثنى عن المقر، وإن كان قيمة المستثنى تستغرق ما أقر به لا يلزمه شيء، ثم ما ذكر أن جهالة المستثنى تلزم جهالة المقر به مخالف لما ذكر في الذخيرة محالًا إلى المنتقى، قال أبو حنيفة: لو قال: لفلان علي مائة درهم إلا قليلًا؛ فعليه أحد وخمسون درهما، وكذا في نظائرها، نحو قوله: إلا شيئًا؛ لأن استثناء الشيء استثناء الأقل عرفًا، فأوجبنا النصف وزيادة درهم، فقد استثنى الأقل.
وعن أبي يوسف: لو قال: علي عشرة إلا بعضها؛ فعليه أكثر من النصف، ولو قال: لفلان عليَّ ألف إلا مائة أو خمسين، فقال أبو سليمان: عليه تسعمائة وخمسون؛ لأنه ذكر كلمة الشك في الاستثناء، فيثبت أقلهما، كما لو ذكر كلمة الشك في الإقرار بين الشيئين فإنه يثبت أقلهما، فكذا هذا، وفي رواية أبي حفص تلزمه تسعمائة؛ لأن الشك في الاستثناء يوجب الشك في الإقرار، فكأنه قال: علي تسعمائة وخمسون فيثبت الأقل، قالوا: والأول أصح؛ لأن الشك حصل في الاستثناء ظاهرًا.
وعند الشافعي ومالك يصح استثناء المجهول كما يصح الإقرار بالمجهول، وبه قال أحمد في رواية، ويبين المجهول كما في الإقرار، وإذا بينه وقيمته أكثر من المستثنى منه لا يصح الاستثناء، كما في استثناء الثوب الذي قيمته أكبر من المستثنى منه.
قوله: (ومن أقر) بشيء إلى قوله: (إن شاء الله) إلى آخره.
[ ٦ / ٩٠٦ ]
لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ: إِمَّا إِبْطَالُ أَوْ تَعْلِيقٌ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَقَدْ بَطَلَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَكَذَلِكَ، إِمَّا لِأَنَّ الإِقْرَارَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، أَوْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِذَا
في المبسوط (^١): هذا الاستثناء باطل في القياس؛ لأن ذكره بمنزلة ذكر الشرط، وذلك إنما يصح في الإنشاءات لا الإخبارات.
وفي الاستحسان: الاستثناء مخرج للكلام عن كونه عزيمة مثبتًا لشيء، لا أن يكون في معنى الشرط، قال تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] ولم يصبر، ولم يعاقب على ذلك، والوعد من الأنبياء كالعهد من غيرهم، فدل أن الاستثناء مخرج للكلام عن كونه عزيمة، قال ﵇: «مَنْ اسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ» (^٢) والإقرار لا يكون ملزمًا إلا بكلام هو عزيمة، فإذا كان مُغيّرًا بشرط وَصَلَه؛ إذ المفصول بمنزلة النسخ والتبديل، والمقر لا يملك ذلك في إقراره، وهذا بخلاف الرجوع عن الإقرار، حيث لا يصح وإن كان موصولا؛ لأن رجوعه نفي لما أثبته، فكان تناقضا منه والمتناقض لا يصح موصولًا ومفصولًا، أما هذا فبيان تعبير، فيصح موصولا لا مفصولًا، بمنزلة التعليق بالشرط.
قوله: (إما إبطال أو تعليق) وإنما ردد بين هذين اللفظين؛ لما أن في الاستثناء بمشيئة الله تعالى اختلافًا، فقال محمد: إبطال، وقال أبو يوسف: تعليق، وقيل: الاختلاف على العكس، وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيه مع فروعه في فصل الاستثناء في الطلاق.
قوله: (لأن الإقرار لا يحتمل التعليق)؛ لأنه إخبار، والإخبار لا يحتمل التعليق؛ لأن الخبر إن كان صادقًا لا يصير كذبًا بفوات الشرط، وإن كان كذبًا لا يصير صدقًا بوجود الشرط، فلا يليق التعليق به أصلا، وإنما يليق التعليق بالإيجاب؛ ليتبين بالتعليق أنه ليس بإيقاع. كذا في المبسوط.
(كما ذكرنا في الطلاق) أي: في فصل الاستثناء.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٩١).
(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ١٠٨) برقم (١٥٣٢)، والنسائي (٧/¬٣٠) برقم (٣٨٥٥)، وابن ماجة (١/ ٦٨٠) برقم (٢١٠٤)، وابن حبان (١٠/ ١٨٣) برقم (٤٣٤١) بنحوه، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦ / ٩٠٧ ]
مِتُّ، أَوْ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ إِذَا أَفْطَرَ النَّاسُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيَانِ المُدَّةِ فَيَكُونُ تَأْجِيلًا لَا تَعْلِيمًا، حَتَّى لَوْ كَذَّبَهُ المُقَرُّ لَهُ فِي الأَجْلِ، يَكُونُ المَالُ حَالًا.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِدَارٍ وَاسْتَثْنَى بِنَاءَهَا لِنَفْسِهِ، فَلِلْمُقَرِّ لَهُ الدَّارُ وَالبِنَاءُ) لِأَنَّ البِنَاءَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الإِقْرَارِ مَعْنَى لَا لَفْظًا، وَالاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي المَلْفُوظِ، وَالفَصُّ فِي الخَاتَمِ، وَالنَّخْلَةُ فِي البُسْتَانِ نَظِيرُ البِنَاءِ فِي الدَّارِ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ تَبَعًا لَا لَفْظًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: إِلَّا ثُلُثَهَا أَوْ إِلَّا بَيْتًا مِنهَا، لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ لَفْظًا وَلَوْ قَالَ: بِنَاءُ هَذَا الدَّارِ لِي، وَالعَرَصَةُ لِفُلَانٍ، فَهُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّ العَرْصَةَ عِبَارَةٌ عَنْ البُقْعَةِ دُونَ
قوله: (حتى لو كذبه يكون المال حالا)؛ لأن (إذا) للوقت، والوقت الذي ذكره آت لا محالة؛ إذ الموت ومجيء رأس الشهر ووقت الفطر آت لا محالة؛ ولهذا قالوا: المراد وقت الفطر لا حقيقة الفطر، ووقته آت لا محالة، حتى لو عت به حقيقة فعل الفطر ينبغي ألا يصح إقراره، وعند الشافعي يجب المال مؤجلا، وقد بيناه قبل.
قوله: (فللمقر له الدار والبناء)، وقالت الأئمة الثلاثة: يصح استثناء البناء والفص والنخلة من الدار والخاتم والبستان؛ لأنه أخرج ما تناوله اللفظ معنى، كما لو قال: إلا ثلثها أو ربعها أو بيتًا منها.
وفي شرح الوجيز في وجه لا يصح استثناء البناء والفص والنخلة من الدار والخاتم والبستان؛ لأن الاستثناء المعاد هو الاستثناء عن الأعداد المطلقة، فأما المعينات فالاستثناء منها غير معهود؛ لأنه إذا أقرَّ بالعين فقد نص على ثبوت الملك، فيكون الاستثناء بعده رجوعًا، فلا يصح، والأول ظاهر المذهب، وقد نص عليه في بعض الصور.
وقلنا: البناء والفص والنخلة يدخل تبعًا، والاستثناء إنما يكون مما تناوله الكلام نصا؛ لأنه إخراج ما لولاه لكان الكلام متناولا له، واستثناء التوابع لا يصح؛ لأنه يثبت الحكم فيه بالتبعية، والتبعية قائمة بعد الاستثناء، بخلاف ما لو قال: إلا ثلثها أو ربعها أو بيتا منها؛ لأنه دخل فيه لفظًا؛ إذ الدار تشمل البيت وغيره، وكذا ثلثها وربعها؛ ولهذا لو استحق البيت في بيع الدار تسقط حصته من الثمن. ذكره في الذخيرة، فهو كما قال، ولا خلاف فيه.
[ ٦ / ٩٠٨ ]
البِنَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَيَاضُ هَذِهِ الأَرْضِ دُونَ البِنَاءِ لِفُلَانِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: مَكَانُ العَرْصَةِ أَرْضًا، حَيْثُ يَكُونُ البِنَاءُ لِلْمُقَرِّ لَهُ: لِأَنَّ الإِقْرَارَ بِالْأَرْضِ إِقْرَارُ بِالبِنَاءِ كَالإِقْرَارِ بِالدَّارِ.
(وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَم مِنْ ثَمَنِ عَبْدِ اشْتَرَيْته مِنْهُ وَلَمْ أَقْبِضْهُ، فَإِنْ ذَكَرَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ، قِيلَ لِلْمُقَرِّ لَهُ إِنْ شِئْتَ فَسَلِّمُ العَبْدَ وَخُذْ الأَلْفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَكَ) قَالَ: وَهَذَا عَلَى وُجُوهِ: أَحَدُهَا: هَذَا، وَهُوَ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيُسَلِّمَ العَبْدَ، وَجَوَابُهُ مَا ذُكِرَ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِتَصَادُقِهِمَا كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ المُقَرُّ لَهُ: العَبْدُ عَبْدُكَ مَا بِعْتُكَهُ، وَإِنَّمَا بِعْتُكَ عَبْدًا غَيْرَ هَذَا،
قوله: (مكان العرصة أرضًا) بأن قال: الأرض لفلان والبناء لي، حيث يكون البناء للمقر له مع الأرض، خلافًا للأئمة الثلاثة، أما لو قال: البناء لفلان والأرض لآخر؛ فهو كما قال.
والفرق أن الإقرار بالأرض إقرار بالبناء، فكان قوله: (البناء لآخر) رجوعًا، فلا يصح، أما لو قدم البناء بأن قال: البناء لفلان؛ فإقراره بالبناء وقع معتبرًا، واستحقه فلان، فإقراره بالأرض بعد ذلك، فهب أنه إقرار بالبناء أيضًا أن البناء بعدما صار مستحقًا لغيره لا يصح رجوعه، فوضح الفرق. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (كالثابت معاينة) فلو عينا أنه اشترى منه هذا العبد، والعبد في يده؛ كان عليه ألف درهم، كذا هاهنا.
قوله: (لإقراره به) (^٢) أي: بالمال، ولا يبالي باختلاف السبب؛ لأن الأسباب مطلوبة بأحكامها لا أعيانها، فلا يعتبر التكاذب في السبب بعد اتفاقهما على وجوب أصل المال.
قوله: (وحكمه ألا يلزم المقر) (^٣) أي: حكم الوجه الثالث ألا يلزم المقر (شيء) لأنه أقر بالمال إذا سلم له العبد، ولم يسلم له العبد.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٨/ ٧٦).
(٢) و(^٣) انظر المتن ص ٩١٠.
[ ٦ / ٩٠٩ ]
وَفِيهِ المَالُ لَازِمٌ عَلَى المُقِرِّ لِإِقْرَارِهِ بِهِ عِنْدَ سَلَامَةِ العَبْدِ لَهُ، وَقَدْ سَلَّمَ فَلَا يُبَالَى بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ المَقْصُودِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ العَبْدُ عَبْدِي مَا بِعْتُكَ. وَحُكْمُهُ: أَنْ لَا يَلْزَمَ المُقِرَّ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِالمَالِ إِلَّا عِوَضًا عَنْ العَبْدِ فَلَا يَلْزَمُهُ دُونَهُ، وَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ غَيْرَهُ يَتَحَالَفَانِ، لِأَنَّ المُقِرَّ يَدَّعِي تَسْلِيمَ مَنْ عَيَّنَهُ، وَالآخَرَ يُنْكِرُ، وَالمُقَرَّ لَهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الأَلْفَ بِبَيْعِ غَيْرِهِ وَالآخَرَ يُنْكِرُهُ، وَإِذَا تَحَالَفَا بَطَلَ المَالُ، هَذَا إِذَا ذَكَرَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ قَالَ: مِنْ ثَمَنِ عَبْدِ اشْتَرَيْتُهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، لَزِمَهُ الأَلْفُ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ: مَا قَبَضْتُ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَلَ أَمْ فَصَلَ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ، فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِوُجُوبِ المَالِ رُجُوعًا إِلَى كَلِمَةِ عَلَيَّ، وَإِنْكَارُهُ القَبْضَ فِي غَيْرِ المُعَيَّنِ يُنَافِي الوُجُوبَ أَصْلًا، لِأَنَّ الجَهَالَةَ مُقَارِنَةٌ كَانَتْ أَوْ طَارِئَةٌ بِأَنْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ نَسِيَاهُ عِنْدَ الاخْتِلَاطِ بِأَمْثَالِهِ تُوجِبُ هَلَاكَ المَبِيعِ، فَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ نَقْدِ الثَّمَنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ رُجُوعًا فَلَا يَصِحُ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا.
قوله: (ولو قال) أي: المقر له (مع ذلك) أي: مع إنكاره العبد المقر به: (ما بِعْتُكَهُ) (إنما بعتك غيره) فحكمه أن يتحالفا؛ لأن كل واحدٍ مدعٍ ومنكر.
(فإذا تحالفا بطل المال) أي: من المقر والعبد سالم لمن في يده.
قوله: (لأنه رجوع) أي قوله: (ما قبضت) رجوع عن الإقرار، والرجوع عنه باطل، موصولا كان أو مفصولًا.
وفي المبسوط: وضع المسألة في المتاع، فقال: علي ألف من ثمن مبتاع لم أقبضه، وهذا لأنه أقر بوجوب المال عليه نظرًا إلى قوله على أنها للإلزام حقيقة، وبعد ذلك إنكاره القبض في المجهول ينافي الالوجوب؛ لأن ثمن عبد غير معين لا يكون واجبًا على المشتري إلا بعد القبض، وما لا يكون بعينه - في حكم المستهلك؛ لأنه لا طريق للوصول إليه، فإنه ما من عبد يحضره إلا وللمشتري أن يقول: المبيع غيره، وتسليم الثمن لا يجب إلا بإحضار المبيع، فعلم أنه في حكم المستهلك، وكأنه أقر بالقبض ثم رجع عنه (^١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٨/ ١٧٩).
[ ٦ / ٩١٠ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ وَصَلَ، صُدِّقَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ فَصَلَ، لَمْ يُصَدَّقْ إِذَا أَنْكَرَ المُقَرُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ عَبْدِ (*)، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهُ مَتَاعًا فَالقَوْلُ قَوْلُ المُقِرِّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ أَقَرَّ بِوُجُوبِ المَالِ عَلَيْهِ وَبَيَّنَ سَبَبًا وَهُوَ البَيْعُ،
وفي الذخيرة: قوله: (لم أقبضه) (^١) تأخير المطالبة إلى الأبد؛ لما أن المطالبة بإحضار المبيع، وفي المجهول لم يتصور كما ذكرنا، فكان كإقراره
بألف من ثمن مبيع إلى شهر، فلم يصدق، فكذا هذا.
بخلاف ما إذا عيّن المتاع، فإنه أقر بالوجوب، ولم يدع ما يوجب تأخير المطالبة؛ لأن المبيع إذا كان حاضرًا يطالب المشتري بأداء الثمن أولا ثم يقبض المبيع، فلم يكن قوله: (ولم أقبضه) دعوى تأخير المطالبة، فيصدق وصل أم فصل.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: إن وصل صُدِّقَ ولم يلزمه شيء) كما في المعين، وبه قالت الأئمة الثلاثة، أما لو قال: أقرضني ألفًا، ثم قال: لم أقبضها؛ لا يقبل قوله عندنا، خلافا للأئمة الثلاثة.
قوله: (وإن أقر أنه باعه متاعًا) يعني بعد إنكاره من ثمن عبد، فأقر بأنه باعه متاعًا؛ فالقول للمقر وصل أم فصل، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وفي الذخيرة: ولو صدقه المقر له في الجهة، بأن قال: لي عليك ألف من ثمن متاع بعته وقبضت مني، وقال المقر: لم أقبضه مفصولًا، كان أبو يوسف أولًا (^٢): لا يصدق، كما لو كذبه في الجهة، ثم رجع وقال: يصدق وصل أم فصل، وبه قال محمد؛ لأن قوله: (لم أقبض منى) (^٣) صدق المقر له في الجهة بيان مجمل فيصدق، كما لو قال: عليَّ ألف من ثمن هذا المتاع الذي في يدك إلا أني لم أقبض.
وإنما قلنا: إنه بيان مجمل؛ لأن البيع يثبت بتصادقهما، ونفى أمر القبض مجملا، إلا أنه لم يقر بالقبض لا نصا ولا دلالة، وهو ظاهر، ولا اقتضاء
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) انظر المتن ص ٩١٢.
(٣) كذا في الأصول الخطية، ولعل صوابها: (أولا يقول).
(٤) كذا في الأصل، وفي النسخة الثانية: (دي)، ولعلها: (نفى).
[ ٦ / ٩١١ ]
فَإِنْ وَافَقَهُ الطَّالِبُ فِي السَّبَبِ وَبِهِ لَا يَتَأَكَّدُ الوُجُوبُ إِلَّا بِالقَبْضِ، وَالمُقِرُّ يُنْكِرُهُ فَيَكُونُ القَوْلُ لَهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي السَّبَبِ كَانَ هَذَا مِنْ المُقِرِّ بَيَانًا مُغَيِّرًا، لِأَنَّ صَدْرَ كَلَامِهِ لِلْوُجُوبِ مُطْلَقًا وَآخِرُهُ يَحْتَمِلُ انْتِفَاءَهُ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ القَبْضِ وَالمُغَيِّرُ يَصِحُ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا.
(وَلَوْ قَالَ ابْتَعْتُ مِنْهُ بَيْعًا، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَقْبِضْهُ: فَالقَوْلُ قَوْلُهُ) بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ البَيْعِ القَبْضُ، بِخِلَافِ الإِقْرَارِ بِوُجُوبِ الثَّمَنِ. قَالَ: (وَكَذَا لَوْ قَالَ: مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) وَمَعْنَى المَسْأَلَةِ: إِذَا قَالَ لِفُلَانٍ
أيضًا؛ لأن وجوب الألف ليس من ضرورته القبض؛ إذ الثمن يجب بنفس العقد بلا قبض، فلما لم يكن قابضًا لا نصًا ولا اقتضاء بقي أمر [القبض] (^١) مجملًا، فيصدق في بيانه وصل أم فصل.
قوله: (فإن وافقه الطالب) أي: صدق المقر له المقر في الجهة، وهو البيع. (وبه) أي: بالبيع المجرد (لا يتأكد الوجوب) أي: وجوب الثمن على المشتري؛ إذ وجوب الثمن عليه قبل قبض المبيع متزلزل؛ لأنه عسى يهلك المبيع فيسقط الثمن، ثم المقر له يدعي قبض الثمن، (والمقر ينكره)؛ فكان القول للمنكر مع اليمين للوجوب مطلقًا؛ لأن مقتضى أول الكلام أن يكون مطالبًا بالمال في الحال رجوعًا إلى كلمة (علي).
(وآخره) أي: آخر الكلام (يحتمل انتفاءه) أي: انتفاء الوجوب يعني يحتمل ألا يكون مطالبًا به حتى يحضر العبد، فكان بيانه مغيرا بظاهر الكلام إلى الاحتمال، فيصح موصولا لا مفصولًا.
(فالقول قوله بالإجماع) وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأنه لم يقر على نفسه بالوجوب لا نصَّا، وهو ظاهر، فإنه لم يقل: (علي) ولا بمقتضى إقراره بالشراء؛ إذ ليس من ضرورة الشراء وجوب الثمن، فإن الشراء بشرط الخيار للمشتري لا يوجب الثمن عليه في الحال.
قوله: (من ثمن خمر أو خنزير) وكذا لو قال: من ثمن حر أو دم، فلو
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٩١٢ ]
عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لَزِمَهُ الأَلْفُ وَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ، لِأَنَّ ثَمَنَ الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَأَوَّلُ كَلَامِهِ لِلْوُجُوبِ (وَقَالَا: إِذَا وَصَلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ بَيَّنَ بِآخِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِهِ الإِيجَابَ وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ فِي آخِرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قُلْنَا: ذَاكَ تَعْلِيقُ وَهَذَا إِبْطَالُ.
صدقه الطالب في ذلك؛ لم يلزمه شيء بإجماع الفقهاء. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي في قول، واختاره المزني وأبو إسحاق ومالك: لا يلزمه شيء؛ لأن الكل كلام واحد فيعتبر آخره، وبين بآخره أنه ما أراد به الإيجاب؛ بل أراد به الإبطال، فصار كما لو قال في آخر كلامه: إن شاء الله، وذلك لأنه يحتمل أنه بنى إقراره على عادة الفسقة، فإنهم يعتادون شراء الخمر وأداء ثمنها، فكان آخر كلامه بيانًا مغيرا فيصح موصولًا.
وقلنا: أول كلامه يدل على الوجوب رجوعا إلى كلمة (علي). وقوله: (من ثمن خمر أو خنزير) رجوع عنه؛ إذ ثمن الخمر والخنزير لا يجب على المسلم، فكان رجوعًا عن الإقرار، فلا يصح وصل أم فَصَل؛ بخلاف قوله: إن شاء الله، فإنه تعليق بشرط لا يوقف عليه، والتعليق بالشرط من باب التغيير، فيصح موصولا، وعند مالك والشافعي في قول.
قوله: (إن شاء الله لا يغير أول كلامه؛ لعدم صحته عندهما. وفي المبسوط والذخيرة: لو قال له: عليَّ ألف حرام أو ربا يلزمه الألف؛ لأن الحرام عنده لعل يكون حلالا عند غيره، ولعل الربا عنده ليس بربا عند غيره، ولو قال: عليَّ ألف زور أو باطل؛ إن صدقه فلان فلا شيء عليه، وإن كذبه فعليه الألف، والإقرار بالبيع يلحقه على هذا التفصيل.
قوله: (وهذا) أي: قوله: إن شاء الله إبطال ورجوع) والرجوع بعد الإقرار لا يصح. وفي أصول شمس الأئمة: قوله: (إن شاء الله) صيغة التعليق، والإرسال والتعليق متعارف بين أهل اللسان، فكان ذلك من باب البيان لا الرجوع، ووجوب المال عليه من حكم إرسال الكلام، فمنع صيغة التعليق لا يلزم حكم الإرسال.
(وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد (يصدق إن وصل)، وإن فصل لا يصدق،
[ ٦ / ٩١٣ ]
(وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ، أَوْ قَالَ: أَقْرَضَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ: هِيَ زُيُوفٌ، أَوْ نَبَهْرَجَةٌ، وَقَالَ المُقَرُّ لَهُ: جِيَادٌ، لَزِمَهُ الجِيَادُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ قَالَ مَوْصُولًا يُصَدَّقُ، وَإِنْ قَالَ مَفْصُولًا لَا يُصَدَّقُ) (*) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا قَالَ: هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ، وَعَلَى هَذَا إِذَا قَالَ: إِلَّا أَنَّهَا زُيُوفٌ، وَعَلَى هَذَا إِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ زُيُوفٍ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ لَهُمَا: أَنَّهُ بَيَانٌ مُغَيِّرٌ فَيَصِحُ بِشَرْطِ الوَصْلِ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ. وَهَذَا لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ يَحْتَمِلُ الزُّيُوفَ بِحَقِيقَتِهِ، وَالسَّتُّوقَةُ بِمَجَازِهِ، إِلَّا أَنَّ مُطْلَقَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الجِيَادِ، فَكَانَ بَيَانًا مُغَيِّرًا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: إِلَّا أَنَّهَا وَزْنُ خَمْسَةٍ.
وبه قال الشافعي وأحمد.
قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا قال: هي ستوقة أو رصاص) يعني: لا يصدق وصل أم فصل عند أبي حنيفة، وعندهما يصدق إن وصل.
وفي جامع قاضي خان عن أبي يوسف فيه روايتان في رواية مع أبي حنيفة، وفي رواية مع محمد.
قوله: (ألف درهم زيوف) بالجر، وتجري الصفة على المعدود دون العدد، كقوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣].
قوله: (يحتمل الزيوف بحقيقته)؛ لأنها من جنس الدراهم، حتى يحصل بها الاستيفاء في الصرف والسلم ولا يصير استبدالًا (والستوقة بمجازه) إذ الستوقة تسمى دراهم مجازا، والنقل من الحقيقة إلى المجاز بيان تغيير، فيصح موصولًا لا مفصولًا.
قوله: (إلا أن مطلقه) أي: مطلق اسم الدرهم (ينصرف إلى الجياد) بالعرف؛ لأن بياعات الناس تكون بالجياد عادة فكان بيانًا مغيرًا من هذا الوجه، فصار كما إذا قال: إلا أنها وزن خمسة أو ستة، ونقد بلدهم وزن سبعة - يصدق إن وصل.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٩١٤ ]
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ هَذَا رُجُوعٌ، لِأَنَّ مُطْلَقَ العَقْدِ يَقْتَضِي وَصْفَ السَّلَامَةِ عَنِ العَيْبِ، وَالزِّيَافَةُ عَيْبٌ وَدَعْوَى العَيْبِ رُجُوعٌ عَنْ بَعْضِ مُوجِبِهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: بِعْتُكَهُ مَعِيبًا، وَقَالَ المُشْتَرِي: بِعْتَنِيهِ سَلِيمًا، فَالقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي لِمَا بَيَّنَّا، وَالسَّتُّوقَةُ لَيْسَتْ مِنْ الأَثْمَانِ، وَالبَيْعُ يُرَدُّ عَلَى الثَّمَنِ فَكَانَ رُجُوعًا. وَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنَّهَا وَزْنُ خَمْسَةٍ يَصِحُّ اسْتِثْنَاء، لِأَنَّهُ مِقْدَارٌ بِخِلَافِ الجَوْدَةِ، لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الوَصْفِ لَا يَجُوزُ كَاسْتِثْنَاءِ
فإن قيل: استثناء الوصف لا يصح بالإجماع، فكيف صححا استثناء الزيافة ها هنا؟
قلنا: صححا ذلك من حيث المعنى، ومن حيث المعنى: الزيافة عين لا وصف، فإن قوله: (عليَّ ألف من ثمن متاع إلا أنها زيوف) بمنزلة قوله: (إلا إنها نقد بلد كذا ونقد ذلك البلد زيوف) وهناك صح هذا البيان موصولا بالإجماع، وهذا في معناه فينبغي أن يصح، فصار ذلك نوعًا للدراهم لا وصفًا، بمنزلة قوله في الحنطة: (إلا أنها رديئة) (^١). إليه أشار في الأسرار والفوائد الظهيرية.
قوله: (ودعوى العيب رجوع عن بعض موجبه) إذ مطلق العقد يقتضي السلامة عن العيب، فتكون السلامة عن العيب مستحقًا بالعقد، فإذا قال: إنها زيوف، فقد أراد إبطال بعض ما هو مستحق بالعقد، فلا يصدق وإن وصل.
وفي الأسرار وغيره وحاصل الاختلاف راجع إلى أن الزيوف تدخل في مطلق اسم الدراهم أم لا؟
فأبو حنيفة رجح جانب العيب، فلم يدخله تحت مطلق اسم الدراهم، حتى كان دعوى الزيافة رجوعًا، وهما أدخلاها على سبيل التوقف حتى [كان] (^٢) دعوى الزيافة [بعد ذكر اسم] (^٣) مطلق الدراهم بيان تغيير، كالشرط والاستثناء.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (إن مطلق العقد يقتضي السلامة عن العيب).
قوله: (بخلاف الجودة) أي: بخلاف ما إذا قال: إلا أنها زيوف، فإن فيه استثناء الدراهم الجيدة عن الوجوب في الذمة، والجودة صفة، ولا يصح استثناء.
_________________
(١) انظر المتن ص ٩١٦.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) في الأصل: (فعدد)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٩١٥ ]
البِنَاءِ فِي الدَّارِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ إِلَّا أَنَّهَا رَدِينَةٌ، لِأَنَّ الرَّدَاءَةَ نَوْعٌ لَا عَيْبٌ، فَمُطْلَقُ العَقْدِ لَا يَقْتَضِي السَّلَامَةَ عَنْهَا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الأُصُولِ فِي القَرْضِ: أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي الزُّيُوفِ إِذَا وَصَلَ، لِأَنَّ القَرْضَ يُوجِبُ رَدَّ مِثْلِ المَقْبُوضِ، وَقَدْ يَكُونُ زَيْفًا كَمَا فِي الغَصْبِ.
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ التَّعَامُلَ بِالجِيَادِ فَانْصَرَفَ مُطْلَقُهُ إِلَيْهَا. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَم زُيُوفٍ، وَلَمْ يَذْكُرُ البَيْعَ وَالقَرْضَ، قِيلَ: يُصَدَّقُ بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِم يَتَنَاوَلُهَا وَقِيلَ: لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّ مُطْلَقَ الإِقْرَارِ يَنْصَرِفُ إِلَى العُقُودِ لِتَعَيُّنِهَا مَشْرُوعَةً لَا إِلَى الاسْتِهْلَاكِ المُحَرَّمِ.
الوصف؛ لأن الصفة مما لم يتناوله اسم الدراهم حتى يستثنى، وإنما ثبت صفة الجودة في مطلق العقد بالعرف والعادة.
قوله: (لأن الرداءة نوع لا عيب) لأن العيب ما تخلو عنه الفطرة السليمة، والحنطة قد تكون رديئة في أصل الخلقة؛ ولهذا لا يصح شراء الحنطة ما لم يبين أنها جيدة أو وسط أو رديئة، فليس في بيانه بغير موجب أول كلامه، فيصح وصل أم فصل؛ إذ مطلق العقد لا يقتضي نوعًا دون نوع، فلا يستحق نوع بمطلق العقد، بخلاف الزيافة فإنها عيب ومطلق العقد يقتضي السلامة عنها.
قوله: (لأن القرض يوجب ردّ مثل المقبوض) فإنه يتم بالقبض، فأشبه الغصب؛ إذ كل منهما يوجب الضمان بالقبض.
قوله: (أن التعامل بالجياد) والاستقراض متعامل بين الناس كالبيع، وذلك يكون بالجياد.
قوله: (يصدق بالإجماع) يعني: إذا وصل؛ لأن صفة الجودة إنما تصير
مستحقة بمقتضى عقد التجارة، فإذا لم يصرح به لم تصر صفة الجودة مستحقة عليه.
قوله: (وقيل: لا يصدق) أي: عند أبي حنيفة وصل أم فصل؛ لأن مطلق الإقرار بالدين ينصرف إلى الإلزام بطريق التجارة؛ لكونها مشروعة [لا] (^١) إلى الاستهلاك والغصب المحرَّم، فصار كما لو بين سبب التجارة، وعند زفر يبطل
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٩١٦ ]
(وَلَوْ قَالَ: اغْتَصَبْتُ مِنْهُ أَلْفًا، أَوْ قَالَ: أَوْدَعَنِي، ثُمَّ قَالَ: هِيَ زُيُوفٌ، أَوْ نَبَهْرَجَةٌ، صُدِّقَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ) لِأَنَّ الإِنْسَانَ يَغْصِبُ مَا يَجِدُ وَيُودِعُ مَا يَمْلِكُ، فَلَا مُقْتَضَى لَهُ فِي الجِيَادِ وَلَا تَعَامُلَ، فَيَكُونُ بَيَانَ النَّوْعِ فَيَصِحُ وَإِنْ فَصَلَ، وَلِهَذَا لَوْ جَاءَ رَادُّ المَغْصُوبِ الوَدِيعَةِ بِالمَعِيبِ كَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ مَفْصُولًا، اعْتِبَارًا بِالقَرْضِ، إِذْ القَبْضُ فِيهِمَا هُوَ المُوجِبُ لِلضَّمَانِ. وَلَوْ قَالَ: هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ بَعْدَمَا أَقَرَّ بِالغَصْبِ الوَدِيعَةِ وَوَصَلَ صُدِّقَ، وَإِنْ فَصَلَ لَمْ يُصَدَّقْ، لِأَنَّ السَّتُّوقَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، لَكِنَّ الاِسْمَ يَتَنَاوَلُهَا مَجَازًا، فَكَانَ بَيَانًا مُغَيِّرًا، فَلَا بُدَّ مِنْ الوَصْلِ (وَإِنْ قَالَ فِي هَذَا كُلِّهِ: أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ يَنْقُصُ كَذَا: لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ وَصَلَ صُدِّقَ) لِأَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءُ المِقْدَارِ وَالاسْتِثْنَاءُ يَصِحُ مَوْصُولًا، بِخِلَافِ الزِّيَافَةِ، لِأَنَّهَا وَصْفٌ وَاسْتِثْنَاءُ الأَوْصَافِ لَا يَصِحُ، وَاللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ المِقْدَارَ دُونَ الوَصْفِ وَهُوَ تَصَرُّفٌ
إقراره إذا قال المقر له: هي جياد؛ لأنه ردَّ إقراره بالزيوف، وادعى عليه الجياد وهو ينكر.
ولنا: أنهما تصادقا على الأصل.
قوله: (ولو قال: اغتصبت) إلى قوله: (وصل أم فصل) وقال الشافعي وأحمد: إذا أقر بمال غصبًا أو وديعة ثم قال مفصولًا: هي زيوف أو نبهرجة؛ لم يصدق، وهو رواية عن أبي يوسف في الغصب.
قوله: (كان القول له) أي: لراد المغصوب؛ لأن الاختلاف متى وقع في صفة المقبوض فالقول للقابض ضمينا كان أو أمينًا.
قوله: (اعتبارًا بالقرض) إذ المستقرض والمغصوب مضمونان بالغصب.
قوله: (لأن الستوقة ليست من جنس الدراهم) ولهذا لا يجوز التجوز بها في الصرف والسلم، ولكن اسم الدراهم يتناولها مجازا، فكان تغييرا، فصح موصولا لا مفصولًا.
قوله: (في هذا كله) أي: في البيع والقرض والغصب، ثم قال: (إلا أنه ينقص كذا) بأن قال: عليَّ ألف درهم إلا أنها وزن خمسة أو ستة؛ فإنه يصح إذا وصل؛ لأنه استثنى المقدار فيصح موصولا؛ إذ اللفظ يتناول المقدار دون
[ ٦ / ٩١٧ ]
لَفْظِيٌّ كَمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانَ الفَصْلُ ضَرُورَةَ انْقِطَاعِ الكَلَامِ فَهُوَ وَاصِلٌ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ.
(وَمَنْ أَقَرَّ بِغَصْبٍ ثَوْبٍ، ثُمَّ جَاءَ بِثَوْبِ مَعِيبٍ: فَالقَوْلُ قَوْلَهُ) لِأَنَّ الغَصْبَ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّلِيم.
(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَخَذْتُ مِنْكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَهَلَكَتْ، فَقَالَ: لَا، بَلْ أَخَذْتَهَا غَصْبًا، فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ قَالَ: أَعْطَيْتَنِيهَا وَدِيعَةً، فَقَالَ: لَا، بَلْ غَصَبْتَنِيهَا لَمْ يَضْمَنْ) وَالفَرْقُ: أَنَّ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَهُوَ الْأَخْذُ ثُمَّ ادَّعَى مَا
الزيافة؛ لأنه وصف، فلا يتناوله اللفظ، والاستثناء يصرف في الملفوظ لا في غيره.
قوله: (ضرورة انقطاع الكلام) بسبب انقطاع النفس أو أخذ السعال، وما أشبه ذلك، فعن أبي يوسف: أنه يصح وصله بعد ذلك، وعليه الفتوى، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن الإنسان قد يحتاج أن يتكلم بكلام كثير، ويذكر الاستثناء في آخره، ولا يمكنه أن يتكلم بجميع ذلك في نفس واحد، فكان عفوا. ذكره قاضي خان وغيره.
قوله: (فهو ضامن) أي: المقر ضامن، والقول للمقر له مع يمينه؛ لأن المقر أقر بالأخذ الموجب للضمان، ثم ادعى ما يوجب البراءة منه، وهو الإذن بالأخذ، والمقر له ينكر الأخذ بالإذن، فكان القول له مع يمينه إلا أن ينكل المقر له عن يمينه فحينئذ لا ضمان على المقر، وبه قال القفال من أصحاب الشافعي. وقال الشافعي: القول قول المقر مع يمينه؛ لعدم تبعيض الإقرار، وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك.
وفي شرح الوجيز: وهو ظاهر المذهب لا يخفى، وفيما قاله القفال قولًا تبعيض الإقرار (^١).
قوله: (أقر بسبب الضمان) لقول ﵇: على اليد ما أخذت حتى ترد (^٢)،
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٣٣٨)، وفيه: وعلى ما ذكره القَفَّالُ يجيء فيه القولان في تبعيض الإقرار، وظاهر المذهب لا يخفى.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٦) رقم (٣٥٦١)، والترمذي (٣/ ٥٥٨ رقم ١٢٦٦)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٢ رقم ٢٤٠٠) من حديث سمرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
[ ٦ / ٩١٨ ]
يُبْرِثُهُ وَهُوَ الإِذْنُ، وَالآخَرُ يُنْكِرُهُ، فَيَكُونُ القَوْلُ لَهُ مَعَ اليَمِينِ. وَفِي الثَّانِي: أَضَافَ الفِعْلَ إِلَى غَيْرِهِ، وَذَاكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ سَبَبَ الضَّمَانِ، وَهُوَ الغَصْبُ، فَكَانَ القَوْلُ لِمُنْكِرِهِ مَعَ اليَمِينِ وَالقَبْضُ فِي هَذَا كَالأَخْذِ وَالدَّفْعُ كَالإِعْطَاءِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِعْطَاؤُهُ وَالدَّفْعُ إِلَيْهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَبْضِهِ، فَنَقُولُ: قَدْ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَوْ اقْتَضَى ذَلِكَ فَالمُقْتَضَى ثَابِتٌ ضَرُورَةً فَلَا يَظْهَرُ فِي انْعِقَادِهِ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: أَخَذْتُهَا مِنْكَ وَدِيعَةً، وَقَالَ الآخَرُ: لَا بَلْ قَرْضًا حَيْثُ يَكُونُ القَوْلُ لِلْمُقِرِّ وَإِنْ أَقَرَّ بِالأَخْذِ، لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا هُنَالِكَ عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ كَانَ بِالإِذْنِ، إِلَّا أَنَّ المُقَرَّ لَهُ يَدَّعِي سَبَبَ الضَّمَانِ وَهُوَ القَرْضُ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ فَافْتَرَقَا.
وهذا تناول رد العين حال بقائها، ورد المثل حال زوالها؛ لكون المثل قائما مقام الأصل.
وقوله: (وديعة) (^١) رجوع عما أقر به؛ لأنه دعوى الإبراء، فلا يصدق بلا بينة، كدعوى المشتري بأجل الثمن بعد ما أقر به.
فإن قيل: ينبغي أن يصدق ويجعل قوله: (وديعة) بيان تغيير، كما لو قال: لفلان علي ألف وديعة.
قلنا: صدر الكلام هنا يوجب الغصب على ما ذكرنا فلا يحتمل الوديعة، فكان قوله: (وديعة) دعوى مبتدأة لا بيان ما احتمله صدر الكلام، فأما قوله: الفلان عليَّ (ألف) يحتمل الوديعة؛ يعني على حنطة فكان قوله: (وديعة) بيان تغيير، فيصدق موصولًا. كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
قوله: (والقبض في هذا) أي: في الإقرار (كالأخذ) بأن قال: قبضت منك ألفًا وديعة (والدفع كالإعطاء) يعني: لو قال: دفعتني بمنزلة قوله: أعطيتني.
قوله: (فلا يظهر في انعقاده سبب الضمان لأن الثابت بالضرورة عدم في غير موضعها، وقال الآخر: لا بل قرضًا، وهكذا أيضًا في البيع مكان القرض .. يكون القول للمقر) أي: مع يمينه بلا خلاف.
قوله: (لأنه) أي: المقر أقرَّ باليد لفلان، وأقر بالأخذ منه، والسبيل في
_________________
(١) انظر المتن ص ٩١٨.
[ ٦ / ٩١٩ ]
(وَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ كَانَتْ وَدِيعَةً لِي عِنْدَ فُلَانٍ فَأَخَذْتَهَا، فَقَالَ فُلَانٌ: هِيَ لِي، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِاليَدِ لَهُ وَادَّعَى اسْتِحْقَاقَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَجَرْتُ دَابَّتِي هَذِهِ فُلَانًا فَرَكِبَهَا وَرَدَّهَا، أَوْ قَالَ: آجَرْتُ ثَوْبِي هَذَا فُلَانًا فَلَبِسَهُ وَرَدَّهُ، وَقَالَ فُلَانٌ، كَذَبْتَ وَهُمَا لِي: فَالقَوْلُ قَوْلُهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: القَوْلُ قَوْلُ الَّذِي أُخِذَ مِنهُ الدَّابَّةُ وَالثَّوْبُ) (*) وَهُوَ القِيَاسُ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الإِعَارَةُ وَالإِسْكَانُ.
(وَلَوْ قَالَ: خَاطَ فُلَانٌ ثَوْبِي هَذَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَبَضْتُهُ، وَقَالَ فُلَانٌ: الثَّوْبُ ثَوْبِي، فَهُوَ عَلَى هَذَا الخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ) وَجْهُ القِيَاسِ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الوَدِيعَةِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الفَرْقُ: أَنَّ اليَدَ فِي الإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ ضَرُورِيَّةٌ، تَثْبُتُ ضَرُورَةَ اسْتِيفَاءِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ المَنَافِعُ، فَيَكُونُ عَدَمًا فِيمَا وَرَاءَ الضَّرُورَةِ فَلَا يَكُونُ إِقْرَارًا لَهُ بِاليَدِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الوَدِيعَةِ، لِأَنَّ اليَدَ فِيهَا مَقْصُودَةٌ، وَالإِيدَاعُ إِثْبَاتُ اليَدِ قَصْدًا، فَيَكُونُ الإِقْرَارُ بِهِ اعْتِرَافًا بِاليَدِ لِلْمُودِعِ.
الأخذ الرد على المأخوذ منه.
وقوله: (وديعة لي دعوى الاستحقاق عليه، وهو ينكر؛ فالقول للمنكر بلا خلاف.
قوله: (فالقول له) أي: قول المقر، يعني إذا كذبه فلان، وقال: هو لي. (وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد القول للذي أخذ منه الدابة والثوب) والدار للمقر، فقال: أعرته فلانا وقبضته؛ فالقول للمقر بالإجماع.
قوله: (هو على هذا الاختلاف في الصحيح) واحترز به عن قول بعضهم، فإنهم قالوا: القول في هذا قول المقر بالإجماع، فيكون ذلك دليلا لأبي حنيفة، ولكن مشايخنا قالوا: هو على الاختلاف أيضًا. إليه أشار في المبسوط.
قوله: (ما بيناه في الوديعة) وهو قوله: إن المقر أقر باليد لفلان، ثم ادعى الاستحقاق عليه، فوجب عليه الرد كما في الوديعة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٩٢٠ ]
وَوَجْهُ آخَرُ: أَنَّ فِي الإِجَارَةِ وَالإِعَارَةِ وَالإِسْكَانِ أَقَرَّ بِيَدٍ ثَابِتَةٍ مِنْ جِهَتِهِ، فَيَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ فِي كَيْفِيَّتِهِ. وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الوَدِيعَةِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا كَانَتْ وَدِيعَةً، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: أَوْدَعْتِهَا، كَانَ عَلَى هَذَا الخِلَافِ، وَلَيْسَ مَدَارُ الفَرْقِ عَلَى ذِكْرِ الأَخْذِ فِي طَرَفِ الوَدِيعَةِ وَعَدَمِهِ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ وَهُوَ الإِجَارَةُ وَأُخْتَاهُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الأَخْذَ فِي وَضْعِ الطَّرَفِ الْآخَرِ فِي كِتَابِ الإِقْرَارِ أَيْضًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: اقْتَضَيْت مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ لِي عَلَيْهِ، أَوْ أَقْرَضْتَه أَلْفًا ثُمَّ أَخَذْتُهَا مِنْهُ، وَأَنْكَرَ المُقَرُّ لَهُ حَيْثُ يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ، لِأَنَّ الدُّيُونَ
قوله: (في كيفيته) لأنه أقر فيما في يده بإيجاب اليد لغيره فيقبل قوله، كما لو كان في يده عبد فقال: هذا عبدي، بعته من فلان ولم أسلمه إليه بعد، فقال المقر له: بل عبدي؛ لم أشتره.
قوله: (وقد تكون من غير صنعه) بأن هبت الريح وألقته في داره، وكاللقطة أمانة ووديعة في يده وإن لم يدفعها إليه صاحبها، وكذا المودع إذا مات تصير الوديعة في يد وارثه وديعة وإن لم يدفع إليه صاحبها.
وقوله: (وليس مدار الفرق على ذكر الأخذ) هذا احتراز عن قول الإمام علي القمي، فإنه ذكر في الفرق أنه في مسألة الوديعة قال: أخذتها منه، فلزمه جزاؤه، وجزاء الأخذ الرد، وهنا قال: فردها علي فافترقا؛ لافتراقهما في الوضع. كذا في جامع المحبوبي.
وهذا ليس بشيء؛ لأنه ذكر الأخذ في موضع الآخر.
(وهو الإجارة وأختاه)، وهما الإسكان والإعارة.
وذكر الإمام قاضي خان وجهًا آخر ما ذكره في الكتاب، وهو أن في الإجارة والإعارة لو أخذنا المؤجر والمعير بإقرارهما يمتنع الناس عن الإجارة والإعارة، فلا يؤاخذ بإقرارهما استحسانًا؛ كيلا تنقطع الإجارة والإعارة، وأما في الوديعة فمنفعة الإيداع تعود إلى المالك، فلو أخذنا المالك بإقراره لا ينقطع الإيداع.
قوله: (حيث يكون القول قوله) أي: قول المقر له مع يمينه (لأن الديون
[ ٦ / ٩٢١ ]
تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضِ مَضْمُونٍ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالِاقْتِضَاءِ فَقَدْ أَقَرَّ بِسَبَبٍ الضَّمَانِ، ثُمَّ ادَّعَى تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الدَّيْنِ مُقَاصَّةً وَالآخَرُ يُنْكِرُهُ، أَمَّا هَاهُنَا المَقْبُوضُ عَيْنُ مَا ادَّعَى فِيهِ الإِجَارَةَ وَمَا أَشْبَهَهَا فَافْتَرَقَا، لَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا زَرَعَ هَذِهِ الأَرْضَ أَوْ بَنَى هَذِهِ الدَّارَ أَوْ غَرَسَ هَذَا الكَرْمَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي يَدِ المُقِرِّ فَادَّعَاهَا فُلَانٌ وَقَالَ المُقِرُّ: لَا، بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ لِي اسْتَعَنْتُ بِكَ فَفَعَلْتَ، أَوْ فَعَلْتَهُ بِأَجْرٍ، فَالقَوْلُ لِلْمُقِرِّ، لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ لَهُ بِاليَدِ وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِمُجَرَّدِ فِعْلٍ مِنهُ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مِلْكِ فِي يَدِ المُقِرِّ وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: خَاطَ لِي الخَيَّاطُ قَمِيصِي هَذَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ: قَبَضْتَه مِنهُ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِاليَدِ وَيَكُونُ القَوْلُ لِلْمُقِرِّ: لَمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ مِنهُ وَقَدْ يَخِيطُ ثَوْبًا فِي يَدِ المُقِرِّ كَذَا هَذَا.
تقضى بأمثالها) بقبض مضمون، فكان مقرا بقبض مال الغير، وهو سبب الضمان، ثم ادعى ما يبرئه، وهو المقاصة، والآخر ينكر، فكان القول للمنكر، وهنا المقبوض عين ما ادعى فيه الإجارة ونحوها، فوضح الفرق.
وروى أبو يوسف عن ابن أبي ليلى أنه قال: لا ينبني على المقر؛ لأنه ما أقر بشيء على نفسه؛ بل أقر بوصول حقه إليه، وذلك غير ملزم عليه شيئًا.
وقلنا: الاقتضاء عبارة عن قبض مال مضمون من ملك الغير؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فكان مقرا بقبض مال الغير، وهو سبب الضمان، ثم ادعى ما يبرئه عنه، وهو المقاصة، والآخر ينكر كما ذكرنا. ذكره في المبسوط (^١).
قوله: (فادعاها فلان) وهو المقر له، وقال: إنها لي؛ فالقول للمقر؛ لظهور يده في الحال، ولم يقر بأنه كان في يد الغير من قبل، وإنما أقر بمجرد فعله فيه، وذا لا يدل على اليد؛ لأن العمل قد يكون من المعين، والأجير والعين في يد صاحبها.
واحترز بقوله: وإنما الرد بمجرد الفعل، كما لو أقر أن فلانا ساكن في هذا البيت، وادعى فلان البيت؛ فإنه يقضى به للساكن على المقر؛ لأن السكنى تثبت اليد للساكن على المسكن، فكان إقرار اليد للغير مع الفعل، وإقراره حجة عليه، وما يثبت بإقراره كالمعاين في حقه. ذكره في المبسوط.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٥/ ١١٣).
[ ٦ / ٩٢٢ ]