قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ فِي البَيْعِ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَمَنًا وَادَّعَى البَائِعُ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ اعْتَرَفَ البَائِعُ بِقَدْرِ مِنْ المَبِيعِ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَكْثَرَ مِنْهُ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا البَيِّنَةَ: قُضِيَ لَهُ بِهَا) لِأَنَّ فِي الجَانِبِ الآخَرِ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى، وَالبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنهَا (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بَيِّنَةً كَانَتْ البَيِّنَةُ المُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى) لِأَنَّ البَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ، وَلَا تَعَارُضَ فِي الزِّيَادَةِ (وَلَوْ كَانَ الاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَالمَبِيعِ جَمِيعًا، فَبَيِّنَةُ البَائِعِ أَوْلَى فِي الثَّمَنِ، وَبَيِّنَةُ المُشْتَرِي أَوْلَى فِي المَبِيعِ) نَظَرًا إِلَى زِيَادَةِ الإِثْبَاتِ.
الناس إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكرًا، يستطيع أن يُوسِعَه عذرا.
قوله: (لأنه) أي: المدعي أسقط حقه بالفداء والصلح؛ لأنه أخذ بدله، أما لو اشترى يمينه بعشرة دراهم لم يجز، وله أن يستحلفه؛ لأن الشراء عقد تمليك المال واليمين ليست بمال. ذكره قاضي خان والمرغيناني والمحبوبي.
بَابُ التَّحَالُفِ
لما ذكر حكم يمين الواحد ذكر حكم يمين الاثنين؛ إذ الاثنين بعد الواحد.
قوله: (ولو كان الاختلاف في الثمن والمبيع جميعًا) أي: في قدرهما.
وفي المبسوط: صورته: قال البائع: بعتك هذه الجارية بمائة دينار، وقال المشتري: بعتني معها هذا الوصيف بخمسين دينارًا، وأقاما البينة، فهما جميعًا للمشتري بمائة دينار، أو يقضى بالعقدين؛ لأن كل واحد منهما يثبت زيادة في حقه، فيثبته كل واحد على ما يثبت من الزيادة في حقه مقبولة (^١).
وقيل: هذا قول أبي حنيفة الآخر، أما قال أولا: يقضى بهما للمشتري بمائة وخمسة وعشرين دينارًا، وهو قول زفر، ونظير هذه المسألة في الإجارات.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٣/¬٣٥).
[ ٦ / ٧٨٨ ]
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، قِيلَ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَرْضَى بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ البَائِعُ وَإِلَّا فَسَخْنَا البَيْعَ، وَقِيلَ لِلْبَائِعِ: إِمَّا أَنْ تُسَلَّمَ مَا ادَّعَاهُ المُشْتَرِي مِنْ المَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا البَيْعَ لِأَنَّ المَقْصُودَ قَطْعُ المُنَازَعَةِ، وَهَذِهِ جِهَةٌ فِيهِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَرْضَيَانِ بِالفَسْخِ، فَإِذَا عَلِمَا بِهِ يَتَرَاضَيَانِ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا اسْتَحْلَفَ الحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى الآخَرِ) وَهَذَا التَّحَالُفُ قَبْلَ القَبْضِ عَلَى وِفَاقِ القِيَاسِ، لِأَنَّ
أما لو اختلفا في جنس الثمن بأن قال البائع: بعتك هذه الجارية بعبدك، وقال: اشتريتها بمائة دينار، وأقاما البينة لزم المشتري البيع بالعبد، وتقبل بينة البائع دون المشتري؛ لأن حق المشتري في الجارية ثابت باتفاقهما، وإنما الاختلاف في حق البائع، وبينته تثبت الحق لنفسه في العبد، وبينة المشتري تبقي ذلك، والبينات للإثبات.
قوله: (فإذا علما به) أي: بالفسخ (يتراضيان) أي: بما ادعى كل واحد منهما.
(وهذا التحالف قبل القبض) أي: قبض المشتري السلعة (موافق القياس) هذا الذي ذكره اختيار أبي حازم القاضي.
أما في أصل رواية المبسوط لم يَشْتَرِط - في [أن] (^١) التحالف مخالف للقياس - هذا الشرط، حيث قال: إذا اختلفا في الثمن، والسلعة قائمة، يتحالفان استحسانًا، والقياس: القول للمشتري؛ لأنهما اتفقا على أصل البيع، وادعى البائع الزيادة في الثمن، والمشتري منكر، فالقول له مع يمينه؛ لقوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (^٢) لكن تُرِكَ القياس بالسنة، والمروي حديثان:
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٢٣ رقم ١٦٨٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ». والترمذي (٣/¬١٩ رقم ١٣٤١) بلفظ: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، ومحمد بن عبيد الله العرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه ضعفه ابن المبارك وغيره. =
[ ٦ / ٧٨٩ ]
البَائِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ، وَالمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ، وَالمُشْتَرِيَ يَدَّعِي وُجُوبَ تَسْلِيمِ المَبِيعِ بِمَا نَقَدَ، وَالبَائِعَ يُنْكِرُهُ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْكِرٌ فَيَحْلِفُ؛ فَأَمَّا بَعْدَ القَبْضِ فَمُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، لِأَنَّ المُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي شَيْئًا، لِأَنَّ المَبِيعَ سَالِمٌ لَهُ فَبَقِيَ دَعْوَى البَائِعِ فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ، وَالمُشْتَرِي يُنْكِرُهَا، فَيُكْتَفَى بِحَلِفِهِ، لَكِنَّا عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا تَحَالَنَا وَتَرَادَّا». (وَيَبْتَدِئُ بِيَمِينِ المُشْتَرِي) وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ المُشْتَرِيَ أَشَدُّهُمَا إِنْكَارًا، لِأَنَّهُ يُطَالِبُ أَوَّلًا بِالثَّمَنِ،
أحدهما: ما روى ابن مسعود أنه ﵇ قال: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، فَالقَوْلُ مَا يَقُولُهُ البَائِعِ، وَيَتَرادَّانِ» (^١).
والثاني: ما روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «إذا اختلفا تحالفا وترادًا» (^٢) والحديث مشهور صحيح يُترك القياس به.
فإن قيل: مخصوص في الأجل وشرط الخيار، حيث لا تحالف ثمة إذا اختلفا فيهما.
قلنا: ليس بمخصوص؛ لأن المراد من الاختلاف في البيع (^٣): الاختلاف في المبيع أو الثمن؛ إذ قيام البيع (^٤) بهما، كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
وقوله: (وهو الصحيح) احتراز عن قول أبي يوسف الأول، كما يجيء، وبالصحيح قال زفر والشافعي في وجه.
قوله: (لأنه يطالب بالثمن أولا) فيكون بادئًا بالإنكار، والبادئ أظلم، فيكون إنكاره في أزمنة ما يتحقق فيه إنكار البائع فيها، ولأن إنكار البائع مبني
_________________
(١) = وأخرج البخاري (٣/ ١٤٣ رقم ٢٥١٤)، ومسلم (٣/ ١٣٣٦ رقم ١٧١١) من حديث ابن عباس ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٨٥) رقم (٣٥١١)، وابن ماجه (٢/ ٧٣٧ رقم ٢١٨٦)، والحاكم (٢/ ٥٢ رقم ٢٢٩٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٣٣) رقم (١١١٢٨) من حديث عبد الله بن مسعود ﵄. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
(٣) قال ابن حجر: أما رواية التحالف فاعترف الرافعي في التذنيب أنه لا ذكر لها في شيء من كتب الحديث، وإنما توجد في كتب الفقه. التلخيص الحبير (٣/ ٨٤).
(٤) بعدها في النسختين: (أو) ويستقيم السياق بحذفها.
(٥) في الأصل: (المبيع) وما أثبتناه من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٩٠ ]
وَلِأَنَّهُ يَتَعَجَّلُ فَائِدَةَ النُّكُولِ وَهُوَ إِلْزَامُ الثَّمَنِ، وَلَوْ بُدِئَ بِيَمِينِ البَائِعِ تَتَأَخَّرُ المُطَالَبَةُ بِتَسْلِيمِ المَبِيعِ إِلَى زَمَانِ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ. وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ أَوَّلًا: يَبْدَأُ بِيَمِينِ البَائِعِ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ فَالقَوْلُ مَا قَالَهُ البَائِعُ» خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، وَأَقَلُّ فَائِدَتِهِ التَّقْدِيمُ.
(وَإِنْ كَانَ بَيْعَ عَيْنٍ بِعَيْنٍ، أَوْ ثَمَنٍ بِثَمَنٍ، بَدَأَ القَاضِي بِيَمِينِ أَيْهِمَا شَاءَ) لِاسْتِوَائِهِمَا (وَصِفَةُ اليَمِينِ: أَنْ يَحْلِفَ البَائِعُ بِاللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ، وَيَحْلِفَ المُشْتَرِي
على إنكار المشتري، ولأنه أنكر شيئين: أصل الوجوب والأداء في الحال. كذا ذكره قاضي خان.
(ولأنه يتعجل فائدة النكول)، واليمين شرعت لفائدة النكول، حتى لا يُستحلَفُ فيما لا يستوفى بالنكول، ونكول المشتري بتعجيل فائدته، وهو تسليم الثمن، فبنكول البائع تتأخر فائدته؛ لأن تسليم المبيع يؤخر إلى زمان استيفاء الثمن؛ لأنه يقال له: أمسك المبيع حتى تستوفي الثمن، فكان تقديم ما تعجل فائدته بالنكول أولى.
قوله: (أولا يبدأ بيمين البائع) وبه قال الشافعي في الأصح ومالك وأحمد.
قوله: (فخصه) أي: النبي ﵇ خص البائع (بالذكر) وجعل القول قوله، وهذا يقتضي الاكتفاء بمينيه، فإن (^١) لا يُكتفى بيمينه فلا [أقل من] (^٢) أن يُبدأ بيمينه. كذا في المبسوط (^٣).
ولأن المقصود من اليمين النكول، وبنكوله يقطع المنازعة بنفسه، وبنكول المشتري لا يقطع، ولكن يجبر على ما إذا ادعى البائع من الألفين، واليمين لقطع المنازعة، وقيل: يقرع بينهما، وقيل: هذا يمين الزوج في النكاح عند أبي حنيفة ومحمد؛ تعجيلا لفائدة النكول، كما في المشتري، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وقد ذكر في النكاح أنه يقرع بينهما في النداء.
قوله: (بدأ القاضي بأيهما شاء) وبه قال الشافعي في كل البيوع في وجه (لاستوائهما) أي: [في] (^٤) فائدة النكول.
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية، وفي المبسوط: (فإن كان).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) المبسوط للسرخسي (١٣/¬٣٠).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٩١ ]
(بِاللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ) وَقَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَلَقَدْ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ، يَحْلِفُ المُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ وَلَقَدْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ يُضَمُّ الإِثْبَاتُ إِلَى النَّفْيِ تَأكِيدًا، وَالأَصَحُ: الاقْتِصَارُ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى ذَلِكَ وُضِعَتْ، دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ القَسَامَةِ «بِاللَّهِ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا عَلِمْتُمْ لَهُ قَائِلًا». قَالَ: (فَإِنْ حَلَفَا فَسَخَ القَاضِي البَيْعَ بَيْنَهُمَا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَبْقَى بَيْعَ مَجْهُولٍ فَيَفْسَخُهُ القَاضِي قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ. أَوْ يُقَالُ. إِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْبَدَلُ يَبْقَى بَيْعًا بِلَا بَدَلٍ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَا بُدَّ مِنْ الفَسْخِ فِي البَيْعِ الفَاسِدِ.
قوله: (يضم الإثبات إلى النفي بيانه أنه لو حلف المشتري بالله ما اشتراه بألفين، ربما يحلف ويكون بارا في يمينه، فلعله اشتراه بألف وتسعمائة فيبطل حق البائع في الزيادة، وكذا البائع لو حلف بالله ما باعه بألف، ربما يحلف ويكون صادقًا لجواز أنه باعه بألف ودرهم، فيبطل حق المشتري.
لأن الأيمان على ذلك وُضِعَتْ) أي: على النفي لا على الإثبات؛ لأنه لم يثبت ما ادعاه كل واحد منهما، حتى [إذا] (^١) اصطلحا على شيء تُرِكا على ذلك، ولا عبرة بذلك الوهم؛ لأن البائع لو كان باعه بألف وتسعمائة لا يدعي البيع بألفين؛ لأنه يعلم أن المشتري متى حلف على دعواه لا يبالي من الحلف؛ لأنه لا يحنث في يمينه، وكذا المشتري لو اشتراه بألف ودرهم لا يدعي الشراء بألف؛ لأنه يعلم أن البائع لا يبالي من الحلف على ألف؛ لأنه لا يحنث في يمينه.
قوله: (فسخ القاضي البيع) إن طلبا أو طلب أحدهما، حتى لو رضيا بترك الدعوى لم ينفسخ، وقيل: ينفسخ بنفس التحالف، وبه قال الشافعي في وجه، والصحيح أنه لا ينفسخ، وبه قال الشافعي في الأصح، والقاضي يفسخه، وهو المشهور عنه، وفي وجه يفسخه أحد العاقدين.
قوله: (ولا بد من الفسخ في فاسد البيع) وفيما لم يفسخاه فلا بد أن يقوم القاضي مقامهما في الفسخ.
وفي المبسوط (^٢): إنما يفسخ القاضي البيع عند طلب أحدهما، فما لم
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٣/¬٣٢).
[ ٦ / ٧٩٢ ]
قَالَ: (وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا عَنْ اليَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى الآخَرِ) لِأَنَّهُ جُعِلَ بَاذِلًا فَلَمْ يَبْقَ دَعْوَاهُ مُعَارِضًا لِدَعْوَى الْآخَرِ فَلَزِمَ القَوْلُ بِثُبُوتِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الأَجَلِ، أَوْ فِي شَرْطِ الخِيَارِ،
يفسخ حل للمشتري وطء المشتراة، ولو فسد البيع بالتحالف لما حل ولما تأخر حكم الفسخ إلى طلب أحدهما، ولا يفسخ النكاح؛ لأن أثر التحالف في بطلان التسمية، وذا لا يحل بصحة النكاح؛ إذ المهر تابع فيه، وفي البيع عدم التسمية ثَم إذا لم يفسخ النكاح بحكم مهر المثل، وقد مرَّ في النكاح، فيجيء بعد أيضًا.
قوله: (وإن اختلفا في الأجل) إلى آخره، وكذا لو اختلفا في قدر الأجل، أو قدر شرط الخيار، أو شرط الرهن، أو شرط الضمان، أو العهدة بالمال - فلا تحالف عندنا، وبه قال أحمد. وقال زفر والشافعي ومالك: تحالفا، ولو اختلفا في أصل البيع لم يتحالفا بالإجماع. لزفر إطلاق النص.
قلنا: علق وجوب التحالف باختلافهما فيما يثبت به البيع، والبيع يثبت بالمبيع والثمن لا بالأجل، فكأنه قال: إذا اختلف المتبايعان في المبيع أو الثمن تحالفا، وفيما وراءهما يؤخذ بالقياس، والقياس: القول للمنكر.
فإن قيل: الأجل يوجب نقصًا في الثمن، فكان ذلك اختلافًا في وصف الثمن.
قلنا: الأجل ليس بوصف للثمن، بدليل أن الأجل يمضي والثمن موجود مستحق، ولو كان وصفًا له لتبعه، كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
ولأن أصل الثمن حق البائع، والأجل حق المشتري، ولو كان وصفًا للثمن لكان تابعًا للأصل وحقا للبائع.
وفي المبسوط: فرق أبو حنيفة بين هذا وبين الأجل في باب السلم، حيث جعل هناك القول قول مدعي الأجل، وهنا القول لمنكره، والفرق أنه جعل هناك الأجل من شرائط صحة العقد، فإقراره بالعقد إقرار بما هو شرط، فإذا أنكر فقد رجع عن الإقرار، فلا يصدق، ولو اختلفا في مُضِيّ الأجل فالقول للمشتري؛ لأن الأجل حقه، وهو منكر استيفاء حقه. ذكره في المبسوط (^١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٣/¬٣٥).
[ ٦ / ٧٩٣ ]
أَوْ فِي اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ، فَلَا تَحَالُفَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي غَيْرِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالمَعْقُودِ بِهِ، فَأَشْبَهَ الاخْتِلَافَ فِي الحَطِّ وَالإِبْرَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ بِانْعِدَامِهِ لَا يَخْتَلُّ مَا بِهِ قِوَامُ العَقْدِ، بِخِلَافِ الاخْتِلَافِ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ وَجِنْسِهِ، حَيْثُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الاخْتِلَافِ فِي القَدْرِ فِي جَرَيَانِ التَّحَالُفِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الثَّمَنِ، فَإِنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ وَهُوَ يُعْرَفُ بِالوَصْفِ، وَلَا كَذَلِكَ الأَجَلُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ
قوله: (في استيفاء بعض الثمن) وكذا لو اختلفا في استيفاء كل الثمن فالحكم كذلك، حيث يكون اليمين على البائع لا غير، وإنما لم يذكره؛ لأن ذلك مفروغ منه باعتبار أنه صار ذلك بمنزلة سائر الدعاوى.
قوله: (فأشبه الاختلاف في الحط) يعني إذا اختلفا في حط بعض الثمن، أو إبراء كل الثمن لم يتحالفا، فكذا إذا اختلفا في الأجل وشرط الخيار (وهذا لأن بانعدامه) أي: بانعدام ما ذكرنا من الأجل أو شرط [الخيار] (^١) أو استيفاء بعض الثمن (لا يختل ما به قوام العقد) وهو المبيع والثمن؛ إذ العقد بلا أجل وشرط جائز، فبعد التحالف يبقى عقدا بلا أجل وشرط، ولأنه لا يوجب الفساد.
وفي جامع قاضي خان: الاختلاف في الثمن والمبيع يوجب اختلاف العقد، ولهذا لو شهد أحدهما بالبيع بألف درهم، والآخر بالبيع بالدنانير لا يقبل؛ لاختلاف العقد، ولو شهد أحدهما بالبيع بألف إلى أجل، والآخر بالبيع بألف يقضى بالبيع بألف حالة، وكذا لو شهد أحدهما بالشرط، والآخر بالبيع بلا ذكر شرط جازت الشهادة في وصف الثمن.
(يرجع إلى نفس الثمن؛ لأن الثمن دين، وهو يعرف بالوصف) فلما اختلفا في وصف هو معرف صار كالاختلاف في المعرف، وهو الثمن.
(لأنه) أي: الأجل (ليس بوصف) بل هو أصل بنفسه، لكنه يثبت بواسطة الشرط، وقد بينا أنه ليس بوصف الثمن.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٩٤ ]
الثَّمَنَ مَوْجُودٌ بَعْدَ مُضِيِّهِ (وَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الخِيَارَ وَالأَجَلَ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ بِعَارِضِ الشَّرْطِ وَالقَوْلُ لِمُنْكِرِ العَوَارِضِ.
قَالَ: (فَإِنْ هَلَكَ المَبِيعُ ثُمَّ اخْتَلَفَا، لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ البَيْعُ (*) عَلَى قِيمَةِ الهَالِكِ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: ﵀، وَعَلَى هَذَا إِذَا خَرَجَ المَبِيعُ عَنْ مِلْكِهِ، أَوْ صَارَ بِحَالٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ بِالعَيْبِ. لَهُمَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا يَدَّعِي غَيْرَ العَقْدِ الَّذِي يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ وَالآخَرُ يُنْكِرُهُ، وَأَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ فَيَتَحَالَفَانِ؛ …
قوله: (فإن هلك المبيع) بعد قبض المشتري لا قبل قبضه ينفسخ العقد بهلاكه (ثم اختلفا) أي: في مقدار الثمن. هكذا ذكر في المبسوط.
قوله: (والقول قول المشتري) وبه قال مالك في رواية، وأحمد في رواية.
قوله: (وهو قول الشافعي) وبه قال مالك في رواية، واختاره صاحب الجواهر، وأحمد في رواية، ولمالك أربع روايات إذا اختلفا في مقدار الثمن: اثنتان ما ذكرنا، والثالثة: يتحالفان قبل قبض المشتري السلعة، والرابعة: يتحالفان بعد القبض ما لم يبن بها.
قوله: [لهما] (^١) أي: لمحمد والشافعي قوله ﵇: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانَ تحالفًا وتَرادًا» وما ذكر في بعض رواية الحديث: «والسلعة قائمة» فذلك مذكور على سبيل التنبيه، أي: تحالفا وإن كانت قائمة، ولا يقال: قوله «وتَرَادًا» قرينة أنه حال قيام السلعة؛ لأن المراد من التَّرادُّ تَرادُّ العوضين لا تراد العقد، ولأن النص معلول بعلة أن كل واحد منهما يدعي عقدًا غير الذي يدعيه الآخر، والآخر ينكر؛ إذ البيع يختلف باختلاف الثمن، فعدينا إلى حال الهلاك، ويكون التَّرادُّ بالقيمة؛ لأن قيمة الشيء تقوم مقامه، وتندفع الزيادة عن المشتري لو نكل البائع، فكان التحالف مقيدًا.
وقوله: (وأنه يفيد دفع زيادة الثمن) جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: ما
_________________
(١) (*) الراجح قول الشيخين.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٩٥ ]
كَمَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّ التَّحَالُفَ بَعْدَ القَبْضِ عَلَى خِلَافِ القِيَاسِ، لِأَنَّهُ سَلَّمَ لِلْمُشْتَرِي مَا يَدَّعِيهِ وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَالتَّحَالُفُ فِيهِ يُفْضِي إِلَى الفَسْخِ، وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِهَا لِارْتِفَاعِ العَقْدِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُبَالِي
فائدة التحليف عندك، فإن فائدته التراد، وامتنع التراد بالهلاك؟ فقال: بل فيه فائدة دفع الزيادة التي يدعيها البائع على تقدير نكول المشتري.
فإن قيل: هذا يحصل بتحليف المشتري حينئذ، فما فائدة تحليف البائع؟
قلنا: لم يحصل تمام الفائدة بتحليف المشتري، فإن المشتري إذا نكل يلزمه ما ادعاه للبائع، [والبائع] (^١) إذا نكل يندفع عن المشتري ما ادعاه البائع من الزيادة، فيتحالفان.
قوله: (كما إذا اختلفا في جنس الثمن) بأن قال أحدهما: دراهم، وقال الآخر: دنانير، بعد هلاكه - تحالفا، ولزم المشتري رد القيمة. ذكره في الأسرار.
قوله: (ولأبي حنيفة وأبي يوسف) قوله ﵇: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، تَحالَفا وتَرَادًا» (^٢).
وقوله: «والسلعة قائمة» مذكور على وجه الشرط؛ لأن الواو للحال، والأحوال شروط، والمطلق يحمل على المقيد إذا ورد في حادثة واحدة في حكم واحد، والتحالف بعد القبض على خلاف القياس كما ذكرنا، فلا يتعدى إلى حال هلاك السلعة؛ لأن حال هلاكها ليس كحال قيامها؛ لأن عند قيامها يندفع الضرر عن كل واحد منهما، فإنه يفسخ العقد، فيعود كل واحد منهما إلى رأس ماله بعينه، وبعد الهلاك لا يحصل ذلك؛ إذ العقد لا يحتمل الفسخ بالإقالة، وبالرد بالعيب بعد الهلاك، فكذا بالتحالف؛ إذ الفسخ لا يرد على ما ورد عليه العقد.
قوله: (ولأنه لا يبالي) إلى آخره، جواب عن قول محمد: إن كل واحد يدعي عقدًا غير العقد الذي يدعيه صاحبه، فيختلف السبب، فقلنا: (لا يبالي
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٦ / ٧٩٦ ]
بِالِاخْتِلَافِ فِي السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ المَقْصُودِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى مِنْ الفَائِدَةِ مَا يُوجِبُهُ العَقْدُ، وَفَائِدَةُ دَفْعِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ لَيْسَتْ مِنْ مُوجِبَاتِهِ … … … … .
باختلاف السبب بعد حصول المقصود) وهو سلامة المبيع للمشتري، حيث سلم له وهلك على ملكه، سواء كان الأمر على ما زعم هو أو البائع، فَلَغا ذِكْرُ السبب، كمن أقر لغيره بألف من ثمن عبد، فقال المقر له: لا بل غصبته مني ألفًا - تجب الألف على المقر وكما لو اختلفا في ألف وألفين بلا سبب، فيكون اليمين على منكر ألف الزائد.
وهذا بخلاف ما لو اختلفا في جنس الثمن؛ لأن البائع يدعي الدنانير والمشتري ينكر، والمشتري يدعي الشراء بالدراهم والبائع ينكر، وإنكاره صحيح؛ لأن المبيع لا يسلم للمشتري إلا بثمن، ولم يتفقا على ثمن، وهنا اتفقا على الألف، وهو يكفي للصحة.
قوله: (وإنما يراعى) جواب عن قول محمد من فائدة التحالف بعد هلاك المبيع، فقال: الفائدة التي قلت ليست من موجبات العقد، والفائدة المَرْعِيَّة ما يوجبه العقد، وفائدة دفع زيادة الثمن من موجبات نكول البائع لا من موجبات العقد.
وقيل: قوله: (وإنما يراعى) إلى آخره يصلح جوابًا لشبهة ترد على قول محمد، وأنه لا يبالي باختلاف السبب.
فإن قيل: هذا يشكل بما إذا ادعى أحدهما البيع والآخر الهبة - يتحالفان، ذكره في المبسوط في تعليل قول محمد.
فأجاب عنه بقوله: (وإنما يراعى من الفائدة ما يوجبه العقد) وليس التحالف هناك من موجب العقد؛ بل موجب العقد ثبوت الملك له أو للمشتري.
فإن قيل: لو اعتبرنا حصول المقصود من غير اعتبار اختلاف السبب كان ينبغي ألا يتحالفا عند قيام السلعة؛ لحصول المقصود، وهو ملك المعقود للمشتري، حتى لو كان جاريةً حل للمشتري وطؤها.
قلنا: نعم لكن يثبت ذلك بالنص على خلاف القياس.
[ ٦ / ٧٩٧ ]
وَهَذَا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا يَتَحَالَفَانِ، لِأَنَّ المَبِيعَ فِي أَحَدِ الجَانِبَيْنِ قَائِمٌ فَتُوَفَّرُ فَائِدَةُ الفَسْخِ ثُمَّ يَرُدُّ مِثْلَ الهَالِكِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، أَوْ قِيمَتَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلُ.
قَالَ: (وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُ العَبْدَيْنِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ، لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يَرْضَى البَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الهَالِكِ مِنْ الثَّمَنِ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ البَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ العَبْدَ الحَيَّ … … … … …
قوله: (هذا إذا كان الثمن دينًا) بأن كان دراهم أو دنانير أو مكيلا أو موزونا موصوفًا في الذمة (فإن كان) أي: عينًا، يعني غير ما ذكرنا، أي: بيع مقابضة (^١) فهلك المبيع، أي: أحد العوضين؛ لما أن المبيع غير متعين لكونه مبيعًا، ولهذا قال بعده: (لأن المبيع في أحد الجانبين قائم) حيث سمى القائم مبيعًا، ودخول الباقي أحد العوضين لا يعين جهة الثمنية في العينين المتعينين؛ لما ذكرنا في البيوع، وإذا كان كل واحد مبيعًا وثمنا من وجه كان البيع قائما ببقاء البدل الآخر، فيمكن فسخه، كما هو كاف لصحة الإقالة.
قوله: (وإن هلك أحد العبدين) أي: هلك بعد قبضهما، وبه صرح في جامع قاضي خان.
وفي الجامع: القول قول المشتري، أي: فيهما مع يمينه. كذا ذكره الكشاني.
وإنما أعاد لفظ الجامع؛ لأن لفظه يقتضي أن يكون المستثنى منه يمين المشتري، ولفظ المبسوط يقتضي أن يكون المستثنى منه عدم التحالف؛ بل المذكور هناك قبل الاستثناء: لم يتحالفا.
وفي الفوائد الظهيرية: تكلم المشايخ في قوله: (إلا أن يشاء البائع أن يأخذ الحي) إلى آخره، وتكلموا أيضًا أن هذا الاستثناء: إلى ماذا ينصرف؟
قال مشايخ بلخ: ينصرف إلى يمين المشتري، معناه أن البائع يأخذ الحي صلحًا عما يدعيه من الزيادة قبل المشتري، فيجعل صلحهما على هذا العبد
_________________
(١) في الأصل: (مقاصة)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٩٨ ]
وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قيمةِ الهَالِكِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَحَالَفَانِ فِي الحَيِّ وَيُفْسَخُ العَقْدُ في الحَيِّ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي فِي قِيمَةِ الهَالِكِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا وَيَرُدُّ الحَيَّ وَقِيمَةَ الهَالِكِ) (*) لِأَنَّ هَلَاكَ كُلِّ السِّلْعَةِ لَا يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ فَهَلَاكُ البَعْضِ أَوْلَى. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ امْتِنَاعَ التَّحَالُفِ لِلْهَلَاكِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ.
كصلحهما على عبد آخر، فصار تقديره على قولهم: إلا أن يأخذ البائع الحي ولا يأخذ شيئًا آخر، فحينئذ لا يحلف المشتري.
قال شيخ الإسلام: هذا [لا] (^١) يقوى؛ لأن الأخذ معلق بمشيئة البائع، ولو كان كذلك لكان معلقًا بمشيئتهما، وعامة مشايخنا أن الاستثناء ينصرف إلى التحالف معناه: لا يتحالفان عند أبي حنيفة إلا أن يشاء البائع أن يأخذ الحي ولا يأخذ شيئًا من ثمن الميت، وهذا لأن المذكور التحالف دون يمين المشتري، فكان صرف الاستثناء إليه أولى.
وبعضهم قالوا: ينصرف إلى يمين المشتري على معنى أن البائع إذا رضي أن يأخذ الحي ولا يأخذ من ثمن الميت، فحينئذ لا يحلف المشتري؛ لأنه إنما يحلف إذا أنكر ما يدعيه البائع، فإذا أعرض عن دعواه لا معنى لتحليفه.
قال الكشاني: يأخذ البائع في حق الهلاك من المشتري ما يقر به المشتري، فحينئذ لا يحلف؛ لأن الاستحلاف في حق المشتري إذا كان منكرًا ما يدعيه البائع من الزيادة، فإذا ترك دعوى الزيادة وأخذ الحي، ورضي به المشتري، فلا حاجة إلى استحلافه، والصحيح ترك دعوى الزيادة لا ترك ثمن الميت؛ لأن البائع لا يترك من ثمن الميت ما أقر به المشتري، إنما يترك دعوى الزيادة.
ومعنى قوله: لا يأخذ شيئًا أي: من الزيادة، ومن أصحابنا، فعلى هذا يكون الاستثناء منصرفًا إلى يمين المشتري، وبعض أصحابنا قال: الاستثناء ينصرف إلى التحالف، وهو ليس بصحيح؛ لما بينا أن المذكور استحلاف المشتري لا ترك التحالف، والاستثناء ينصرف إلى المذكور.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٩٩ ]
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ التَّحَالُفَ عَلَى خِلَافِ القِيَاسِ فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَهِيَ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، فَلَا تَبْقَى السِّلْعَةُ بِفَوَاتِ بَعْضِهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَالُفُ فِي القَائِمِ إِلَّا عَلَى اعْتِبَارِ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَلَا بُدَّ مِنْ القِسْمَةِ، وَهِيَ تُعْرَفُ بِالحَذَرِ وَالظَّنِّ فَيُؤَدِّي إِلَى التَّحَالُفِ مَعَ الجَهْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى البَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الهَالِكِ أَصْلًا، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الثَّمَنُ كُلُّهُ بِمُقَابَلَةِ القَائِمِ، وَيَخْرُجُ الهَالِكُ عَنْ العَقْدِ فَيَتَحَالَفَانِ. هَذَا تَخْرِيجُ بَعْضِ المَشَايِخِ، وَيُصْرَفُ الاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُمْ إِلَى التَّحَالُفِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَالُوا: إِنَّ المُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: «يَأْخُذُ الحَيَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ»، مَعْنَاهُ: لَا يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الهَالِكِ شَيْئًا أَصْلًا. وَقَالَ بَعْضُ المَشَايِخِ: يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الهَالِكِ بِقَدْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ المُشْتَرِي، وَإِنَّمَا لَا يَأْخُذُ الزِّيَادَةَ.
وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ يَنْصَرِفُ الاسْتِثْنَاءُ إِلَى يَمِينِ المُشْتَرِي لَا إِلَى التَّحَالُفِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ البَائِعُ بِقَوْلِ المُشْتَرِي فَقَدْ صَدَّقَهُ فَلَا يَحْلِفُ المُشْتَرِي، ثُمَّ تَفْسِيرُ التَّحَالُفِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ مَا بَيَّنَّاهُ فِي القَائِمِ.
قوله: (ولأنه لا يمكن) هذا جواب عن قول أبي يوسف.
فإن قيل: يشكل على أبي حنيفة ما لو أقام القصار بعض العمل، ثم اختلفا في مقدار الأجرة، ففي حصة ما أقام العمل القول لرب الثوب مع يمينه، وفي حصة ما بقي يتحالفان بالإجماع؛ اعتبارًا للبعض بالكل، واستيفاء بعض المنفعة بمنزلة هلاك بعض المبيع، فينبغي أن يبقى التحالف عنده.
قلنا: عقد الإجارة في حكم عقود مختلفة يتجدد العقد بحسب ما يقم من العمل، فإن تعذر فسخه في البعض لا يتعذر فسخه في الباقي (^١)، أما عقد البيع في العبدين عقد واحد، فإذا تعذر فسخه في البعض تعذر في الباقي. كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (معناه) إلى آخره، وعلى هذا التقدير ينصرف الاستثناء إلى التحالف.
قوله: (ما بينا في القائم) أي: في بقاء المبيع كله.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/ ٩٦).
[ ٦ / ٨٠٠ ]
وَإِذَا حَلَفَا وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا الفَسْخَ، أَوْ كِلَاهُمَا، يُفْسَخُ العَقْدُ بَيْنَهُمَا، وَيَأْمُرُ القَاضِي المُشْتَرِيَ بِرَدِّ البَاقِي وَقِيمَةِ الهَالِكِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَحْلِفُ المُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتُهُمَا بِمَا يَدَّعِيهِ البَائِعُ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى البَائِعِ، وَإِنْ حَلَفَ يَحْلِفُ البَائِعُ بِاللَّهِ مَا بِعْتُهُمَا بِالثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ المُشْتَرِي، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى المُشْتَرِي، وَإِنْ حَلَفَ يَفْسَخَانِ العَقْدَ فِي القَائِمِ، وَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَلْزَمُ المُشْتَرِي حِصَّةَ الهَالِكِ وَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُمَا فِي الانْقِسَامِ يَوْمَ القَبْضِ (وَإِنْ
وهو قوله: (وصفة اليمين أن يحلف البائع) (^١) إلى آخره، وإنما لم تختلف صفة التحالف عند محمد؛ لأن قيام السلعة ليس بشرط للتحالف، فيتحالفان في الصورتين بصفة واحدة. (وقيمة الهالك) أي: بِرَدِّ قيمته والقول في قيمته للمشتري؛ لأن البائع يدعي زيادة قيمته، وهو ينكر، فيكون القول له، كما في قيمة المغصوب أو المقبوض بعقد فاسد.
(واختلفوا في تفسيره) أي: تفسير التحالف، على قوله.
وقوله: (والصحيح أن يحلف إلى آخره، احتراز عما ذكر بعض المشايخ أنهما يتحالفان على القائم لا غير على مذهبه؛ لأن العقد ينفسخ في القائم لا في الهالك، وهذا ليس بصحيح؛ لأن المشتري لو حلف بالله: ما اشتريت القائم بحصته من الثمن الذي يدعيه البائع يحلف ويكون صادقًا؛ لأن من اشترى ستين بألف إذا حلف أنه ما اشترى أحدهما بألف كان صادقًا، وكذا البائع لو حلف بالله العظيم ما بعت القائم بحصته من الثمن الذي يدعي المشتري يحلف ويكون صادقًا فيه، فلا يقيد التحالف، فيحلف على الوجه المذكور في الكتاب كذا في جامع قاضي خان.
ولم يذكر تفسير التحالف على قول أبي حنيفة؛ لأن عنده هلاك البعض يمنع التحالف بهلاك الكل؛ لأن التحالف عرف نصا، والنص ورد في حال قيام السلعة، والسلعة اسم للكل، فبهلاك السلعة يفوت الشرط.
قوله: (ويعتبر قيمتهما في الانقسام يوم القبض) وبه قال الشافعي في وجه،
_________________
(١) انظر المتن ص ٧٩١.
[ ٦ / ٨٠١ ]
اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الهَالِكِ يَوْمَ القَبْضِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ البَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيْنَتُهُ. وَإِنْ أَقَامَاهَا: فَبَيِّنَةُ البَائِعِ أَوْلَى) وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذُكِرَ فِي بُيُوعِ الأَصْلِ (وإذا اشْتَرَى
فإن استويا يجب على المشتري نصف الذي أقر به ويسقط نصفه، فإن اتفقا على أن قيمتهما على التفاوت، فإن كانت قيمة الهالك على نصف قيمة القائم يجب على المشتري ثلث الثمن الذي أقر به، وإن اختلفا في ذلك فقال المشتري: قيمة القائم يوم القبض كانت ألفًا وقيمة الهالك خمسمائة، وقال البائع على العكس - فالقول للبائع؛ لأن البائع ينكر سقوط الزيادة من الثمن، والمشتري يدعي السقوط بعد اتفاقهما على وجوب اليمين، فكان البائع متمسكا بالأصل. كذا في جامع قاضي خان.
فإن قيل: مسائل الزيادات تدل على اعتبار قيمتهما يوم العقد، حتى قال محمد: قيمة الأم تعتبر يوم العقد، وقيمة الزيادة يوم الزيادة، وقيمة الولد يوم القبض؛ لأن الأم صارت مقصودة بالعقد، والزيادة بالزيادة، والولد بالقبض، وكل واحد من العبدين هنا صار مقصودًا بالعقد، فوجب اعتبار قيمتهما يوم العقد لا يوم القبض.
وفي الفوائد الظهيرية: فهذا إشكال هائل أَوْرَدْتُهُ على كل قَرْمٍ نِحْريرٍ (^١) فلم يَهْتَدِ أحد إلى جوابه، ثم قال: والذي تخايل لي بعد طول التَّجَشم أن فيما ذكر من المسائل لم يتحقق ما يوجب الفسخ فيما صار مقصودًا بالعقد، وفيما نحن فيه تحقق ما يوجب الفسخ فيما صار مقصودًا بالعقد، وهو التحالف، أما في الحي فظاهر، وكذا في الميت؛ لأنه إن تعذر الفسخ في الهالك لم يتعذر اعتبار ما هو من لوازم الفسخ في الهالك، وهو اعتبار قيمته يوم القبض؛ لأن الهالك مضمون بالقيمة يوم القبض على تقدير الفسخ، كما هو مذهب محمد حتى قال: يضمن المشتري قيمة الهالك على تقدير التحالف، فيجب إعمال التحالف في اعتبار قيمة الهالك يوم القبض، فلهذا يعتبر قيمتها يوم القبض.
(تقبل بينته) لأنه يورد دعواه بالحجة.
_________________
(١) القرم: السيد، والنُّحْرِير: الحاذق المتقن.
[ ٦ / ٨٠٢ ]
عَبْدَيْنِ وَقَبَضَهُمَا، ثُمَّ رَدَّ أَحَدَهُمَا بِالعَيْبِ وَهَلَكَ الآخَرُ عِنْدَهُ، يَجِبُ عَلَيْهِ ثَمَنُ مَا هَلَكَ عِنْدَهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ ثَمَنُ مَا رَدَّهُ، وَيَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَتِهِمَا. فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الهَالِكِ: فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ) لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ وَجَبَ بِاتِّفَاقِهِمَا ثُمَّ المُشْتَرِي يَدَّعِي زِيَادَةَ السُّقُوطِ بِنُقْصَانِ قِيمَةِ الهَالِكِ، وَالبَائِعُ يُنْكِرُهُ وَالقَوْلُ: لِلْمُنْكِرِ (وَإِنْ أَقَامَا البَيِّنَةَ، فَبَيِّنَةُ البَائِعِ أَوْلَى) لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا ظَاهِرًا لِإِثْبَاتِهَا الزِّيَادَةَ فِي قِيمَةِ الهَالِكِ وَهَذَا لِفِقْهِ. وَهُوَ أَنَّ فِي الأَيْمَانِ تُعْتَبَرُ الحَقِيقَةُ، لِأَنَّهَا تَتَوَجَّهُ عَلَى أَحَدِ العَاقِدَيْنِ، وَهُمَا يَعْرِفَانِ حَقِيقَةً الحَالِ، فَبُنِيَ الأَمْرُ عَلَيْهَا وَالبَائِعُ مُنْكِرٌ حَقِيقَةٌ، فَلِذَا كَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ، وَفِي البَيِّنَاتِ: يُعْتَبَرُ الظَّاهِرُ، لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَا يَعْلَمَانِ حَقِيقَةَ الحَالِ، فَاعْتُبِرَ الظَّاهِرُ فِي حَقِّهِمَا وَالبَائِعُ مُدَّعِ ظَاهِرًا، فَلِهَذَا تُقْبَلُ بَيْنَتُهُ أَيْضًا وَتَتَرَبَّحُ بِالزِّيَادَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى مَا مَرَّ، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
قوله: (لإثباتها الزيادة في قيمة الهالك) والبينات للإثبات.
فإن قيل: المشتري يدعي زيادة في قيمة القائم، فوجب أن تقبل بينته لإثباته الزيادة.
قلنا: إن الذي وقع الاختلاف فيه قصدًا قيمة الهالك، والاختلاف في قيمة القائم يثبت ضمنًا؛ للاختلاف في قيمة الهالك، وبينة البائع قامت على ما وقع الاختلاف فيه، فكانت أولى بالاعتبار. كذا ذكره المرغيناني وقاضي خان.
(وهذا لفقه) أي: قول أبي يوسف في أن القول للبائع والبينة بينته.
(لأنها) أي: أن الأيمان (تتوجه على أحد العاقدين) لا على الوكيل والنائب (وهما يعرفان حقيقة الحال، فبني الأمر عليها) أي: على حقيقة الحال (والبائع منكر حقيقةً) لأنه ينكر سقوط الزيادة.
(تقبل بينته أيضًا) يعني كما أن الاعتبار في الأيمان ليمين البائع، حتى كان القول قوله، فكذا في البينات، والاعتبار لبينته؛ لكونه أكثر إثباتًا وتترجح بالزيادة الظاهرة على ما مر وهو قوله: (لأنه أكثر إثباتًا ظاهرًا).
(وهذا) أي: ما ذكر في الأصل (يبين لك صحة ما ذكرنا من قول أبي يوسف) من تفسيره في التحالف، وتفريعاته التي ذكرت في مسألة الجامع الصغير.
[ ٦ / ٨٠٣ ]
قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَقَبَضَهَا، ثُمَّ تَقَابَلا، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ: فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَعُودُ البَيْعُ الأَوَّلُ) وَنَحْنُ مَا أَثْبَتْنَا التَّحَالُفَ فِيهِ بِالنَّيِّ، لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي البَيْعِ المُطْلَقِ، وَالإِقَالَةُ فَسْخٌ فِي حَقِّ المُتَعَاقِدَيْنِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالقِيَاسِ، لِأَنَّ المَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ قَبْلَ القَبْضِ، وَالقِيَاسُ يُوَافِقُهُ عَلَى مَا مَرَّ وَلِهَذَا نَقِيسُ الإِجَارَةَ عَلَى البَيْعِ قَبْلَ القَبْضِ، وَالوَارِثَ عَلَى العَاقِدِ، وَالْقِيمَةَ عَلَى العَيْنِ
وفي جامع صدر الإسلام والبائع منكر حقيقة فيجب عليه اليمين، والبائع أيضًا يدعي من حيث إنه يدعي زيادة قيمة الهالك، فتكون البينة بينته، وهذا هو الأصل في الدعاوي، فكذا في مسألتنا المشتري يدعي سقوط الزيادة من الثمن، والبائع ينكره، فكان القول له، والبينة بينته أيضًا؛ لما بينا.
قوله: (من اشترى جارية وقبضها) ونقد الثمن أيضًا. هكذا ذكر في جامع قاضي خان.
قوله: (ويعود البيع الأول) أراد به إذا تقايلا ولم يسلم الجارية إلى البائع بحكم الإقالة حتى اختلفا في الثمن؛ لأن التحالف قبل القبض موافق للقياس، فيتعدى إلى الإقالة، وفي فصل البيع إذا تحالفا يفسخ العقد، ويعود كل واحد إلى أصل حقه، فكذا في الإقالة، ويعود البيع الأول، معناه: إذا فسخ القاضي الإقالة أو فسخا بأنفسهما؛ لأن الإقالة لا تنفسخ إلا بالفسخ. ذكره صدر الإسلام.
(ما أثبتنا التحالف فيه) أي: في التقايل (بالنص) هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: ينبغي ألا يجري التحالف في التقايل، كما إذا وقع الاختلاف بينهما بعد قبض البائع المبيع بعد الإقالة عندهما، خلافًا لمحمد؛ لثبوت التحالف بين المتبايعين بالسنة بخلاف القياس، فأجاب عنه بهذا.
قوله: (لأن المسألة مفروضة) قبل قبض البائع المبيع بعد الإقالة، فصار التحالف معقولًا، فوجب القياس على المنصوص عليه.
وقوله: (ولهذا نقيس) توضيح لقوله: (وإنما أثبتناه بالقياس) يعني إذا اختلف المؤجر والمستأجر قبل استيفاء المعقود عليه في الأجرة (والوارث على العاقد) يعني وارث البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن يجري التحالف بينهما، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
[ ٦ / ٨٠٤ ]
فِيمَا إِذَا اسْتَهْلَكَهُ فِي يَدِ البَائِعِ غَيْرُ المُشْتَرِي.
قَالَ: (وَلَوْ قَبَضَ البَائِعُ المَبِيعَ بَعْدَ الإِقَالَةِ فَلَا تَحَالُفَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) (*) لِأَنَّهُ يَرَى النَّصَّ مَعْلُولًا بَعْدَ القَبْضِ أَيْضًا.
قوله: (فيما إذا استهلك المشتري)، هكذا وقع في عامة النسخ، والصواب: (إذا استهلكه في يد البائع غير المشتري)، وهذه العبارة على حاشية نسخة قوبلت بنسخة المصنف.
أو الصواب: (استهلك المُشتَرَى) بضم التاء على صيغة بناء المفعول، والمشترى على صيغة المفعول، أي: نقيس قيمة المُشترى المستهلك - التي وجبت على المستهلك - الذي استهلكه في يد البائع.
وفي المبسوط (^١): إذا قتل المبيع قبل القبض في يد البائع فالقيمة هناك واجبة على القاتل، وهي قائمة مقام العين في إمكان فسخ العقد عليها؛ لأن القيمة الواجبة قبل القبض لما ورد عليها القبض المستحق بالعقد كانت في حكم المعقود، يعني إذا اختار المشتري دفع الثمن وأخذ القيمة له ذلك، ثم لو اختلفا في ثمن المشتري يجري التحالف بينهما بالقياس على جريان التحالف عند بقاء العين.
فإن قيل: التحالف في هذه الصورة وقع بالنص؛ لقوله ﵇: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبايعان تَحَالَفا وتَرَادًا» (^٢) فإنه يتناول حال قيام السلعة وحال هلاكها.
وقلنا: لا، بل هي غير منصوص عليه؛ لأن هذا المطلق محمول على المقيد كما مر، فكان المراد من هذا المطلق المقيد، وكذا لفظة التراد دالة على بقاء السلعة.
قوله: (لأنه) أي: لأن محمدًا (يرى النص معلولا بعد القبض أيضًا) بالاختلاف في العقد كما مر.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشييخين.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٣/¬٣٢).
(٣) قال ابن حجر: أما رواية التحالف فاعترف الرافعي في التذنيب أنه لا ذكر لها في شيء من كتب الحديث، وإنما توجد في كتب الفقه. التلخيص الحبير (٣/ ٨٤).
[ ٦ / ٨٠٥ ]
قَالَ: (وَمَنْ أَسْلَمَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ، ثُمَّ تَقَابَلَا، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُسَلَّمِ) إِلَيْهِ وَلَا يَعُودُ السَّلَمُ لِأَنَّ الإِقَالَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ لَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ، لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ فَلَا يَعُودُ السَّلَمُ بِخِلَافِ الإِقَالَةِ فِي البَيْعِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ لَوْ كَانَ عَرَضًا فَرَدَّهُ بِالعَيْبِ وَهَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إِلَى رَبِّ السَّلَمِ لَا يَعُودُ السَّلَمُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ العَيْنِ يَعُودُ البَيْعُ دَلَّ عَلَى الفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
قوله: (فالقول قول المسلم إليه) مع يمينه (لأن الإقالة في باب السلم لا تحتمل النقض) إذ الفسخ يعني التحالف لا يجري في باب السلم، فالقول للمسلم إليه مع يمينه؛ لأن رب السلم يدعي عليه زيادة، وهو ينكر، ولا يتحالفان، ولا يعود السلم بخلاف البيع والفرق أن المقصود من التحالف فسخ العقد، حتى يعود كل واحد منهما إلى رأس ماله، وإليه إشارة النبوية بقوله: «تحالفا وترادا»، والتحالف في الإقالة في السلم لا يفيد هذا المقصود؛ لأن الإقالة في السلم بعدها لا تحتمل الفسخ بسائر أسباب الفسخ، فإنهما لو قالا: نقضنا الإقالة لا ينتقض فلا يحتمل الفسخ أيضًا بالتحالف، وهذا لأن ما تناوله عقد الإقالة قائم حقيقة، فيمكن تصحيح الفسخ باعتبار المعقود عليه، فيعود إلى ملك المشتري إذا انفسخت الإقالة؛ لأن ملك العين مما يحتمل العود. (ألا ترى أن رأس المال لو كان عرضًا فقبضه المسلم إليه (ثم رده بالعيب) أي: حكم القاضي به وهلك قبل التسليم إلى رب السلم لا يعود السلم) بخلاف البيع، فإنه لو اشترى عرضًا فرده بعيب ولم يسلم إلى البائع حتى هلك في يده يبطل الرد فيعود البيع، والفقه فيه: أن المسلم فيه سقط بالإقالة، فلو انفسخت الإقالة كان حكم انفساخها عود المسلم فيه، والساقط لا يعود، ولو تصور لا يعود برأس المال؛ لأنه دين، أما الإقالة في البيع حكمها عود المبيع إلى البائع، فإذا انفسخت الإقالة يعود إلى ملك المشتري، وملك العين مما يحتمل العود. كذا ذكره قاضي خان. فإن قيل: الإقالة في بيع العين فسخ في حق المتعاقدين، بيع في حق
غيرهما، والتحالف حقهما، بدليل أنهما لو تركا تركا، وإذا كانت فسخا في حق التحالف وجب ألا يتحالفا؛ لأن التحالف يثبت في العقود لا في الفسخ، ولهذا لو حصل الفسخ بخيار الرؤية أو الشرط أو الرد بالعيب بالقضاء، والثمن منقود، ثم اختلفا في مقداره لم يجز التحالف.
[ ٦ / ٨٠٦ ]
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي المَهْرِ فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ، وَقَالَتْ: تَزَوَّجَنِي بِأَلْفَيْنِ، فَأَيُّهُمَا أَقَامَ البَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيْنَتُهُ) لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالحُجَّةِ.
(وَإِنْ أَقَامَا البَيِّنَةَ فَالبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ المَرْأَةِ) لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ، مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ.
قلنا: الإقالة فسخ فيما بينهما فيما كان من حقوق العقد الذي وقعت عنه كما قلنا في القبض، فإنه من حقوق البيع؛ لأنه وجب لإتمامه، أما التحالف ليست من ذلك الحقوق الذي وقعت الإقالة عنه؛ لأنه لا يجب بالبيع؛ لأن شرعيته لنقضه لا لإتمامه بخلاف ما إذا كان الرد بخيار الشرط والرؤية؛ لأنه تعذر اعتباره بيعًا في حق الثالث؛ لانتفاء الرضا، وكذا الرد بقضاء.
فإن قيل: ما الفرق لمحمد بين إقالة السلم وبين ما إذا هلكت السلعة، ثم اختلفا في مقدار الثمن، فإنهما يتحالفان، [ولا يتحالفان] (^١) في إقالة السلم وإن فات المعقود عليه في الفصلين؟
قلنا: الإقالة في السلم قبل قبض المسلم فيه فسخ من كل وجه على ما ذكرنا، والتحالف بعد هلاك السلعة يجري في البيع لا في الفسخ كذا في الفوائد الظهيرية.
قوله: (فأيهما أقام البينة تقبل) أما قبول بينة المرأة فظاهر؛ لأنها [تدعي] (^٢) الألفين، والإشكال إنما يرد على قبول بينة الزوج؛ لأنه منكر لزيادة ما أقر، فكان عليه اليمين لا البينة، فكيف تقبل بينته؟
قلنا: هو مدع صورةً؛ لأنه يدعي على المرأة تسليم نفسها بأداء ما أقر به من المهر، وهي تنكر، والدعوى صورة كافية لقبول البينة، كما في دعوى المودع رد الوديعة. كذا ذكره قاضي خان.
قوله: (أقل مما ادعته) لأنه إذا كان مثل ما ادعته أو أكبر فبينة الزوج أولى؛ لأنها تثبت الحط (^٣)، وبينتها لا تثبت شيئًا؛ لأن ما ادعته ثابت بشهادة مهر المثل. إليه أشار الإمام قاضي خان.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) في النسخة الثانية: (الحفظ).
[ ٦ / ٨٠٧ ]
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ) لِأَنَّ أَثَرَ التَّحَالُفِ فِي انْعِدَامِ التَّسْمِيَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ، لِأَنَّ المَهْرَ تَابِعُ فِيهِ، بِخِلَافِ البَيْعِ يُحكَمُ لِأَنَّ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ يُفْسِدُهُ عَلَى مَا مَرَّ فَيُفْسَخُ، (وَلَكِنْ يَحْكُمُ مَهْرُ المِثْلِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ، أَوْ أَقَلَّ، قَضَى بِمَا قَالَ الزَّوْجُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ (وَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا ادَّعَتْهُ المَرْأَةُ، أَوْ أَكْثَرَ قَضَى بِمَا ادَّعَتْهُ المَرْأَةُ، وَإِنْ كَانَ مَهْرُ المِثْلِ أَكْثَرَ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ وَأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَتْهُ المَرْأَةُ: قَضَى لَهَا بِمَهْرِ المِثْلِ) لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَحَالَفَا لَمْ تَثْبُتْ الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ وَلَا الحَطَّ عَنْهُ.
(تحالفا عند أبي حنيفة).
فإن قيل: التحالف يثبت بالنص في البيع والنكاح ليس في معناه، وهو ظاهر، فكيف يلحق بالبيع؟ ولأن المقصود من التحالف الفسخ، فيجري فيما يقبل الفسخ والنكاح لا يحتمل الفسخ، فيجب ألا نشرع التحالف فيه؛ لعدم حكمه.
قلنا: ورود التحالف في البيع باعتبار أن كل واحد من المتعاقدين مدع ومنكر، ولم يمكن ترجيح أحدهما في الدعوى والإنكار، ولهذا قبلت بينتهمًا ويمينهما، وهذا المعنى موجود في النكاح أيضًا، فيلحق به دلالة، أو بقوله: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (^١) إذ كل واحد منهما مدع ومنكر.
وأما الثاني، وهو أن الفسخ حكم التحالف، والفسخ ليس بثابت هاهنا، فجوابه مذكور في الكتاب، وإيضاح ذلك هو أن التحالف إنما وجب الفسخ في البيع؛ لأنه لما تعذر إثبات دعوى كل واحد بسبب يمين الآخر لزم إخلاء العقد عن البدل والمبدل، وإذا خلا فسد، أما النكاح إذا خلا عن العوض لا يفسد، كما لو لم يذكر التسمية، فافترقا إليه أشار في الفوائد الظهيرية، وقد مر أيضًا.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٢٣) رقم (١٦٨٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ». والترمذي (٣/¬١٩ رقم ١٣٤١) بلفظ: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، ومحمد بن عبيد الله العرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه ضعفه ابن المبارك وغيره. وأخرج البخاري (٣/ ١٤٣ رقم ٢٥١٤)، ومسلم (٣/ ١٣٣٦ رقم ١٧١١) من حديث ابن عباس ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
[ ٦ / ٨٠٨ ]
قَالَ ﵀: ذَكَرَ التَّحَالُفَ أَوَّلًا ثُمَّ التَّحْكِيمَ، وَهَذَا قَوْلُ الكَرْخِيِّ ﵀ لِأَنَّ مَهْرَ المِثْلِ لَا اعْتِبَارَ لَهُ مَعَ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ وَسُقُوطِ اعْتِبَارِهَا بِالتَّحَالُفِ، وَلِهَذَا يُقَدَّمُ فِي الوُجُوهِ كُلِّهَا، وَيَبْدَأُ بِيَمِينِ الزَّوْجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَعْجِيلًا لِفَائِدَةِ النُّكُولِ كَمَا فِي المُشْتَرِي، وَتَخْرِيجُ الرَّازِيِّ بِخِلَافِهِ وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَاهُ فِي النِّكَاحِ وَذَكَرْنَا خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ فَلَا نُعِيدُهُ (*) (وَلَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ النِّكَاحَ عَلَى هَذَا العَبْدِ، وَالمَرْأَةُ تَدَّعِيهِ عَلَى هَذِهِ الجَارِيَةِ، فَهُوَ كَالمَسْأَلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، إِلَّا أَنَّ قِيمَةَ الجَارِيَةِ إِذَا كَانَتْ مِثْلَ مَهْرِ المِثْلِ يَكُونُ لَهَا قِيمَتُهَا دُونَ عَيْنِهَا لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، وَلَمْ يُوجَدْ، فَوَجَبَتْ القِيمَةُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الإِجَارَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا) مَعْنَاهُ، اخْتَلَفَا فِي البَدَلِ، أَوْ فِي المُبْدَلِ، لِأَنَّ التَّحَالُفَ فِي البَيْعِ قَبْلَ القَبْضِ عَلَى
قوله: (فلهذا يقدم) أي: التحالف يقدم (في الوجوه كلها) فيما إذا كان مهر المثل أقل أو أكثر أو مثل ما اعترف به الزوج.
قوله: (ويبدأ بيمين الزوج عند أبي حنيفة ومحمد) وبه قال الشافعي (تعجيلا لفائدة النكول) فإن أول التسليمين عليه، فيكون أول اليمينين عليه. كذا في الفوائد الظهيرية.
(وتخريج الرازي بخلافه) يعني تقديم التحالف في هذه الوجوه قول الكرخي؛ لأنهما اتفقا على أصل التسمية، فكانت التسمية وصحة التسمية تمنع المصير إلى مهر المثل، وإذا حلفا تعذر الحكم بصحة التسمية فصارت كأن لم تكن، فيحكم مهر المثل، وعند الرازي التحالف في وجه واحد، وهو كما إذا لم يكن مهر المثل شاهدًا لأحدهما، وقد مر في النكاح.
(يكون لها) أي: للمرأة (قيمتها) أي: قيمة الجارية بعد التحالف.
قوله: (معناه اختلفا في البدل) وهو الأجرة (أو في المبدل) وهو المنافع، وهذا احتراز عن اختلافهما في الأصل، فإنه لا يجرى التحالف بينهما؛ بل القول فيه قول منكر الزيادة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
[ ٦ / ٨٠٩ ]
وَفَاقِ القِيَاسِ عَلَى مَا مَرَّ، وَالإِجَارَةُ قَبْلَ القَبْضِ المَنْفَعَةُ نَظِيرُ البَيْعِ قَبْلَ قَبْضِ المَبِيعِ وَكَلَامُنَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ المَنْفَعَةِ (فَإِنْ وَقَعَ الاخْتِلَافُ فِي الْأَجْرَةِ يَبْدَأُ بِيَمِينِ المُسْتَأجِرِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الأَجْرَةِ وَإِنْ وَقَعَ فِي المَنْفَعَةِ يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُؤَجِّرِ، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ البَيِّنَةَ قُبِلَتْ، وَلَوْ أَقَامَاهَا: فَبَيِّنَةُ المُؤَخِّرِ أَوْلَى إِنْ كَانَ الاخْتِلَافُ فِي الأَجْرَةِ، (وَإِنْ كَانَ فِي المَنَافِعِ فَبَيِّنَةُ المُسْتَأْجِرِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا: قُبِلَتْ بَيِّنَةٌ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الفَضْلِ) نَحْو: أَنْ يَدَّعِيَ هَذَا شَهْرًا بِعَشَرَةِ، وَالمُسْتَأْجِرُ شَهْرَيْنِ بِخَمْسَةِ، يَقْضِي بِشَهْرَيْنِ بِعَشَرَةٍ.
قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الاسْتِيفَاءِ. لَمْ يَتَحَالَفَا، وَكَانَ القَوْلُ قَوْلَ المُسْتَأْجِرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ هَلَاكَ المَعْقُودِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُمَا، وَكَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ الهَلَاكَ إِنَّمَا لَا يُمْنَعُ عِنْدَهُ فِي المَبِيعِ، لِمَا أَنَّ لَهُ قِيمَةٌ تَقُومُ مَقَامَهُ فَيَتَحَالَفَانِ عَلَيْهَا، وَلَوْ جَرَى التَّحَالُفُ هَاهُنَا وَفَسْخُ العَقْدِ فَلَا قِيمَةَ، لِأَنَّ المَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بَلْ بِالعَقْدِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عَقْدَ. وَإِذَا امْتَنَعَ: فَالْقَوْلُ
وقوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله في أول الباب: (أن البائع يدعي زيادة الثمن) إلى آخره.
قوله: (نظير البيع قبل قبض المبيع) فألحقت الإجارة به.
فإن قيل: قيام المعقود عليه شرط، والمنفعة معدومة.
قلنا: الدار أقيمت مُقامَ المنفعة في حق إيراد العقد عليها، فكأنها قائمة تقديرا.
قوله: (وتبين أنه لا عقد) إذ بالفسخ ارتفع العقد عن الأصل.
وفي المبسوط (^١): ومحمد فرق بين هذا وبين البيع، وقال: التحالف هناك مفيد؛ لأن المبيع عين مال متقوم بنفسه، فيمكن إيجاب قيمته بعد فسخ العقد بالتحالف، أما المنافع فلا تقوم إلا بالعقد، وقد انفسخ العقد من الأصل، فلا يمكن إيجاب شيء، فكان جَعْلُ القول لرب الثوب مع يمينه أنفع للقصار، فلا يصار إلى التحالف.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ٩٥).
[ ٦ / ٨١٠ ]
لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ المُسْتَحِقُّ عَلَيْهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحَالَفَا وَفُسِخَ العَقْدُ فِيمَا بَقِيَ وَكَانَ القَوْلُ فِي المَاضِي قَوْلَ المُسْتَأْجِرِ) لِأَنَّ العَقْدَ يَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً فَيَصِيرُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ المَنْفَعَةِ كَأَنَّ ابْتِدَاءَ العَقْدِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ البَيْعِ، لِأَنَّ العَقْدَ فِيهِ دَفْعَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا تَعَذَّرَ فِي البَعْضِ تَعَذَّرَ فِي الكُلِّ.
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ المَوْلَى وَالمُكَاتَبُ فِي مَالِ الكِتَابَةِ، لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَتَحَالَفَانِ، وَتُفْسَخُ الكِتَابَةُ) (*) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَقْبَلُ الفَسْخَ فَأَشْبَهَ البَيْعَ، وَالجَامِعُ: أَنَّ المَوْلَى يَدَّعِي بَدَلًا زَائِدًا يُنْكِرُهُ العَبْدُ، وَالعَبْدُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ العِتْقِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَدَاءِ القَدْرِ الَّذِي يَدَّعِيهِ، وَالمَوْلَى يُنْكِرُهُ، فَيَتَحَالَفَانِ كَمَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ البَدَلَ مُقَابَلٌ بِفَكِّ الحَجْرِ فِي حَقِّ اليَدِ وَالتَّصَرُّفِ لِلْحَالِ وَهُوَ سَالِمٌ لِلْعَبْدِ وَإِنَّمَا يَنْقَلِبُ مُقَابَلًا بِالعِتْقِ عِنْدَ الأَدَاءِ فَقَبْلَهُ لَا مُقَابَلَةَ فَبَقِيَ اخْتِلَافًا فِي قَدْرِ البَدَلِ لَا غَيْرُ فَلَا يَتَحَالَفَانِ.
قوله: (بخلاف البيع) يعني إذا هلك بعض المبيع؛ لأن كل جزء ليس بمعقود عليه عقدًا مبتدأ؛ بل الجملة معقودة بعقد واحد، فإذا تعذر الفسخ في بعضه بالهلاك تعذر في الكل ضرورةً.
قوله: (لم يتحالفا عند أبي حنيفة) القول للعبد مع يمينه.
(وهو سالم للعبد) أي: التصرف في الحال سالم للعبد؛ لاتفاقهما على ثبوت الكتابة، [فلا] (^١) يكون العبد مدعيًا، بل يكون منكرًا لما يدعيه المولى من الزيادة فحسب.
وفي المبسوط (^٢): حكم التحالف في البيع ثبت نصا بخلاف القياس، فلا يلحق به ما ليس في معناه، والكتابة ليست في معنى البيع من حيث الصورة، فإن البيع شرع للاسترباح، وبني على المماكسة، والكتابة للإرفاق مبنية على التوسع، ومن حيث المعنى؛ لأن الكتابة بعد تمامها بأداء البدل لا تحتمل
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) المبسوط للسرخسي (٧/ ١٦٩).
[ ٦ / ٨١١ ]
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ البَيْتِ، فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ
الفسخ، بخلاف البيع، وفي الحال موجبها إثبات صفة المالكية يدًا في المنافع، فما مضى منه قائم (^١) لا يتحقق رده فلو ألحق بالبيع بالمشاركة في بعض الأوصاف كان قياسًا، ولا يقاس على ما يثبت بخلاف القياس.
يوضحه: أن التحالف في المعاوضات عند تَجاحُد الحقوق اللازمة من الجانبين، وبدل الكتابة ليس بلازم على العبد؛ لقدرته على تعجيز نفسه، فيدفعه عن نفسه، ولهذا لا تصح الكفالة به، والكفالة ليست بمعاوضة حقيقةً؛ إذ البدل الذي من جانب العبد مملوك للمولى رقبةً، فلا يصح إلحاقه بالبيع، فيكون القول للعبد مع يمينه؛ لإنكاره الزيادة، والبينة بينة المولى؛ لإثباته الزيادة، إلا أنه إذا أدى مقدار ما أقام البينة عليه يعتق؛ لأنه أثبت الحرية لنفسه عند أداء هذا المقدار، فوجب قبول بينته على ذلك، بمنزلة ما لو كاتبه على ألف درهم على أنه متى أدى خمسمائة عتق، وهذا لأنه لا يبعد أن يكون عليه بدل الكتابة بعد عتقه، كما لو أدى الكتابة بمال مستحق يعتق وبدل الكتابة عليه.
قوله: (فهو للرجل) أي: مع اليمين، وكذا في جانب المرأة. ذكره قاضي خان.
قال التمرتاشي: ما يصلح للنساء فهو لها مع اليمين، إلا أن يكون الرجل صانعا وله أساور وخواتيم النساء وحلي وخلخال وأمثال ذلك، فحينئذ لا يكون مثل هذه الأشياء، وكذا لو كانت المرأة تبيع ثياب الرجال كالعمامة والقوس والدرع والمنطقة، وما يصلح للنساء كالدرع والخمار والملحفة، وما يصلح لهما كالآنية والذهب والفضة والأمتعة والعقار والمواشي.
ثم اعلم أن في هذه المسألة للعلماء أقاويل، وقول علمائنا ما ذكر في الكتاب، وقال الشافعي وزفر وعثمان البتي وأصحاب الظاهر: المتاع كله ما يصلح له أو لها، أو المشكل فهو بينهما بعد التحالف، وكذا في يد ورثتهما، ولا فرق بين أن يكون في يدهما مشاهدةً، أو في يدهما الحكمية، بأن يكون في
_________________
(١) في الأصل: (فائت)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٨١٢ ]
كَالعِمَامَةِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ (وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ كَالوِقَايَةِ) لِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ لَهَا (وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا كَالآنِيَةِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ) لِأَنَّ المَرْأَةَ وَمَا فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ، وَالقَوْلُ فِي الدَّعَاوَى لِصَاحِبِ اليَدِ، بِخِلَافِ مَا يَخْتَصُّ بِهَا، لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ ظَاهِرٌ أَقْوَى مِنهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الاخْتِلَافُ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَمَا وَقَعَتْ الفُرْقَةُ.
(فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الآخَرِ: فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا) لِأَنَّ اليَدَ لِلْحَيِّ دُونَ المَيِّتِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
منزلهما لاستوائهما في الدعوى واليد، ألا ترى أن إسكافًا وعطارًا يرثان آلات الأساكفة والعطارين، وهي في أيديهما تكون بينهما نصفين إجماعًا، لا ينظر إلى ما يصلح لكل واحد؛ إذ الإنسان قد يتخذ شيئًا للاستعمال، وقد يتخذه للتجارة، فكذا هذا.
وقال أحمد وابن أبي ليلى والثوري: ما يصلح له فهو له مع يمينه، وما يصلح لها فهو لها مع يمينها، والمشكل بينهما نصفين بعد التحالف، وقال مالك: ما يصلح له فهو له، وما يصلح لها فهو لها، والمشكل للرجل سواء كان في يدهما مشاهدة أو حكمية.
وقال ابن شبرمة: الكل للرجل إلا ما على المرأة من ثياب بدنها، وقال الحسن البصري: إن كان البيت لها فالكل لها مع يمينها إلا ما على الرجل من ثياب بدنه، وإن كان البيت له فالكل له؛ لأن البيت وما فيه في يده.
(لأنه) أي: لأن ظاهر اليد (يعارضه ظاهر أقوى منه) وهو يد الاستعمال، فكان القول لها، كرجلين اختلفا في ثوب أحدهما لابسه، والآخر يتعلق بكمه، فإن اللابس أولى بخلاف الأساكفة والعطارين حيث لم يشاهد استعمالها، وشهدنا كون الآلات في أيديهما على السواء، فجعل بينهما نصفين. كذا في المبسوط (^١).
(وهذا الذي ذكرنا) أي: المجموع الذي ذكرنا من أول المسألة إلى آخرها (قول أبي حنيفة)، وقال أبو يوسف: يدفع إلى المرأة في المشكل،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٥/ ٢١٤).
[ ٦ / ٨١٣ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَدْفَعُ إِلَى المَرْأَةِ مَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا، وَالبَاقِي لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ المَرْأَةَ تَأْتِي بِالجِهَازِ وَهَذَا أَقْوَى، فَيَبْطُلُ بِهِ ظَاهِرُ يَدِ الزَّوْجِ، ثُمَّ فِي البَاقِي لَا مُعَارِضَ لِظَاهِرٍ فَيُعْتَبَرُ (وَالطَّلَاقُ وَالمَوْتُ سَوَاءٌ) لِقِيَامِ الوَرَثَةِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِمْ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَا كَانَ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ، وَمَا يَكُونُ لَهُمَا فَهُوَ لِلرَّجُلِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ) (*) لِمَا قُلْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ (وَالطَّلَاقُ وَالمَوْتُ سَوَاءٌ) لِقِيَامِ الوَارِثِ مَقَامَ المُوَرِّثِ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَمْلُوكًا فَالمَتَاعُ لِلْحُرِّ فِي حَالَةِ الحَيَاةِ لِأَنَّ يَدَ الحُرِّ أَقْوَى وَلِلْحَيِّ بَعْدَ المَمَاتِ) لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِلْمَيِّتِ فَخَلَتْ يَدُ الحَيِّ عَنْ
وأما فيما يختص به كل واحد فهو له، كقولهما من غير اعتبار جهاز مثلها. هكذا ذكر في المبسوط.
وفي شروح الجامع الصغير: وفي لفظ الكتاب نوع تخليط، حيث لم يذكر قول أبي يوسف، هذا فيما ذكر قولهما في حق المشكل، وكان من حقه أن يقول: وما يصلح لهما له، وقال أبو يوسف: يدفع إلى المرأة ما يُجهز به مثلها؛ لأن الظاهر أنها لا تزف إلا مع جهاز مثلها، فصارت أولى بذلك القدر، والباقي للرجل؛ لقوة يده على يدها؛ لأنه قوام عليها.
قوله: (لما قلنا لأبي حنيفة) أي: في دليل أبي حنيفة.
وفي الفوائد: قال محمد: ورثة الزوج يقومون مقام الزوج؛ لأنهم خلفاؤه في ماله، فكما أن المشكل له مع يمينه في حياته، فكذا كان القول لورثته، وأبو حنيفة يقول: يد الباقي منهما أسبق من يد الورثة؛ لأن يدهم إنما تثبت بعد موته، فكما يقع الترجيح بقوة اليد نظرًا إلى صلاحية الاستعمال، فكذا يقع الترجيح لسبق اليد، ولأن يد الباقي يد نفسه، ويد الوارث خلف عن الميت، فهذا نوع من الترجيح، فكان الباقي أولى بالمشكل.
قوله: (وللحي بعد الممات) سواء كان الحي حرًا أو مملوكًا، هكذا ذكره في عامة نسخ شروح الجامع الصغير، ولكن ذكر فخر الإسلام وشمس الأئمة في شرح الجامع الصغير: لو كان أحدهما حرا والآخر مملوكًا فالمتاع للحر منهما، وكذا إن مات أحدهما كان المتاع للحر منهما، ثم قال: وما وقع في بعض
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٨١٤ ]
المُعَارِضِ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: العَبْدُ المَأذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ الحُرِّ) (*) لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا مُعْتَبَرَةٌ فِي الخُصُومَاتِ.