ولو رأى شيئًا قبل أن يتقلد القضاء، أو في غير مصره الذي هو قاضيه - لا يحكم عند أبي حنيفة ومالك (^١) خلافًا لهما، وبقولهما قال الشافعي (^٢) في قول وأحمد (^٣) في رواية لهم أن العلم حاصل له حسب حصوله في حال قضائه أو مصره، ولأبي حنيفة أنه شهادة لا علم قضاء، فلا يصير موجبًا إلا بلفظ الشهادة والعدد.
بَابُ التَّحْكِيمِ
وهذا أيضًا من فروع القضاء؛ لكن المحكم أحط رتبة من القاضي أخر ذكره (^٤) عن ذكر أدب القاضي.
يقال حكمه: أي: فوض الحكم إليه، وهو جائز (^٥) بالكتاب، قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] أراد به أن يحكم الزوجان حكما لاختيار المقام أو الفرقة، فلما جاز التحكيم في حق الزوجين دلّ على جوازه في سائر الخصومات، وفيه نوع تأمل.
وبالسنة، وهي ما روى أبو شريح أنه قال: يا رسول الله، إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوا بي فحكمت بينهم، فرضي عني الفريقان، فقال ﵇: «مَا أَحْسَنَ هَذَا» رواه النسائي، وروي أنه ﵇ عمل بحكم سعد بن معاذ في بني قريظة في سبي ذراريهم وقتل مقاتليهم.
وأجمعت الصحابة على جواز التحكيم، ورُوي أن بين عمر وأبي بن كعب كان مداراة في شيء - أي: خصومة - فحكما بينهما زيد بن ثابت فأتياه، فخرج زيد وقال لعمر: هلا بعثت فأتيتك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: في بيته تؤتى الحكم، فدخلا بيته، وألقى لعمر وسادة، فقال عمر: هذا أول جورك، وكانت
_________________
(١) انظر: المدونة (٤/¬١٦)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٥٣).
(٢) انظر: الأم (٧/ ١١٩)، الحاوي الكبير (١٦/ ٣٢٢).
(٣) الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٤٠)، المغني (١٠/¬٤٨، ٤٩).
(٤) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/¬٢٤)، رد المحتار على الدر المختار (٥/ ٤٢٧).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ٧٣)، (٢١/ ٦٢)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (٤/ ١٩٣).
[ ٦ / ٤٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليمين على عمر، فقال زيد لأبي: لو أعفيت أمير المؤمنين، فقال عمر: يمين لزمتني أحلف فقال أبي: نعفي أمير المؤمنين ونصدقه.
وفي الحديث فوائد (^١): منها: أنه يقع بينهم خصومة، ولا يظن بأحد منهم سوى الجهل، وإنما يكون ذلك عند اشتباه الحادثة عليهم، فيقدمان إلى القاضي لطلب البيان لا للتلبيس.
ومنها: جواز التحكيم، وزيد كان معروفًا فيهم بالفقه، حتى روي أن ابن عباس كان يختلف إليه، وأخذ ركابه عند ركوبه فقال: هكذا أمرنا أن نصنع بفقهائنا، فقبل زيد يده فقال: هكذا أمرنا أن نصنع بأشرافنا.
ومنها: أن الإمام لا يكون قاضيًا في حق نفسه.
ومنها: أن من احتاج إلى العلم ينبغي أن يأتي العالم في منزله وإن كان وجيها في الناس، ولا يدعوه إلى نفسه، كما فعل عمر.
ومنها: أن زيدًا أتى عمر بوسادة امتثالا لما ندب رسول الله ﷺ بقوله: «إذا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَومٍ فَأَكْرَمُوهُ» (^٢)، وبسط النبي ﵇ رداءه لعدي بن حاتم، لكن عمر لم يستحسن ذلك منه في هذا الوقت.
ومنها: ينبغي أن يسوي الحاكم بين الخصمين في كل ما يتمكن، ولكن وقع عند زيد أن الخليفة ليس كغيره، فبيّن أن الإمام كغيره في حق التسوية.
ومنها: أن لا بأس للمرء أن يحلف إذا كان صادقًا بقوله: بل أحلف، وأن يحرر عنه فهو واسع له أيضًا؛ لما روي أن عثمان امتنع عن ذلك، وقال: أخشى أن يوافق قدر يميني فيقال: أصيب بذلك.
ومنها: أن اليمين حق المدعي يستوفي بطلبه، ويترك بتركه، ألا ترى أن أبيا ترك!
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (١٦/ ٧٣، ٧٤)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/¬٢٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢٢٣ رقم ٣٧١٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٦٨ رقم ١٧١٣١) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٦ / ٤٣٤ ]
(وَإِذَا حَكَّمَ رَجُلَانِ رَجُلًا، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا وَرَضِيَا بِحُكْمِهِ جَازَ)؛ لِأَنَّ لَهُمَا وَلَايَةً عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَصَحَّ تَحْكِيمُهُمَا، وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ بِصِفَةِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي فِيمَا يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ، وَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالدَّمِّيِّ وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِّيِّ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْمُغْنِي.
وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم. كذا في المبسوط (^١) والذخيرة (^٢).
قوله: (وينفذ حكمه عليهما) ولا ينقد على غيرهما بمنزلة المصالح، حتى لو طعن المشتري بعيب، فحكم هو والبائع رجلًا، فرده على البائع بحكمه، فلم يكن للبائع أن يرده على بائعه (^٣)، ولو اصطلح البائع الأول والثاني والمشتري جميعًا على حكمه يرده على البائع الأول استحسانًا.
والوكيل بالبيع إذا ظفر المشتري بعيب، فاصطلحا على حكم، فرده بعيب لا يحدث مثله - جاز على الأمر في رواية، وفي رواية: جاز عليه دون الأمر، وإن كان عيبًا يحدث مثله يلزم البائع، إلا إذا حكمًا برضا الأمر. كذا في المحيط (^٤).
لنا: قوله: (ويشترط أهلية القضاء) أي: وقت التحكيم، حتى لو حكما عبدًا ثم أعتق، أو صبيًا ثم بلغ، أو ذميًا فأسلم وحكم - لا ينفذ حكمه كما في المولى، وكذا لو كان مسلمًا وقت التحكيم ثم ارتد، وكذا على القلب في الكل لا ينفذ حكمه. كذا في المبسوط (^٥) والذخيرة والمغني والمحيط (^٦).
قوله: (ولا يجوز تحكيم العبد والكافر والذمي) هذا من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول؛ لأنه لو جعل من قبيل إضافة المصدر إلى الفاعل ينقلب حكم المسألة، فإن ذلك جائز (^٧).
وفي المغني: يجوز تحكيم المكاتب والعبد المأذون كالسحر، وتحكيم.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ٧٣، ٧٤).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٨٥، ١١٧).
(٣) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/¬٢٦)، رد المحتار على الدر المختار (٥/ ٤٢٩).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ١١٧، ١١٨).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١١).
(٦) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ١١٧، ١١٨، ١٢١).
(٧) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١١)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ١١٨، ١١٩).
[ ٦ / ٤٣٥ ]
اعْتِبَارًا بِأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ، وَالفَاسِقُ إِذَا حَكَمَ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ عِنْدَنَا كَمَا مَرَّ فِي المُوَلَّى (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ المُحَكِّمَيْنِ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ مُقَلَّدٌ مِنْ جِهَتِهِمَا فَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِرِضَاهُمَا جَمِيعًا وَإِذَا حَكَمَ لَزِمَهُمَا لِصُدُورِ حُكْمِهِ عَنْ وِلَايَةٍ عَلَيْهِمَا
الذمي لا يجوز فيما بين المسلمين، أما لو كان الذمي حكمًا فيما بين الذميين يجوز؛ لأنه من أهل الشهادة بين أهل الذمة دون المسلمين.
قوله: (أن يرجع ما لم يحكم عليهما)، وبه قال الشافعي (^١) في قول، ومالك (^٢) في رواية، وأحمد (^٣) في وجه، وفي قول: لا يجوز رجوعه بعد إقامة البينة، وبه قال مالك (^٤) في رواية، وأحمد (^٥) في وجه؛ لأنه لو جاز ذلك يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه يرجع فيبطل المقصود من التحكيم.
وقلنا: إنه مقلد من جهتهما، فلا يحكم إلا برضاهما؛ لأنه مقلد، بفتح اللام، من جهتهما، فكان كالمقلّد من جهة السلطان، ولو عزل السلطان القاضي قبل الحكم، فكذا هنا. ذكره الصدر الشهيد (^٦).
قوله: (وإذا حكم لزمهما) لأن الحكم تم بتراضيهما، ولا يكون دون صلح جرى بينهما بالتراضي، وبعدما تم الصلح ليس لواحد أن يرجع، فهذا مثله. كذا في المبسوط (^٧).
وبه قال الشافعي (^٨) في قول، ومالك (^٩) وأحمد (^١٠)، وقال الشافعي (^١١) في
_________________
(١) انظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٤/ ٢٨٨)، نهاية المحتاج في شرح المنهاج (٨/ ٢٤٣).
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/¬٣٧)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٤١).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٤)، المغني (١٠/ ٩٥).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/¬٣٧)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٤١).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٤)، المغني (١٠/ ٩٥).
(٦) انظر: شرح أدب القاضي (٤/ ٥٩).
(٧) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١١).
(٨) انظر: أسنى أسنى المطالب في شرح الطالب (٤/ ٢٨٨)، نهاية المحتاج في شرح المنهاج (٨/ ٢٤٣).
(٩) انظر: الذخيرة (١٠/¬٣٧)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٤١).
(١٠) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٣٩٢)، كشاف القناع على متن الإقناع (٦/ ٣٠٩).
(١١) انظر: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٨/ ٢٤٣).
[ ٦ / ٤٣٦ ]
(وإذا رفع حكمه إلى القاضي، فوافق مذهبه أمضاه) لأنه لا فائدة في نقضه ثم في إبرامه على ذلك الوجه (وإن خالفه أبطله) لأن حكمه لا يلزمه لعدم التحكيم منه.
(ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص) لأنه لا ولاية لهما على دمهما،
قول: لا بد من تراضيهما بعد الحكم، وهو اختيار المزني؛ لأن ولايته بتراضيهما، وقلنا: إنه مناف للمقصود من التحكيم كما ذكرنا.
قوله: (رأيه) أي: رأي القاضي.
(أبطله) وقال مالك (^١) وابن أبي ليلى حكمه في المجتهدات نافذ كالمولى، فلا يبطله، إلا أن يكون جورا بينا لم يختلف فيه أهل العلم.
وقلنا: سبب هذا الحكم اتفاق الخصمين، فيكون بمنزلة اصطلاحهما على شيء، ولو اصطلحا في المجتهدات على شيء للقاضي رأي في تنفيذه وإبطاله، فهذا مثله، ولأن القاضي المولى ولاية على كافة المسلمين، ولهما ولاية على أنفسهما، وليس لهما ولاية على القاضي، فلا يبطل رأي القاضي بتراضيهما، ولأن الحكم كالحاكم في حقهما وفي حق غيرهما، كسائر الرعايا، فلا يجب تنفيذ حكمه على القاضي. كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص)، وبه قال الشافعي (^٣) ومالك (^٤) وأحمد (^٥)، وعن أحمد (^٦) أنه يجوز في كل ما يتحاكم إلى المولى، وبه قال الشافعي (^٧) في قول.
وفي الذخيرة (^٨): ويجوز التحكيم في القصاص، هكذا ذكر في صلح الأصل وفي كتاب الأقضية؛ لأن القصاص من حقوق العباد، فهما يملكان
_________________
(١) انظر: المدونة (٤/¬١٥)، الذخيرة (١٠/¬٣٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١١).
(٣) انظر: أسنى المطالب في روض الطالب (٤/ ٢٨٨)، نهاية المحتاج في شرح المنهاج (٨/ ٢٤٢).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/¬٣٥)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٦/ ٨٧).
(٥) انظر: الكافي في فقه اللإمام أحمد (٤/ ٢٢٤)، المغني (١٠/ ٩٥).
(٦) انظر: المغني (١٠/ ٩٥)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٣٩٣).
(٧) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٣٢٦)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٨/ ٢٤٣).
(٨) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ١٢٣).
[ ٦ / ٤٣٧ ]
وَلِهَذَا لَا يَمْلِكَانِ الإِبَاحَةَ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِرِضَاهُمَا، قَالُوا: وَتَخْصِيصُ الحُدُودِ وَالقِصَاصِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي سَائِرِ المُجْتَهَدَاتِ كَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ
الاستيفاء بأنفسهما، فيملكان التفويض إلى غيرهما قياسًا على سائر حقوق العباد.
وعن أبي حنيفة (^١): لا يجوز، فوجهه ما ذكر في الكتاب، ولأن حكم الحكم بمنزلة الصلح، فما يجوز استحقاقا بالصلح يجوز التحكيم فيه، وما لا فلا، ولا يجوز استيفاء الحد والقصاص بالصلح فلا يجوز التحكيم فيهما، وقال الشافعي (^٢) في قول: لا يجوز في غير الأموال، ويجوز في الأموال وما في معناها، وبه قال مالك (^٣)، حتى لا يجوز في حد ولا في لعان ولا في قصاص وقذف أو طلاق أو إعتاق أو نسب أو ولاء؛ لأنها مبنية على الاحتياط، فيعتبر القاضي المولى، كالحدود.
قوله: (في سائر المجتهدات) نحو الكنايات بأنها رواجع، والطلاق المضاف، وهو الظاهر عند أصحابنا، لكن مشايخنا امتنعوا عن هذه الفتوى، وقالوا: يحتاج إلى حكم المولى، كما في الحدود والقصاص؛ كيلا يتجاسر به العوام. كذا ذكره الصدر الشهيد في أدب القاضي (^٤).
وفي الذخيرة (^٥) وفتاوى العتابي: يجوز حُكْمَ الحكم في اليمين المضافة؛ لكن لا يفتي كيلا يتجاسر الناس، وجوزوا ذلك بإطلاق القاضي الشافعي المذهب، والأحسن لهذا القاضي أن يقول: أبطلت هذه اليمين، ونقضت هذا الطلاق عملا بقوله ﵇: «لَا طَلاقَ قَبْلَ النِّكاح» (^٦) وأخذا بقول من يقول من الصحابة به.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١١)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ١٢٣).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٣٢٥)، روض الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١٢١).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/¬٣٤)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٣٦).
(٤) انظر: شرح أدب القاضي (٤/ ٦٣، ٦٤).
(٥) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ١٨٣، ١٨٤).
(٦) أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٦٠) رقم (٢٠٤٨) من حديث المسور بن مخرمة ﵁. قال ابن حجر: رواه ابن ماجه بإسناد حسن. التلخيص الحبير (٣/ ٤٥٥)، وقال البوصيري: هذا إسناد حسن. مصباح الزجاجة (٧٢٩).
[ ٦ / ٤٣٨ ]
وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ، وَيُقَالُ: يُحْتَاجُ إِلَى حُكْمِ المُوَلَّى دَفْعًا لِتَجَاسُرِ العَوَامَ، وَإِنْ حَكَمَاهُ فِي دَمِ خَطَرٍ فَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى العَاقِلَةِ لَمْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، إِذْ لَا تَحْكِيمَ مِنْ جِهَتِهِمْ. وَلَوْ حَكَمَ عَلَى القَاتِلِ بِالدِّيَةِ فِي مَالِهِ رَدَّهُ القَاضِي وَيَقْضِي بِالدِّيَةِ عَلَى العَاقِلَةِ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِرَأْيِهِ وَمُخَالِفٌ لِلنَّصُ أَيْضًا، إِلَّا إِذَا ثَبَتَ القَتْلُ بِإِقْرَارِهِ، لِأَنَّ العَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ البَيِّنَةَ
وكذا من تزوج امرأة بغير ولي فطلقها ثلاثًا، فبعث القاضي إلى شفعوي ليحكم بينهما ببطلان ذلك، وببطلان الثلاث يجوز، وكذا لو حكما بذلك حكمًا يجوز، ولا يفتي؛ لما مر (^١).
وكذا من غاب عن امرأته غيبة منقطعة، ولم يَخْلِفُهَا نفقة، فبعث إلى الشفعوي ليحكم بفسخ النكاح لعجز النفقة يجوز، ولو كان للغائب متاع وأملاك وعقار يتحقق العجز؛ لأنه لا يجوز بيع هذه الأشياء للنفقة على الغائب (^٢).
قوله: (مخالف للنص)، وهو حديث حمل بن مالك «قُومُوا فَدُوهُ»، على ما يجيء في المعاقل (إلا إذا ثبت القتل) أي: قتل الخطأ (بإقراره) فحينئذ يجوز حكمه بالدية عليه؛ لأن ما يجب بالإقرار لا تتحمله العاقلة بالحديث كما يجيء، فكان حكمه موافقا للشرع فينفذ (^٣).
وفي الذخيرة (^٤): وأما أروش الجراحات؛ فإن كان بحيث لا تتحملها العاقلة، وتجب في مال الجاني بأن كانت دون أرش الموضحة، وهو خمسمائة درهم، وثبت ذلك بالإقرار أو النكول أو كان عمدًا، وقضى على الجاني - جاز؛ لأنه لا يخالف حكم الشرع.
ولو كانت بحيث تتحملها العاقلة لا يجوز قضاؤه بها أصلا؛ لأنه إن قضى على الجاني يصير مخالفا لحكم الشرع، وعلى العاقلة لا يجوز؛ لأنهم ما رضوا بحكمه.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ١٨٧)، فتح القدير (٧/ ٣١٩).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ١٨٨)، فتح القدير (٧/ ٣١٩).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٧/ ١٣١)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٨/ ٤٥٧).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ١٢٣).
[ ٦ / ٤٣٩ ]
وَيَقْضِيَ بِالنُّكُولِ وَكَذَا بِالإِقْرَارِ) لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُوَافِقٌ لِلشَّرْعِ، وَلَوْ أَخْبَرَ بِإِقْرَارِ أَحَدِ الخَصْمَيْنِ أَوْ بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ وَهُمَا عَلَى تَحْكِيمِهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّ الوِلَايَةَ قَائِمَةٌ، وَلَوْ أَخْبَرَ بِالحُكْمِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِانْقِضَاءِ الوِلَايَةِ كَقَوْلِ المُوَلَّى بَعْدَ العَزْلِ.
(وَحُكْمُ الحَاكِمِ لِأَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ بَاطِلٌ، وَالمُوَلَّى وَالمُحَكَّمُ فِيهِ سَوَاءٌ) وَهَذَا: لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِهَؤُلَاءِ لِمَكَانِ التَّهْمَةِ، فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ القَضَاءُ لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ لِانْتِفَاءِ التَّهْمَةِ فَكَذَا القَضَاءُ، وَلَوْ حَكَمَا رَجُلَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا، لِأَنَّهُ أَمْرٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرَّأْيِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قوله: (ولو أخبر) أي: المحكم يعني لو قال المُحكّم لأحدهما: قد أقررت عندي أو قامت عندي بينة عليك لهذا، فعدلوا عندي، وقال: ألزمتك ذلك، وحكمت لهذا عليك، فأنكر المقضي عليه بشيء من ذلك لم يلتفت إلى قوله، ومضى القضاء عليه؛ لأن المحكم ما دام على تحكيمها كالقاضي المولى، ولو قال المولى ذلك لا يلتفت إلى إنكاره المقضي عليه، فكذا هنا إلا أن يخرجه عن الحكم أو يعزله قبل أن يقول قد حكمت عليك، ثم قال المحكم: ذلك لا يصدق (^١) كذا في أدب القاضي للصدر الشهيد (^٢).
قوله: (يحتاج فيه إلى الرأي) وأنهما رضيا برأيهما، ورأي الواحد لا يكون كرأي المثنى، كما في البيع ونحوه، ولا يصدقان على ذلك الحكم بعد القيام من مجلس الحكومة حتى يشهدا على ذلك غيرهما؛ لأنهما بعد القيام عن مجلس الحكومة كسائر الرعايا، فلا تقبل شهادتهما على فعل باشراه. كذا في المبسوط (^٣).
وفي المحيط (^٤): ولو حكما حرًا وعبدًا محكمًا لم يجز، ولو حكم مسلم ومرتد رجلًا فحكم بينهما، ثم قتل المرتد أو لحق بدار الحرب لم يجز حكمه عليهما، ولو أمر الإمام رجلًا أن يحكم بين الناس وهو ممن تجوز شهادته جاز،
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ١٢٢).
(٢) انظر: شرح أدب القاضي (٤/ ٦٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١١).
(٤) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ١٢٣ - ١٢٥).
[ ٦ / ٤٤٠ ]