(وَكُلُّ شَيْءٍ وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ وَهُوَ مُسْتَحَقُّ بِعَقْدِ المُدَايَنَةِ، لَمْ يُحْمَلْ عَلَى
باب الصُّلْحِ فِي الدَّيْنِ
لما ذكر حكم الصلح على العموم، ذكر في هذا الباب حكمه عن دعوى خاص وهو دعوى الدين إذ الخصوص بعد العموم.
قوله: (وكل شيء وقع عليه الصلح)، أي: كل شيء هو بدل الصلح.
(مستحق بعقد المداينة)، أي: إذا كان بدل الصلح من جنس ما يستحقه المدعي على المدعى عليه بعقد مداينة جرت بينهما وهي البيع.
صورته: باع ثوبًا مثلا بعشرة دراهم، وافترقا من غير قبض الدراهم من غير ذكر أجل، ثم تصالحا على خمسة دراهم، يجوز وإن افترقا من غير قبض بدل الصلح الذي هو خمسة؛ لأن هذا الصلح محمول على أنه استوفى بعض حقه، وأسقط باقيه، إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
وإنما قيد بعقد المداينة مع أن الحكم في الغصب كذلك حملا لأمر المسلم على الصلاح، وهو نظير قوله ﵊: «مَنْ نام عن صلاة أو نَسِيَها» (^١)، الحديث، مع أن الحكم في العمد كذلك.
وهاهنا ينبغي أن يزاد قيد آخر في الرواية وهو أن يقال: وكل شيء وقع عليه الصلح وهو مستحق بعقد المداينة، ولا يمكن حمله على بيع الصرف لم يحمل على المعاوضة؛ لأنه لو أمكن حمله على بيع الصرف، [مع] (^٢) أنه مستحق بعقد المداينة يحمل على المعاوضة لا على إسقاط البعض، فقد ذكر في الذخيرة جنس هذه المسائل فقال: هي على أربعة أوجه: أن يصالح ألف درهم سود حال على ألف بَخِيَّة (^٣) إلى أجل لا يجوز لما ذكر في الكتاب.
والثاني: أن يصالح بألف سود مؤجل على ألف بخية حالة، جاز إذا نقد
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٤٧٧) رقم (٦٨٤) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) في هامش الأصل: (البَخِيَّة: الردية). وفي الذخيرة البرهانية: نجية، والنجية اسم لما هو أجود من السود.
[ ٧ / ٣٤ ]
المُعَاوَضَةِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْفَى بَعْضَ حَقِّهِ، وَأَسْقَطَ بَاقِيَهُ، كَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ، وَكَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفٌ جِيَادٌ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ زُيُوفٍ جَازَ، وَكَأَنَّهُ أَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ) وَهَذَا لِأَنَّ تَصَرُّفَ العَاقِلِ يَتَحَرَّى تَصْحِيحَهُ مَا أَمْكَنَ، وَلَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِهِ مُعَاوَضَةً لِإِفْضَائِهِ إِلَى الرِّبَا، فَجُعِلَ إِسْقَاطًا لِلْبَعْضِ فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى، وَلِلْبَعْضِ وَالصِّفَةِ فِي الثَّانِيَةِ (وَلَوْ صَالَحَ عَلَى أَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ جَازَ، وَكَأَنَّهُ أَجَّلَ نَفْسَ الحَقِّ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُعَاوَضَةٌ، لِأَنَّ بَيْعَ الدَّرَاهِمِ بِمِثْلِهَا نَسِيئَةٌ لَا يَجُوزُ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى التَّأْخِيرِ (وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ إِلَى شَهْرٍ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ بِعَقْدِ المُدَايَنَةِ … … … ..
البخية في المجلس؛ لأن هذه مصارفة بدين وجب قبل عقد الصرف، وقد قبض بدله في المجلس.
والثالث: أن يصالح عن ألف بخية حالة على ألف سود إلى أجل، وهو جائز؛ لأن هذا إبراء عن الجودة من صاحب الدين.
والرابع: أن يصالح عن ألف بخية مؤجلة على ألف سود حالة فإنه لا يجوز؛ لأنه اعتياض عن الأجل (^١).
قوله: (يتحرى)، أي: يطلب.
قوله: (نسيئة لا يجوز) شرعًا؛ لأن ذلك بيع الدين بالدين؛ لأن كل ذلك ثابت في الذمة، وقد نهى ﵇ عن بيع الكالئ بالكالئ، فلا بد من حمله على التأخير؛ لأن التأخير تصرف في حق نفسه لا في حق غيره.
قوله: (ولو صالحه على دنانير إلى شهر لم يجز)، سواء كان مقرا أو جاحدًا؛ لأنه إن كان مقرا كان صرفًا بالنسيئة وذلك لا يجوز، وكذا إن كان منكرا؛ لأن الصلح بناء على زعم المدعي، وفي زعمه أن هذا صرف بالنسيئة، فكذا لو صالحه على طعام في الذمة مؤجلا، أو غير مؤجل وتفرقا قبل القبض لم يجز؛ لأن هذا افتراق عن دين بدين، كذا في الذخيرة (^٢).
قوله: (لأن الدنانير غير مستحقة بعقد المداينة)؛ لأنه وجب بالعقد الدراهم
_________________
(١) الذخيرة البرهانية لابن مازة (١١/ ١٩٥).
(٢) الذخيرة البرهانية لابن مازة (١١/ ١٩٦).
[ ٧ / ٣٥ ]
فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّأْخِيرِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ سِوَى المُعَاوَضَةِ، وَبَيْعُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ نَسِيئَةٌ لَا يَجُوزُ فَلَمْ يَصِحَ الصُّلْحُ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَلْفٌ مُؤَجَّلَةٌ، فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ حَالَةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ المُعَجَّلَ خَيْرٌ مِنْ المُؤَجَّلِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقِّ بِالعَقْدِ، فَيَكُونُ بِإِزَاءِ مَا حَطَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ اعْتِبَاضُ عَنْ الأَجَلِ، وَهُوَ حَرَامٌ (وَإِنْ كَانَ لَهُ أَلْفٌ سُودٌ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ بِيضِ، لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ البِيضَ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ بِعَقْدِ المُدَايَنَةِ، وَهِيَ زَائِدَةٌ وَصْفًا فَيَكُونُ مُعَاوَضَةُ الأَلْفِ بِخَمْسِمِائَةٍ وَزِيَادَةِ وَصْفٍ وَهُوَ رِبًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَنْ الأَلْفِ البِيضِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ سُودٍ حَيْثُ يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ كُلُّهُ قَدْرًا وَوَصْفًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ وَهُوَ أَجْوَدُ، لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ
لا الدنانير فلا يمكن حمله على تأخير حقه؛ إذ التأخير تصرف في حق نفسه، والدنانير غير حقه.
قوله: (وهو)، أي: المعجل (غير مستحق)، بل المستحق المؤجل بعقد المداينة، والمعجل خير من المؤجل.
(فيكون)، أي: تعجيل الخمسمائة التي كانت مؤجلة.
(بإزاء)، أي: بمقابلة الخمسمائة المحطوطة.
(وذلك)، أي: تعجيل الخمسمائة عوضًا عن الأجل، وهو حرام، ألا ترى أن ربا النساء حرام لشبهة مبادلة المال بالأجل، فلأن يحرم حقيقةً أولى، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^١)، وأكثر العلماء.
قوله: (ألف سود)، المراد من السود الدراهم المضروبة من النقرة السوداء؛ لأن البيض غير مستحقة بعقد المداينة؛ لأن من له السود لا يستحق البيض، فقد صالح على مال لا يستحق بعقد المداينة، فكان معاوضة الألف بخمسمائة وزيادة وصف فكان ربا (على قدر الدين).
(وهو)، أي: بدل الصلح (أجود) من الدين، أي: حيث يجوز؛ لأنه مبادلة المثل بالمثل.
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد (٣/ ١٤٨).
[ ٧ / ٣٦ ]
المِثْلِ بِالمِثْلِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالصِّفَةِ إِلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ القَبْضُ فِي المَجْلِسِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ أَوْ إِلَى شَهْرٍ صَحَ الصُّلْحُ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ إِسْقَاطًا لِلدَّنَانِيرِ كُلِّهَا وَالدَّرَاهِم إِلَّا مِائَةً وَتَأْجِيلًا لِلْبَاقِي فَلَا يُجْعَلُ مُعَاوَضَةٌ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ أَوْ لِأَنَّ مَعْنَى الإِسْقَاطِ فِيهِ أَلْزَمُ. قَالَ: (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَم فَقَالَ: أَدْ إِلَيَّ غَدًا مِنهَا خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ الفَضْلِ، فَفَعَلَ فَهُوَ بَرِيءٌ، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ الخَمْسَمِائَةِ غَدًا، عَادَ عَلَيْهِ الْأَلْفُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَعُودُ عَلَيْهِ) (*) لِأَنَّهُ إِبْرَاء مُطْلَقٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَ
(ولا معتبر بالصفة)، أي: الجودة ساقطة العبرة في الأموال الربوية بالنص، إلا أنه يشترط القبض في المجلس لأنه صرف.
قوله: (ولأن معنى الإسقاط فيه)، أي: في الصلح، (ألزم)؛ لأنه مبني على الحطيطة، والحط هنا أكثر فيكون الإسقاط ألزم.
ولو صالح عن ألف درهم وعشرة دنانير على ألف درهم وعشرة دراهم على أن ينقد خمسمائة والباقي إلى أجل، ثم نقد خمسمائة في المجلس صح الصلح عند أبي يوسف؛ لأن المقبوض يجعل من الصرف وغيره، وعند محمد لا يصح؛ لأن العقد في الدنانير صرف فقد صار التأجيل شرطا في الصرف فأفسده. قوله: (ومن له على آخر ألف درهم)، قال في جامع البزدوي، والمحبوبي، وقاضي خان: ألف درهم حالة (^١).
(وقال أبو يوسف: لا يعود عليه)، سواء دفع الألف غدًا، أو لم يدفع؛ لأن الإبراء حصل مطلقًا فلا يعود بعد النقد؛ لأنه شرط ضائع، إذ النقد واجب عليه اليوم، فكان نقد الخمسمائة لا يصلح عوضًا عن الإبراء؛ لأن النقد واجب عليه اليوم وغدًا؛ لأن المال حال فلا يصلح النقد عوضًا في الصلح، وإذا لم يصلح عوضًا صار ذكره والعدم بمنزلة، فكان الإبراء حاصلا مطلقا فلا يعود بعدم النقد.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) انظر: فتاو قاضي خان (٣/¬٣٩).
[ ٧ / ٣٧ ]
أَدَاءَ الخَمْسِمِائَةِ عِوَضًا حَيْثُ ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ «عَلَى» وَهِيَ لِلْمُعَاوَضَةِ، وَالْأَدَاءُ لَا يَصِحُّ عِوَضًا لِكَوْنِهِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَجَرَى وُجُودُهُ مَجْرَى عَدَمِهِ فَبَقِيَ الإِبْرَاءُ مُطْلَقًا فَلَا يَعُودُ كَمَا إِذَا بَدَأَ بِالْإِبْرَاءِ.
وَلَهُمَا: أَنَّ هَذَا إِبْرَاء مُقَيَّدٌ بِالشَّرْطِ، فَيَفُوتُ بِفَوَاتِهِ، لِأَنَّهُ بَدَأَ بِأَدَاءِ الخَمْسِمِائَةِ فِي الغَدِ، وَأَنَّهُ يَصْلُحُ غَرَضًا حِذَارَ إِفْلَاسِهِ وَتَوَسُّلًا إِلَى تِجَارَةٍ أَرْبَحَ مِنهُ، وَكَلِمَةُ «عَلَى» إِنْ كَانَتْ لِلْمُعَاوَضَةِ.
قوله: (والأداء لا يصح عوضًا)؛ لأن حد المعاوضة أن يستفيد كل واحد ما لم يكن استفاده قبل ذلك، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
قوله: (إنه إِبْرَاءُ مُقَيَّدُ بِالشَّرْطِ)، أي: بشرط أن يسلم له خمسمائة في الغد، فكأنه قال: أبرأتك عن خمسمائة بشرط أن تسلم خمسمائة في الغد، فصار دخول كلمة (على) على الإبراء كدخولها في الأداء، كما في قوله: طعني (^٢) على ألف، حملا لكلام العاقل على الفائدة، فإذا لم يسلم فات رضاه، وبدون الرضى لا يسقط الحق.
قوله: (وَكَلِمَةُ عَلَى إِنْ كَانَتْ لِلْمُعَاوَضَةِ)، وهاهنا خرج مخرج الأعواض، ولكنه لا يصلح عوضًا فيحمل على الشرط، إذ كلمة (على) تجيء للشرط، [قال تعالى:] (^٣) ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]، فلم يضر الإبراء مطلقا بالشك.
وفي الفوائد الظهيرية لهما أن هذا حط بعض خمسمائة بشرط أن ينقد خمسمائة غدًا، ونقد خمسمائة في الغد يصلح عوضًا عن الحط؛ لأن الطالب ينتفع به لما ذكرنا أن الإنسان قد يحتاج إلى المال لتجارة أربح أو غيره.
وما قال أبو يوسف أن النقد واجب عليه لا يصلح عوضًا، قلنا: فيعتبر واجبا قبل الحط في المداينة، وبعد الشرط جعل عوضًا فيعتبر واجبًا مرةً أخرى؛
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٨/ ٤٢٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (١٠/¬٢٨).
(٢) كذا في الأصل، وفي النسخة الثانية: (طلقني).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٣٨ ]
فَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلشَّرْطِ لِوُجُودِ مَعْنَى المُقَابَلَةِ فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذَّرِ الحَمْلِ عَلَى المُعَاوَضَةِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ، وَالإِبْرَاءُ مِمَّا يَتَقَيَّدُ بِالشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ
ليصير عوضًا عن الحط فيبطل الحط بفواته؛ إذ الثابت يعتبر ثابتًا مرةً أخرى إذا أفاد اعتباره؛ كما لو ظاهر مرارًا صح؛ لما أن إثباته مرارًا يفيد شيئًا وهو وجوب الكفارة، فكذا هاهنا النقد وإن كان واجبًا قبل الصلح بالمداينة، ويعتبر واجبًا مرةً أخرى عوضًا ليبطل الحط بفواته.
فإن قيل: اعتبار وجوده مرةً أخرى ليصير عوضًا عن الحط موجود فيما لو قال: أبرأتك عن خمسمائة على أن تعطيني خمسمائة غدًا.
قلنا: قال صدر الإسلام في جامعه: ينبغي أن يكون الجواب فيه عندهما هكذا أيضا.
وفيه إشارة إلى أن للمنع مجالًا فيما إذا بدأ بالإبراء، ولئن سلم فالفرق أنه متى بدأ بالإبراء عن خمسمائة لا يصلح أن يكون نقد خمسمائة عوضًا مطلقا؛ لكونه يصلح شرطًا، فوقع الشك في تقييده، بخلاف ما إذا بدأ بالأداء؛ لأن الإبراء حصل مقرونا به، فمن حيث إنه يصلح عوضًا يقع مطلقا، ومن حيث إنه يصلح شرطا لا يقع مطلقا، فلا يثبت الإطلاق بالشك.
قوله: (لوجود معنى المقابلة فيه)، أي: في الشرط؛ إذ الشرط يقابل الجزء، فجاز أن يكون يستعار كلمة المعاوضة للشرط لوجود معنى المقابلة فيه.
قوله: (أو لأنه)، أي: لأن مثل هذا الشرط، وهو أن يكون تعجيل البعض مقيدا بإبراء الباقي متعارف، والإبراء مما يتقيد إلى آخره والفرق بين التقييد والتعليق أن في التقييد لا يستعمل لفظ الشرط صريحًا، ولهذا لو قال: إن أديت، أو متى، أو إذا أديت لم يصح التقييد، وفي التعليق يستعمل لفظ الشرط صريحًا، هذا من حيث اللفظ.
والفرق من حيث المعنى: أن في تقييد الإبراء بالشرط يحصل الإبراء في الحال بشرط وجود ما قيد به، وفي التعليق لا يحصل في الحال؛ لأن المعلق بالشرط معدوم قبله، فكان التقييد بمنزلة الإضافة إلى وقت، وبيانه مستقصى في أصول شمس الأئمة.
[ ٧ / ٣٩ ]
لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَمَا فِي الحَوَالَةِ، وَسَتَخْرُجُ البُدَاءَةُ بِالْإِبْرَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ: وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهِ: أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِي: إِذَا قَالَ: صَالَحْتُكَ مِنْ الأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ تَدْفَعُهَا إِلَيَّ غَدًا وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ الفَضْلِ عَلَى أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَدْفَعْهَا إِلَيَّ غَدًا فَالْأَلْفُ عَلَيْكَ عَلَى حَالِهِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الأَمْرَ عَلَى مَا قَالَ لِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ التَّقْيِيدِ فَيُعْمَلُ بِهِ. وَالثَّالِثُ: إِذَا قَالَ أَبْرَأَتُكَ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِنْ الأَلْفِ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الخَمْسَمِائَةِ غَدًا وَالإِبْرَاءُ فِيهِ وَاقِعٌ أَعْطَى الخَمْسَمِائَةِ أَوْ لَمْ يُعْطِ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الإِبْرَاءَ أَوَّلًا، وَأَدَاءُ الخَمْسِمِائَةِ لَا
ثم في مسألتنا لم يستعمل صريح لفظ الشرط، ولكن فيه معنى الشرط، فكذا سميناه تقييدًا لا تعليقا، وتقييد الإبراء بمعنى الشرط جائز، وتعليق الإبراء بالشرط لا يجوز؛ لأن في الإبراء إسقاط حق شرعي، ومعنى التمليك أيضًا؛ لأنه تعالى سمى إبراء الدين تصدقا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، والتصدق عبارة عن تمليك المال، ولهذا يرتد إبراء الدين بالرد كما في التمليكات.
ثم التمليك لا يصح تعليقه لما فيه من شبهة القمار، فقلنا: إذا صرح بلفظ الشرط لا يصح اعتبارًا لشبه التمليك، وإذا لم يصرح فيصح، ويصيرا تقييدا عملا بالشبهين بقدر الإمكان، إليه أشار في جامع قاضي خان (^١).
قوله: (كما في الحوالة)؛ فإنها إبراء مقيد بشرط السلامة، حتى لو مات المحتال عليه مفلسا يعود الدين إلى ذمة المحيل، سواء كانت الحوالة مقيدة أو مطلقة.
وقوله: (وستخرج البداءة)، جواب عما قاسه أبو يوسف، والتخريج الذي وعده يجيء في قوله: (والثالث إذا قال) إلى آخره، وقد نقلنا الفرق أيضًا بين الإبداء بالإبراء، وبين عدم الإبراء به من جامع صدر الإسلام.
قوله: (وجوابه أن الأمر على ما قال)، أي: بالإجماع.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٨/ ٤٢٩).
[ ٧ / ٤٠ ]
يَصْلُحُ عِوَضًا مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهُ يَصْلُحُ شَرْحًا فَوَقَعَ الشَّكُ فِي تَقْيِيدِهِ بِالشَّرْطِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَدَأَ بِأَدَاءِ خَمْسِمِائَةٍ، لِأَنَّ الإِبْرَاءَ حَصَلَ مَقْرُونَا بِهِ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ عِوَضًا يَقَعُ مُطْلَقًا، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَصْلُحُ شَرْحًا لَا يَقَعُ مُطْلَقًا فَلَا يَثْبُتُ الإِطْلَاقُ بِالشَّكِّ فَافْتَرَقَا. وَالرَّابِعُ: إِذَا قَالَ: أَدٌ إِلَيَّ خَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ الفَضْلِ وَلَمْ يُؤَقِّتْ لِلْأَدَاءِ وَقْتًا. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يَصِحُ الإِبْرَاءُ وَلَا يَعُودُ الدَّيْنُ، لِأَنَّ هَذَا إِبْرَاءٌ مُطْلَقٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُؤَقِّتْ لِلْأَدَاءِ وَقْتًا لَا يَكُونُ الأَدَاءُ غَرَضًا صَحِيحًا، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي مُطْلَقِ الْأَزْمَانِ فَلَمْ يَتَقَيَّدْ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى المُعَاوَضَةِ وَلَا يَصْلُحُ عِوَضًا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الأَدَاءَ فِي الغَدِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَالخَامِسُ: إِذَا قَالَ: إِنْ أَدَّيْتِ إِلَيَّ خَمْسَمِائَةٍ، أَوْ قَالَ: إِذَا أَدَّيْت أَوْ مَتَى أَدَّيْت.
فَالجَوَابُ: فِيهِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُ الإِبْرَاءُ، لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ صَرِيحًا، وَتَعْلِيقُ البَرَاآتِ بِالشُّرُوطِ بَاطِلٌ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ مَا أَتَى بِصَرِيحِ الشَّرْطِ فَحُمِلَ عَلَى التَّقْبِيدِ بِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: لَا أُقِرُّ لَك بِمَالِك حَتَّى تُؤَخِّرَهُ عَنِّي، أَوْ تَحُطَّ عَنِّي،
(فوقع الشك في تقييده)، أي تقييد الإبراء بالشرط، ثم عند الشافعي (^١)، وأحمد (^٢): إذا أبرأه عن بعض حقه، أو وهبه بعضه على أن يوفي ما بقي لم يجز، سواء كان معلقا، أو مقيدًا، أما لو قال: وهبتك بعضها فأعطني بقيتها يصح، أما لو قال: وهبتك بعضه بشرط أن توفي الباقي، لا يصح.
ولو قال: صالحتك بشرط أن توفيني، لم يصح الصلح عند بعض أصحاب الشافعي (^٣)، وبعض أصحاب أحمد، وعند أكثرهم يجوز الصلح؛ لأن معنى الصلح على ما لم يصح عوضًا الاتفاق والرضا، ويحصل هذا بغير عوض، كذا في المغني لابن قدامة (^٤).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (٧/ ٧٩)، وكفاية النبيه لابن الرفعة (١٠/ ٥٨).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٣٦١)، والشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة (٣/¬٥).
(٣) انظر: كفاية النبيه لابن الرفعة (١٠/ ٥٨).
(٤) المغني لابن قدامة (٤/ ٣٦٣).
[ ٧ / ٤١ ]
فَفَعَلَ جَازَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكْرَهِ، وَمَعْنَى المَسْأَلَةِ إِذَا قَالَ ذَلِكَ سِرًّا، أَمَّا إِذَا قَالَ عَلَانِيَةٌ يُؤْخَذُ بِهِ.