(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَحْجُرُ فِي الدَّيْنِ، وَإِذَا وَجَبَتْ دُيُونٌ عَلَى رَجُلٍ وَطَلَبَ غُرَمَاؤُهُ حَبْسَهُ وَالحَجْرَ عَلَيْهِ: لَمْ أَحْجُرْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ فِي الحَجْرِ إِهْدَارَ أَهْلِيَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ خَاصٌ.
(فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ الحَاكِمُ) لِأَنَّهُ نَوْعُ حَجْرٍ، وَلِأَنَّهُ تِجَارَةٌ لَا عَنْ تَرَاضِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا بِالنَّصِّ وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ أَبَدًا حَتَّى يَبِيعَهُ فِي دَيْنِهِ إِيفَاءً لِحَقِّ
في المغرب. وَأَدْنَى السن الذي يعتبر قوله بالبلوغ اثني عشرة سنة، وفي حق الجارية تسع سنين، كذا في فتاوي قاضي خان، وفتاوى الظهيرية.
بَابُ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ
وإنما أخر هذا الحجر من حجر السفيه؛ لأن هذا الحجر موقوف على طلب الغرماء، فيكون فيه وصف زائد يتوقف الحجر بعد المشاركة في سببية الحجر.
الكلام في هذا الحجر في موضعين: أحدهما: أن من ركبه الديون، وليس في ماله وفاء به، وخيف أن يلجئ ماله بطريق الإقرار، أو ببيع التلجئة، وطلب الغرماء من القاضي الحجر عليه لا يحجر عليه عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، ومالك، وأحمد: يحجر عليه. والثاني: أنه لا يباع على المديون ماله في قول أبي حنيفة، خلافا لهم العروض والعقار فيه سواء عنده، إلا مبادلة أحد النقدين بالآخر، فللقاضي أن يفعل ذلك عنده استحسانا؛ لقضاء دينه، كذا في المبسوط.
وفي الذخيرة: قال بعض مشايخنا: مسألة الحجر بسبب الدين بناء على مسألة القضاء بالإفلاس؛ لأن من شرط صحة الحجر على المديون القضاء
[ ٧ / ٥٠٦ ]
الغُرَمَاءِ، وَدَفْعًا لِظُلْمِهِ (وَقَالَا: إِذَا طَلَبَ غُرَمَاءُ المُفْلِسِ الحَجْرَ عَلَيْهِ، حَجَرَ القَاضِي عَلَيْهِ، وَمَنَعَهُ مِنْ البَيْعِ وَالتَّصَرُّفِ وَالإِقْرَارِ حَتَّى لَا يَضُرَّ بِالغُرَمَاءِ) (*) لِأَنَّ الحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ إِنَّمَا جَوَّزَاهُ نَظَرًا لَهُ، وَفِي هَذَا الحَجْرِ نَظَرٌ لِلْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ عَسَاهُ يُلْجِيُّ مَالَهُ فَيَفُوتُ حَقَّهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمَا: وَمَنَعَهُ مِنْ البَيْعِ أَنْ يَكُونَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ، أَمَّا
بإفلاسه أولا، ثم الحجر بناء عليه، ولهذا لا يصح حجره من غير القضاء بإفلاسه بالإجماع، والإفلاس لا يتحقق عنده حال حياته؛ لأن مال الله غاد ورائح.
وقال بعضهم: هذه مسألة ابتدائه، فعلى هذا القول المانع من الحجر عنده تضمنه إلحاق الضرر بالمحجور لا تعلق له بالقضاء بالإفلاس. لهم حديث معاذ روى الدارقطني عن كعب بن مالك، عن أبيه: أن رسول الله ﵊ حجر على معاذ ماله في دين كان عليه.
وعن عبد الرحمن بن كعب قال: كان معاذ شابا سخيًا، وكان لا يمسك شيئًا، فلم يزل يُدان حتى أغرق ماله في الدين، فأتى غرماؤه النبي ﵊ فكلمهم، فلو تُرِكَ أحدٌ لِأَجْلِ أَحَدٍ لَتُرِكَ معاذ لأَجْلِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فباع رسول الله ﷺ ماله حتى قام معاذ بغير شيء.
قال بعض أهل العلم: إنما لم يترك الغرماء لمعاذ حين كلمهم النبي ﵊؛ لأنهم كانوا يهودًا، ولأن في حَجْرِهِ نظرا للغرماء، فكما يحجر نظرا له لسفهه، فكذا يحجر عليه نظرًا للمسلمين، ولأنه امتنع عن إيفاء حق مستحق عليه، إذ بيع ماله بقضاء دينه مستحق عليه، بدليل أنه يحبس إذا امتنع منه، وهو مما تجري فيه النيابة، فناب القاضي منابه، كما في الذمي إذا أسلم عبده وأبى أن يبيعه، باعه القاضي عليه، وكما في العنين أو المجنون إذا أبي أن يفارق امرأته، ناب القاضي منابه.
قوله: (لأنه) أي: المفلس المديون (عساه يلجئ ماله) أي: ببيع تلجئة من عظيم، لا يمكن الانتزاع من يده، أو يقرُّ له بماله (فيفوت حقهم) أي: حق الغرماء، وله أن في الحجر عليه إهدار أقواله، وإلحاقه بالبهائم، فلا يجوز لدفع
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
[ ٧ / ٥٠٧ ]
البَيْعُ بِثَمَنِ المِثْلِ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الغُرَمَاءِ وَالمَنْعُ لِحَقِّهِمْ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ. قَالَ: (وَبَاعَ مَالَهُ إِنْ امْتَنَعَ المُفْلِسُ مِنْ بَيْعِهِ، وَقَسَمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالحِصَصِ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ البَيْعَ مُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ لِإِيفَاءِ دَيْنِهِ حَتَّى يُحْبَسَ لِأَجْلِهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ القَاضِي مَنَابَهُ كَمَا فِي الجَبِّ وَالعِنَّةِ. قُلْنَا: التَّلْجِنَّةُ مَوْهُومَةٌ، وَالمُسْتَحَقُّ قَضَاءُ الدَّيْنِ، وَالبَيْعُ لَيْسَ بِطَرِيقِ مُتَعَيِّنِ لِذَلِكَ، بِخِلَافِ الجَبِّ وَالعِنَّةِ
ضرر خاص، ولا يجوز بيع ماله بغير رضاه؛ لأنه نوع حجر؛ لأن بيع ماله غير مستحق لقضاء الدين لإمكان أدائه بوجه آخر، فلا يكون للقاضي أن يباشر ذلك عليه عند امتناعه كما في الإجارة والتزويج، إذ يمكنه قضاؤه بالاستقراض والاستيهاب، ولأن بيع ماله بغر رضاه تجارة عن غير تراض، فيكون باطلا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَنْ تراض﴾ [النساء: ٢٩].
وقال ﵇: «لَا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيبة نفسٍ مِنهُ» (^١) ونفسه لا تطيب ببيع القاضي ماله عليه، فلا ينبغي له أن يفعله، ولكن يحبسه حتى يبيع في دينه إبقاء لحق الغرماء، ودفعا (للظلمة) (^٢) الذي تحقق بالامتناع عن قضاء الدين منه.
والحبس للدين مشروع بالإجماع، وأما حديث معاذ حكاية حال، فيحتمل أن يكون برضاه، مع أن حديثه مرسل، وهو ليس بحجة عند الخصم.
وأما خوف التلجئة فموهوم، فلا يجعل كالمتحقق، ثم الضرورة في إهدار قوله متحقق فلا يعارضه الموهوم، وهذا معنى قوله: (قلنا: التلجئة موهومة) إلى آخره.
قوله: (بخلاف الجَبِّ والعِنَّةِ) (^٣) فإن التفريق متعين هناك؛ لأنه لم يمكنه
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٧٢) رقم (٢٠٧١٤)، والدارقطني (٣/ ٤٢٤) رقم (٢٨٨٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ١٠٠ رقم ١١٨٧٧) من حديث أبي حرة الرقاشي، عن عمه ﵁. وضعفه ابن حجر في "تلخيص الحبير" (٣/ ١١٣)، والبوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة " (٢٩٠١).
(٢) هكذا في نسخة المخطوط والصواب: (للظلم).
(٣) في الأصل: (واللعنة)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥٠٨ ]
وَالحَبْسُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِمَا يَخْتَارُهُ مِنْ الطَّرِيقِ، كَيْفَ وَلَوْ صَحَ البَيْعُ كَانَ الحَبْسُ إِضْرَارًا بِهِمَا بِتَأْخِيرِ حَقِّ الدَّائِنِ وَتَعْذِيبِ المَدْيُونِ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ، وَلَهُ دَرَاهِمُ: قَضَى القَاضِي بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّ لِلدَّائِنِ حَقَّ الأَخْذِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يُعِينَهُ وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ وَلَهُ دَنَانِيرُ، أَوْ عَلَى ضِدٌ ذَلِكَ: بَاعَهَا القَاضِي فِي دَيْنِهِ)
الإمساك بالمعروف، فناب القاضي منابه، أما هاهنا لقضاء الدين، فإنه يمكنه الاستقراض، والاستيهاب، وسؤال الصدقة من الناس، فلا يكون للقاضي تعيين هذه الجهة عليه بمباشرة بيع ماله، وكذا إخراج العبد المسلم عن ملك الذمي مستحق عليه بالبيع، فينوب القاضي منابه.
قوله: (والحبس لقضاء الدين) إلى آخره، جواب عن قولهما: حتى يحبس بالرفع، وليست حتى للغاية، بل الحبس ثابت مطلقا، يعني الحبس ليس لبيع ماله لقضاء الدين، بل الحبس لأجل أن يختار قضاء دينه بأي شيء كان من البيع والاستقراض والاستيهاب وسؤال الصدقة، فكان في جواز الحبس أقوى دليل لأبي حنيفة؛ لأن العلماء لما اتفقوا على جواز الحبس في الدين، يعلم أن ليس للقاضي ولاية بيع ماله؛ لأنه لو جاز لكان الاشتغال بالحبس إضرارًا بالغرماء بتأخر حقهم بغير حاجة، وتعذيب المديون بلا فائدة، فلا يكون مشروعًا، فكان جواز الحبس دليلًا واضحًا على عدم جواز بيع القاضي ماله، وهذا من أحاسن القلب، حيث جعل دليل الخصم دليل نفسه عليهم، كذا في المبسوط.
قوله: (بأقل من المثل) (^١) حتى لو باع بأقل من ثمن المثل يخير المشتري بين إزالة الغبن وبين الفسخ، ولو باع من الغريم بثمن المثل، وجعل الثمن له بالدين، إن كان الغريم واحدًا يجوز، كما في المقاصة، وإلا يجوز البيع بثمن المثل كالأجنبي، ولا يجوز المقاصة لتعلق الغير به، ولو قضى دين بعض
_________________
(١) انظر المتن ص ٥٠٧.
[ ٧ / ٥٠٩ ]
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِحْسَانُ. وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَبِيعَهُ كَمَا فِي العُرُوضِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَهُ جَبْرًا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي الثَّمَنِيَّةِ وَالمَالِيَّةِ مُخْتَلِفَانِ فِي الصُّورَةِ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى الاتِّحَادِ يَثْبُتُ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى الاخْتِلَافِ يُسْلَبُ عَنْ الدَّائِنِ وِلَايَةُ الأَخْذِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، بِخِلَافِ العُرُوضِ، لِأَنَّ الغَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِصُوَرِهَا وَأَعْيَانِهَا، أَمَّا النُّقُودُ فَوَسَائِلُ فَافْتَرَقَا
الغرماء به، لا يملك فيه تخصيصه بقضاء دينه، وأنه محجور عنه كما في المريض مرض الموت، كذا في الذخيرة.
قوله: (وهذا عند أبي حنيفة استحسان) خص أبا حنيفة؛ لأن الشبهة ترد على قوله: (أنهما متحدان في الثمنية)، فإنهما خلقا للثمنية والمالية، ولهذا يضم أحدهما إلى الآخر في حكم الزكاة، ولو كان ماله من جنس الدين صورة كالدراهم كان للقاضي أن يقضي دينه، فكذا إذا كان من جنسه معنى.
وقوله: (بالنظر إلى الاختلاف) إلى آخره جواب سؤال يرد عليه، فإذا كان متحدا معنى ينبغي أن يكون لرب الدين أخذه متى ظفر به من غير قضاء، كما لو ظفر بجنس حقه، وبالإجماع ليس له ذلك فقال: هما جنسان: صورة، وحقيقة، ولهذا لا يجرى بينهما ربا الفضل للاختلاف، فبالنظر إلى الاتحاد يثبت للقاضي ولاء التصرف.
ولهذا جعل ابن أبي ليلى أن يأخذ رب الدين أحد النقدين بالآخر من غير قضاء ولا رضى، فجعلنا للقاضي ولاية الاجتهاد هنا في مبادلة أحد النقدين بالآخرين لقضاء الدين، ولا يوجد هذا المعنى في سائر الأموال، وفيه إضرار بالمديون؛ لإبطال حقه من عين ملكه في الأعيان، وللقاضي ولاية النظر للغرماء على وجه لا يلحق الضرر فوقه على المديون، بخلاف النقدين لما ذكرنا من الاتحاد، وبالنظر إلى الاختلاف حقيقة يسلب عن رب الدين ولاية الأخذ عملا بالشبهتين، ولم يعكس؛ لأنه حينئذ يلزم ترك الأخذ بأحد الشبهتين؛ لأن ولاية القاضي أعم وأقوى، فلو ثبت للغريم ولاية الأخذ مع قصور ولايته فيثبت للقاضي أيضًا لقوته أولى.
[ ٧ / ٥١٠ ]
(وَيُبَاعُ فِي الدَّيْنِ النُّقُودُ،
قوله: (ويباع في الدين النقود) إلى آخره، في الذخيرة: فعلى قولهما يبيع القاضي ماله، ولكن يبدأ بدنانيره إذا كان الدين دراهم، فإن فضل الدين عن ذلك يبيع العروض أولا لا العقار؛ لأن العروض معدة للتلف، والتصرف، والاسترباح عليه، فلا يلحقه كبير ضرر في بيعه وإن لم يف، فحينئذ يبيع العقار، وأما بدون ذلك فلا يبيعه؛ لأن العقار أعد للاقتناء، فيلحقه ضرر كبير، وهذا الذي ذكره رواية عنهما، وفي رواية يبدأ القاضي ببيع ما يخشى عليه التلف من عروضه، ثم يبيع ما لا يخشى عليه التلف، ثم يبيع العقار.
فالحاصل: أن القاضي نصب ناظرًا، فينبغي أن ينظر للمديون فيبيع ما كان أنظر له، وبيع ما يخشى عليه التلف أنظر، ثم قال: إذا كان للمديون ثياب يلبسها، ويمكنه أن يجتزئ بدون ذلك يبيع ثيابه، ويشتري بثمنه ثوبا يلبسه، وما فضل يقضي دينه؛ لأن ذلك للتجمل، وقضاء الدين فرض عليه، وعلى هذا لو كان له مسكن ويمكنه أن يجتزئ بما دون ذلك يبيع المسكن ويشتري بثمنه ما يجتزئ، وما فضل يقضي دينه ولا تباع داره التي لا غنى له عن سكناها، وبه قال أحمد.
وقال الشافعي، ومالك: تباع، ويستأجر من ثمنه مسكنا له، ويقضي بالفضل دينه لما روي أنه ﵊ قال في الذي في ثمار ابتاعها (^١)، فكثر دينه فقال لغرمائه: «خُذُوا ما وَجَدْتُم» (^٢)، وهذا مما وجدوه، ولأنه عين مال المفلس، فوجب صرفه في ديونه كسائر أمواله.
وقلنا هذا مما لا غنى للمفلس عنه، فلم يصرف في دينه كثيابه وقوته.
والحديث قضية في عين يحتمل أنه لم يكن عقارًا ولا خادمًا، ويحتمل أنه ﵊ [قال] (^٣) «خُذُوا مَا وَجَدْتُم» مما تصدق به عليه، فإنه المذكور قبل ذلك، فقد روي أنه ﵊ قال: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية، ولعل صوابها: ([أصيب] في ثمار ابتاعها) كما في الحديث.
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١١٩١ رقم ١٥٥٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥١١ ]
ثُمَّ العُرُوض، ثُمَّ العَقَارُ، يُبْدَأُ بِالأَيْسَرِ فَالأَيْسَرِ) لِمَا فِيهِ مِنْ المُسَارَعَةِ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ مَعَ مُرَاعَاةِ جَانِبِ المَدْيُونِ (وَيُتْرَكُ عَلَيْهِ دَسْتُ مِنْ ثِيَابِ بَدَنِهِ، وَيُبَاعُ البَاقِي) لِأَنَّ بِهِ كِفَايَةٌ، وَقِيلَ: دَسْتَانِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الأَئِمَّةِ الحَلْوَانِيِّ، لِأَنَّهُ إِذَا غَسَلَ ثِيَابَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَلْبَسٍ.
قَالَ: (فَإِنْ أَقَرَّ فِي حَالِ الحَجْرِ بِإِقْرَارٍ: لَزِمَهُ ذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ الدُّيُونِ)، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَذَا المَالِ حَقُّ الأَوَّلِينَ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِمْ بِالْإِقْرَارِ لِغَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ الاسْتِهْلَاكِ، لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (وَلَوْ اسْتَفَادَ مَالًا آخَرَ بَعْدَ الحَجْرِ: نَفَذَ إِقْرَارُهُ
فتصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال ﵊ «خُذُوا مَا وَجَدْتُم» (^١) أي ما تصدق به عليه.
والظاهر: أنه لم يتصدق عليه بدار هو محتاج إلى سكناها، ولا خادم هو محتاج إلى خدمته، ولا الحديث مخصوص بثيابه وقوته، فيقيس عليه محل النزاع، وقياسهم ينتفض بذلك أيضًا.
وعن هذا قال مشايخنا: إنه يبيع ما لا يحتاج إليه في الحال كاللبد في الصيف، والنطع في الشتاء، ذكره في الخلاصة، والمنية أيضًا، ولا يعلم فيه خلاف.
وفي شرح الطحاوي: لو باع القاضي أو أمينه مال المديون، فالعهدة على المطلوب لا على القاضي وأمينه حتى لو استحق المبيع، فإنه يرجع بالثمن على المطلوب لا على القاضي وأمينه (^٢).
وقال الشافعي، وأحمد على المديون، وقال مالك: على الغرماء إن كان الثمن جنس حقهم، وإلا على المديون.
قوله: (بخلاف الاستهلاك) حيث يصير المتلف عليه أسوة للغرماء بلا خلاف؛ لأن الحجر لا يصح في الفعل الحسي؛ لأنه لا مرد له.
وفي الذخيرة: لو كان سبب الدين ثابتًا عند القاضي بعلمه، أو بالشهادة بأن شهدوا على استقراضه، أو شرائه بمثل القيمة شارك الغرماء.
_________________
(١) الحديث السابق.
(٢) وقع تكرار في الأصل.
[ ٧ / ٥١٢ ]
فِيهِ) لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ لِعَدَمِهِ وَقْتَ الحَجْرِ.
قَالَ: (وَيُنْفَقُ عَلَى المُفْلِسِ مِنْ مَالِهِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ الصِّغَارِ وَذَوِي أَرْحَامِهِ مِمَّنْ يَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ حَاجَتَهُ الأَصْلِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الغُرَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِغَيْرِهِ فَلَا يُبْطِلُهُ الحَجْرُ، وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ كَانَتْ فِي مِقْدَارِ مَهْرِ مِثْلِهَا أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ، وَطَلَبَ غُرَمَاؤُهُ حَبْسَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا مَالَ لِي، حَبَسَهُ
وعند الشافعي: لو أقر بدين لزمه قبل الحجر يلزمه في الأصح، وفي قول لا يلزمه، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد.
وتصرفات المحجور من بيع أو هبة أو عتق لا تصح عند الشافعي في الأصح، وبه قال مالك، وأحمد في غير العتق، وفي قول تصح، ويكون موقوفا.
فإن قضى ديونه من غير نقض التصرف نفذ تصرفه، وإلا يفسخ منها الأضعف فالأضعف يبدأ بالهبة، ثم بالبيع، ثم بالعتق.
وعند أحمد، وأبي يوسف، يصح عتقه؛ لأنه صدر عن مالك رشيد، ولا يقبل الفسخ.
وقال أحمد في رواية: لا يصح كالبيع والهبة، وما فعله قبل الحجر يصح بلا خلاف.
قوله: (ويُنْفَقُ) على بناء المفعول (أي المفلس) المحجور المديون، (وعلى زوجته إلى آخره ولا يعلم فيه خلاف لأحد، وكذا كسوتهم.
لأنه حق ثابت لغيره) أي: لغير المفلس، وهو من تجب نفقته عليه فلا يبطله الحجر.
قوله: (حبسه) اعلم أن من وجب عليه دين حال فطولب به، ولم يؤده نظر الحاكم فإن كان له مال ظاهر أمره بالقضاء، وإن لم يكن له مال ظاهر وادعى الإعسار إن صدقه غريمه لم يحبس به، ووجب إنظاره لقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة﴾ [البقرة: ٢٨٠] فإن لم يصدقه غريمه، أما إن عرف له مال أو لا، فإن عرف
[ ٧ / ٥١٣ ]
الحَاكِمُ فِي كُلِّ دَيْنِ التَزَمَهُ بِعَقْدِ كَالمَهْرِ وَالكَفَالَةِ) وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الفَصْلَ بِوُجُوهِهِ فِي كِتَابِ أَدَبِ القَاضِي مِنْ هَذَا الكِتَابِ، فَلَا نُعِيدُهَا، إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ إِنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، يَعْنِي خَلَّى سَبِيلَهُ لِوُجُوبِ النَّظِرَةِ إِلَى المَيْسَرَةِ، وَلَوْ مَرِضَ فِي الحَبْسِ يَبْقَى فِيهِ إِنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ يَقُومُ بِمُعَالَجَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخْرَجَهُ تَحَرُّزًا عَنْ هَلَاكِهِ، وَالمُحْتَرِفُ فِيهِ لَا يُمَكِّنُ مِنْ الاشْتِغَالِ بِعَمَلِهِ، هُوَ الصَّحِيحُ،
ماله، وثبت الدين بالمعاوضة حبسه، وإن لم يعرف وأقام بينة على إعساره وجب إنظاره، لما تلونا.
قال ابن المنذر: أكثر العلماء وفقهاء الأمصار يرون الحبس في الدين إلا عمر بن عبد العزيز، والليث بن سعد، وعبيد الله بن جعفر، ولا يحبس ويقسم ماله، إن كان وقد مر هذا الفصل بوجهه في كتاب القضاء ثم إقامة البينة على الإعسار مقبولة.
وبه قال الشافعي، وأحمد، إن كان الشاهد أهل خبرة ومخالطة.
وقال مالك: لا تقبل البينة على الإعسار؛ لأنه شهادة على النفي.
وقلنا: إن الشهادة على النفي إنما لم تقبل إذا لم تكن في ضمن حق.
قوله: (تحرزا عن الهلاك) لأنه لا يجوز الإهلاك لمكان الدين، ألا ترى أنه لو توجه إليه الهلاك بالمخمصة كان له أن يدفعه بمال الغير، فكيف يجوز إهلاكه لأجل مال الغير؟
وعن أبي يوسف: لا يخرجه أيضًا؛ لأن الهلاك لو كان بسبب المرض وأنه في الحبس وغيره سواء.
وقوله: (وهو الصحيح) احتراز عما قال بعض مشايخنا: لا يمنع من الاكتساب فيه.
وبه قال الشافعي في الأصح؛ لأن فيه نظرًا للجانبين؛ لأن نفقته ونفقة عياله عليه، فيمكن من الكسب.
وقال الخصاف: الأصح أنه يمنع منه، وبه قال الشافعي في قول، ليضجر
[ ٧ / ٥١٤ ]
لِيَضْجَرَ قَلْبُهُ فَيَنْبَعِثَ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ وَفِيهِ مَوْضِعُ يُمْكِنُهُ فِيهِ وَطْؤُهَا لَا يُمْنَعُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ قَضَاءُ إِحْدَى الشَّهْوَتَيْنِ فَيُعْتَبَرُ بِقَضَاءِ الأُخْرَى. قَالَ: (وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الحَبْسِ، بل يُلَازِمُونَهُ وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالسَّفَرِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لِصَاحِبِ الحَقِّ يَدٌ وَلِسَانُ» أَرَادَ بِاليَدِ المُلَازَمَةَ وَبِاللِّسَانِ التَّقَاضِيَ. قَالَ: وَيَأْخُذُونَ فَضْلَ كَسْبِهِ، يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالحِصَصِ لِاسْتِوَاءِ حُقُوقِهِمْ فِي القُوَّةِ (وَقَالَا: إِذَا فَلَّسَهُ الحَاكِمُ حَالَ بَيْنَ الغُرَمَاءِ
قلبه فيسارع إلى القضاء ولو لم يمنع منه لا يلحقه الضجر؛ لأن السجن حينئذ يصير له بمنزلة الحانوت، فلا يحصل المقصود، كذا في الذخيرة.
قوله: (يقسم بينهم بالحصص) هذا إذا أخذ أرباب الديون كسبه بغير اختياره، أو قسمه القاضي بغير اختياره، أما المديون لو أثر بعض غرمائه باختياره فله ذلك، ولهذا لو حبسوه بدينهم في مجلس القاضي فإذا كان المديون حاضرًا يقضي ديونهم بنفسه، وله أن يؤثر البعض على البعض، ولو كان غائبا فالقاضي يقسم بينهم بالحصص، وليس له أن يؤثر البعض على البعض عندنا، ذكره في الذخيرة، وفتاوى النسفي.
قوله: (وقالا) أي أبو يوسف، ومحمد (إذا فلسه الحاكم) يعني متى ثبت إعساره لم يمكن لأحد مطالبته وملازمته، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
لأبي حنيفة قوله ﵊: «لِصَاحِبِ الحَقِّ»، الحديث.
ووجه التمسك به أن الحديث مطلق، فيتناول الزمان الذي بعد الإطلاق، والقضاء بالإفلاس لا يتحقق، فيكون معسرًا قطعًا، والآية تتناول المعسر قطعا، فلا يكون الحديث معارضًا للآية.
وهم يقولون: ليس لصاحب الحق بعد إعساره مطالبة بالنص، كما لو كان دينه مؤجلا.
قال في المغني لابن قدامة والحديث فيه مقال يحمل على الموسر، بدليل ما روي أنه ﵊ قال لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه: «خُذوا مَا وَجَدْتُم وليسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» رواه مسلم، والترمذي.
[ ٧ / ٥١٥ ]
وَبَيِّنَهُ إِلَّا أَنْ يُقِيمُوا البَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ مَالًا) (*) لِأَنَّ القَضَاءَ بِالإِفْلَاسِ عِنْدَهُمَا يَصِحُ، فَتَثْبُتُ العُسْرَةُ وَيَسْتَحِقُّ النَّظِرَةَ إِلَى المَيْسَرَةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لَا يَتَحَقَّقُ القَضَاءُ بِالإِفْلَاسِ، لِأَنَّ مَالَ اللَّهِ تَعَالَى غَادٍ وَرَائِحٌ، وَلِأَنَّ وُقُوفَ الشُّهُودِ عَلَى عَدَمِ المَالِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا ظَاهِرًا، فَيَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِإِبْطَالِ حَقِّ المُلَازَمَةِ. وَقَوْلُهُ: «إِلَّا أَنْ يُقِيمُوا البَيِّنَةَ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَيِّنَةَ اليَسَارِ تَتَرَجَّحُ عَلَى بَيِّنَةِ الإِعْسَارِ، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا، إِذْ الأَصْلُ هُوَ العُسْرَةُ. وَقَوْلُهُ فِي المُلَازَمَةِ: «لَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالسَّفَرِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَدُورُ مَعَهُ أَيْنَمَا دَارَ وَلَا يُجْلِسُهُ فِي مَوْضِعِ، لِأَنَّهُ حَبْسٌ (وَلَوْ دَخَلَ دَارَهُ لِحَاجَتِهِ،
وفي كلامه نوع تأمل؛ لأنه ذكر قبل هذا أن ذلك فيما تصدق عليه إلى آخر ما ذكرنا.
قوله: (على بينة الإعسار) وفي بعض النسخ (على بينة اليسار) فاليسار اسم للإيسار من أيسر إذا استغنى والإعسار مصدر أعسر، أي: افتقر، واليسار (^١) في معناه خطأ، كذا في المغرب (^٢).
وقيل في جوابه: ذكر اليسار على طريق الازدواج، ويغير اللفظ عن موضوعه للازدواج كما ذكر في الكشاف في تقريره قوله تعالى: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] فقال: قد غَيَّروا كثيرًا من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج.
قوله: (لأنه حبس) أي: إجلاسه في موضع حبس له، وليس له حبس الحق.
وعن محمد: للمدعي أن يجلسه في مسجد حيه، وإن شاء في بيته؛ لأنه ربما يطوف به في الأسواق والسكك من غير حاجة، فيتضرر به المدعي، وفي رواية منه يلازمه حيث أحب في المصر، ولو كان لا معيشة له إلا من كسبه لا يمنعه أن يسعى في مقدار قوته يومًا، فإذا حصل ذلك القدر في يومه فله منعه من الذهاب في ذلك ويحبسه.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) كذا في الأصل والنسخة الثالثة: (اليسار)، وفي المغرب: (العسار).
(٣) المغرب للمطرزي (ص ٣١٥).
[ ٧ / ٥١٦ ]
لَا يَتْبَعُهُ، بَلْ يَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِهِ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ) لِأَنَّ الإِنْسَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَوْضِعُ خَلْوَةِ، وَلَوْ اخْتَارَ المَطْلُوبُ الحَبْسَ وَالطَّالِبُ المُلَازَمَةَ فَالخِيَارُ إِلَى الطَّالِبِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي حُصُولِ المَقْصُودِ لِاخْتِيَارِهِ الأَضْيَقَ عَلَيْهِ، إِلَّا إِذَا عَلِمَ القَاضِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ بِالمُلَازَمَةِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ بِأَنْ لَا يُمَكِّنَهُ مِنْ دُخُولِهِ دَارَهُ فَحِينَئِذٍ يَحْبِسُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِلرَّجُلِ عَلَى المَرْأَةِ لَا يُلَازِمُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الخَلْوَةِ بِالأَجْنَبِيَّةِ، وَلَكِنْ يَبْعَثُ امْرَأَةً أَمِينَةٌ تُلَازِمُهَا.
قَالَ: (وَمَنْ أَفْلَسَ وَعِنْدَهُ مَتَاعٌ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ: ابْتَاعَهُ مِنْهُ فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ فِيهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَحْجُرُ القَاضِي عَلَى المُشْتَرِي بِطَلَبِهِ.
قوله: (لا يتبعه) وفي الذخيرة: هذا إذا لم يُعِدَّ له موضعا لغائط أو بول، فأما إذا أعدَّ موضعًا آخر له أن يمنعه عن الدخول في بيته، حتى لا يهرب من جانب آخر، وفي الأقضية: إذا كان عمل الملزوم سَقْيَ الماء ونحوه لا يمنعه من ذلك، إلا إذا كفاه نفقته ونفقة عياله، وهكذا في الدخول في البيت، كما ذكره في الذخيرة.
قوله: (لأنه أبلغ) أي: لأن ما اختاره الطالب من الملازمة أبلغ (في حصول المقصود) وهو قضاء الدين؛ لأن ملازمة من لا يجانسه أشد من كل شديد.
قوله: (ومن أفلس وعنده) أي: عند المفلس.
(ابتاعه منه) أي: اشتراه من ذلك الرجل (فصاحب المتاع أسوة للغرماء) أي: مساوٍ للغرماء (فيه) أي: في المتاع، وبه قال الحسن، والنخعي، وابن شبرمة.
(وقال الشافعي: يحجر القاضي على المشتري بطلبه) أي: بطلب البائع، إلا أن يشاركه، وبه قال مالك، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر.
وروي ذلك عن عثمان، وعلي، وأبي هريرة.
لهم حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: «مَنْ أدرك متاعَهُ بِعَيْنِهِ
[ ٧ / ٥١٧ ]
ثُمَّ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الفَسْخِ، لِأَنَّهُ عَجَزَ المُشْتَرِي عَنْ إِيفَاءِ الثَّمَنِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ حَقَّ الفَسْخِ كَعَجْزِ البَائِعِ عَنْ تَسْلِيمِ المَبِيعِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَمِنْ قَضِيَّتِهِ المُسَاوَاةُ وَصَارَ كَالسَّلَمِ. وَلَنَا: أَنَّ الإِفْلَاسَ يُوجِبُ العَجْزَ عَنْ تَسْلِيمِ العَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالعَقْدِ،
عِنْدَ إنسانٍ قَدْ أَفلس فهوَ أَحَقُّ بِهِ» متفق عيله (^١).
وقد روي هذا الحديث في غير هذا الوجه بألفاظ غير ما ذكر في حديث أبي هريرة، فذكروا عن عبد الرحمن بن أبي بكر (^٢) أنه ﵊ قال: «أيما رجل ابتاع مَتَاعًا، وأفلسَ الذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يقبض الذي باعَهُ مِنْ ثمنه شيئًا، فوجدهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحقُّ بِهِ، فإن ماتَ المُشتري فصاحِبُ المَتاعِ أُسْوَةٌ لِلغُرَماءِ» (^٣)، ولأن المشتري عجز عن تسليم أحد بدلي العقد وهو الثمن، فيثبت حق الفسخ للبائع، كما لو عجز البائع عن تسليم المبيع بالإباق ونحوه، والجامع بينهما أنه عقد معاوضة، فيقتضي المساواة، وصار كالسلم، فإن المسلم فيه دين كالثمن، وإذا انقطع المسلم فيه يثبت خيار الفسخ لرب السلم كذا هنا.
ولهذا لو كسدت فلوس الثمن يبطل البيع عندكم للعجز عن الثمن، وكذا المكاتب لو عجز يفسخ العقد؛ لعجز البدل فكذا بعجز الثمن.
ولنا قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] والمشتري حين أفلس بالثمن فقد استحق النظرة شرعًا، ولو أجله البائع لم يكن له حق الفسخ قبل مضي الأجل، فكذا إذا صار منظرًا بإنظار الله تعالى.
(ولأن الإفلاس يوجب العجز عن تسليم العين) أي: عين الدراهم المنقودة، وعين الدنانير المنقودة (وهو) (^٤) أي: عين الدراهم المنقودة (غير مستحق بالعقد) بل المستحق به الدين، وهو وصف في الذمة، فعلم أنه عجز عن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١١٨ رقم ٢٤٠٢)، ومسلم (٣/ ١١٩٣ رقم ١٥٥٩).
(٢) هكذا، والصواب: (أبو بكر بن عبد الرحمن)، وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، كما في مصادر التخريج.
(٣) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٨٦ رقم ٣٥٢٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/¬١٧ رقم ٤٦٠٥) مرسلًا.
(٤) في الأصل: (وهي)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٥١٨ ]
فَلَا يَثْبُتُ حَقُّ الفَسْخِ بِاعْتِبَارِهِ، وَإِنَّمَا المُسْتَحَقُّ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ: أَعْنِي الدَّيْنَ،
تسليم شيء غير مستحق بالعقد، فلا يثبت حق الفسخ باعتباره.
وفي الأسرار: المقبوض غير الواجب حقيقة؛ لأن الواجب دين، وهذا عين، وذلك في الذمة، وهذا في الكيس، وإنما جعل في حكم عين الواجب في باب السلم، بخلاف الحقيقة؛ لعدم جواز الاستبدال به، فأما غيره من الديون يصح الاستبدال به، فلا يضطرنا الشرع إلى أن نجعل العين في حكم الدين فيجوز، فيثبت بقبض العين مبادلة، إلا عند التعذر كما في السلم؛ لحرمة الاستبدال، فأعطى للعين حكم الدين، فيكون العين مُستَحَقًّا بالعقد، فصار العجز عنه كالعجز عن تسليم المبيع.
وأما الجواب عن حديث أبي هريرة: أن المبيع ليس عين ماله شرعًا لتبدل الملك، وإنما هو عين مال قد كان له، وإنما ماله بعينه يقع على المغصوب، والودائع والعواري وما أشبه ذلك، وفي ذلك جاء هذا الحديث.
وقد روي عن سمرة بن جندب أنه ﵊ قال: «مَنْ سُرِقَ لَهُ متاع أو ضاع له متاع فوجَدَهُ في يَدِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَرْجِعُ مُشتِرَيْهِ عَلَى البائع بالثمن» (^١).
فإن قيل: هذا معلوم بدون ذلك الحديث، فأي فائدة في الحديث؟
قلنا: فائدته إعلام أن الرجل إذا أفلس يقسم ماله وما في يده بين غرمائه، إلا في متاع سرق أو ضاع من إنسان، واغتر المشتري فابتاعه، فإن صاحب العين أحق به، فأعلمهم بذلك الحديث ما أعلمهم بحديث سمرة.
وبقي أن الغرور والاغترار الذي بعين المشتري لا يستحق بذلك شيئًا.
وما روي في غير هذا الوجه معارض بما روى الخصاف بإسناده أنه ﵊ قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ أفلسَ فَوَجَدَ رجلٌ متاعَهُ عِندَهُ بِعَيْنِهِ فَهْوَ أُسْوَةٌ غُرَمائِهِ».
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٨٩ رقم ٣٥٣١)، وابن ماجه (٢/ ٧٨١ رقم ٢٣٣١)، والدارقطني (٣/ ٤٢٩ رقم ٢٨٩٧)، وأحمد (٥/¬١٣ رقم ٢٠١٥٨). وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (٨٢٢).
[ ٧ / ٥١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: هذا منقطع.
قلنا: ما روي عن عبد الرحمن منقطع أيضًا، ولا يمكن أن يبين ما أشكل في حديث أبي هريرة؛ لأنه محتمل بأنه ابتاعه مُغترًا بأنه ملك البائع كما ذكرنا في حديث سمرة، أو كان محمولا على أنه قبض المبيع بغير إذن البائع، وفي غير هذا الموضع له حق الاسترداد.
وأما قوله: (ومن قضيته) (^١) أي: عقد المساواة، فقلنا: نعم كذلك، ولكن في الملك على ما ذكرنا، وهو حاصل لهما، ولئن سلمنا أن التسوية في القبض، لكن التسوية تنعدم فيه بتأجيل البائع، فتأجيل الله أولى، فلا يبقى له حق الفسخ، بخلاف الكساد لا موجب العقد فلوس هي ثمن، وبعد الكساد لا يبقى له في ذمة المشتري فلوس بهذه الصفة، فيبقى العقد بلا ثمن فيبطل.
أما بعد إفلاس المشتري يبقى الثمن في ذمته مملوكًا كما كان، وبخلاف الكتابة؛ لأن بعجز المكاتب بغير موجب العقد، إذ موجبه ملك المولى بدل الكتابة عند حلول الأجل، ولا يمكنه ذلك إلا بالقبض؛ لأن بدل الكتابة ليس بدين حقيقة، إذ المولى لا يستوجب على عبده دينا ولهذا لا تصح الكفالة والرهن به، فإذا كان ملك المولى يثبت بالقبض، فالتعجيز بغير موجب العقد، فيمكن من فسخ العقد، أما هاهنا بإفلاس المشتري لا يعتبر ملك البائع في الثمن، فإنه مملوك دينا.
وقولهم: إن الدين في ذمة المفلس تاو غير مسلم، إذا كان المفلس مقرا أو عليه بينة فهو قائم حقيقةً وحكمًا، مفلسا كان أو مَلِيًّا.
ولهذا قال أبو حنيفة: يجب على صاحب الدين الزكاة لما مضى إذا قبضه، فإذا لم يتغير موجب العقد لا يتمكن البائع من الفسخ، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط والأسرار.
فقال في المبسوط: الإفلاس الطارئ لا يكون أولى من الإفلاس المقارن،
_________________
(١) انظر المتن ص ٥١٨.
[ ٧ / ٥٢٠ ]
وَبِقَبْضِ العَيْنِ تَتَحَقَّقُ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ، هَذَا هُوَ الحَقِيقَةُ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا، إِلَّا فِي مَوْضِعِ التَّعَدُّرِ كَالسَّلَم، لِأَنَّ الِاسْتِبْدَالَ مُمْتَنِعٌ فَأَعْطَى لِلْعَيْنِ حُكْمَ الدَّيْنِ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَاب.
وبه لا ترتفع صفة اللزوم في العقد، فبالطارئ أولى بخلاف جانب المبيع، فإن ابتداء العقد مع العجز عن تسليمه بالإباق لا يجوز، وإن رضي به المشتري، فكذا إذا طرأ العجز يثبت للمشتري حق الفسخ.
قوله: (وبقبض العين) إلى آخره، هذا جواب عن شبهة ترد على قوله: (إن الدين وصف، والمقبوض عين، وهو غير حقه) فيرد عليه أنه لو كان كذلك ينبغي أن لا يتمكن المديون من قضاء الدين أصلا؛ لأنه غير حقه، فقال: يقبض العين، يعني لما قبض رب الدين العين صارت ذمته مشغولة بدين المديون أيضًا؛ لأن هذا الذي قبضه رب الدين قبض مضمون؛ لأنه قبضه متملكا لا مستودعًا فوجب الضمان في الذمتين، فيلتقيان قصاصًا، فبرئت ذمة المديون. وهذا معنى قول المشايخ: إن آخر الدينين يكون قضاء عن الأول.
قوله: (هذا هو الحقيقة) أي: تسليم العين غير مستحق بالعقد، بل المستحق هو الدين، فيجب اعتبار الحقيقة.
[ ٧ / ٥٢١ ]