وبطلان حق المولى ضمني، والضمني لا يعتبر.
فإن قيل: قوله ﵊: «لا يملِكُ العبدُ والمُكاتب شيئًا إِلَّا الطلاق» (^١)، يقتضي أن لا يملك الإقرار بالحدود والقصاص.
قلنا: لما بقي على أصل الحرية فيهما يكون هذا إقرار الحر لا إقرار العبد، ولأن قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] يقتضي أن يصح، ولا يقال إنه خص عنه الإقرار بالمال؛ لأن النص لم يتناوله؛ إذ إقراره يلاقي حق الغير، والنص يتناول الإقرار على نفسه.
فإن قيل: يحتمل النص على الحر دفعا للتعارض.
قلنا: يحمل الأثر على غير هذه الصورة دفعا للتعارض، ولا خلاف للأئمة الثلاثة في صحة إقرار العبد في الحدود والقصاص.
قوله: (لما روينا) إشارة إلى قوله ﵊: «كُلُّ طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه» (^٢).
قوله: (فنفذ) أي: طلاقه؛ لأنه يختص بالإنسانية، فكان كالحر.
بَابُ الْحَجْرِ لِلْفَسَادِ
لما ذكر الحجر المتفق عليه شرع في بيان الحجر المُختلف فيه؛ لأن الحجر الأول بالعوارض السماوية وهو الصغر، والجنون، والرق؛ لأنه يتسبب عليه
_________________
(١) قال ابن حجر: لم أجده. الدراية (٢/ ١٩٨)، وقال الزيلعي: غريب. نصب الراية (٤/ ١٦٥).
(٢) قال ابن حجر: حديث: «كلُّ طلاق واقع إلا طلاقُ الصَّبي والمجنون» لم أجده، وإنما روى ابن أبي شيبة، عن ابن عباس موقوفًا: لا يجوز طلاق الصبي. وأخرج عن علي بإسناد صحيح: كل طلاق جائز إلاطلاق المعتوه. وروى هذا مرفوعًا عن أبي هريرة، أخرجه الترمذي، وفي إسناد عطاء بن عجلان وهو متروك. الدراية (٢/ ٦٩).
[ ٧ / ٤٨٥ ]
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحْجَرُ عَلَى الحُرِّ البَالِغِ العَاقِلِ السَّفِيهِ، وَتَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مُبَشِّرًا مُفْسِدًا: يُتْلِفُ مَالَهُ فِيمَا لَا غَرَضَ لَهُ فِيهِ وَلَا مَصْلَحَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀: (يُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ وَيُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ) (*) لِأَنَّهُ مُبَشِّرٌ مَالَهُ بِصَرْفِهِ لَا عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ نَظَرًا لَهُ، اعْتِبَارًا بِالصَّبِيِّ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ الثَّابِتَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ احْتِمَالُ التَّبْذِيرِ …
بدون اختيار العبد، شرع في بيان الحجر المثبت باختيار العبد، والسماوي مُقدَّم على المكتسب.
ومسائل هذا الباب مبنية على قولهما لا على قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يرى الحجر للفساد والسفه.
اعلم أن الحجر على الحر العاقل البالغ بسبب السفه، والدين، والفسق، والغفلة عندهما يجوز بغير الفسق، وعند الشافعي يجوز بالكل، وبه قال مالك، وأحمد.
والسفيه: غير المعتوه، فإن المعتوه ناقص العقل، والسفيه كامل العقل، إلا إنه لا يجري على موجب عقله.
وفي المبسوط: هو العمل بخلاف موجب الشرع والعقل؛ لاتباع الهوى، وترك ما تدلّ عليه الحجى.
والسفيه من عادته التبذير والإسراف في النفقة، وأن يتصرف تصرفات لا لغرض، أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضًا، مثل دفع ماله إلى المُغنّين واللعابين، وشراء الحمام الطيارة بثمن غال، والغبن في التجارات من غير محمدة، وأصل المسامحة في التصرفات البِرُّ، والإحسان مشروع، إلا أن الإسراف حرام، كالإسراف في الطعام والشراب قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية.
قوله: (لأنه) أي: السفيه (مبذر ماله بصرفه [لا] (^١) على وجه يقتضيه العقل
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٤٨٦ ]
وَفِي حَقِّهِ حَقِيقَتُهُ، وَلِهَذَا مُنِعَ عَنْهُ المَالُ، ثُمَّ هُوَ لَا يُفِيدُ بِدُونِ الحَجْرِ، لِأَنَّهُ يُتْلِفُ بِلِسَانِهِ مَا مُنِعَ مِنْ يَدِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ مُخَاطَبٌ عَاقِلٌ فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِالرَّشِيدِ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي سَلْبِ وِلَايَتِهِ إِهْدَارُ آدَمِيَّتِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِالبَهَائِمِ، وَهُوَ أَشَدُّ ضَرَرًا
والحكمة) إلى آخره.
(وَفِي حَقِّهِ) أي: في حق السفيه (حقيقته) أي: حقيقة التبذير (ولهذا منع عنه) أي: من السفيه (المال) بالنص بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، فإذا منع عنه المال بطريق النظر له، فكذا يحجر عن التصرف له؛ وهذا لأن منع المال غير مقصود لعينه، بل لإبقاء ملكه، ولا يحصل هذا المقصود متى يُطلق في التصرف؛ لأنه يقر به لغيره، ويبيعه بغبن فاحش، ويأمر الولي بالتسليم إليه.
وكذا يحجر بالفسق نظرًا له، مثل أن يَجْمَع أهل الشراب والفسق في داره، فيطعمهم ويسقيهم ويفتح باب الجائزة عليهم.
أو في الخير، بأن يصرف جميع ماله في بناء المسجد وأشباه ذلك، فَيَحْجُر عليه القاضي نظرا له.
وكذا مَنْ فيه غفلة، فكان سليم القلب لا يهتدي إلى التصرفات، فيحجره القاضي نظرا له.
قوله: (ولأبي حنيفة أنه) أي: السفيه (مُخاطَبٌ عاقل فلا يُحْجَرُ عليه) كالرشيد، ولا يُشْكِل هذا بالعبد، فإنه مخاطب عاقل، ومع ذلك يحجر عليه؛ لأن المخاطب المُطلَق يتناول الكامل منه، والعبد ليس بمخاطب كامل؛ لما أن خطابات المالية ساقطة عنه، وبعض خطابات غير المالية أيضًا كالحج، وصلاة، الجمعة، والعيدين، وخطاب الشهادة.
أو المراد بالمُخاطَب: المُخاطب بالتصرفات المالية بدلالة محل الكلام؛ لأنه في الحجر عن التصرفات المالية.
(وهذا) أي: الحجر (سلب ولايته وفيه إهدار آدميته وحريته) فإن الحرية أمارة المالكية، والخطاب أمارة القدرة على التصرفات؛ لأنه دليل اعتبار عقله، وهو دليل القدرة على التصرف؛ لأن التصرف كلام ملزم، واعتبار الكلام
[ ٧ / ٤٨٧ ]
مِنْ التَّبْذِيرِ فَلَا يُتَحَمَّلُ الأَعْلَى لِدَفْعِ الأَدْنَى، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الحَجْرِ دَفْعُ ضَرَرٍ عَامٌ كَالحَجْرِ عَلَى المُتَطَبِّبِ الجَاهِلِ، وَالمُفْتِي المَاجِنِ، وَالمُكَارِي المُفْلِسِ: جَازَ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ، إِذْ هُوَ دَفْعُ ضَرَرِ الأَعْلَى بِالأَدْنَى، وَلَا يَصِحُّ القِيَاسُ عَلَى مَنْعِ المَالِ،
بالتمييز واللزوم بالخطاب، فكان في إبطال ولايته إهدار آدميته وإلحاقه بالمجانين والبهائم، فلأن يكون فيه نظر، بل الضرر فيه أعظم من ضرر التبذير؛ لأن الإنسان إنما يُبايِنُ سائر الحيوانات باعتبار قوله في التصرفات، ولا يُتَحَمَّلُ الضرر الأعلى دفع الضرر الأدنى، بل يُدْفَعُ الأعلى بالأدنى، حتى رُوِيَ عن أبي حنيفة أنه يجوز الحجر على المفتي الماجن، والمُتَطَبّب الجاهل، والمكاري المفلس؛ لأن فيه دفع الضرر الأعلى، وهو الضرر العام بالضرر الخاص.
إذ المفتي الماجن الذي يُعلّم الناس الحِيلَ الباطلة مثل أن يعلم المرأة حتى تَرْتَدَّ فَتَبِينَ من زوجها، ويُعلّم الرجل أن يرتد فتسقط عنه الزكاة ثم يسلم، ولا يبالي أن يحرم حلالا أو يحل حرامًا، يفسد على الناس دينهم.
والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم، والمكاري المفلس يتلف أموالهم، فإنه إذا ماتت دابته في الطريق وليس له أخرى، ولا يمكنه شراء أخرى، ولا الاستئجار، يؤدي إلى إتلاف أموال الناس، فيدفع الأعلى بالأدنى.
قوله: (ولا يصح القياس) إلى آخره جواب عن قياس الخصم، حيث اعتبره بمنع المال؛ لأن منع المال ثبت غير معقول المعنى، إذ منع المال عن المالك والملك مطلق التصرف غير معقول.
(ولأنه) (^١) أي: منع المال عقوبة شرعت زجرا له عن التبذير، فلا تحتمل المقايسة، لأن الحجر أبلغ من منع المال في العقوبة.
وقيل: هذا يلزم على الشافعي؛ لأنه يرى الحجر عليه عقوبة.
أما عندهما: الحجر عليه نظرًا له.
وقيل: هذا على طريق بعض مشايخنا، حيث قال: إن المنع بطريق العقوبة، ولأن اليد للآدمي على المال نعمة زائدة، وإطلاق اللسان في
_________________
(١) انظر المتن ص ٤٨٧.
[ ٧ / ٤٨٨ ]
لِأَنَّ الحَجْرَ أَبْلَغُ مِنهُ فِي العُقُوبَةِ، وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ، … …
التصرفات الأصلية أصلية، فلا يقاس إبطال أعلى النعمتين على أدناهما.
قوله: (ولا على الصبي) إذ لا يصح قياسه على الصبي؛ لأن الصبي لما كان عاجزًا عن النظر لنفسه، احتجنا ضرورة إلى صيرورة الغير وليا والمولى عليه لا التصرف.
أما السفيه قادر على النظر لنفسه؛ لكمال عقله، وإن كان يعدل عن سير العقل بهواه، ومنع المال عنه مفيد؛ لأن قبل المنع يتلف ماله بيده ولسانه، وبعد المنع لا يتلف إلا بلسانه، ولأن التبذير إنما يكون في الهبات والصدقات غالبًا- ولا يتم ذلك إلا بالقبض، ولا إقباض باليد، ولا يد مع المنع.
فإن قيل: جعل الله للسفيه وليا في قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قلنا: السفيه هو المجنون عنده وعليه كثير من أهل التأويل.
وفي المبسوط: وأبو حنيفة استدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] فقد نهى عن الإسراف والبدار في ماله مخافة أن يكبر، فلا يبقى له عليه ولاية، والتنصيص على زوال ولايته عنه، وعدم الكبر تنصيص على زوال الحجر عنه بالكبر؛ لأن الولاية عليه للحاجة وإنما تنعدم الحاجة إذا صار هو مطلق التصرف.
فإن قيل: ما جواب أبي حنيفة عما تمسك الخصم من النصوص والآثار؟ فقد تمسك بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهذا تنصيص على إثبات الولاية على السفيه، وأنه لا يصير موليًا عليه إلا بعد الحجر، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] فهذا تنصيص على إثبات الحجر عليه بطريق النظر.
وقد روي أن عبد الله بن جعفر كان يفني ماله في اتخاذ الضيافات حتى اشترى دارًا للضيافة بمائة ألف درهم، فبلغ ذلك عمه علي بن أبي طالب، فقال: لآتين عثمان ولأسألنه أن يحجر عليه، فاهتم بذلك عبد الله، وجاء إلى الزبير وأخبره بذلك، فقال: أشركني فيها فأشركه، ثم جاء علي إلى عثمان وسأله أن
[ ٧ / ٤٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يحجر عليه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير، وإنما قال لأن الزبير كان معروفًا بالكياسة في التجارة، فاستدل برغبته في الشركة على أنه لا غبن في تصرفه، وهذا اتفاق منهم على جواز الحجر بهذا السبب.
وروي أن عائشة كانت تتصدق بمالها، حتى روي أنه كان لها رباع فهمت ببيعها لتتصدق بثمنها، فبلغ ذلك عبد الله بن الزبير فقال: لتنتهين عائشة عن بيع رباعها أو لأحجرن عليها (^١).
قلنا: قيل: المراد بالسفيه في الآية المجنون والصغير؛ لأن السفه لغة: عبارة عن الخفة، وذلك بانعدام العقل أو نقصانه، وكذا يحمل السفيه عليهما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ وعليه أكثر أهل التأويل.
والمراد من النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ نهي الأزواج عن دفع المال إلى النساء، وجعل التصرف إليهن، كما كانت العرب تفعله، ألا ترى أنه قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ وذلك يتناول المخاطبين بهذا النهي لأموال السفهاء.
وأما حديث عبد الله بن جعفر فدليلنا؛ لأن عثمان امتنع من الحجر عليه مع سؤال علي، وأكثر ما فيه أنه لم يكن في ذلك التصرف غبن [حين] (^٢) رغب الزبير في الشركة، ولكن المبذر أن يصرف تصرفًا واحدًا على وجه لا غبن فيه، فإنه يحجر عليه عند الخصم، فلما لم يحجر عليه مع ثبوت التبذير في غيره دل أن ذلك من علي على سبيل التخويف.
وحديث عائشة دليلنا أيضًا، فإنه لما بلغها قول ابن الزبير حلفت أن لا تكلم ابن الزبير أبدًا، فلو كان الحجر حكمًا شرعًا استجارت بهذا الحلف من نفسها مجازاة على قوله فيما هو حكم شرعي، وبهذا تبين أن ابن الزبير إنما قال ذلك كراهة أن تفني مالها فتُبتلى بالفقر، فتصير عيالا على غيرها، بعدما كان يعولها رسول الله ﷺ، والمصير إلى هذا أولى؛ ليكون أبعد من نسبة السفه والتبذير إلى الصحابة، كذا في المبسوط.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٠٧٣) بنحوه.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثالثة.
[ ٧ / ٤٩٠ ]
لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا قَادِرٌ عَلَيْهِ نَظَرَ لَهُ الشَّرْعُ مَرَّةً بِإِعْطَاءِ آلَةِ القُدْرَةِ وَالجَرْيُ عَلَى خِلَافِهِ لِسُوءِ اخْتِيَارِهِ، وَمَنْعُ المَالِ مُفِيدٌ، لِأَنَّ غَالِبَ السَّفَهِ فِي الهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَذَلِكَ يَقِفُ عَلَى اليَدِ.
قَالَ: (وَإِذَا حَجَرَ القَاضِي عَلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى قَاضِ آخَرَ، فَأَبْطَلَ حَجْرَهُ وَأَطْلَقَ عَنْهُ جَازَ) لِأَنَّ الحَجْرَ مِنْهُ فَتْوَى وَلَيْسَ بِقَضَاءِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ المَقْضِيُّ لَهُ وَالمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ قَضَاءً فَنَفْسُ القَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الإِمْضَاءِ، حَتَّى لَوْ رُفِعَ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ الحَجْرِ إِلَى القَاضِي الحَاجِرِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ فَقَضَى بِبُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ: نَفَذَ إِبْطَالُهُ
قوله: (لأن الحجر منه) أي: من القاضي (فتوى وليس بقضاء) هذا جواب سؤال، ذكره في الذخيرة.
فإن قيل: تصرف المحجور عليه بالسفه ينبغي أن لا ينفذ عند أبي حنيفة بعد ما قضى القاضي عليه بالحجر؛ لأن جواز تصرف السفيه بعد الحجر مختلف فيه، وبقضاء القاضي يصير متفقًا.
قلنا: نعم، إذا كان قضاؤه بحجره لم يكن فتوى، وهذا فتوى وليس بقضاء؛ لأنه لم يثبت بهذا القضاء ما ليس بثابت، بل يبين ما كان ثابتًا، فإنه كان محجورًا عليه قبل القضاء متى كان مفسدًا لماله، وهو حد الفتوى، ولهذا لا بد للقضاء من المقضي عليه وله؛ لأنه لقطع المنازعة، فلا بد من منازعة حتى يقطع، فيكون هذا فتوى عند محمد.
وعند أبي يوسف، ومن تابعه: وإن كان يحتاج إلى القضاء ليصير محجورًا عليه، فنفس القضاء مجتهد، ومتى كان نفس القضاء مجتهدا فيه، يحتاج إلى إمضاء غيره كما مر في كتاب القضاء، حتى لو رفع تصرفه بعد الحجر إلى القاضي الحاجر، أو إلى غيره فقضى ببطلان تصرفه، ثم رفع إلى قاض آخر نفذ إبطاله؛ لاتصال إمضائه، فلا يقبل النقض بعد ذلك.
قوله: (نفذ إبطاله) أي: إبطال القاضي الثاني، ولو روي (نفذ) بالتشديد معناه استمر على تنفيذ الثاني؛ لأنه حكم بنفاذه كذا روي عن بعض الثقات.
[ ٧ / ٤٩١ ]
لَاتِّصَالِ الإِمْضَاءِ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ النَّقْضُ بَعْدَ ذَلِكَ (ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا بَلَغَ الغُلَامُ غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةٌ، فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ الرُّشْدُ. وَقَالَا: لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْنَسَ مِنهُ رُشْدُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) (*) لِأَنَّ عِلَّةَ المَنْعِ السَّفَهُ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ العِلَّةُ وَصَارَ كَالصِّبَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ مَنْعَ المَالِ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ، وَلَا يَتَأَدَّبُ بَعْدَ هَذَا ظَاهِرًا وَغَالِبًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ قَدْ يَصِيرُ جَدًّا
قوله: (وقالا) أي: أبو يوسف، ومحمد: لا يدفع ماله إليه أبدا حتى يؤنس منه رشد وإن صار شيخًا فانيًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر علماء الأمصار، وقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ [النساء: ٦] علق الدفع بإيناس الرشد، فلا يجوز الدفع قبله؛ لأن المعلق بالشرط معدوم قبله، ولأن منع المال قبله لعلة السفه، فيبقى ببقاء العلة ويزول بزوال العلة، إذ العبرة لقيام العلة وزوالها لا للزمان.
ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] والمراد به بعد البلوغ، فهو تنصيص على وجوب الدفع بعد البلوغ، إلا أنه منع عنه ماله قبل هذه المدة بالإجماع، ولا إجماع هاهنا، فيجب الدفع إليه بالنص، والتعليق بالشرط لا يوجب العدم عند العدم عندنا، على أن الشرط (رشدًا) نكرة، فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، فأول أحوال البلوغ قد لا يفارقه السفه باعتبار أثر الصبا، وبقاء أثره لبقاء عينه، فإذا امتد الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا، وحدث ضرب من الرشد لا محالة؛ لأنه حال كمال عقله.
فقد [روي] (^١) عن عمر ﵁ أنه قال: «ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمسا وعشرين سنة».
وقال أهل الطبائع: من بلغ خمسا وعشرين سنة فقد بلغ رشده، ألا ترى أنه يصير جدًّا صحيحًا في هذا السن؛ لأن أدنى ما يحتلم الإنسان في اثني عشر سنة
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٤٩٢ ]
فِي هَذَا السِّنِّ فَلَا فَائِدَةَ فِي المَنْعِ فَلَزِمَ الدَّفْعُ، وَلِأَنَّ المَنْعَ بِاعْتِبَارِ أَثَرِ الصِّبَا وَهُوَ فِي أَوَائِلِ البُلُوعِ، وَيَتَقَطَّعُ بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ فَلَا يَبْقَى المَنْعُ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهَا لَا يُمْنَعُ المَالُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَثَرِ الصِّبَا، ثُمَّ لَا يَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الحَجْرَ. فَعِنْدَهُمَا: لَمَّا صَحَ الحَجْرُ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ إِذَا بَاعَ تَوْفِيرًا لِفَائِدَةِ الحَجْرِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَجَازَهُ الحَاكِمُ، لِأَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ قَدْ وُجِدَ وَالتَّوَقُفُ لِلنَّظَرِ لَهُ وَقَدْ نَصَّبَ الحَاكِمُ نَاظِرًا لَهُ فَيَتَحَرَّى المَصْلَحَةَ فِيهِ، كَمَا فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَيَقْصِدُهُ.
وَلَوْ بَاعَ قَبْلَ حَجْرِ القَاضِي جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَجْرٍ
ثم يولد له ولد في ستة أشهر، ثم يبلغ ذلك في اثني عشر سنة، ثم يولد له ابن في ستة أشهر، فيصير جَدًّا صحيحًا في خمس وعشرين سنة.
وقيد بالجد الصحيح؛ لأنه يصير جَدًّا فاسدًا بأقل من ذلك، فإنا لو فرضنا أنه لو بلغ اثني عشر سنة، ثم تزوج وولدت له بنتا، والبنت تحمل في تسع سنين، ثم ولدت بعد ستة أشهر، فيصير جَدًّا فاسدًا في اثنين وعشرين سنة، حتى قيل: يعتبر اثنان وعشرون سنة، ذكره في الجامع.
يؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقد بلغ أشده، وصلح جدًّا، ولأن منع المال منه على سبيل التأديب له، والاشتغال بالتأديب عند رجاء التأديب، فلا وجه للمنع عنه.
قوله: (جاز عند أبي يوسف) وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأنه لا بد من حجر القاضي عندهما؛ لأن الحجر تردد بين النفع والضرر، ففي إبقاء الملك له نظر، وفي إهدار قوله ضرر، فلا بد من قضاء القاضي؛ ليترجح أحد الجانبين على الآخر، يوضحه أن الحجر ليس بشيء محسوس، وإنما يعرف بالعين في التصرف، وقد يكون ذلك للسفه، وقد يكون عنه لاستجلاب قلوب المجاهرين، فكان مترددا، فلا يثبت حكمه بالقضاء، ولأنه حجر مختلف، فلا بد فيه من الرأي، فيشترط حكم الحاكم كما في حجر المفلس، بخلاف الجنون والصبا، فإنه لا يحتاج فيه إلى الرأي.
[ ٧ / ٤٩٣ ]
القَاضِي عِنْدَهُ، لِأَنَّ الحَجْرَ دَائِرٌ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّظَرِ، وَالحَجْرُ لِنَظَرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِ القَاضِي. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ مَحْجُورًا عِنْدَهُ، إِذْ العِلَّةُ هِيَ السَّفَهُ بِمَنْزِلَةِ الصِّبَا، وَعَلَى هَذَا الخِلافُ إِذَا بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهَا (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا نَفَذَ عِتْقُهُ عِنْدَهُمَا). وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا يَنْفُذُ. وَالأَصْلُ عِنْدَهُمَا: أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يُؤَثِّرُ فِيهِ الهَزْلُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الحَجْرُ وَمَا لَا فَلَا، لِأَنَّ السَّفِيهَ فِي مَعْنَى الهَازِلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الهَازِلَ يُخْرِجُ كَلَامَهُ لَا عَلَى نَهْجِ كَلَامِ العُقَلَاءِ
قوله: (وعند محمد لا يجوز) وبه قال مالك؛ لأنه يبلغ محجورًا عنده، ولأن علة الحجر السفه، وهو متحقق في الحال، فيترتب عليه حكمه بدون حجر القاضي كالصبي والمجنون، بخلاف حجر المفلس؛ فإنه يحجر لحق الغرماء حتى لا يتلف حقهم، فيتوقف على القضاء.
قوله: (نفذ عتقه عندهما) وبه قال أبو حنيفة أيضًا، (وعند الشافعي) وأحمد (لا ينفذ) وهو قياس قول مالك؛ لأن تصرفات المحجور عليه غير نافذة.
قوله: (لا) على نهج بسكون الهاء، وهو الطريق الواضح، وهو المراد ها هنا.
والنَّهْجُ بالتحريك: البُهْرُ، وهو تتابع النفس، من حد: علم، ذكره في الصحاح.
(كلام العقلاء) فإنهم لا يريدون بكلامهم اللعب، ودون ما وضع الكلام له، لا لنقصان في عقله، يعني الهازل يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء؛ لقصده اللعب، دون ما وضع له الكلام، لا لنقصان في عقله، فكذا السفيه يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء؛ لاتباع الهوى، ومكابرة العقل، لا لنقصان في عقله، فكل تصرف لا يؤثر فيه الهزل لا يؤثر فيه السفه، وكل تصرف يؤثر فيه؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، فكذا لا يؤثر فيه السفه، ولا يقال لو أعتق السفيه عبده عن كفارة يمينه، أو ظهاره لا ينفذ عتقه، بل عليه أن يصوم كالمعسر إذا حنث فيه؛ لأنا نقول إعتاقه نافذ، لكن لا يقع عن كفارته؛ لأنه يجب على العبد السعاية بعد إعتاقه على ما يجيء؛ ومع وجوب السعاية لا تقع عن
[ ٧ / ٤٩٤ ]
لاتِّبَاعِ الهَوَى، وَمُكَابَرَةِ العَقْلِ، لَا لِنُقْصَانٍ فِي عَقْلِهِ، فَكَذَلِكَ السَّفِيهُ وَالعِتْقُ مِمَّا لَا يُؤَكِّرُ فِيهِ الهَزْلُ فَيَصِحُ مِنهُ.
وَالأَصْلُ عِنْدَهُ: أَنَّ الحَجْرَ بِسَبَبِ السَّفَهِ بِمَنْزِلَةِ الحَجْرِ بِسَبَبِ الرِّقٌ، حَتَّى لَا يَنْفُذُ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ إِلَّا الطَّلَاقَ كَالمَرْقُوقِ، وَالإِعْتَاقُ لَا يَصِحُّ مِنْ الرَّقِيقِ فَكَذَا مِنْ السَّفِيهِ (وَ) إِذَا صَحَّ عِنْدَهُمَا (كَانَ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ) لِأَنَّ
الكفارة؛ لأن بدل السعاية بمنزلة العوض عن العتق؛ إليه أشار في المبسوط.
فإن قيل: يشكل على هذا الأصل الذي ذكرهما عدم (^١) صحة يمين السفيه في حق التكفير بالعتق، حتى إذا حنث وهو موسر لا ينفذ القاضي أن يُكَفِّر بالمال وعدم صحة نذره من هدي أو صدقة، حتى لو نذر لا ينفذ له القاضي شيئًا من ذلك، مع أن اليمين لا يؤثر فيه الهزل، والنذر ملحق بها في رواية، وفي رواية هو يمين.
وكذا يشكل عليه أن عتق الهازل لا يوجب السعاية، وعتق السفيه المحجور يوجب ذلك.
قلنا: نعم كذلك، إلا أن القاضي لما حجره عن التصرف فيما يرجع إلى الإتلاف نظرًا له لم ينفذ تصرفه بالنذر في هذه الأشياء؛ لأنه لو لم يمنعه ذلك لم يحصل مقصود الحجر؛ لأنه يتيسر له حينئذ النذر بالتصرف بجميع ماله، ثم عليه وجوب الصوم في اليمين وإن كان موسرًا على ما يجيء.
وأما وجوب السعاية، فإن الحجر عليه لمعنى النظر، فيكون بمنزلة الحجر على المريض.
والحاصل: أن السفه (^٢) لا يجعل كالهزل في جميع التصرفات، ولا كالصبا، ولا كالمريض، ولكن الحجر عليه لمعنى النظر، فالمعتبر فيه توفير النظر عليه، وتحسسه يلحق ببعض هذه الأصول في كل حادثة إليه أشار في المبسوط.
قوله: (والأصل عنده) أي: عند الشافعي.
_________________
(١) في النسخة الثانية: (عند).
(٢) في الأصل (لنفسه)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٤٩٥ ]
الحَجْرَ لِمَعْنَى النَّظَرِ، وَذَلِكَ فِي رَدّ العِتْقِ، إِلَّا أَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ، فَيَجِبُ رَدُّهُ بِرَدِّ القِيمَةِ كَمَا فِي الحَجْرِ عَلَى المَرِيضِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ السِّعَايَةُ، لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ إِنَّمَا تَجِبُ حَقًّا لِمُعْتِقِهِ، وَالسِّعَايَةُ مَا عُهِدَ وُجُوبُهَا فِي الشَّرْعِ إِلَّا لِحَقِّ غَيْرِ المُعْتِقِ (وَلَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ: جَازَ) لِأَنَّهُ يُوجِبُ حَقَّ العِتْقِ فَيُعْتَبَرُ بِحَقِيقَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا تَجِبُ السِّعَايَةُ مَا دَامَ المَوْلَى حَيًّا، لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ الرُّشْدُ سَعَى فِي قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمَوْتِهِ وَهُوَ مُدَبَّرٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَعْتَقَهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ (وَلَوْ جَاءَتْ جَارِيَتُهُ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ: يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَكَانَ الوَلَدُ حُرًّا وَالجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ لِإِبْقَاءِ نَسْلِهِ فَأُلْحِقَ بِالْمُصْلِحِ فِي حَقِّهِ
قوله: (كما في الحجر على المريض) يعني لو أعتق عبده في مرضه تجب السعاية في كل قيمته للغرماء، أو ثلثي قيمته للورثة، إذا لم يكن عليه دين، ولا مال له سواه؛ لتعذر رد العتق، فكان رده بوجوب السعاية لِحَقِّ الغرماء أو الورثة، فكذا هاهنا رد العتق واجب لمعنى النظر، وقد تعذر رده، فيجب رده بإيجاب السعاية.
قوله: (وعن محمد) إلى آخره، جعل في المبسوط هذه الرواية عنه آخر قول أبي يوسف، وأما قوله الأول كقول محمد في وجوب السعاية.
قوله: (لأنه باق على ملكه)، فلا يمكن إيجاب السعاية، ولا إيجاب نقصان التدبير عليه؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا، ألا ترى أنه لو دبر عبده بمال وقبل العبد، صح التدبير ولم يجب المال، بخلاف ما لو كاتبه، أو أعتقه على مال حيث يصح؛ لأنه لم يبق على ملكه حقيقة أو يدًا، إليه أشار في المبسوط.
قوله: (أعتقه بعد التدبير) أي: في حياته تحتسب السعاية، فكذا هاهنا، ألا ترى أن مصلحا لو دبر عبده في صحته، ثم مات وعليه دين مستغرق يجب عليه السعاية في قيمته مدبرا لغرمائه، فكذا هاهنا إليه أشار في المبسوط.
قوله: (فألحق بالمصلح في حقه) أي: في حق الاستيلاد نظرا له، ولا يعلم فيه خلاف للأئمة الثلاثة؛ لأنه يحتاج إلى ذلك لإبقاء نسله وصيانة مائه، فيلحق
[ ٧ / ٤٩٦ ]
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ وَقَالَ: هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي، كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الوَلَدِ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهَا، وَإِنْ مَاتَ سَعَتْ فِي جَمِيعِ قِيمَتِهَا لِأَنَّهُ كَالإِقْرَارِ بِالحُرِّيَّةِ إِذْ لَيْسَ لَهُ شَهَادَةُ الوَلَدِ، بِخِلَافِ الفَصْلِ الأَوَّلِ، لِأَنَّ الوَلَدَ شَاهِدٌ لَهَا. وَنَظِيرُهُ: الْمَرِيضُ إِذَا ادَّعَى وَلَدَ جَارِيَتِهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. قَالَ: (وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: جَازَ نِكَاحُهَا) لِأَنَّهُ لَا يُؤَثُرُ فِيهِ الهَزْلُ، وَلِأَنَّهُ مِنْ حَوَائِجِهِ الأَصْلِيَّةِ (وَإِنْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا: جَازَ مِنهُ مِقْدَارُ مَهْرِ مِثْلِهَا) لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ النِّكَاحِ وَبَطَلَ الفَضْلُ) لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ، وَهَذَا التِزَامُ بِالتَّسْمِيَةِ وَلَا نَظَرَ لَهُ فِيهِ، فَلَمْ تَصِحَ الزِّيَادَةُ وَصَارَ كَالمَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا: وَجَبَ لَهَا النِّصْفُ فِي مَالِهِ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ إِلَى مِقْدَارِ مَهْرِ المِثْلِ (وَكَذَا إِذَا تَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، أَوْ كُلَّ يَوْمٍ وَاحِدَةٌ)
في حق هذا الحكم بالمريض المديون إذا ادعى نسب ولده، كان هو في ذلك كالصحيح، حتى إنها تعتق من جميع ماله بموته، ولا تسعى هي في شيء؛ لأن حاجته مقدمة على حق غرمائه، بخلاف ما لو أعتقها.
قوله: (لأنه كالإقرار بالحرية) أي: إقراره بأمومية الولد بدون الولد، كالإقرار بالحرية تسعى بعد موته في جميع قيمتها، فكذا هاهنا.
قوله: (على هذا التفصيل) وهو الفرق الذي ذكرناه بين الدعوة بالولد والدعوة بدون الولد؛ لحاجته إلى إبقاء نسله، فيكون مقدما على حق الغرماء.
قوله: (جاز نكاحها) ولفظ المبسوطين (جاز نكاحه) وبه قال أحمد، وقال الشافعي، ومالك، وأبو الخطاب الحنبلي: لا يجوز بغير إذن الولي؛ لأنه عقد معاوضة كالشراء، فلا يجوز بدون وليه.
قوله: (كالمريض مرض الموت) يعني لو تزوج بأكثر من مهر مثلها يلزمه بقدر مهر المثل لا الزيادة منه إذا لم يخرج من الثلث، وفي مسألتنا لا تصير الزيادة أصلا.
قوله: (وكذا إذا تزوج بأربع) يعتبر مهر المثل لا الزيادة، سواء كان نكاحهن في عقد واحد أو متفرقا.
وقوله: (أو كل يوم واحدة) ثم طلقها كذا يفعل مرارًا من غير حصر، فإنه
[ ٧ / ٤٩٧ ]
لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَتُخْرَجُ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَيُنْفَقُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَزَوْجَتِهِ وَمَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ لِأَنَّ إِحْيَاءَ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ مِنْ حَوَائِجِهِ، وَالإِنْفَاقُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِقَرَابَتِهِ، وَالسَّفَهُ لَا يُبْطِلُ حُقُوقَ النَّاسِ، إِلَّا أَنَّ القَاضِيَ يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إِلَيْهِ لِيَصْرِفَهَا إِلَى مَصْرِفِهَا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِ لِكَوْنِهَا عِبَادَةٌ، لَكِنْ يَبْعَثُ أَمِينًا مَعَهُ كَيْ لَا يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ. وَفِي النَّفَقَةِ يَدْفَعُ إِلَى أَمِينِهِ
تصح تسميته في مقدار مهر المثل، وتبطل الزيادة.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (لأنه من ضرورات النكاح) إلى آخره، وبهذه المسألة يحتج أبو حنيفة أنه لا فائدة في الحجر عليه؛ لأنه لا ينسد باب إتلاف المال عليه، ولهذا لم يجوِّز الشافعي النكاح بغير إذن الولي.
قوله: (لأنه) أي: إخراج الزكاة واجب عليه؛ لأنه كامل العقل، مخاطب بحقوق الله تعالى، فلا تبطل بسفهه.
قوله: (يدفعها) أي: النفقة (إلى أمينها) أي: أمين المرأة وفي بعض النسخ (إلى أمينه) أي: أمين القاضي (لتصرفه) أي: المال المخرج للنفقة إلى مستحقه؛ لأنه ليس معتاده (^١) أي صرف النفقة.
وفي المبسوط: فرق بين نفقة الوالدين وبين نفقة غيرهما فقال: ينبغي للقاضي أن لا يأخذ بقول السفيه في دفع المال إلى ذوي الأرحام للنفقة حتى يقيم القريب بينة على القرابة والعشرة؛ لأن إقراره بذلك بمنزلة إقراره بدين على نفسه، فلا يكون ملزما شيئًا إلا في الولد، فإنهما إذا تصادقا على السبب قبل قولهما فيه؛ لأن كل واحد منهما في تصديق صاحبه يقر على نفسه بالنسب، والسفه لا يمنع الإقرار بالنسب؛ لأن ذلك من حوائجه، ولكن لا يعتبر قوله في عسر المقر له كما في عسرة سائر الأقارب.
وكذا يقبل إقراره بالزوجة؛ لأنه يملك إنشاء التزوج، فيملك الإقرار به،
_________________
(١) تقدم في المتن (بعبادة).
[ ٧ / ٤٩٨ ]
لِيَصْرِفَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا حَلَفَ أَوْ نَذَرَ أَوْ ظَاهَرَ، حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ المَالُ بَلْ يُكَفِّرُ يَمِينَهُ وَظِهَارَهُ بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ بِفِعْلِهِ، فَلَوْ فَتَحْنَا هَذَا البَابَ يُبَدِّرُ أَمْوَالَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَلَا كَذَلِكَ مَا يَجِبُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ فِعْلِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ أَرَادَ حَجَّةَ الإِسْلَامِ لَمْ يُمْنَعْ مِنهَا) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ وَلَا يُسَلِّمُ القَاضِي النَّفَقَةَ إِلَيْهِ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى ثِقَةٍ مِنْ الحَاجِّ يُنْفِقُهَا عَلَيْهِ فِي طَرِيقِ الحَجِّ كَيْ لَا يُتْلِفُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ (وَلَوْ أَرَادَ عُمْرَةً وَاحِدَةً: لَمْ يُمْنَعْ) مِنهَا اسْتِحْسَانًا، لِاخْتِلَافِ العُلَمَاءِ فِي وُجُوبِهَا، بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الحَجِّ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ القِرَانِ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ إِفْرَادِ السَّفَرِ لِكُلِّ
ويجب عليه قدر مهر مثلها، ويعطيها القاضي ذلك، وإن كان قد مضى بعد إقراره أشهر، ثم أقر أنه كان قد فرض عليه نفقته في أول تلك الشهور لم يصدق على ما مضى؛ لأن هذا إقرار بالدين لها؛ لأن نفقة الزوجة في الماضي لا تصير دينا إلا بالقضاء، وإقراره بالدين باطل.
قوله: (لم يمنع منها) أي: من حجة الإسلام ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (استحسانًا) إذ في القياس يمنع؛ لأن العمرة عندنا تطوع، فصار كما لو أراد الخروج للحج تطوعًا بعد حجة الإسلام ولكن استحسانًا.
وقلنا: لا يمنع لاختلاف العلماء في وجوب العمرة، فعند الشافعي فريضة، والأخبار متعارضة فيها، ولظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فلهذا أخذ بالاحتياط في أمر الدين، ويكون فعله أقرب إلى فعل النبي ﵊ فلا يمنع من سوق البدنة.
أما لو اصطاد المحجور في إحرامه، أو حلق رأسه من أذى، أو صنع شيئًا يجب فيه الدم أمره أن يصوم لذلك، ولم يعطه من ماله إذا جاز الصوم فيه.
أما لو صنع شيئًا يلزمه الدم، ولا يجوز فيها الصوم فالدم لازم، ويؤدي عنه إذا صار مصلحا، ولا يؤدي عنه في حال فساده، كالمعسر الذي لا يجد شيئًا إذا صنع ذلك، وكالعبد المأذون في الإحرام إذا فعل شيئًا من ذلك، وكذا لو جامع امرأته بعد الوقوف يلزم بدنة، وتتأخر إلى أن يصير مصلحا، كذا في المبسوط.
[ ٧ / ٤٩٩ ]
وَاحِدٍ مِنهُمَا فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا (وَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَسُوقَ بَدَنَةً) تَحَرُّزًا عَنْ مَوْضِعِ الخِلَافِ، إِذْ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا وَهِيَ جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ. قَالَ: (فَإِنْ مَرِضَ وَأَوْصَى بِوَصَايَا فِي القُرَبِ وَأَبْوَابِ الخَيْرِ: جَازَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ) لِأَنَّ نَظَرَهُ فِيهِ، إِذْ هِيَ حَالَةُ انْقِطَاعِهِ عَنْ أَمْوَالِهِ، وَالوَصِيَّةُ تَخْلُفُ ثَنَاءً أَوْ ثَوَابًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْرِيعَاتِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي «كِفَايَةِ المُنْتَهَى».
قوله: (فإن مرض وأوصى) إلى آخره، ذكر في المبسوط: فإن أوصى بوصايا مطلقا من غير القيد بحالة المرض، وهو الصحيح؛ لأن تنفيذ الوصية بعد الموت، فحينئذ لا تتفاوت بين أن تكون وصية في حال المرض، أو الصحة.
والقياس: أن وصاياه باطلة بمنزلة تبرعاته في حياته.
وفي الاستحسان: ما يكون على غير وجه الفسق، ويتقرب إلى الله تعالى، ولم يأت بذلك سرف ولا أمر يستقبحه المسلمون تنفذ من ثلث ماله؛ لأن الحجر عليه للنظر حتى لا يتلف ماله، فيبتلى بالفقر الذي هو الموت الأحمر.
وهذا المعنى لا يوجد في وصاياه؛ لأن أوان وجوبها بعد الموت، وبعدما وقع الاستغناء عن المال في أمر دنياه، فإذا حصلت وصاياه على وجه يكون سببًا للثواب في آخرته، أو لاكتساب الثناء الحسن بعد موته، كان النظر في تنفيذها، ولا يعلم فيه خلاف.
ثم اعلم أن عندنا كما تصح وصايا المحجور بالسفه تجوز وصايا الصبي إذا عقل ما يصنع فهما سواء في التصرفات إلا في أربعة مواضع:
منها: أنه يجوز للأب ولوصيه أن يتصرف في مال الصبي بالبيع والشراء، ولا يجوز في حق السفيه البالغ.
وثانيها: أنها يجوز نكاح السفيه، ولا يجوز نكاح الصبي العاقل بلا إذن.
وثالثها: أن طلاق السفيه وعتاقه يصحن وفي الصبي العاقل لا يصح.
ورابعها: يصح تدبير عبده، وللصبي العاقل لا يصح، الكل من المبسوط.
قوله: (أكثر من هذا) وهو ما ذكرنا.
[ ٧ / ٥٠٠ ]
قَالَ: (وَلَا يُحْجَرُ عَلَى الفَاسِقِ إِذَا كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ عِنْدَنَا، وَالفِسْقُ الأَصْلِيُّ وَالطَّارِى سَوَاءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحْجَرُ عَلَيْهِ زَجْرًا لَهُ وَعُقُوبَةٌ عَلَيْهِ كَمَا فِي السَّفِيهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُجْعَلْ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ عِنْدَهُ. وَلَنَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ. وَقَدْ أُونِسَ مِنهُ نَوْعُ رُشْدٍ فَتَتَنَاوَلُهُ النَّكِرَةُ المُطْلَقَةُ، وَلِأَنَّ الفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الوِلَايَةِ عِنْدَنَا لِإِسْلَامِهِ فَيَكُونُ وَالِيًا لِلتَّصَرُّفِ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَيَحْجُرُ القَاضِي عِنْدَهُمَا أَيْضًا
ومن التفريعات ما ذكرنا من أحكام الحج، وهو أنه لو اصطاد إلى آخره، وما ذكرنا من الفرق بين المراهق والمحجور بالسفه في المواضع الأربعة.
وفي الكافي: وقد ذكر في المبسوط فروعًا أكثر من هذا، فمن رامها فليطلب ثمة.
قوله: (ولهذا لم يجعل) أي: الفاسق أهلا للشهادة، ولأن الفاسق غير رشيد ولأن إفساده لدينه يمنع الثقة به في حفظ ماله، كما يمنع قبول قوله وثبوت ولايته على غيره؛ لعدم الثقة بصدقه.
قوله: (وقد أُونس منه) أي: من الفاسق (نوع رشد) فالله تعالى علق الدفع بإيناس رشد نكرة، فيتناول رشدًا ما؛ لأن النكرة في موضع الإثبات تخص، والرشد في المال مراد، فلا يكون الرشد في الدين مرادا؛ لأنه حينئذ يكون معلقا برشدين.
قال ابن عباس: المراد بالرشد الصلاح في المال. وقال مجاهد: العقل.
وفي شرح الطحاوي: المراد من الرشد الصلاح في المال، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم.
قوله: (وقد قررناه فيما تقدم) أي: في النكاح وفي أدب القاضي.
قوله: (عندهما أيضًا) أي: يحجر بسبب الغفلة، وهو قول الشافعي.
وعند مالك، وأحمد: لا يحجر بسبب الغفلة؛ لبلوغه وعقله ورشده.
ولو صالح السفيه لا يزول الحجر عنه إلا بالقضاء عند أبي يوسف، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد.
[ ٧ / ٥٠١ ]
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِسَبَبِ الغَفْلَةِ، وَهُوَ أَنْ يُغْبَنَ فِي التِّجَارَاتِ وَلَا يَصْبِرُ عَنْهَا لِسَلَامَةِ قَلْبِهِ لِمَا فِي الحَجْرِ مِنَ النَّظَرِ لَهُ.