قَالَ: (الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ حَقٌّ لَا يَسْقُطُ بِالشَّبْهَةِ) وَهَذَا
للأوجه، ووقع الشك في وجوب الرد فلم يرد، أما في دعوى الملك المطلق خلص ما يوجب الرد، وهو الملك عن التنوع فعمل بما هو موضوع البينات، وهو أن ما كان أكثر إثباتًا أولى (^١).
قوله: (لا تمنع صحة الإقرار) بل يجب عليه بيانه، كما لو أقر لفلان بشيء يجب عليه بيانه.
قوله: (وهو) أي: الإقرار (معلوم)، وإنما الجهالة في المقر به، وذلك لا يمنع القضاء، كما لو ادعى عشرة دراهم، فشهدا على إقرار المدعى عليه أن له عليه شيئًا جازت الشهادة، ويؤمَرُ بالبيان. كذا في جامع قاضي خان.
بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ
لما فرغ عن بيان شهادة الأصول شرع في بيان شهادة الفروع؛ إذ الأصل مقدم على الفرع.
قوله: (في كل حق لا يسقط بالشبهة)، وبه قال أحمد (^٢) والشافعي (^٣) في
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٨٤)، فتح القدير (٧/ ٤٦٠).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٨)، المغني (١٠/ ١٨٧).
(٣) انظر: الأم (٧/ ٥٣)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/¬٣٥).
[ ٦ / ٥٩٣ ]
اسْتِحْسَانُ، لِشِدَّةِ الحَاجَةِ إِلَيْهَا، إِذْ شَاهِدُ الأَصْلِ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِبَعْضِ العَوَارِضِ، فَلَوْ لَمْ تَجُزَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ أَدَّى إِلَى إِنْوَاءِ الحُقُوقِ، وَلِهَذَا: جَوَّزْنَا الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَثُرَتْ، إِلَّا أَنَّ فِيهَا شُبْهَةٌ مِنْ حَيْثُ البَدَلِيَّةُ أَوْ مِنْ
قول، وقال مالك (^١): تُقبل في كل الحقوق، سواء كان حدا أو غيره، حق الله أو غيره، وبه قال الشافعي (^٢) في الأصح؛ لأن الفروع عدول نقلوا شهادة الأصول، فالحكم بشهادة الأصول، وهم كالترجمان.
وقلنا: القياس ألا تجوز شهادة الفروع لتمكن الشبهة فيها؛ إذ الأخبار إذا تناسختها يتمكن فيها زيادة ونقصان، ولأن أداء الشهادة عبادة، والنيابة لا تجري في العبادات، إلا أنه جوزت استحسانًا لحاجة الناس، فإن الأصل يعجز عن الأداء لموته أو لمرض أو غيبة، فلو لم تقبل لتعطلت الحقوق.
وفي المغني: الأصل أن كل ما ثبت بشهادة النساء مع الرجال ثبت بالشهادة على الشهادة؛ لأن المتمكن في الشهادة على الشهادة تهمة كذب الفروع وتهمة كذب الأصول، وفي شهادة النِّساء أيضًا تهمتان: تهمة الكذب بسبب عدم العصمة، وتهمة الضلال والنسيان، فكانتا نظيرتين، إلا أن الشهادة على الشهادة تقبل عند العجز عن الأصول، وشهادة النساء مع الرجال تقبل مع القدرة على شهادة الرجال؛ لأن شهادة الفروع بدل من كل وجه، وشهادة النساء بدل من حيث الصورة كما بينا (^٣).
قوله: (أن فيها شبهة من حيث البدلية)، فإن قيل: لو كان فيها معنى البدلية ينبغي ألا يجوز الجمع بين الأصل والفرع، فإن القاضي لو قضى بشاهد شهد أصلا، وبشاهدين فرعين يجوز، وتكميل الأصل بالخلف لا يجوز، كما في الوضوء والتيمم. ذكره في الكافي.
وأيضًا يجوز القضاء بذلك مع القدرة على شهادة الأصول عندنا.
_________________
(١) انظر: المدونة (٤/¬٢٣)، الذخيرة (١٠/ ٢٨٨).
(٢) انظر: الأم (٧/ ٥٣)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/¬٣٥).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١٥)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٩٢).
[ ٦ / ٥٩٤ ]
حَيْثُ إِنَّ فِيهَا زِيَادَةَ احْتِمَالٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ الاحْتِرَازُ عَنْهُ بِجِنْسِ الشُّهُودِ فَلَا تُقْبَلُ فِيمَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
قلنا: بدلية شهادة الفروع بحسب المشهود به لا بحسب شهادة الأصول؛ لأن الشبهة في عامة الشهادات ثبت في المشهود به: أهو حق أم لا؟ وهاهنا تثبت شبهة زائدة في نفس الشهادة أنها: هل وجدت من الأصول أم لا؟ مع الشبهة في حق الأصول، والاحتراز عنه ممكن في بجنس الشهود، فيعتبر فيما يسقط بالشبهات، ثم هذه الشبهة في شهادة الفروع تمكنت باعتبار بدلية الفروع للأصول في حق المشهود به لم يعاينوه؛ لأن الفروع بدل من الأصول. إليه أشار في الأسرار (^١).
قوله: (فيها زيادة احتمال)، يعني تهمة الكذب في الأصول والفروع؛ لعدم عصمتهم كما ذكرنا، وفي الفروع تهمة زائدة، وهي تهمة عدم السماع من الأصول، كالحدود والقصاص، فالشافعي (^٢) في قول يوافقنا في الحدود لا في القصاص؛ لأنه قال: حجة في حقوق العباد أجمع العقوبات وغير العقوبات؛ لا في الحدود الخالصة لله تعالى.
فإن قيل: ذكر في المبسوط (^٣) أن الشاهدين لو شهدا على شهادة شاهدين أن قاضي كذا ضرب فلانًا حدًا في قذف - تقبل، حتى ترد شهادة فلان.
قلنا: المشهود به فعل القاضي لا نفس الحد، وفعل القاضي مما يثبت بالشبهات، وإنما الذي لا يثبت مع الشبهات الأسباب الموجبة للعقوبة، وإقامة القاضي حد القذف ليس بسبب موجب للعقوبة.
فإن قيل: أليس أن إقامة الحد مسقط للشهادة بطريق العقوبة.
قلنا: ولكن رد شهادته من تمام حد، فيكون ما هو السبب الموجب للحد وهو القذف.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٨٥)، فتح القدير (٧/ ٤٦٣).
(٢) انظر: الأم (٧/ ٥٣)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٢١).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٩).
[ ٦ / ٥٩٥ ]
(وَتَجُوزُ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا الأَرْبَعُ عَلَى كُلِّ أَصْلِ اثْنَانِ: لِأَنَّ كُلَّ شَاهِدَيْنِ قَائِمَانِ مَقَامَ شَاهِدٍ وَاحِدٍ فَصَارَا كَالمَرْأَتَيْنِ، وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٌّ ﵁: لَا يَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، وَلِأَنَّ نَقْلَ شَهَادَةِ الأَصْلِ مِنْ الحُقُوقِ فَهُمَا شَهِدَا بِحَقِّ ثُمَّ شَهِدَا بِحَقِّ آخَرَ فَتُقْبَلُ.
وفي المحيط (^١): ذكر محمد في الديات: لا تقبل هذه الشهادة.
قوله: (وقال الشافعي (^٢): لا يجوز) وهو أحد قوليه، واختاره المزني (^٣) وعبد الملك المالكي (^٤)؛ لأن الفرعين يقومان مقام أصلي واحد، فلا تتم حجة القضاء بهما، كالمرأتين، ولأن أحد الفرعين لو كان أصليا، فشهد على شهادة نفسه، وعلى شهادة صاحبه مع غيره - لا تتم الحجة بالاتفاق، فكذا إذا شهدا جميعا على شهادة الأصلين.
وقال الشافعي (^٥) في قول: يجوز، وهو قولنا ومالك (^٦) وأحمد (^٧) لقول علي: لا تجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين، مطلقا من غير تقييد بأن يكون بإزاء كل أصل فرعان، ولم يرد عن غيره خلافه، فحل محل الإجماع، ولأن نقل شهادة الأصل من الحقوق؛ إذ طريق جواز الشهادة على الشهادة نقل الشهادة، فهما شهدا بحق ثم شهدا بحق آخر فيقبل، وهذا لأنهما إذا شهدا على شهادة أحدهما تثبت شهادته في مجلس القضاء، كما لو حضر بنفسه فشهد، ثم إذا شهد على شهادة الآخر تثبت شهادة أيضا في مجلس القضاء، فلا فرق بين شهادتهما على شهادته، وبين شهادة رجلين آخرين عليهما (^٨).
_________________
(١) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٩٥).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٣١، ٢٣٢)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١٢٠٦).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٣١، ٢٣٢)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١٢٠٦).
(٤) انظر: الخيرة (١٠/ ٢٩٠)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٨).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٣١)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٩٣).
(٦) انظر: المدونة (٤/¬٢٤)، الذخيرة (١٠/ ٢٨٨).
(٧) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٠)، المغني (١٠/ ١٩٢).
(٨) العناية شرح الهداية (٧/ ٤٦٤)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٨٦، ١٨٧).
[ ٦ / ٥٩٦ ]
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ) لِمَا رَوَيْنَا، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكِ ﵀، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ الحُقُوقِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِصَابِ الشَّهَادَةِ.
(وَصِفَةُ الإِشْهَادِ: أَنْ يَقُولَ شَاهِدُ الأَصْلِ لِشَاهِدِ الفَرْعِ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا، وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ) لِأَنَّ الفَرْعَ كَالنَّائِبِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّحْمِيلِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى مَا مَرَّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ كَمَا يَشْهَدُ عِنْدَ القَاضِي لِيَنْقُلَهُ إِلَى مَجْلِسِ القَضَاءِ … …
قوله: (لما روينا، وهو) أي: قول عليّ (حجة على مالك) فإنه قال في كتبنا، وقال مالك: تجوز شهادة الواحد على شهادة واحد، ولكن ذكر في جواهر المالكية (^١): لا يجوز، وهكذا ذكر في الحلية (^٢)، وذكر في الحلية (^٣) أن على قول أحمد وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن البصري وعبد الله بن الحسن العنبري وعثمان البتي وإسحاق - يثبت بشهادة واحد شهادة الأصل الواحد؛ لأن الفرعي قام مقام الأصلي معبر عنه بمنزلة رسوله في إيصال شهادته إلى مجلس القضاء، فكأنه حضر وشهد بنفسه، واعتبروا هذا برواية الأخبار.
ولنا ما رَوَيْنا من قول عليّ، وقد مر.
قوله: (لأن الفرع كالنائب عنه) أي: عن الأصل، وإنما قال: كالنائب، ولم يقل: نائب عنه؛ لأنه لو كان نائبًا عنه حقيقة لما جاز الجمع بين فرعي وأصلي، وقد نقلنا عن الكافي أنه يجوز (^٤).
وقوله: (على ما مر) إشارة إلى الذي ذكره قبل في فصل ما يتحمله الشاهد، وهو قوله: وإنما يصير موجبه بالنقل إلى مجلس القضاء فلا بد من الإنابة والتحميل.
قوله: (ولا بد أن يشهد) أي: لا بد أن يشهد الأصل عند الفرع عند التحمل (كما يشهد ذلك الأصل عند القاضي) بلا تفاوت، بأن يقول: إني
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٨).
(٢) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١٢٠٦).
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١٢٠٦).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٦٥)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٨٧).
[ ٦ / ٥٩٧ ]
(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ، جَازَ لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ إِقْرَارَ غَيْرِهِ حَلَّ لَهُ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: لَهُ اشْهَدْ وَيَقُولُ شَاهِدُ الفَرْعِ عِنْدَ الأَدَاءِ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِكَذَا وَقَالَ لِي: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَتِهِ، وَذِكْرِ شَهَادَةِ الأَصْلِ وَذِكْرِ التَّحْمِيلِ، وَلَهَا لَفْظُ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا وَأَقْصَرُ مِنهُ، وَخَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَطُهَا.
أشهد أن فلان بن فلان أقر عندي بكذا، فاشهد أنت على شهادتي أو معناه، لا بد أن يشهد الأصل عند التحميل كما يشهد الفرع عند القاضي.
(وإن لم يقل) أي: إن لم يقل الأصل عند الفرع: (أشهدني على نفسه) المقر أو المدعى عليه (^١).
قوله: (لأنه لا بد من [شهادته) أي:] (^٢) شهادة الفرع.
قوله: (ولها) أي: ولشهادة الأداء (لفظ أطول من هذا) وهو أن يقول الفرعي عند القاضي: أشهد أن فلانا شهد عندي أن لفلان على فلان كذا من المال، وأشهدني على شهادته، وأمرني أن أشهد على شهادته، وأنا أشهد على شهادته بذلك الآن، فيحتاج إلى ثمان شيناتٍ، وفيما ذكر في الكتاب خمس شِينات، واختاره الحلواني (وأقصر منه) وهو أن يقول الفرع: أشهدني على شهادة فلان بكذا - جاز، وفيه شينان واختاره أبو الليث وأستاذه أبو جعفر الهندواني، وهكذا حكي فتوى السرخسي، وهكذا ذكر محمد في السير الكبير، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^٣)، وحكي أن فقهاء زمن أبي جعفر يخالفونه في ذلك، ويشترطون زيادة تطويل، فأخرج أبو جعفر الرواية من السير فانقادوا له، فلو اعتمد أحد على هذا كان أسهل. كذا في الذخيرة (^٤) والمغني.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٨٧، ١٨٨)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (٢/ ٣٨٩).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٩٣)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ٢٠٤)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٢٦)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/¬٤٠)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٩)، المغني (١٠/ ١٩١).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٩٧، ٣٩٨).
[ ٦ / ٥٩٨ ]
(وَمَنْ قَالَ: أَشْهَدَنِي فُلَانٌ عَلَى نَفْسِهِ، لَمْ يَشْهَدْ السَّامِعُ عَلَى شَهَادَتِهِ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّحْمِيلِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لِأَنَّ
قوله: (ومن قال) أي: لو قال الأصل: (أشهدني فلان على نفسه) أي: المُقر على إقراره (لم يسع) أي: لم يجز للسامع أن يشهد لعدم التحميل (ولا بد من التحميل) وبه قال الشافعي (^١) ومالك (^٢) وأحمد (^٣)، وذكر ابن العاص الشافعي (^٤): لو سمع رجلًا يشهد شاهدًا على شهادته يجوز أن يشهد على شهادته، وبه قال أحمد (^٥) في رواية؛ لعدم الاحتمال، وفي الجواهر (^٦): لو رآه الفرعي يشهد بين يدي الحاكم فله أن يشهد على شهادته، وإن لم يشهده، وبه قال أحمد (^٧) في رواية؛ لعدم الشبهة، وقال محمد من أصحاب مالك: لا يجوز أن يشهد على شهادته؛ لأنه نيابة، فلا بد من التحميل.
قوله: (وهذا ظاهر عند محمد) إلى آخره، وذلك لأن الشاهد الفرعي لا علم له بالحق؛ بل ينقل شهادة غيره بطريق التوكيل عند محمد، حتى لو رجع الأصول دون الفروع يجب الضمان على الأصول، ولو رجع الأصول والفروع يجبر الشهود عليه بين تضمين الأصول وبين تضمين الفروع، فلا يصير الوكيل وكيلا بدون أمره، وعند أبي حنيفة وإن لم يكن الإشهاد توكيلا، حتى لو منع الفرعي بعد الشهادة عن الشهادة لا يصحّ مَنْعَهُ، وكان للفرعي أن يشهد على شهادته.
وفي المحيط (^٨): يصح منعه في قول، وتبطل شهادة الفروع، ولو رجع الأصول لا يجب الضمان عليهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، إلا أن شهادة الأصول إنما تصير حجة بالنقل إلى مجلس القاضي، ولهذا تعتبر
_________________
(١) انظر: الأم (٧/ ٥٤)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٦٦).
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٨٨)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٨).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٩)، المغني (١٠/ ١٩٠).
(٤) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/¬٤٠)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٩٠).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٠)، المغني (١٠/ ١٩٠).
(٦) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٧).
(٧) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٠)، المغني (١٠/ ١٩٠).
(٨) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٥٧٥).
[ ٦ / ٥٩٩ ]
القَضَاءَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ الفُرُوعِ وَالأُصُولِ جَمِيعًا حَتَّى اشْتَرَكُوا فِي الضَّمَانِ عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَكَذَا عِنْدَهُمَا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ شَهَادَةِ الْأُصُولِ لِيَصِيرَ حُجَّةٌ فَيَظْهَرَ تَحْمِيلُ مَا هُوَ حُجَّةٌ.
عدالة الأصول، فلا يكون لغيره أن يجعل كلامه حجة إلا بأمره، فلا بد من التحميل. كذا في جامع قاضي خان (^١).
قوله: (اشتركوا في الضمان)، وفي الفوائد الظهيرية: معنى اشتراكهم في الضمان أن المشهود عليه بالخيار بين تضمين الأصول وبين تضمين الفروع، وليس معناه أن يقضي بنصف الضمان على الأصول وبنصفه على الفروع؛ بل هذا كالغاصب مع غاصب الغاصب (^٢).
وفي الذخيرة (^٣): لو ضمن الفروع لا يرجعون على الأصول كما في الغصب، وإن ضمن الأصول لا يرجعون على الفروع أيضًا، بخلاف ما لو ضمن الغاصب حيث يرجع على غاصبه، وعندها الأصول مسببون والفروع مباشرون، وإذا اجتمعا وهما متعديان فالضمان على المباشر.
قوله: (فيظهر تحميل ما هو حجة) أي: يظهر بالنقل التحميل، ولولا التحميل لم يوجد النقل والنقل إلى مجلس القاضي حجة.
وفي الكافي: وتحمل الفروع إنما يصح إذا عاينوا حجة، والشهادة في غير مجلس القاضي ليس بحجة، فيجب النقل إلى مجلسه ليصير حجة، ويظهر أن التحمل حصل بما هو حجة، فلما لم يكن بد من النقل لم يكن بد من التحميل.
وفي الفوائد الظهيرية: قول المشايخ في هذا الموضع أن الشهادة لا تكون حجة إلا في مجلس القاضي، فلا يحصل العلم للقاضي لقيام الحق بمجرد شهادة الأصل مزيف؛ لأن الفرع لا يسعه الشهادة على الشهادة، وإن كان الأصل شهد عند القاضي بالحق عندنا في مجلسه فلا بد من طريق آخر، وهو أن الشهادة لا تجوز إلا بالتحميل والتوكيل، ووجه ذلك أن الأصل منفعة في نقل
_________________
(١) فتاوى قاضي خان (٢/ ٤٨٨، ٤٨٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٨٩)، فتح القدير (٧/ ٤٦٧).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٥٧٥).
[ ٦ / ٦٠٠ ]
قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ شُهُودِ الفَرْعِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ شُهُودُ الأَصْلِ، أَوْ يَغِيبُوا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، أَوْ يَمْرَضُوا مَرَضًا لَا يَسْتَطِيعُونَ مَعَهُ حُضُورَ مَجْلِسِ الحَاكِمِ) لِأَنَّ جَوَازَهَا لِلْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا تُمَسُّ عِنْدَ عَجْزِ الْأَصْلِ وَبِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَتَحَقَّقُ العَجْزُ. وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا السَّفَرَ لِأَنَّ المُعْجِزَ بُعْدُ المَسَافَةِ وَمُدَّةُ السَّفَرِ بَعِيدَةٌ حُكْمًا حَتَّى أُدِيرَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنْ الأَحْكَامِ فَكَذَا سَبِيلُ هَذَا الحُكْمِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ إِنْ
شهادته، ومن وجه وهو أن الشهادة واجب عليه إقامتها، ويأثم بكتمانها متى وجد الطلب، غير أن فيها مضرّة له من حيث بطلان ولايتها في تنفيذ قوله على المشهود عليه، وإبطال ولايته بدون أمره مضرة له، فصار كولاية نكاح الصغيرة، فباعتبار ذلك شرط الأمر منه.
(وإنما اعتبرنا السفر)، وبه قال الشافعي (^١) في قول، وأحمد (^٢) في رواية؛ لتعلق الأحكام بمدة السفر كقصر الصلاة، والصوم، وابتداء مسح الخف، وكتكبيرات التشريق عند أبي حنيفة، والأضحية والجمعة، وحرمة خروج المرأة بلا محرم.
قوله: (وعن أبي يوسف) إلى آخره، وبه قال الشافعي (^٣) في قول، وأحمد (^٤) في رواية، وقال: لو كان بمكان لا يلزمه الحضور لأداء الشهادة، وهو قريب من قول أبي يوسف، وقال بعض أصحاب مالك (^٥): لا ينقل في الحدود إلا في غيبة بعيدة، فأما اليومان والثلاثة فلا، إلا المرأة، فإنه ينقل عنها مع حضورها في البلد. ذكره في الجواهر (^٦).
وفي الذخيرة (^٧): رُوِيَ عن محمد أنه يجوز كيفما كان، حتى إذا كان الأصل في زاوية المسجد، والفرع في زاوية أخرى من ذلك المسجد تُقبل.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٢٥)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/¬٤٩).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٩)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١٠٣).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٢٥)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٩٥).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٩)، المغني (١٠/ ١٨٨، ١٨٩).
(٥) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٩١)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ٢٠٥).
(٦) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٨).
(٧) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٩٣).
[ ٦ / ٦٠١ ]
كَانَ فِي مَكَان لَوْ غَدَا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبِيتَ فِي أَهْلِهِ صَحَ الإِشْهَادُ إِحْيَاءً لِحُقُوقِ النَّاسِ (*)، قَالُوا: الأَوَّلُ أَحْسَنُ، وَالثَّانِي: أَرْفَقُ، وَبِهِ أَخَذَ الفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ. قَالَ: (فَإِنْ عَدَّلَ شُهُودُ الأَصْلِ شُهُودَ الفَرْعِ جَازَ) لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّزْكِيَةِ (وَكَذَا إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ فَعَدَّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ صَحٌ)
وقال شمس الأئمة السرخسي، والسعدي في شرح أدب القاضي للخصاف: شهادة الفروع والأصول في المصر يجب أن تجوز على قولهما، وعلى قول أبي حنيفة لا تجوز؛ لما أن التوكيل بغير رضا الخصم لا يجوز عنده، وعندهما يجوز، ووجه البناء على قوله أنه لما لم يملك المدعى عليه إنابة غيره مناب نفسه في الجواب إلا بعذر - فكذا لا يملك الأصل إنابة غيره مناب تفسه في الشهادة إلا بعذر والجامع أن استحقاق الجواب على المدعى عليه كاستحقاق الحضور.
قوله: (والأول أحسن) لأن العجز شرعًا يتحقق بمدة السفر كما في سائر الأحكام، فكان القول به موافقًا لحكم الشرع فكان أحسن.
(والثاني) وهو قول أبي يوسف (أرفق، وبه) أي: بالثاني.
وفي الذخيرة (^١): برواية أبي يوسف أخذ كثير من المشايخ.
قوله: (فإن عَدَّلَ شهود الأصل) بنصب (شهود) على المفعولية و(شهود الفرع) بالرفع، على الفاعلية، أي: عَدَّلَ الفروع الأصول (جاز) بإجماع الأئمة الأربعة (لأنهم من أهل التزكية) فحينئذ لا فرق بين تزكيتهم وتزكية غيرهم.
وذكر الخصاف: يسأل القاضي الفروع عن الأصول، ولا يقضي قبل السؤال، فإن عدلوهم تثبت عدالتهم في ظاهر الرواية، وعن محمد لا تثبت عدالتهم بتعديل الفروع؛ لأن فيه تنفيذ شهادة نفسهم، والصحيح ظاهر الرواية؛ لأن العدل لا يتهم بمثله، كما لا يتهم في شهادة نفسه، مع احتمال أنه إنما يشهد ليصير مقبول القول، وإن لم تكن له شهادة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٩٢).
[ ٦ / ٦٠٢ ]
لِمَا قُلْنَا، غَايَةُ الأَمْرِ: أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مِنْ حَيْثُ القَضَاءُ بِشَهَادَتِهِ، لَكِنَّ العَدْلَ لَا يُتَّهَمُ بِمِثْلِهِ كَمَا لَا يُتَّهَمُ فِي شَهَادَةِ نَفْسِهِ، كَيْفَ وَأَنَّ قَوْلَهُ مقبول فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَإِنْ رُدَّتْ شَهَادَةُ صَاحِبِهِ فَلَا تُهْمَةَ.
قَالَ: (وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ تَعْدِيلِهِمْ جَازَ، وَنَظَرَ القَاضِي فِي حَالِهِمْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَرَحِمَهُ اللهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا تُقْبَلُ (*)، لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ إِلَّا بِالعَدَالَةِ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفُوهَا لَمْ يَنْقُلُوا الشَّهَادَةَ فَلَا يُقْبَلُ. وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّ المَأْخُوذَ عَلَيْهِمْ النَّقْلُ دُونَ التَّعْدِيلِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ، وَإِذَا نَقَلُوا يَتَعَرَّفُ القَاضِي العَدَالَةَ كَمَا إِذَا حَضَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَشَهِدُوا.
قَالَ: (وَإِنْ أَنْكَرَ شُهُودُ الأَصْلِ الشَّهَادَةَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الشُّهُودِ الفَرْعِ) لِأَنَّ
قوله: (لما قلنا) أنه من أهل التزكية، وعن بعض مشايخنا: لا تقبل؛ لأنه يريد به تنفيذ شهادته، فكان متهما، وقلنا: إن العدل لا يتهم بمثله كما ذكرنا (^١).
قوله: (وإن سكتوا) أي: الفروع عن تعديل الأصول (نظر القاضي) أي: يسأل عن المزكين حال الأصول.
وفي جامع قاضي خان (^٢): لو قال الفروع: لا نخبرك لا يقبل القاضي شهادتهم، وعن أبي يوسف: يسأل القاضي عن غيرهم عن حال الأصول، وإن قالوا: لا نعرف الأصول: أعدول أم لا؟ قال السعدي: وهذا وقولهم: (لا نخبرك) سَوَاء، وقال الحلواني: لو قالوا: لا نعرف عدالتهم لا يرد القاضي شهادتهم، ويسأل عن غيرهم عن حال الأصول، وهو الصحيح؛ لأن شاهدي الأصل بقي مستورًا.
قوله: (فإذا لم يعرفوها) أي: إذا لم يعرف الفرع عدالة الأصول (^٣).
قوله: (وإن أنكر شهود الأصل) إلى آخره، وفي الكافي: معنى المسألة أنهم قالوا: ما لنا شهادة على هذه الحادثة، وماتوا أو غابوا، ثم جاء الفروع
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٩١)، فتح القدير (٧/ ٤٦٩، ٤٧٠).
(٣) فتاوى قاضي خان (٢/ ٤٨٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٩١)، فتح القدير (٧/ ٤٧٠).
[ ٦ / ٦٠٣ ]
التَّحْمِيلَ لَمْ يَثْبُتْ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ وَهُوَ شَرْطٌ.
(وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى فُلَانَةَ بِنْتِ فُلَانِ الفُلَانِيَّةِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَا: أَخْبَرَانَا أَنَّهُمَا يَعْرِفَانِهَا، فَجَاءَ بِامْرَأَةٍ وَقَالَا: لَا نَدْرِي أَهِيَ هَذِهِ أَمْ لَا، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمُدَّعِي: هَاتِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى المَعْرِفَةِ بِالنِّسْبَةِ قَدْ تَحَقَّقَتْ وَالمُدَّعِي يَدَّعِي الحَقَّ عَلَى الحَاضِرَةِ، وَلَعَلَّهَا غَيْرُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهَا بِتِلْكَ النِّسْبَةِ، وَنَظِيرُ هَذَا: إِذَا تَحَمَّلُوا الشَّهَادَةَ بِبَيْعِ مَحْدُودَةٍ بِذِكْرِ حُدُودِهَا وَشَهِدُوا عَلَى المُشْتَرِي لَا بُدَّ مِنْ آخَرَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ المَحْدُودَ بِهَا فِي يَدِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا أَنْكَرَ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الحُدُودَ المَذْكُورَةَ فِي الشَّهَادَةِ حُدُودُ مَا فِي يَدِهِ.
يشهدون على شهادتهم بهذه الحادثة، أما مع حضورهم فلا يلتفت إلى شهادة الفروع وإن لم ينكروا.
قوله: (للتعارض بين الخبرين) أي: بين خبر الفروع وخبر الأصول.
(وهو) أي: التحمل (شرط)، وقد فات للتعارض (^١).
قوله: (وقالا: أَخْبَرَانا) أي قال: الفرعان (أَخْبَرَانا) أي: الأصلان (أنهما) أي: الأصلان (يعرفانها) أي: تلك المرأة المشهود عليها.
(فجاء) أي: المدعي (بامرأة وقالا) أي: الفرعان أهي هذه أم لا؟ (^٢) أي: لا ندري أن المعرفة بالنسبة هي هذه الحاضرة أم لا؛ لأن الشهادة على المعرفة بالنسبة قد تحققت كما تحملوها، فصح النقل.
وقولهم: لا ندري: أهي هذه أم لا؟ يوجب جرحًا في شهادتهم؛ لأنهم لم يعرفوها فقد عرفها الأصل، وإنما لم نحكم بهذه الشهادة؛ لأن الشهادة على المعرفة بالنسبة تحققت والمدّعِي يدعي الحق على الحاضرة، ويحتمل أن تكون الحاضرة غيرها، فوجب التوقف حتى يشهدا بأنها فلانة بعينها (^٣).
قوله: (أن الحدود المذكورة في الشهادة)، قال التمرتاشي: يعني لو قال
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٧١)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٩٢).
(٢) كذا في الأصول الخطية، وتقدم في المتن: لا ندري أهي هذه أم لا، وسيأتي.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٩٣)، فتح القدير (٧/ ٤٧٢).
[ ٦ / ٦٠٤ ]
قَالَ: (وَكَذَا كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، إِلَّا أَنَّ القَاضِيَ لِكَمَالِ دِيَانَتِهِ وَوُفُورِ وِلَايَتِهِ يَنْفَرِدُ بِالنَّقْلِ وَلَوْ قَالُوا فِي هَذَيْنِ البَابَيْنِ: التَّمِيمِيَّةُ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَنْسُبُوهَا إِلَى فَخِذِهَا وَهِيَ القَبِيلَةُ الخَاصَّةُ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا بُدَّ مِنهُ فِي هَذَا، وَلَا يَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَامَّةِ وَهِيَ عَامَّةٌ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ، لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَيَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الفَخِذِ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ. وَقِيلَ: الفَرْغَانِيَّةُ
المُدّعِي أن المذكورة بهذه الحدود ملكه، وفي يد المدعى عليه بغير حق، فقال المدعى عليه الذي في يدي غير محدود بهذه الحدود، فلا بد من شاهدين آخرين أن الحدود المذكورة حدود ما في يده ليصح القضاء (^١).
قوله: (وكذا كتاب القاضي [إلى القاضي]) (^٢) يعني كتب في كتابه: شهد عدلان عندي أن لفلان بن فلان الفلاني على فلانة بنت فلان الفلاني كذا، فاقض عليها أنت بذلك، فأحضر المدعي امرأة في مجلس المكتوب إليه، ودفع الكتاب إليه، وأنكرت أنها فلانة المكتوب فيه، فقال المكتوب إليه: هات شاهدين أن التي أحضرتها هي الفلانة المذكورة في هذا الكتاب؛ لتمكن الإشارة إليها في القضاء. كذا ذكره التمرتاشي (^٣).
وقوله: (إلا القاضي بكمال ديانته) (^٤) إلى آخره جواب إشكال مقدر، وهو أن يقال: إن القاضي الكاتب بمنزلة الشاهد الفرعي؛ لأنه سمع الشهادة من الشاهدين، ونقل شهادتهما بالكتاب، فصار كأنه حضر مجلس المكتوب إليه، وشهدوا هناك، يشترط اثنان فكذلك ينبغي أن يشترط في القاضي الكاتب أن يكون اثنين، فأجاب بما ذكر في الكتاب (^٥).
قوله: (في هذين البابين) أي: باب الشهادة على الشهادة، وباب كتاب القاضي.
قوله: (لأنها خاصة) أي: الفخذ قبيلة خاصة، لا قبيلة دونها، هكذا ذكر
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٩٣)، فتح القدير (٧/ ٤٧٢).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٧٢)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٩٣).
(٤) كذا في الأصل، وهذا الجزء سقط من النسخة الثانية، وتقدم في المتن: (إِلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ لِكَمَالِ دِيَانَتِهِ وَوُفُورِ وِلَايَتِهِ يَنْفَرِدُ بِالنَّقْلِ).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٩٣)، فتح القدير (٧/ ٤٧٣).
[ ٦ / ٦٠٥ ]
نِسْبَةٌ عَامَّةٌ، وَالأَوْزَجَنْدِيَّةُ خَاصَّةٌ، وَقِيلَ: السَّمَرْقَنْدِيَّةُ وَالبُخَارِيَّةُ عَامَّةٌ، وَقِيلَ إِلَى السِّكَّةِ الصَّغِيرَةِ خَاصَّةٌ، وَإِلَى المَحَلَّةِ الكَبِيرَةِ وَالمِصْرِ عَامَّةٌ.
ثُمَّ التَّعْرِيفُ وَإِنْ كَانَ يَتِمُّ بِذِكْرِ الجَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ خِلَافًا لأَبِي يُوسُفَ ﵀ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ (*)، فَذِكْرُ الفَخِذِ يَقُومُ مَقَامَ الجَدِّ، لِأَنَّهُ اسْمُ الجَدِّ الأَعْلَى، فَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الجَدِّ الأَدْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
في الصحاح (^١)، حيث قال: القبائل ست: أولها الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ.
وذكر في الكشاف (^٢) في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات: ١٣] الشعب: الطبقة الأولى من الطبقات التي عليها العرب، وهي الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل.
خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، وعباس فصيلة.
وسميت الشعب؛ لأن القبائل تشعبت منها.
وفي الديوان (^٣): الشعب، بفتح الشين، والعمارة: بكسر العين.
قوله: (لأنه) أي: الفخذ (اسم الجد الأعلى) في القبيلة الخاصة (فنزل منزلة الجد الأدنى) وهو أبو الأب (^٤).
وتصح الشهادة على الشهادة من النساء، وبه قال مالك (^٥) وأحمد (^٦) في
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٦٨).
(٣) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري (٤/ ٣٧٤، ٣٧٥).
(٤) انظر: معجم ديوان الأدب للفارابي (١/ ٩٥)، (١/ ٤٧١).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٧٤)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٩٥).
(٦) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٨٨)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٨).
(٧) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٠)، المغني (١٠/ ١٩١).
[ ٦ / ٦٠٦ ]