قَالَ: (الوَكِيلُ بِالخُصُومَةِ وَكِيلٌ بِالقَبْضِ) عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ (*). هُوَ يَقُولُ: رَضِيَ بِخُصُومَتِهِ، وَالقَبْضُ غَيْرُ الخُصُومَةِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ.
ترى أن الصبي إذا زوج عبده أو أعتقه أو وهبه أو تصدق به كان باطلا، حتى لا ينفذ وإن أجازه بعد بلوغه؛ لأنها تصرفات لا مجيز لها حال وقوعها.
بخلاف المرتد إذا زوج ابنته الصغيرة؛ لأن له مجيزا، وهو القاضي أو الولي، فيصح أن ينفذ تصرفه، ولو مات بَطَلَ، بخلاف التصرف في أكسابه، فإنها نافذة عندهما؛ لأن ملك الولاية يبتني على الملك، والملك قائم ما دام حيا بلا توقف.
بَابُ الْوِكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْضِ
لما كانت الوكالة بالخصومة من المهجور الشرعي - حتى عدل عن حقيقتها إلى مطلق الجواب - تأخر ذكرها عما هو مشروع ومقر على حقيقته.
قوله: (الوكيل بالخصومة) إلى آخره، أطلق في الرواية ليتناول الوكيل بالخصومة في العين والدين، وهو وكيل بالقبض فيهما عند علمائنا الثلاثة. ذكره المحبوبي.
قوله: (خلافًا لزفر) فإنه يقول: لا يكون وكيلا بالقبض، وبه قال الشافعي في الأظهر، ومالك وأحمد، وعند الشافعي في وجه: أنه يملك، كقولنا.
(هو يقول) أي: زفر يقول: إن القبض غير الخصومة؛ لأن الخصومة لإظهار الحق، ويختار في الخصومة أَلَجَّ الناسِ، وللقبض آمَنَ الناس، فمن يصلح للخصومة لا يُرضى بأمانته عادةً.
ولنا: أن التوكيل بشيء توكيل بإتمامه، وإتمام الخصومة يكون بالقبض؛ لأن الخصومة باقية ما لم يقبض، وذلك لأنه ما لم يقبضه يتوهم عليه الإنكار بعد ذلك والمطل، ويحتاج إلى المرافعة. كذا في الأسرار والمبسوط (^١).
_________________
(١) (*) الراجح: قول زفر.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/¬١١).
[ ٦ / ٧١٦ ]
وَلَنَا: أَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ إِثْمَامَهُ، وَإِثْمَامُ الخُصُومَةِ وَانْتِهَاؤُهَا بِالقَبْضِ، وَالفَتْوَى اليَوْمَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ ﵀ لِظُهُورِ الخِيَانَةِ فِي الوُكَلَاءِ، وَقَدْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الخُصُومَةِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى المَالِ، وَنَظِيرُهُ: الوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي، يَمْلِكُ القَبْضَ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا، إِلَّا أَنَّ العُرْفَ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ قَاضٍ عَلَى الوَضْعِ، وَالفَتْوَى عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ بِالخُصُومَةِ لَا يَقْبِضَانِ إِلَّا مَعًا) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا لَا بِأَمَانَةِ أَحَدِهِمَا، وَاجْتِمَاعُهُمَا مُمْكِنٌ بِخِلَافِ الخُصُومَةِ عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ: (وَالوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ يَكُونُ وَكِيلًا بِالخُصُومَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) حَتَّى لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ عَلَى
قوله: (والفتوى اليوم على قول زفر) وبه أفتى كثير من مشايخ بلخ، والصدر الشهيد؛ لأن التوكيل بالقبض غير ثابت نصًا ودلالةً، أما نصا فظاهر، وأما دلالةً فإن الإنسان قد يوكل غيره بالخصومة والتقاضي ولا يرضى بأمانته وقبضه، والوكيل على التقاضي يملك القبض على أصل الرواية، خلافًا لهم، وعلى اختيار الفتوى.
قوله: (لأنه في معناه) أي: لأن التقاضي في معنى القبض في أصل اللغة، يقال: تقاضيته ديني وبديني، واقتضيته، واستقضيته، واقتضيت منه حقي، أي: أخذته. ذكره في الأساس (^١).
(إلا أن العرف يخالفه) (^٢) فإن الناس لا يفهمون من التقاضي القبض؛ بل يفهمون منه المطالبة.
(وهو) أي: العرف (راجح) أي: (قاض على الوضع) لأن وضع الألفاظ لحاجة الناس، وهم لا يفهمون المعنى الموضوع؛ بل يفهمون المجاز، فصار بمنزلة الحقيقة العرفية.
قوله: (واجتماعهما) أي: اجتماع الوكيلين على القبض (ممكن) فإنهما يصيران قابضين بالتحلية (على ما مر) أي: في فصل الوكيلين.
قوله: (والوكيل بقبض الدين [يكون] (^٣) وكيلا بالخصومة عند أبي حنيفة)
_________________
(١) أساس البلاغة (٢/ ٨٦).
(٢) في الأصل: (إلا أن العرب تخالفه)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧١٧ ]
اسْتِيفَاءُ المُوَكِّلِ أَوْ إِبْرَائِهِ تُقْبَلُ عِنْدَهُ، وَقَالَا: لَا يَكُونُ خَصْمًا وَهُوَ رِوَايَةُ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (*)، لِأَنَّ القَبْضَ غَيْرُ الخُصُومَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى المَالِ يَهْتَدِي
وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية. وقال الشافعي في الأصح، وأحمد في ظاهر الرواية: لا يملك، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهذا الخلاف في الوكيل بقبض الدين، أما الوكيل بقبض العين لا يملك الخصومة باتفاق أصحابنا، وللشافعي وأحمد فيه وجهان كما في قبض الدين، ويجيء بعد ذلك.
وهذا يرجع إلى أصل، وهو أن التوكيل بقبض الدين توكيل باستيفاء الحق شرعًا عندهما، ولهذا لو قبض أحد الشريكين شيئًا من الدين المشترك كان للآخر أن يشاركه فيه، ومعنى التمليك ساقط في الحكم، وعند أبي حنيفة القبض في الدين يُملك؛ إذ الديون تُقض بأمثالها، فيصير للقبض حكم المبادلة، والتمليك إنشاء تصرف، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد، فكان خصمًا فيها.
وإذا ثبت هذا فهما يقولان: التوكيل بقبض الدين توكيل باستيفاء عين حقه حكمًا، ومعنى التمليك ساقط حكمًا، حتى كان له أن يأخذه بلا قضاء ولا رضا، كما في الوديعة والغصب، فلا ينتصب خصمًا، كما في الوكيل بقبض العين.
وأبو حنيفة يقول: التمليك في القبض حقيقة؛ لما أن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، ولأن الشرع جعل ذلك طريقا لاستيفاء عين حقه، ولهذا يجبر على الأداء، ولو كان مبادلة محضًا لما أجبر، ولا يملك الأخذ متى ظفر محض حقه، فانتصب خصمًا، كالوكيل بأخذ الشفعة، والرجوع في الهبة، والشراء، والقسمة، والرد بالعيب بأن وكل المشتري رجلًا برد المبيع على البائع بالعيب يكون الوكيل خصمًا في هذه الصور، حتى لو أقام المشتري على وكيل الشفيع بينة أن موكله سلمها يجوز بالاتفاق، وكذا لو أقام الموهوب له البينة أن الواهب الموكل أخذ عوضًا يسمع، وكذا [لو] (^١) أقام أحد الشريكين بينة على الوكيل أن موكلك أخذ نصيبه يقبل؛ لأنه خصم، وكذا لو أقام البائع البينة عليه على أن المشتري الموكل رضي بهذا العيب يقبل؛ لأنه خصم.
_________________
(١) (*) الراحج: قول أبي حنيفة.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧١٨ ]
فِي الخُصُومَاتِ، فَلَمْ يَكُنْ الرِّضَا بِالقَبْضِ رِضًا بِهَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحمة الله: أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالتَّمَلُّكِ، لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، إِذْ قَبْضُ الدَّيْنِ نَفْسِهِ لَا يُتَصَوَّرُ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ اسْتِيفَاءَ العَيْنِ حَقَّهُ مِنْ وَجْهِ، فَأَشْبَهَ الوَكِيلَ بِأَخْذِ الشَّفْعَةِ وَالرُّجُوعِ فِي الهِبَةِ، وَالوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ وَالقِسْمَةِ وَالرَّدِّ بِالعَيْبِ، وَهَذِهِ أَشْبَهُ بِأَخْذِ الشَّفْعَةِ حَتَّى يَكُونَ خَصْمًا قَبْلَ القَبْضِ كَمَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ الأَخْذِ هُنَالِكَ. وَالوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ مُبَاشَرَةِ الشِّرَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ المُبَادَلَةَ تَقْتَضِي حُقُوفًا وَهُوَ أَصِيلٌ فِيهَا فَيَكُونُ خَصْمًا فِيهَا. قَالَ: (وَالوَكِيلُ بِقَبْضِ العَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالخُصُومَةِ) بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ مَحْضُ، وَالقَبْضُ لَيْسَ بِمُبَادَلَةٍ فَأَشْبَهَ الرَّسُولَ (حَتَّى إِنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِقَبْضِ عَبْدٍ لَهُ فَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ البَيِّنَةَ أَنَّ المُوَكَّلَ بَاعَهُ إِيَّاهُ وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَحْضُرَ الغَائِبُ) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ، وَالقِيَاسُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الوَكِيلِ، لِأَنَّ البَيِّنَةَ قَامَتْ لِأَعْلَى خَصْمٍ …
قوله: (وهذه) أي: مسألة الكتاب (أشبه بأخذ الشفعة) وفي بعض النسخ: (وهذا) أي: التوكيل بقبض الدين أشبه بأخذ الشفعة من المسائل الثلاث الأخر؛ لأن في هذه المسائل ما لم توجد المبادلة لا يصير وكيلا، يعني بعد وجود هذه الأفعال يكون خصمًا، وأما في مسألة الشفعة وقبض الدين يكون خصما قبل القبض.
وقوله: (وهذا) إشارة إلى مطلع نكتة أبي حنيفة بقوله: (أنه وكله بالتملك) يعني كأنه وكله بتملك مثل الدين، وذلك مبادلة، والمأمور بالمعاوضة يكون أصيلا.
وفي جامع قاضي خان ولا يقال: لو كان وكيلا بالمبادلة وجب أن تلحقه العهدة في المقبوض لأنا نقول: إنما لا تلحقه العهدة في المقبوض؛ لأن قبض الدين، وإن كان مبادلة من الوجه الذي ذكرنا، فهو استيفاء حق من وجه؛ لأن من الديون ما لا يجوز الاستبدال به فلشبهه بالمبادلة جعل خصمًا، ولشبهه بأخذ العين لا تلحقه العهدة في المقبوض؛ عملا بهما، هذا إذا ادعى الإيفاء، وإن ادعى الإبراء فكذلك. ذكره شمس الأئمة.
قوله: (حتى يحضر الغائب) أي: الغائب الموكل.
(لأن البينة) أي: بينة صاحب اليد (قامت لأعلى خصم) إذ الوكيل بقبض
[ ٦ / ٧١٩ ]
فَلَمْ تُعْتَبَرْ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ خَصْمٌ فِي قَصْرِ يَدِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ المُوَكِّلِ فِي القَبْضِ، فَتَقْصُرُ يَدُهُ، حَتَّى لَوْ حَضَرَ البَائِعُ تُعَادُ البَيِّنَةُ عَلَى البَيْعِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ المُوَكَّلَ عَزَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِهِ كَذَا هنا. قَالَ: (وَكَذَلِكَ العِتَاقُ وَالطَّلَاقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ) وَمَعْنَاهُ: إِذَا أَقَامَتْ المَرْأَةُ البَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَاقِ، وَالعَبْدُ وَالأَمَةُ عَلَى العِتَاقِ عَلَى الوَكِيلِ بِنَقْلِهِمْ تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِهِ حَتَّى يَحْضُرَ الغَائِبُ اسْتِحْسَانًا دُونَ العِتْقِ وَالطَّلَاقِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ الوَكِيلُ بِالخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ القَاضِي جَازَ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِ القَاضِي) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا، إِلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الوِكَالَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ القَضَاءِ (*).
الوديعة ليس بخصم (فلم تعتبر) أي: بينة ذي اليد في قطع يد الوكيل بالقبض.
(وجه الاستحسان أنه) أي: الوكيل بقبض الوديعة (خصم في قصر يده) أي: يد نفسه، أي: قصر يد الوكيل (فتقصر يده) أي: يد الوكيل.
قوله: (تعاد البينة على البيع) والعتاق والطلاق؛ لأن البينة قامت على شيئين: على البيع والعتق والطلاق، وعلى قصر يد الوكيل، ففي حق زوال الملك على الموكل قامت البينة لا على خصم، وفي حق قصر يد الوكيل قامت على خصم، فتقبل في حق قصر يده لا في حق إزالة ملك الموكل.
قوله: (وعن ذلك) كما إذا ادعى صاحب اليد الارتهان من الموكل، وأقام بينة على ذلك البينة تقبل في حق قصر يده لا في ثبوت الارتهان في حق الموكل.
قوله: (وإذا أقر الوكيل بالخصومة على موكله)، أطلق الإقرار والموكل ليتناول اسم الموكل المدعي والمدعى عليه؛ لأن جواز الإقرار على الموكل لا يتفاوت بين أن يكون بين موكله مدعيًا أو مدعى عليه، سوى أن معنى الإقرار يختلف بحسب اختلاف الموكل، فإقرار وكيل المدعي هو أن يقر بقبض الموكل المال، وإقرار وكيل المدعى عليه هو أن يقر بوجوب المال على موكله.
قوله: (إلا أنه يخرج عن الوكالة) على رواية الأصول؛ لأنه زعم أنه مبطل في دعواه، فلا يدفع المال إليه ولو أقام بينة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
[ ٦ / ٧٢٠ ]
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجُوزُ فِي الوَجْهَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَوَّلًا، وَهُوَ القِيَاسُ، لِأَنَّهُ مَأمُورٌ بِالخُصُومَةِ وَهِيَ مُنَازَعَةٌ وَالْإِقْرَارُ يُضَادُّهُ، لِأَنَّهُ مُسَالَمَةٌ، وَالأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ وَالْإِبْرَاءَ، وَيَصِحُ إِذَا اسْتَثْنَى الإِقْرَارَ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالجَوَابِ مُطْلَقًا، يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ لِجَرَيَانِ العَادَةِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَخْتَارُ فِيهَا الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى.
وذكر في الجامع: لا يقضى بدفع المال؛ لزعمه بانتفاء حقه في الأخذ.
قوله: (وقال زفر والشافعي: لا يجوز في الوجهين) في مجلس القاضي وغيره، وبه قال مالك وأحمد وابن أبي ليلى.
(وهو القياس) أي: قول زفر والشافعي القياس؛ لأن الإقرار ضد ما أمر به، فإنه مأمور بالخصومة، وهي اسم لكلام يجري بين اثنين على سبيل المنازعة والمشاجرة، والإقرار اسم لكلام يجرى على سبيل المسالمة والموافقة، فكان ضد ما أمر به، والتوكيل بالشيء لا يتناول ضده، ولهذا لا يملك التوكيل بالخصومة الهبة والبيع والإبراء والصلح، أي: لوجود المضادة بين الخصومة، وهذه الأفعال لا يَمْلِكُ هذه الأفعال.
وقوله: (ويصح إذا استثنى الإقرار) جواب سؤال يرد على قولهم؛ لأن التوكيل بالخصومة إذا لم يتناول الإقرار كيف يصح استثناؤه؟ فقال: إذا صح استثناء الإقرار مع صحة التوكيل علم أن حقيقة الخصومة غير مهجورة؛ إذ لو كانت مهجورة لما صح استثناء الإقرار، كما لو وكله بالخصومة واستثنى الإنكار فإنه لا يصح؛ لأنه يلزم استثناء الكل من الكل، وكذا إذا استثنى الإقرار؛ لأن الجواب إما بالإقرار أو الإنكار لا كلاهما (^١) بالاتفاق، فإذا صح استثناء الإقرار علم أن التوكيل بالخصومة ليس بمجاز لمطلق الجواب. [إليه] (^٢) أشار في الطريقة البرغرية.
قوله: (وكذا لو وكله بالجواب) هذه مسألة مبتدأة خلافية ليس إيرادها على
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية، والأصوب: (كليهما).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٢١ ]
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ التَّوْكِيلَ صَحِيحٌ قَطْعًا، وَصِحَّتُهُ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ قَطْعًا، وَذَلِكَ مُطْلَقُ الجَوَابِ دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا.
وَطَرِيقُ المَجَازِ مَوْجُودٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَيُصْرَفُ إِلَيْهِ تَحَرِّيًا لِلصِّحَّةِ قَطْعًا؛ وَلَوْ اسْتَثْنَى الإِقْرَارَ، فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَصِحُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ …
وجه الاستشهاد يعني لو وكله بالجواب مطلقًا فهو على هذا الخلاف أيضًا، فعندهم يتقيد بجواب هو خصومة؛ إذ العادة جرت في التوكيل بذلك، ولهذا يختار الأهدى فالأهدى، والوكالة تتقيد بدلالة العرف.
قوله: (أن التوكيل صحيح قطعًا) أي: ثابت من كل وجه بلا شبهة، بالإجماع.
قوله: (لا أحدهما عينًا) وهو الإنكار، فإنه إذا عرف أن المدعي محق لا يملك الإنكار شرعًا، وتوكيله بما لا يملك لا يجوز شرعًا، والديانة تمنعه من ذلك، فحملنا على المجاز، وهو الجواب مطلقًا تحريًا لصحته قطعًا (وطريق المجاز موجود).
(ولو استثنى الإقرار).
في المبسوط (^١): استثناء الإقرار ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف لا يصح؛ لأن من أصله أن صحة الإقرار باعتبار قيامه مقام الوكيل لا لأنه من الخصومة، فيصير ثابتًا بالوكالة حكمًا لها، فلا يصح استثناؤه، كما لو وكله بالبيع على ألا يقبض الثمن، أو لا يسلم المبيع كان الاستثناء باطلا، فكذا هنا.
وجه ظاهر الرواية: أن صحة إقرار الوكيل باعتبار ترك الحقيقة إلى المجاز باعتبار الشرع؛ إذ الخصومة مهجورة شرعًا، فيصار إلى المجاز، وهو الجواب، وبهذا الاستثناء تبين أن مراده حقيقة الخصومة لا الجواب الذي هو مجاز؛ لأن للتنصيص زيادة دلالة على أنه مالك للإنكار، فلا عبرة لدلالة الحال عند التصريح بخلافه.
قوله: (لأنه) أي: الموكل (لا يملكه) أي: لا يملك الإنكار عينا شرعًا؛
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/¬٥).
[ ٦ / ٧٢٢ ]
وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يَصِحُ، لِأَنَّ لِلتَّنْصِيصِ زِيَادَةَ دَلَالَةٍ عَلَى مِلْكِهِ إِيَّاهُ؛ وَعِنْدَ الإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الأَوْلَى وَعَنْهُ: أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالمَطْلُوبِ، وَلَمْ يُصَدِّحْهُ في الثَّانِي لِكَوْنِهِ مَجْبُورًا عَلَيْهِ، وَيُخَيَّرُ الطَّالِبُ فِيهِ؛ فَبَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إنَّ الوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ المُوَكِّلِ، وَإِقْرَارُهُ لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ القَضَاءِ فَكَذَا إِقْرَارُ نَائِبِهِ. وَهُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ التَّوْكِيلَ يَتَنَاوَلُ جَوَابًا يُسَمَّى خُصُومَةٌ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَالإِقْرَارُ
لأنه لا يعلم أن الإنكار حقه عينًا، وإنما يصير الإنكار حقه عينًا إذا علم أن المدعي مبطل في دعواه، فتعذر تصحيح الوكالة بالإنكار عينًا.
قوله: (وعن محمد أنه) أي: استثناء الإقرار (يصح) لما ذكرنا (أن للتنصيص زيادة دلالة على ملكه) أي: ملك الموكل (إياه) للإنكار.
(عنه) أي: عن محمد (أنه فصل) إلى آخره.
في التتمة: عن محمد أنه يصح ان استثناء الإقرار من الطالب؛ لأنه مخير، فلا يصح من المطلوب؛ لأنه مجبور عليه، يعني المدعي لما كان مخيرًا بين الإقرار والإنكار أفاد الاستثناء فائدته في حقه، أما من المطلوب لا يصح استثناء الإقرار؛ لأنه لا يفيد ذلك؛ لأن المدعي لما صحح دعواه، فالمطلوب مضطر ومجبور على الإقرار لعرض اليمين عليه، فيكون مجبورًا عليه، وكذا وكيله، إلا أن الوكيل عند توجه اليمين يحيل اليمين على موكله؛ لأن النيابة لا تجري في الأيمان، فلا يفيد استثناء الإقرار فائدته.
قوله: (وإقراره) أي: إقرار الموكل (لا يختص بمجلس القضاء) لأنه موجب بنفسه، وإنما يختص بمجلس القضاء ما لا يكون موجبًا إلا بانضمام القضاء.
قوله: (إن التوكيل يتناول جوابًا) إلى آخره؛ لأن التوكيل أمر بما هو مالك له، والذي ملكه في معاملة الخصومة هو الجواب لا الإنكار فحسب، فإنه لا يملكه إذا عرفه محقا في دعواه؛ بل يملك الإقرار حينئذ، فثبت أن ملكه قطعا مطلق الجواب لا الجواب مقيدًا، فعلم أنه وكله بجواب (يسمى خصومة حقيقة) كالإنكار (أو مجازًا) كالإقرار في مجلس القضاء، وسُمي الإقرار في مجلس
[ ٦ / ٧٢٣ ]
فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ خُصُومَةٌ مَجَازًا، إِمَّا لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي مُقَابَلَةِ الخُصُومَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ إِثْيَانُهُ بِالمُسْتَحَقِّ وَهُوَ الجَوَابُ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ فَيَخْتَصُّ بِهِ، لَكِنْ إِذَا أُقِيمَتْ البَيِّنَةُ عَلَى إِقْرَارِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ القَضَاءِ يَخْرُجُ مِنْ الوِكَالَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَرَ بِدَفْعِ المَالِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُنَاقِضًا وَصَارَ كَالأَبِ أَوْ الوَصِيِّ إِذَا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ لَا يَصِحُ وَلَا يَدْفَعُ المَالَ إِلَيْهِمَا.
القضاء خصومة، كما سمي جزاء العدوان جزاء كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وجزاء السيئة سيئة في قوله: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] لخروجه في مقابله السيئة.
(أو لأنه) أي: الخصومة، على تأويل التخاصم، وفي بعض النسخ: (أو لأنها).
(سبب له) أي: للإقرار؛ إذ الخصومة سبب الجواب، والجواب سبب الإقرار؛ لأن الجواب تارةً يكون (بلا) وتارةً (بِنَعَمْ) فكانت الخصومة سببًا للإقرار بالواسطة، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجازًا، ولأن مجلس القضاء مجلس الخصومة، فما يجرى فيه يسمى خصومة مجازًا، بخلاف الإقرار في غير مجلس القضاء؛ لأنه لا يسمى خصومة لا حقيقة ولا مجازا، وتملكه الإقرار باعتبار دخوله في مطلق الجواب.
قوله: (وصار) أي: الوكيل المقر في غير مجلس القضاء (كالأب أو الوصي المقر في مجلس القضاء) حيث لا يصح إقرارهما، ولا يدفع إليهما؛ لأن ولايتهما باعتبار النظر، وهو في حفظ المال، والإقرار لا يكون حفظًا؛ بل هو إضاعة، فإذا أخذ المال من الغريم لا يدفع إليهما؛ للتناقض، كما لو ادعيا مالًا للصغير على رجل، فأنكر، فصدقه الأب أو الوصي، ثم جاء يدعي المال لا يدفع المال إليهما؛ لأنهما خرجا من الولاية والوصاية، فكذا الوكيل.
وحاصل مسألة التوكيل بالخصومة على خمسة أوجه:
أحدها: أن يوكل مطلقًا بلا تعرض لإقرار، ويصير وكيلا بالإنكار بالإجماع، وبالإقرار عندنا، خلافًا لزفر والشافعي.
[ ٦ / ٧٢٤ ]
قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ بِمَالٍ عَنْ رَجُلٍ، فَوَكَّلَهُ صَاحِبُ المَالِ بِقَبْضِهِ عَنْ الغَرِيمِ، لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي ذَلِكَ أَبَدًا) لِأَنَّ الوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ صَحَحْنَاهَا صَارَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ فَانْعَدَمَ الرُّكْنُ،
وثانيها: أن يوكل بها غير جائز الإقرار، ففيه يصير وكيلا بالإنكار، وعن أبي يوسف: لا يصح هذا الاستثناء.
وثالثها: أن يوكل بها غير جائز الإنكار، ففيه يصير وكيلا بالإقرار، ويصح الاستثناء في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف: لا يصح استثناء الإنكار.
ورابعها: أن يوكل بها جائز الإقرار عليه، ففيه يصير وكيلا بالإنكار، والإنكار والإقرار عندنا خلافًا للشافعي، فعلم منه أن التوكيل بالإقرار صحيح عندنا، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في الأظهر، وعنه في وجه: لا يصح.
وخامسها: أن يوكل بها غير جائز الإنكار وغير جائز الإقرار؛ اختلف المتأخرون فيه:
قيل: لا يصح هذا التوكيل؛ لأنه إذا استثناهما لم يفوض إليه شيء، وعن القاضي صاعد النيسابوري: يصح التوكيل، ويصير وكيلا بالسكوت في مجلس القضاء حتى تُسمع البينة عليه، وإنما يصح التوكيل بهذا القدر؛ لأن ما هو مقصود الطالب وهو الوصول إلى حقه بواسطة إقامة البينة - يحصل به.
الكل من الذخيرة.
قوله: (فانعدم الركن) أي: ركن الوكالة، وهو العمل لغيره، فانعدم عقد الوكالة بانعدام ركنه.
فإن قيل: يشكل بما ذكره في الجامع أن رب الدين لو وكل المديون بإبراء نفسه عن الدين يصح، والمديون في إبراء نفسه عامل لنفسه.
قلنا: ذكر شيخ الإسلام: لا تصح هذه الوكالة، فتمنع أولا، ولئن سلم فإنما يصح؛ لأن الإبراء تمليك، ولهذا يرتد بالرد، كما في قوله: طلقي نفسك، فلا يرد بقضاء؛ لأن كلامنا في الوكالة لا في التمليك.
فإن قيل: ينبغي أن تصح وكالة الكفيل؛ لأنه عامل لرب الدين قصدًا،
[ ٦ / ٧٢٥ ]
وَلِأَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ مُلَازِمٌ لِلْوِكَالَةِ لِكَوْنِهِ أَمِينًا، وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا لَا يُقْبَلُ لِكَوْنِهِ مُبَرِّنَا نَفْسَهُ فَيَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ لَازِمِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ عَبْدٍ مَدْيُونٍ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ حَتَّى ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ وَيُطَالَبُ العَبْدُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ الطَّالِبُ بِقَبْضِ المَالِ عَنْ الْعَبْدِ كَانَ بَاطِلًا لِمَا بَيَّنَّاهُ. قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ الغَائِبِ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ، فَصَدَّقَهُ الغَرِيمُ، أُمِرَ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ خَالِصُ مَالِهِ … … … ..
وعمله لنفسه يقع ضمنًا، والاعتبار للمتضمّن الذي هو الأصل لا للمتضمن.
قلنا: لا نسلم، بل عمل الإنسان لنفسه أصل؛ إذ الأصل أن يقع تصرف كل عامل لنفسه لا لغيره.
فإن قيل: لما استويا في جهة الأصالة ينبغي أن تبطل الكفالة بالوكالة، كما تبطل الوكالة بالكفالة، فإنه ذكر في جامع المحبوبي والوكيل بقبض الدين لو ضمن المال للموكل يصح وتبطل الوكالة، فكذا ينبغي أن تبطل الكفالة بالوكالة المتأخرة.
قلنا: الكفالة تصلح مبطلة للوكالة وناسخة لها لا على العكس؛ لأن الشيء يكون منسوخًا مما هو مثله أو فوقه لا بما هو دونه، فتبطل الوكالة بالكفالة؛ لأنها فوقها، أما لا تبطل الكفالة بالوكالة؛ لأن الوكالة دون [الكفالة] (^١).
(ولأن قبول قوله) أي: قول الوكيل (ملازم).
(فينعدم) أي: التوكيل (بانعدام لازمه) وهو قبول قول الوكيل.
قوله: (ضمن قيمته) أي: قيمة العبد (للغرماء) سواء كان معسرا أو موسرًا (فلو وكله الطالب) أي: وكل الطالب المولى.
(لما بيناه) وهو قوله: (والوكيل من يعمل لغيره) إلى آخره.
قوله: (أمر بتسليم الدين) وفي بعض النسخ: (تسليم المال) أي: الدين، وبه قال المزني، وقال الشافعي ومالك وأحمد: لم يؤمر بالتسليم بالتصدق لا في الدين ولا في الوديعة إلا أن يقيم الوكيل بينة على وكالته، فحينئذ يؤمر بالتسليم في الدين والوديعة، وعندنا: في الوديعة لم يؤمر بالتسليم بالتصدق.
واحتج الشافعي: بأنه تسليم لا تبرئة عن الدين، فلا يؤمر به، كما لو كان
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٢٦ ]
(فَإِنْ حَضَرَ الغَائِبُ فَصَدَّقَهُ، وَإِلَّا دَفَعَ إِلَيْهِ الغَرِيمُ الدَّيْنَ ثَانِيًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الاسْتِيفَاءُ حَيْثُ أَنْكَرَ الوِكَالَةَ، وَالقَوْلُ فِي ذَلِكَ
الحق عينًا، وكما لو أقر بأن هذا وصي الصغير، بخلاف ما لو أقر أنه وارثه، حيث يؤمر بالتسليم؛ لأنه يتضمن إبراءه، فإنه أقر بأنه لا حق لسواه.
وقلنا: أقر على نفسه بأن له حق الاستيفاء؛ لأن ما يقتضيه خالص مال الغريم؛ لأن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، فكان ما أداه المديون خالص ماله، وكان تصديقه إقرارًا على نفسه بأداء المال، فيجبر على الأداء.
وفي الذخيرة: في المسألة نوع إشكال، وهو أن التوكيل بقبض الدين توكيل بالاستقراض معنى؛ لأن المديون يقضي مثل الدين، فما قبضه رب الدين منه يصير مضمونًا عليه، وله على المديون مثل ذلك، فيلتقيان قصاصا، وقد ذكرنا أن التوكيل بالاستقراض باطل.
وجوابه: أن التوكيل بقبض الدين رسالة بالاستقراض من حيث المعنى، وليس بتوكيل بالاستقراض؛ لأنه لا بد للوكيل بقبض الدين من إضافة القبض إلى موكله بأن يقول: فلان وكلني بقبض دينه، كما لا بد للرسول في الاستقراض من الإضافة إلى المرسل بأن يقول: أرسلني ويقول: أقرضني كذا، بخلاف الوكيل بالاستقراض فإنه يضيف إلى نفسه ويقول: أقرضني.
قوله: (فإن حضر الغائب) أي: رب الدين (فصدقه) أي: صدق الوكيل، كان ما دفع إليه قضاء لدينه (وإلا) أي: وإن لم يصدقه (دفع إليه) أي: دفع الدين (إليه) إلى رب الدين (ثانيًا) وبه قال الشافعي في الأصح، وأحمد ومالك، وقال الشافعي في وجه: له الرجوع على القابض.
(والقول في ذلك) أي: في الإنكار الوكالة (قوله) (^١) أي: قول رب الدين (مع يمينه) (^٢) لأن الدين كان ثابتًا، والمديون يدعي عارضًا، وهو سقوط الدين بأدائه إلى الوكيل، ورب الدين ينكر الوكالة، فكان منكرًا للعارض، فكان القول له، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
_________________
(١) و(^٢) انظر المتن ص ٧٢٨.
[ ٦ / ٧٢٧ ]
قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَيَفْسُدُ الأَدَاءُ (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الوَكِيلِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ) لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الدَّفْعِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَلَمْ تَحْصُلْ، فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَبْضُهُ (وَإِنْ كَانَ ضَاعَ فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌ فِي القَبْضِ وَهُوَ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ، وَالمَظْلُومُ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ.
قوله: (لم يرجع عليه) أي: لم يرجع المديون على الوكيل (لأنه) أي: المديون (بتصديقه) أي: بتصديق الوكيل.
(وهو) أي: المديون (مظلوم) يعني إنكار رب الدين الوكالة ظلم عليه، وكذلك طلب الدين ثانيًا في هذا الأخذ أي: أخذ رب الدين ثانيا (والمظلوم) أي: المديون لا يظلم غيره فلا يأخذ من الوكيل بعد الهلاك؛ لأن الوكيل في زعمه محق في قبض الدين عنه، وبعدما هلك المدفوع الأخذُ منه ظلم.
وفي الذخيرة والمبسوط (^١): المسألة على أوجه: إما أن يصدق الغريم وكالته أو لا، فإن صدقه، ولم يدفع المال أجبر على الأداء، خلافًا لابن أبي ليلى والشافعي وأحمد؛ لأنه لم يثبت كونه وكيلا عند القاضي، وولاية الإجبار بعد ثبوت وكالته عند القاضي.
وقلنا: ثبت ذلك عند القاضي بتصديق المطلوب؛ لأنه خبر لا مكذب، وكل خبر محمول على الصدق عند القاضي إذا لم يأتِ معارض له، وإن أنكر وكالته وأراد الوكيل استحلافه بعد وكالته استحلفه؛ فإن حلف برئ، وإن نكل قضى عليه بالمال للوكيل؛ لأن نكوله كإقراره، ولم يصدق على الطالب، كما لو أقر.
وذكر الخصاف: لا يحلف المطلوب على الوكالة عند أبي حنيفة، وعندهما يحلف على العلم؛ لأنه ادعى عليه ما لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يحلف لكن على العلم؛ لأن التوكيل فعل الغير.
ولأبي حنيفة: أن الاستحلاف ينبني على صحة الدعوى، ودعواه هاهنا لا تصح؛ لأنه لم يثبت كونه نائبًا عن الأمر، أما لو أقر الغريم بالوكالة وأنكر
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ٧٦).
[ ٦ / ٧٢٨ ]
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَهُ عِنْدَ الدَّفْعِ) لِأَنَّ المَأْخُوذَ ثَانِيًا مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي زَعْمِهِمَا، وَهَذِهِ كَفَالَةٌ أُضِيفَتْ إِلَى حَالَةِ القَبْضِ، فَتَصِحٌ بِمَنْزِلَةِ الكَفَالَةِ بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، وَلَوْ كَانَ الغَرِيمُ، لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الوِكَالَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى ادْعَائِهِ، فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ المَالِ عَلَى الغَرِيمِ رَجَعَ الغَرِيمُ عَلَى الوَكِيلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقُهُ عَلَى الوِكَالَةِ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ الإِجَازَةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَؤُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ فِي الوِكَالَةِ. وَهَذَا أَظْهَرُ.
الدين، فعند أبي حنيفة يستحلف المطلوب، وعندهما لا يستحلف؛ لأن الوكيل بقبض الدين يملك الخصومة عنده، وقد تثبت الوكالة بإقراره.
قوله: (إلا أن يكون ضمنه عند الدفع)، ويجوز التخفيف والتشديد في (يضمنه)، وهو أن يقول: أصدقك في الوكالة، ولكن لا آمن أن يجحد الطالب إذا حضر، فاضمن لي ما يقبضه الطالب مني ثانيًا، وهذا ضمان صحيح؛ لأنه مضاف إلى سبب الوجوب، فإن الطالب في حقهما غاصب فيما يقبضه ثانيًا، وكأنه قال: أنا ضامن لك ما يقبضه فلان منك بغير حق، وإليه أشار صاحب الكتاب بقوله: (لأن المأخوذ ثانيًا مضمون عليه أي: على رب الدين.
في زعمهما) أي: زعم الوكيل والغريم (وهذه كفالة أضيفت إلى حالة القبض) أي: قبض رب الدين ثانيا كما ذكرنا.
قوله: (بما ذاب) أي: سيجب، وهذا ماض أريد به المستقبل، وقد مر في الكفالة وجه التشبيه ظاهر.
قوله: (لم يصدقه على الوكالة) ولم يكذبه أيضًا، بل سكت.
قوله: (وهذا أظهر) أي: الدفع مع تكذيبه في الوكالة أظهر في حق جواز الرجوع على الوكيل بالنسبة إلى الصورتين الأوليين؛ لأنه لما رجع في الصورتين الأوليين، مع أنه لم يكذبه فيهما، فَلَأَنْ يرجع عليه في صورة التكذيب لأن الوكيل في حقه بمنزلة الغاصب؛ لأن الوكيل قبض منه بشرط أن يستفيد المديون البراءة، فإذا لم يستفد لم يكن المديون راضيًا بقبضه؛ بل هو في حقه كالغاصب. ذكره في المبسوط (^١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ٦٨).
[ ٦ / ٧٢٩ ]
لِمَا قُلْنَا، وَفِي الوُجُوهِ كُلِّهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ المَدْفُوعَ حَتَّى يَحْضُرَ الغَائِبُ، لِأَنَّ المُؤَدَّى صَارَ حَقًّا لِلْغَائِبِ، إِمَّا ظَاهِرًا أَوْ مُحْتَمَلًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا دَفَعَهُ إِلَى فُضُولِيٍّ عَلَى رَجَاءِ الإِجَازَةِ لَمْ يَمْلِكُ الاِسْتِرْدَادَ، لِاحْتِمَالِ الإِجَازَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ لِغَرَضِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ مَا لَمْ يَقَعُ اليَأْسُ عَنْ غَرَضِهِ.
(وَمَنْ قَالَ: إِنِّي وَكِيلٌ بِقَبْضِ الوَدِيعَةِ فَصَدَّقَهُ المُودِعُ) لَمْ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَالِ الغَيْرِ،
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (وإنما دفع عليه لرجاء الإجازة) (^١).
(وفي الوجوه كلها وهي الوجوه الأربعة دفعه مع التصديق من غير تضمين، ودفعه بالتصديق مع التضمين، ودفعه ساكتا بلا تكذيب ولا تصديق، ودفعه مع التكذيب.
قوله: (إما ظاهرًا) أي: في حالة التصادق، أو حال ظهور العدالة في الوكيل؛ لأن الوكيل إذا كان عدلا كان صادقًا ظاهرًا أو محتملا) أي: في حالة التكاذب، أو في حالة كون الوكيل فاسقا أو مستورًا؛ لاحتمال الصدق.
قوله: (ليس له أن ينقضه) لأن سعي الإنسان في نقض ما تم من جهته مردود، كما إذا كان الشفيع وكيل المشتري ليس له الشفعة، وإلا كان سعيًا في نقض ما تم من جهته، وهو البيع؛ لأن البيع تم من جهة الشفيع.
وفي الكافي: لو أقام الغريم بينة بعد التسليم إلى رب الدين ما وكله، أو أقر الوكيل بأن رب الدين ما وكله لم تقبل، ولو أراد أن يستحلفه على ذلك لا يحلف عليه؛ لأن كل ذلك ينبني على صحة الدعوى، ولم توجد؛ لكونه ساعيًا في نقض ما تم من جهته.
أما لو أقام بينة أن رب الدين جحد الوكالة، فأخذ مني ثانيًا تقبل؛ لأنه ثبت لنفسه حق الرجوع على الوكيل، بناء على إثبات سبب انقطاع حق الطالب عن المدفوع، وهو قبضه المال، فانتصب الحاضر خصمًا عن الغائب في إثبات السبب فيثبت قبض الموكل فينقض قبض الوكيل ضرورة، وجاز أن يثبت الشيء ضمنا ولا يثبت قصدًا.
(لأنه أقر بمال الغير) أي: أقر له بقبض (^٢) مال الغير؛ لتصادقهما على أنه
_________________
(١) انظر المتن ص ٧٢٩.
(٢) في الأصل: (بعض)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٣٠ ]
بِخِلَافِ الدَّيْنِ. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَ الوَدِيعَةَ مِيرَاثًا لَهُ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَصَدَّقَهُ المُودَعُ: أُمِرَ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَالُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ مَالُ الوَارِثِ. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى الوَدِيعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا فَصَدَّقَهُ المُودَعُ: لَمْ يُؤْمَرْ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَا دَامَ حَيَّا كَانَ إِقْرَارًا بِمِلْكِ الغَيْرِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ فَلَا يُصَدِّقَانِ فِي دَعْوَى البَيْعِ عَلَيْهِ.
ملك المودع، بخلاف الدين، حيث يؤمر بالدفع؛ لما قلنا أنه إقرار على نفسه؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، ثم المودع إذا لم يؤمر بالتسليم وسلم، وأنكر رب الوديعة الوكالة، وحلف وضَمَّن ماله المودع رجع المستودع على القابض إن كان عنده بعينه؛ لأنه ملكه بأداء الضمان، وإن قال: هلك مني، أو دفعته إلى الوكيل؛ فإن المستودع إن دفعه بتصديق الوكالة لم يرجع بشيء، ولو دفعه بالسكوت أو بإنكار الوكالة أو صدقه وضمنه - كان له أن يضمنه؛ لما قلنا. كذا في المبسوط (^١).
ولو دفعها في الوجوه كلها لا يملك استرداده؛ لما ذكرنا أنه ساع في نقض ما تم من جهته. ذكره في شرح الجامع.
وفي الفوائد الظهيرية: وإذا لم يؤمر المستودع بالتسليم، ولم يسلم، فضاعت في يده، هل يضمن؟ قيل: لا يضمن وينبغي أن يضمن؛ لأن المنع من وكيل المودع، فكان كالمنع من المودع.
قوله: (لا يَبْقَى ماله) بالنصب.
وفي النهاية: هكذا كان معربًا بإعراب شيخي، أي: لا يبقى مال الوديعة مال المودع (بعد موته) أي منسوبًا ومملوكًا له، فكان انتصابه على تأويل الحال، كما في (كَلَّمْتُهُ فاهُ إلى فِيَّ) أي: مُشافها، ويجوز الرفع.
قوله: (لأنه ما دام حيًّا) أي: لأن المودع ما دام حيًّا، وقد ثبت حياته باتفاقهما، فالوديعة ملكه.
(لأنه) أي: المودع (من أهله) أي: أهل الملك.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ٩٠).
[ ٦ / ٧٣١ ]
قَالَ: (فَإِنْ وَكَّلَ وَكِيلًا يَقْبِضُ مَالَهُ، فَادَّعَى الغَرِيمُ أَنَّ صَاحِبَ المَالِ قَدْ اسْتَوْفَاهُ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ المَالَ إِلَيْهِ) لِأَنَّ الوِكَالَةَ قَدْ ثَبَتَتْ، وَالِاسْتِيفَاءُ لَمْ يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ فَلَا يُؤَخَّرُ الحَقُّ. قَالَ: (وَيَتْبَعُ رَبُّ المَالِ فَيَسْتَحْلِفُهُ) رِعَايَةٌ لِجَانِبِهِ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ الوَكِيلَ لِأَنَّهُ نَائِبٌ … … .. … .
قوله: (فإنه) أي: الغريم (يدفع المال) إلى الوكيل.
قوله: (لأن الوكالة تثبت).
فإن قيل: لا نسلم ثبوت الوكالة.
قيل في جوابه: لما ادعى الغريم استيفاء ربّ الدين دينه كان هو معترفًا بأصل الحق، فلما ثبت الدين بإقراره، ولم ينكر الوكالة كان للوكيل ولاية الطلب، فيقضى عليه بالإيفاء، كما لو ادعى استيفاء رب الدين عند دعواه بنفسه كان يقضى عليه بالإيفاء، فكذا عند دعوى وكيله؛ لقيامه مقام الموكل. كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
قوله: (ويتبع) أي: الغريم يتبع ربَّ الدين (رعاية لجانبه) أي: جانب الغريم، وهو المديون.
(لأنه) أي: الوكيل (نائب) والنيابة لا تجري في الأيمان.
وفي الإيضاح: لا يحلفه على العلم بأن الطالب استوفاه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال زفر: يحلفه على العلم، فإن أبى أن يحلف خرج عن الوكالة، وكان الطالب على حجته، وبه قال الشافعي إن ادعى علم الوكيل، وإن لم يدع لا يحلف.
ولهما: أنه يدعي حقا على الموكل لا على الوكيل، فلو حلفنا الوكيل لكان التحليف بطريق النيابة، والنيابة لا تجري في الأيمان.
بخلاف الوارث، حيث يحلف على العلم، يعني ما يعلم أن مورثه استوفاه؛ لأن الحق يثبت للوارث، وكان مدعيًا بطلان حقه بفعل وجد من المورث، فكان الحلف بطريق الأصالة لا النيابة، إلا أنه يستحلف على العلم في فعل الغير.
[ ٦ / ٧٣٢ ]
قَالَ: (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِعَيْبٍ فِي جَارِيَةٍ فَادَّعَى البَائِعُ رِضَا المُشْتَرِي: لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْلِفَ المُشْتَرِي بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ)، لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنُ هُنَالِكَ بِاسْتِرْدَادِ مَا قَبَضَهُ الوَكِيلُ إِذَا ظَهَرَ الخَطَأُ عِنْدَ نُكُولِهِ، وَهَاهُنَا غَيْرُ مُمْكِن، …
قوله: (وكله بعيب في جارية) أي: برد الجارية بسبب العيب.
قوله: (لم يَرُدَّ عليه) أي: على البائع، يعني القاضي لا يقضي بالرد حتى يحضر المشتري ويحلف، وبه قال ابن أبي ليلى، وقال الشافعي وأحمد: لا يلتفت إلى قول البائع، فيرد كما في الدين، ولا يمين على الوكيل إذا لم يدع البائع علمه، أما لو ادعى علمه يحلف على العلم، وبه قال زفر، وعندنا لا يحلف أيضًا.
قوله: (بخلاف مسألة الدين) حيث يؤمر بدفع الدين بدون تحليف الوكيل؛ لأن التدارك ممكن هناك.
وفي المبسوطين: الفرق بين مسألة العيب ومسألة الدين من وجهين:
أحدهما: أن حق الطالب ثابت بيقين؛ إذ ليس في دعوى الاستيفاء والإبراء ما ينافي ثبوت أصل حقه؛ لكنه يدعي الإسقاط بعد تقرر السبب الموجب، فلا يمتنع على الوكيل الاستيفاء ما لم يثبت المسقط، وفي مسألة العيب علم المشتري بالعيب وقت العقد يمنع ثبوت حق الرد أصلا، فالبائع بقوله: (رضا المشتري) يزعم أن حقه في الرد ما يثبت أصلا، فلا بد من أن يحضر الموكل ويحلف ليتمكن من الرد.
والثاني: أن الرد بالعيب بالقضاء فسخ العقد، والعقد إذا انفسخ لا يعود، فلو أثبتنا له حق الرد تضرر به الموكل بانفساخ العقد، أما قضاء الدين فليس فيه فسخ عقد، فإذا حضر الموكل ولم يحلف يسترد ما قبضه الوكيل، وهذا معنى قول المصنف: لأن التدارك ممكن هناك إلى آخره.
قوله: (إذا ظهر الخطأ عند نكوله) أي: نكول الموكل.
وفي جامع قاضي خان: التدارك غير ممكن في مسألة الرد بالعيب؛ لأنه لا يتمكن من إعادة البيع بعد القضاء؛ لأن قضاء القاضي في العقود والفسوخ ينفذ
[ ٦ / ٧٣٣ ]
لِأَنَّ القَضَاءَ بِالفَسْخِ مَاضٍ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنْ ظَهَرَ الخَطَأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ المُشْتَرِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَتَّحِدَ الجَوَابُ عَلَى هَذَا فِي الفَصْلَيْنِ وَلَا يُؤَخَّرُ (*)، لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنُ عِنْدَهُمَا لِبُطْلَانِ القَضَاءِ.
ظاهرا وباطنا وإن ظهر بطلان الحجة، ألا ترى أن عند محمد إذا لم ينفذ قضاؤه باطنا في العقود والفسوخ كانت المسألة الثانية والأولى سواء، أي: يرد القاضي فيهما جميعًا، وعند أبي يوسف: لو كان المشتري حاضرًا وأراد الرد بالعيب لا يرده القاضي ما لم يستحلف المشتري بالله بعدم الرضا بهذا العيب وإن كان البائع لم يدع، وإذا كان المشتري غائبًا لا يرد إلا بعد اليمين أيضًا؛ صيانةً للقضاء عن البطلان.
قوله: (لأن القضاء بالفسخ ماض) إلى آخره، في الذخيرة: ولو حضر الموكل بعد رد الجارية بالعيب بدعوى الوكيل، وادعى الرضا بالعيب، وأراد أخذ الجارية، وأبى البائع أن يدفعها، وقال: لا سبيل لك عليها بعد نقض القاضي البيع فالقاضي يرد الجارية على المشتري؛ لأن البائع ادعى رضاه بالعيب وصدقه الأمر، فاستند التصديق إلى وقت الإقرار، وعلم أن القاضي أخطأ في قضائه بالرد فبقيت الجارية على ملك المشتري.
بعض مشايخنا قالوا: هذا على قول محمد، فأما على قول أبي حنيفة: لا سبيل للمشتري على الجارية؛ لنفوذ القضاء ظاهرا وباطنا عنده.
وقال بعضهم: هذا قول الكل، وهو الأصح؛ لأن نقض القاضي البيع لم يكن بناء على دليل موجب للنقض، وإنما كان لجهله بالدليل المسقط للرد، وهو رضا المشتري، ثم ظهر الدليل بخلافه، وفي مثله لا ينفذ القضاء باطنا، كما لو قضى باجتهاد، ثم وُجد نص بخلافه. وهكذا ذكر في المبسوط وشرح الجامع الصغير.
قوله: (ولا يستحلف المشتري عنده) أي: عند أبي حنيفة (بعد ذلك) أي: بعد نكول الموكل (لأنه) أي: الاستحلاف (لا يفيد) يعني متى نفذ قضاء القاضي ظاهرا وباطنا لا يكون للبائع أن يستحلف المشتري إذا حضر على الرضا؛ لأنه
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٧٣٤ ]
وَقِيلَ: الأَصَحُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنْ يُؤَخَّرَ فِي الفَصْلَيْنِ، لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ النَّظَرَ حَتَّى يَسْتَحْلِفَ المُشْتَرِي لَوْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ غَيْرِ دَعْوَى البَائِعِ فَيَنْتَظِرُ لِلنَّظَرِ.
قَالَ: (وَمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ يُنْفِقُهَا عَلَى أَهْلِهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ عَشَرَةٌ مِنْ عِنْدِهِ، فَالعَشَرَةُ بِالعَشَرَةِ) لِأَنَّ الوَكِيلَ بِالإِنْفَاقِ وَكِيلٌ بِالشِّرَاءِ وَالحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ قَرَرْنَاهُ فَهَذَا كَذَلِكَ.
لا فائدة في استحلافه؛ لأن فائدته أن ينكل فيظهر أنه كان راضيا بالعيب، وأن حق الفسخ لم يكن ثابتًا للمشتري، وأن القاضي أخطأ في قضائه بالفسخ، ولكن عند ظهور الخطأ في القضاء بالفسخ لا يبطل قضاؤه بالفسخ عنده، حتى قال المشايخ: يجب أن يتحد الجواب في فصل الدين والرد بالعيب، ولا يؤخر القضاء بالرد؛ لأن التدارك ممكن عندهما في هذا كما في مسألة الدين؛ لأن القضاء بالرد لا ينفذ في الباطن عندهما، كالقضاء بالتسليم.
(وقيل: والأصح عند أبي يوسف أن يؤخر في الفصلين) أي: فصل الدين وفصل العيب (لأنه يعتبر النظر) أي: أبو يوسف يعتبر النظر؛ لأن من مذهبه أن القاضي لا يرد المبيع على البائع إذا كان المشتري حاضرًا وأراد الرد، ما لم يستحلفه القاضي بالله: ما رضيت بهذا العيب وإن لم يدع البائع، فإذا كان المشتري غائبًا لا يرد عليه ما لم يستحلف؛ صيانةً لقضائه عن البطلان، ونظرًا للبائع والمديون، فصار عنه روايتان: في رواية مثل قول محمد، وفي رواية: يؤخر فيهما؛ اعتبارا للنظر.
قوله: (فالعشرة بالعشرة) فيكون ما أخذه من الموكل ملكًا للوكيل.
قال التمرتاشي: هذا إذا كانت العشرة المدفوعة قائمة وقت شرائه وكان يضيف العقد إليها، أو كان مطلقًا لكن كان ينوي تلك العشرة، أما إذا كانت العشرة المدفوعة مستهلكة، أو كان يشتري النفقة بعشرة نفسه ويضيف العقد يصير مشتريًا لنفسه، ويكون متبرعًا بالاتفاق؛ لأن الدراهم تتعين في الوكالات، وكذا لو أضاف العقد إلى غيرها.
(والحكم فيه) أي: في الوكيل بالشراء (ما ذكرناه) وهو أن يشتري الوكيل ما وكل به من مال نفسه ثم يرجع به على الموكل.
(وقد قررناه) أي: في باب الوكالة بالبيع والشراء في قوله:
_________________
(١) [أ] في النسخة المطبوعة: [٢/ ٢٤٠]
[ ٦ / ٧٣٥ ]
وَقِيلَ: هَذَا اسْتِحْسَانُ (*)، وَفِي القِيَاسِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيَصِيرُ مُتَبَرِّعًا. وَقِيلَ: القِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشِرَاءٍ، فَأَمَّا الْإِنْفَاقُ يَتَضَمَّنُ الشَّرَاءَ
(وإذا دفع الوكيل بالشراء الثمن من ماله) إلى آخره.
وإنما قلنا: إنه وكيل بالشراء؛ لأنه محتاج في الإنفاق إلى شراء ما يحتاج إليه في النفقة، فيكون وكيلا بالشراء، وإذا كان وكيلا بالشراء فيحتاج أن ينقد الثمن من دراهم نفسه؛ لأنه لا يمكنه استصحاب دراهم الموكل في الأحوال كلها، وقد يظفر في السوق بشراء شيء يحتاج في النفقة، فيحتاج إلى أن ينقد الدراهم من مال نفسه على سبيل الإقراض، فلم يجعل متبرعًا؛ لأنه خالف أمر الأمر؛ لأن الوكالة تعلقت بالدراهم المدفوعة، بدليل أنها لو هلكت تبطل الوكالة، فإذا كان مقيدًا بها ففي [دفع مال آخر (^١) هو أجنبي آخر، فيكون متبرعًا في القضاء من مال نفسه، ويَرُدُّ على الموكل] (^٢) مالَهُ؛ لأنه ملكه، دفعه إليه لمقصوده، وقد استغنى عنه. كذا في المبسوط (^٣).
وإنما ذكر بقوله: (وقيل: هذا استحسان) احتراز عن القول الثاني، وهو قوله: (وقيل: القياس والاستحسان في قضاء الدين).
وصورته: أن يدفع المديون إلى رجل ألفًا، وقال: ادفعها إلى فلان قضاءً عني، فدفع الوكيل إلى فلان من مال نفسه قضاءً عنه؛ في القياس: يكون متبرعًا، حتى لو أراد المأمور حبس الألف المدفوعة لا يكون له ذلك، وفي الاستحسان: له ذلك.
وقوله: (لأنه ليس بشراء) دليل القياس، يعني فلما لم يكن قضاء الدين شراء لم يكن الأمر راضيًا بثبوت الدين في ذمته للوكيل، [فلو] (^٤) لم نجعله متبرعًا لألزمناه دينا لم يرض به، فجعلناه متبرعًا قياسًا، وأما في مسألة الإنفاق رضي الآمر بثبوت الدين في ذمته للوكيل؛ لأنه أمره بالإنفاق، والأمر بالإنفاق
_________________
(١) (*) الراحج: هو الاستحسان.
(٢) كذا في النسخة الثانية: (آخر)، وفي المبسوط: (الآمر).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) المبسوط للسرخسي (١٩/ ٧٧).
(٥) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٣٦ ]
فَلَا يَدْخُلَانِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
أمر بشراء الطعام والشراء لا يتعلق بغير تلك الدراهم؛ بل يتعلق بمثلها في الذمة، ثم يثبت به حق الرجوع على الأمر، فكان راضيا بثبوت الدين، فلم يجعل متبرعا قياسًا أيضًا.
وأما ما ذكر في وجه القياس أن الدراهم تتعين في الوكالات، إلى آخره.
قلنا: تتعين هي في حق الوكالة، أما لا تتعين في حق القضاء، حتى إن للمطلوب أن يدفع إلى الطالب دراهم غير ما دفعها إلى الوكيل، والقضاء لا يبطل بهلاكها، وباعتبار الوكالة إن صار متبرعًا، فباعتبار جانب القضاء لم يصر متبرعًا؛ لأنها لا تتعين في حق القضاء، فلا يجعل متبرعًا بالشك، فَرُجِّحَ (^١) جانب القضاء؛ صيانة لملكه عن الزوال بغير بدل كمن دفع إلى غيره ألفًا ليتصرف فيها، فإنه يجعل قرضًا لا هبةً وإن احتمل الدفع هذين الأمرين؛ صيانة لملكه عن الزوال بغير بدل.
وكمن أعطى غيره مالا، وقال: حُجَّ به، أو اغْزُ به في سبيل الله، أو أنفقه على نفسك وعيالك كان قرضًا، حتى لو اختلفا فالقول للمعطي.
وكمن زوج ابنته وسلمها مع الجهاز، ثم ماتت البنت، فقال الزوج: هبة، وقال الأب: بل أعرتها، فالقول للأب، ويحمل على العارية؛ صيانة لملكه عن الزوال بغير بدل. كذا ذكره المحبوبي في جامعه، وأحال المسألة الأخيرة إلى شرح السير الكبير لشمس الأئمة.
قوله: (فلا يدخلانه) أي: القياس والاستحسان فيما ذكرنا من مسألة الإنفاق.
ولو وكله بإجارة الدار أو الأرض فله أن يؤجرها بالنقد والمكيل والموزون وبالحيوان المعين وبالموصوف بالاتفاق، فأما عند أبي حنيفة فظاهر؛ لأنه كالوكيل بالبيع بالنقد للعرف ولا عرف هاهنا بأن الأراضي تؤجر بغير النقد أيضًا، هكذا ذكره، وفي بعض المواضع حقق الخلاف كما في البيع.
_________________
(١) في الأصل: (فيرجع)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٣٧ ]