(وَإِذَا قَالَ المُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، وَطَلَبَ اليَمِينَ لَمْ يُسْتَحْلَفْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَعْنَاهُ: حَاضِرَةٌ فِي المِصْرِ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ (*)، لِأَنَّ اليَمِينَ حَقَّهُ بِالحَدِيثِ المَعْرُوفِ، فَإِذَا طَالَبَهُ بِهِ يُجِيبُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ ثُبُوتَ الحَقِّ فِي
بَابُ الْيَمِينِ
لما كانت اليمين مشروعة بعد فقد البينة ذكرها بعد ذكر البينة وأحكامها وشرائطها.
قوله: (بينة حاضرة) البينة: الحجة، وهي (فَيْعِلة) من البيان؛ لأنها تظهر الصادق من الكاذب، أو من التبين؛ لأنها تفصل بين الصادق والكاذب، أو تفصل الحق من الباطل.
قوله: (معناه) أي: معنى قوله: حاضرة (حاضرة في المصر) واحترز به عن البينة الحاضرة في مجلس الحكم، فحينئذ لا يجوز الحكم باليمين بالإجماع وإن طلب الخصم.
(لأن اليمين حقه) أي: حق المدعي (بالحديث المعروف) وهو قوله ﵇: «لَكَ يَمِينُه».
وفي المبسوط: للمدعي غرض صحيح في الاستحلاف إذا لم تكن حاضرة في مجلس الحكم، وهو أن يقصر المسافة والمؤنة بإقرار المنكر أو نكوله عن اليمين، فيتوصل إلى حقه في الحال، فكان له أن يطلب يمينه بما روينا، وهو قوله ﵇ للمدعي: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ»، قال: لا، فقال: «لَكَ يَمِينُه» (^١)، فجعل له يمين الخصم عند عدم الشهود، فلا يكون له عند وجودها.
في المبسوط: إنما يكون المنكر متلفًا حق المدعي إذا لم يكن له شهود حضور، ولو استحلف القاضي الخصم مع حضور الشهود لكان في ذلك افتضاح المسلم إذا أقام المدعي بينة بعد ذلك (^٢).
_________________
(١) (*) الراحج: قول أبي حنيفة.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ١٢٣ رقم ١٣٩) من حديث وائل بن حجر ﵄.
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١٧).
[ ٦ / ٧٥٩ ]
العَيْنِ مُرَتَّبٌ عَلَى العَجْزِ عَنْ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ لِمَا رَوَيْنَا فَلَا يَكُونُ حَقَّهُ دُونَهُ، كَمَا إِذَا كَانَتْ البَيِّنَةُ حَاضِرَةٌ فِي المَجْلِسِ.
وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَا ذَكَرَهُ الخَصَّافُ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ. قَالَ: (وَلَا تُرَدُّ اليَمِينُ عَلَى المُدَّعِي) لِقَوْلِهِ ﵊: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» قَسَمَ، وَالقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ، وَجَعَلَ جِنْسَ الأَيْمَانِ عَلَى المُنْكِرِينَ وَلَيْسَ وَرَاءَ الجِنْسِ شَيْءٌ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ اليَدِ فِي المِلْكِ المُطْلَقِ، وَبَيِّنَةُ الخَارِجِ أَوْلَى).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْضَى بِبَيِّنَةِ ذِي اليَدِ لِاعْتِضَادِهَا بِاليَدِ، فَيَتَقَوَّى الظُّهُورُ، وَصَارَ
قوله: (فلا يكون) أي: اليمين (حَقَّه) أي: حق المدعي (دونه) أي: دون العجز عن البينة، أي: بغير العجز عن إقامة البينة، فلا تكون له ولاية الاستحلاف.
قوله: (وفيه) أي: في رد اليمين على المدعي بعد نكول المدعى عليه (خلاف الشافعي) فإنه يقول برد اليمين على المدعي، وبه قال مالك فيما يثبت بشاهد ويمين يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر كما قلنا في القصاص، وقال أحمد في الظاهر: لا يرد، كقولنا، وتجيء المسألة بعد هذه بقوله: (وإذا نكل المدعى عليه) (^١) إلى آخره.
قوله: (في الملك المطلق) قيد به احترازًا عن الملك المقيد بدعوى النتاج أو سبب لا يتكرر، أو بتاريخ أسبق بالشراء من واحدة، فإنها تقبل بينة ذي اليد بالإجماع.
قوله: ([وقال] (^٢) الشافعي: يقضي بينة ذي اليد) وبه قال مالك والقاضي من أصحاب أحمد، وقال أحمد كقولنا، ومن أصحاب الشافعي من قال: يقضي ببينة صاحب اليد مع يمينه والمنصوص عنه أنه يقضي لذي اليد بلا يمينه لتعاضد بينتها باليد؛ إذ اليد دليل الملك.
_________________
(١) انظر المتن ص ٧٦١.
(٢) مثبتة من المتن.
[ ٦ / ٧٦٠ ]
كَالنِّتَاجِ وَالنِّكَاحِ وَدَعْوَى المِلْكِ مَعَ الإِعْتَاقِ وَالاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ. وَلَنَا: أَنَّ بَيِّنَةَ الخَارِجِ أَكْثَرُ إِثْبَاتًا أَوْ إِظْهَارًا، لِأَنَّ قَدْرَ مَا أَثْبَتَهُ اليَدُ لَا يُثْبِتُهُ بَيِّنَةُ ذِي اليَدِ، إِذْ اليَدُ دَلِيلُ مُطْلَقِ المِلْكِ، بِخِلَافِ النِّتَاجِ، لِأَنَّ اليَدَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَكَذَا عَلَى الْإِعْتَاقِ وَأُخْتَيْهِ وَعَلَى الوَلَاءِ الثَّابِتِ بِهَا. قَالَ: (وَإِذَا نَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ اليَمِينِ، قُضِيَ
قوله: (والنكاح) بأن ادعيا نكاح امرأة وهي في يد أحدهما يقضى لصاحب اليد بالإجماع ودعوى الملك مع الإعتاق بأن ادعى عبدًا في يد رجل، وأقام بينة أنه عبده أعتقه، وأقام ذو اليد بينة أنه أعتقه وهو يملكه، فبينة ذي اليد أولى (والاستيلاد) بأن ادعيا أنها أمته استولدها أو دبرها، وهي في يد أحدهما، وبرهنا، فبينة ذي اليد أولى.
قوله: (أكثر إثباتًا أو إظهارًا) يعني البينات شرعت للإثبات؛ لأنها وإن كانت مبينة في التحقيق ومظهرة، ولكن لما لم يكن لنا علم بذلك - والأحكام في حقنا تثبت بأسبابها - أحدث البيئة حكم الإثبات، ولهذا وجب الضمان على الشهود عند الرجوع؛ لأن الحكم مضاف إلى شهادتهم إيجابًا، فكانت أكثر إثباتًا في حقنا، وأكثر إظهارًا في الواقع، وبينة الخارج أكثر إثباتًا؛ لأنه يستحق ببينته شيئًا؛ لأنه لا ملك للخارج بوجه، فكانت أولى بالقبول؛ لأن البينات للإثبات، فيطلب الترجيح أولًا من حيث الثبوت، فإن استويا فحينئذ باليد، كما في النتاج، فإنهما استويا في الإثبات؛ لأن لكل واحد من البينتين يثبت أولية الملك لصاحبه.
(وكذا اليد لا تدل على الإعتاق وأُخْتَيْه) أي: التدبير والاستيلاد، فإن استوت البينات في الإثبات فترجح بينة ذي اليد ليده، ولأن الخارج هو المدعي والبينة بينة المدعي بالحديث، فإنه يدل على أن جنس البينات في جانب المدعيين قضية؛ لحرف الاستغراق، فلا تبقى بينة في جانب المدعى عليه؛ إذ ليس وراء الجنس شيء.
فإن قيل: ينبغي أن تكون في النتاج بينة الخارج أولى؛ لأنها أكثر إثباتًا؛ لأنها تثبت اليد والنتاج، وبينة صاحب اليد تثبت النتاج فقط.
قلنا: إنما رجحنا بينة الخارج؛ لأنه أكثر إثباتًا؛ لأنها تثبت الملك على
[ ٦ / ٧٦١ ]
عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَأَلْزَمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْضَى بِهِ، بَلْ يَرُدُّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعِي،
خصم هو مالك، وبينة ذي اليد لا تثبت الملك على خصم هو مالك؛ إذ لم يثبت الاستحقاق للخارج بمجرد إقامة البينة بغير القضاء، فلا يصير هو مقضيًّا [عليه] (^١) لو قضى ببينة ذي اليد، وإذا قضى بينة الخارج صار ذو اليد مقضيا [عليه] (^٢)، فلزيادة الإثبات رجحناها.
بخلاف دعوى النتاج، فإن كل واحد من البينتين يثبت أولية الملك لصاحبه، وذلك لا يكون استحقاقًا على غيره، ولهذا لا يصير ذو اليد مقضيا عليه إذا أقام البينة على النتاج حتى لو أقام البينة على النتاج بعد القضاء للخارج وجب قبول بينته، فلما استويا في الإثبات رجحنا بينة ذي اليد. كذا في المبسوط (^٣).
وفي الإيضاح: بينة الخارج تثبت على ذي اليد ملكا لم يكن ثابتًا، فأما ذو اليد فلا يثبت على الخارج ملكًا لم يكن ثابتًا، فلا تقبل بينته إلا على سبيل الدفع لبينة الخارج (^٤)، ففي النتاج بينة صاحب اليد متضمنة دفع بينة الخارج، بخلاف الملك المطلق؛ لأنه يتصور ثبوته لهما على التعاقب، فلم يكن في بينة ذي اليد ما يدفع بينة الخارج، فلا تقبل.
فإن قيل: لما تعارضت البينات ينبغي أن يبقى الملك في يد ذي اليد، كما في الأدلة الشرعية إذا تعارضت يبقى الحكم على الأصل.
قلنا: الأدلة الشرعية حجة في النفي والإثبات فيتحقق التعارض، وهاهنا البينات للإثبتات لا للنفي، وحاجة ذي اليد إلى نفي استحقاق الخارج، فلم يتحقق التعارض، فلما لم تعارض بينة ذي اليد بينة الخارج صار وجودها كعدمها، وعند عدمها نحكم ببينة الخارج، فكذا عند وجودها، إليه أشار في المبسوط، وفيه نوع تأمل.
قوله: (بل يرد اليمين على المدعي) وقد بينا الخلاف فيه، وكذا إذا لم يكن
_________________
(١) مثبتة من المبسوط (١٧/¬٣٣).
(٢) مثبتة من المبسوط (١٧/¬٣٣).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٧/¬٣٣).
(٤) في الأصل: (الدفع) وما أثبتناه من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمدعي إلا شاهد واحد، وعجز عن إقامة شاهد آخر فإنه يرد اليمين عليه عند الشافعي ومالك وأحمد، فإن حلف يقضى له، وإن نكل لا؛ لما روي أنه ﵇ قضى بشاهد ويمين (^١)، وعندنا يستحلف المدعى عليه فقط.
ولنا: قوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (^٢)، ومطلق القسم يقتضي انتفاء المشاركة، فدل أن جنس الأيمان في جانب المدعي؛ إذ اللام لاستغراق الجنس، فمن جعل بعض الأيمان حجة للمدعي، فقد خالف النص، وحديث الشاهد واليمين غريب، وما رويناه مشهور تلقته الأمة بالقبول حتى صار في حيز التواتر، فلا يعارضه، حتى إن يحيى بن معين رده، مع أنه يحتمل أنه قضى بشاهد المدعي ويمين المدعى عليه؛ إذ ما روي أنه قضى بيمين المدعي، وهذا البحث بتمامه مذكور في بيان الوصول شرح الأصول.
واحتج الشافعي في رد اليمين بما روى الدارقطني عن ابن عمر «أنه ﵇ رد اليمين على طالب الحق» (^٣)، ولأن الظاهر شاهد للمدعي بنكول المدعى عليه، فيعتضد بيمينه كالمدعى عليه، ولأن النكول محتمل يحتمل أن يكون تورعًا عن اليمين الكاذبة، ويحتمل الترفع عن الصادقة، كما فعله عثمان، فإنه نكل عن اليمين، وقال: أخاف أن يوافقه القدر، فيقال: إن عثمان حلف كاذبًا، ويحتمل أن يكون لاشتباه الحال، والمحتمل لا يكون حجة.
ولنا: ما روينا من قوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٣٧ رقم ١٧١٢) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٢٣ رقم ١٦٨٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ». والترمذي (٣/¬١٩ رقم ١٣٤١) بلفظ: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، ومحمد بن عبيد الله العرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه، ضعفه ابن المبارك وغيره. وأخرج البخاري (٣/ ١٤٣ رقم ٢٥١٤)، ومسلم (٣/ ١٣٣٦ رقم ١٧١١) من حديث ابن عباس ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(٣) أخرجه الدرا قطني (٥/ ٣٨١ رقم ٤٤٩٠)، والحاكم في المستدرك وصححه (٤/ ١١٣ رقم ٧٠٥٧)، من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٦ / ٧٦٣ ]
فَإِذَا حَلَفَ يَقْضِي بِهِ، لِأَنَّ النُّكُولَ يَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ عَنْ اليَمِينِ الكَاذِبَةِ، وَالتَّرَفْعَ عَنْ الصَّادِقَةِ، وَاشْتِبَاهَ الحَالِ، فَلَا يَنْتَصِبُ حُجَّةً مَعَ الاِحْتِمَالِ، وَيَمِينُ المُدَّعِي دَلِيلُ الظُّهُورِ فَيُصَارُ إِلَيْهِ. وَلَنَا: أَنَّ النُّكُولَ دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا، إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى اليَمِينِ إِقَامَةٌ لِلْوَاجِبِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَتَرَبَّحَ هَذَا الجَانِبُ، وَلَا وَجْهَ لِرَدِّ اليَمِينِ عَلَى المُدَّعِي لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
فدل أن جنس الأيمان على المنكر كما ذكرنا، وادعى زيد بن ثابت عند عثمان على ابن عمر أنه باعه عبدًا يعلم عيبه، فقال عثمان لابن عمر: احلف: ما بعته وبه عيب علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد، ولم يرد اليمين.
وما روي غريب لا يعارض الحديث المشهور، مع أنه يحتمل أنه ﵇ رد اليمين عليه برضا المدعى عليه صلحًا، ولأن اليمين واجبة عليه بالحديث، وترك هذا الواجب دليل على أنه باذل حق المدعي عند أبي حنيفة، أو مقر بحقه عندهما؛ إذ لو لم يكن كذلك لأقدم عليها تَفَصِّيًا (^١) عن عهدة الواجب، ودفعًا للضرر عن نفسه، والشرع ألزمه التورع عن اليمين الكاذبة دون الترفع عن اليمين الصادقة، فترجح جانب التورع في نكوله، فيكون النكول إما بذلا أو إقرارًا، ولا يجوز أن يكون لاشتباه الحال؛ إذ لو كان كذلك لاستمهل من القاضي؛ لينكشف عليه الحال.
(لما قدمنا) إشارة إلى قوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» الحديث.
وما روي أن عثمان ادعى مالا على المقداد عند عمر، فقال المقداد: ليحلف عثمان لي ويأخذ حقه (^٢)، فقال عمر: لقد أنصف المقداد.
وما روي عن علي أنه حَلَّف المدعي بعد نكول المنكر ليس بحجة للخصم؛ لأن المقداد ادعى الإيفاء على عثمان، أو كان ذلك برضا المقداد، وما روي عن علي كان بناء على مذهبه أنه يُحَلِّف المدعي مع تمام حجة القضاء بالبينة، أنه كان يحتمل أنه كان ذلك برضا المدعى عليه صلحًا.
وفي المبسوط والأسرار: مذهبنا مؤيد بإجماع الصحابة، وروى عن علي
_________________
(١) تخلصا.
(٢) بعدها في الأصل: (فقال حقه)، والسياق المثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٦٤ ]
قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: «إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ اليَمِينَ - ثَلَاثًا - فَإِنْ حَلَفْت وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ بِمَا ادَّعَاهُ» وَهَذَا الإِنْذَارُ لِإِعْلَامِهِ بِالحُكْمِ، إِذْ هُوَ مَوْضِعُ الخَفَاءِ. قَالَ: فَإِذَا كَرَّرَ العَرْضَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَهَذَا التَّكْرَارُ ذَكَرَهُ الخَصَّافُ ﵀ لِزِيَادَةِ الاحْتِيَاطِ وَالمُبَالَغَةِ فِي إِبْلَاءِ العُذْرِ، فَأَمَّا المَذْهَبُ: أَنَّهُ لَوْ قُضِيَ بِالنُّكُولِ بَعْدَ العَرْضِ مَرَّةً جَازَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَالأَوَّلُ أَوْلَى، ثُمَّ النُّكُولُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا: كَقَوْلِهِ: لَا أَحْلِفُ، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا، بِأَنْ يَسْكُتَ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الأَوَّلِ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا آفَةَ بِهِ مِنْ طَرَشٍ أَوْ خَرَسٍ هُوَ الصَّحِيحُ.
موافقة الإجماع، فإنه روي عن شريح في المنكر طلب منه رد اليمين إلى المدعي، فقال: ليس لك إليه سبيل، وقضى بالنكول بين يدي علي، فقال له علي: (قالون) وهي بلغة الرومية: أصبت.
وعن عمر أن امرأة ادعت على زوجها أنه قال لها: حَبْلُكِ على غارِبِكِ، فحلف عمر الزوج بالله: ما أردت طلاقا، فنكل، فقضى عليه بالفرقة، وكذا روي عن ابن عباس، وهو مذهب أبي موسى الأشعري.
قوله: (لإعلامه بالحكم) أي: الحكم بالنكول (إذ هو موضع الخفاء) لأنه مجتهد فيه، فإن عند الشافعي لا يحكم بالنكول بل بِرَدّ اليمين كما ذكرنا، وكان مظنة الخفاء.
قوله: (لما قدمنا) (^١) إشارة إلى قوله: (أن النكول بذل أو إقرار) (^٢).
وقوله: (وهو الصحيح) احتراز عن قول بعض المشايخ، حيث قالوا: لو قضى بالنكول بعد العرض مرة لا ينفذ.
وفي الكافي: والتقدير بالثلث في عرض اليمين لازم في المروي عن أبي يوسف ومحمد، وبه قال أحمد والجمهور على أنه للاحتياط، وبه قال مالك والشافعي.
قوله: (وحكمه) أي: حكم السكوت (حكم الأول) وبه قالت الأئمة الثلاثة، والطَّرَسُ أهون من الصَّمَم.
_________________
(١) و(^٢) انظر المتن ص ٧٦٤.
[ ٦ / ٧٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المجتبى: يشترط أن يكون القضاء على فور النكول عند البعض، وقال الخصاف: لا يشترط، حتى لو استمهله بعد العرض ثلثي يوم أو يومين أو ثلاثة فلا بأس به، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وفي الفصول: لو كان الاستحلاف عند غير القاضي كان المدعي على دعواه؛ لأن المعتبر يمين قاطعة للخصومة، ولو قال المدعي: إن حلف المدعى عليه فأنا بريء، أو قال: فدعواي باطلة - لا تبطل دعواه، حتى لو أقام بينة بعد يمين الخصم تُسمع بينته.
وفي المبسوط (^١): بعض القضاة من السلف لا يسمع البينة بعد يمين الخصم، وكان يقول: كما يترجح جانب الصدق بالبينة في جانب المدعي، ويتعين ذلك، حتى لا يُنظر إلى يمين المنكر، فكذا يتعين جانب الصدق في جانب المدعى عليه بحلفه، فلا يلتفت إلى بينة المدعي بعد ذلك، ولسنا نأخذ بذلك، وإنما أخذ فيه بقول عمر، فإنه جوز قبول بينة المدعي بعد حلف المدعى عليه.
ويقول شريح: اليمين الفاجرة أحق بالرد من البينة العادلة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، ونحن لا نقول بيقين الصدق في جانبه بحلفه، بل نقول بقطع الخصومة بحلفه، وبعد ظهور البينة هل يظهر كذب المدعى عليه؟ عن محمد لا يظهر، وعند أبي يوسف يظهر، والفتوى في دعوى الدين إذا ادعاه من غير سبب فحلف، ثم أقام بينة - يظهر كذبه.
ولو ادعى الدين بسبب وحلف، ثم أقام المدعي بينة على السبب لا يظهر كذبه؛ لجواز أنه وجد القرض ثم وجد الإبراء أو الإيفاء. كذا في الفصول.
وفي النوازل: لو ادعى دعاوى متفرقة لا يحلفه القاضي على كل شيء يمكن جمعها في يمين واحدة.
وفي التتمة: لو ادعى دينًا في التركة، وقال: كل التركة في يد هذا يحلف وحده بالله: ما وصل إليه شيء من التركة، ولا يعلم أن له دينا على أبيه.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١٩).
[ ٦ / ٧٦٦ ]
قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى نِكَاحًا لَمْ يُسْتَحْلَفْ المُنْكِرُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالفَيْءِ فِي الإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالوَلَاءِ وَالحُدُودِ وَاللِّعَانِ. وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (*)، إِلَّا فِي الحُدُودِ وَاللعَانِ.
وقيل: يحلف يمينين: على الوصول على البتات، وعلى الدين على العلم، وبه قال عامة المشايخ، وأجمعوا أن المدعي بعد إقامة البينة يحلف أنه ما استوفاه ولا أبرأه وإن لم يَدَّعِ الخصم، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (واللعان) يعني إذا ادعت المرأة على زوجها القذف بالزنا، وأنكر الزوج، وأرادت الاستحلاف.
قوله: (يستحلف في ذلك كله إلا في الحدود واللعان) وبه قال الشافعي، لكن عنده يجري في حد القذف والقصاص، ولا يجري في الحدود الخالصة، وقال مالك وأحمد لا يجري التحالف فيما لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين؛ إلحاقا له بالحدود، وعن أحمد في رواية: يجري في القصاص وحد القذف والطلاق والعتاق.
هذا كله إذا لم يكن المقصود مالا، فإن كان المقصود دعوى مال بأن ادعت أنه تزوجها وطلقها قبل الدخول بها، ولها عليه نصف المهر، وأنكر الزوج - يستحلف بالإجماع.
وفي جامع قاضي خان والواقعات والفصول: الفتوى على قولهما.
وقيل: ينبغي للقاضي أن ينظر في حال المدعي، فإن رآه متعنتا يأخذ بقولهما ويحلفه، وإن كان مظلومًا لا يحلفه أخذا بقوله، وعليه بعض المتأخرين من مشايخنا.
وكيفية الاستحلاف عندهما أن يحلف على الحاصل - إن كانت المرأة هي المدعية - بالله: ما هذه المرأة امرأتك بهذا النكاح الذي ادعته، ولو كان الزوج هو المدعي بالله: ما هذا زوجك على ما ادعى.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
[ ٦ / ٧٦٧ ]
وَصُورَةُ الاسْتِيلَادِ: أَنْ تَقُولَ الجَارِيَةُ أَنَا أُمُّ وَلَدٍ لِمَوْلَايَ، وَهَذَا ابْنِي مِنهُ، وَأَنْكَرَ المَوْلَى، لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى المَوْلَى ثَبَتَ الاِسْتِيلَادُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى إِنْكَارِهَا. لَهُمَا: أَنَّ النُّكُولَ إِقْرَارُ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى اليَمِينِ الصَّادِقَةِ إِقَامَةً لِلْوَاجِبِ، فَكَانَ إِقْرَارًا أَوْ بَدَلًا عَنْهُ،
وفي أدب القاضي للصدر الشهيد: ولا يستحلف في الحدود بالإجماع إلا إذا تضمن حقا، بأن علق عتق عبده بالزنا، بأن قال: إن زنيت فأنت حر، فادعى العبد أنه قد زنا، ولا بينة له - يستحلف المولى على العلم، حتى إذا نكل يثبت العتق دون الزنا.
وقوله: (على ما قدمناه) إشارة إلى قوله: (إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب) ودفعًا للضرر عن نفسه وهو إيفاء الحق لنفسه، ونفي تهمة الكذب.
قوله: (أو بَدَلًا) بفتح الدال المهملة، أي: خَلَفًا عن الإقرار. وهذا في الحقيقة جواب عن شُبَةٍ ترد على كون النكول إقرارًا عندهما:
إحداها: ما لو اشترى نصف عبد، ثم اشترى النصف الثاني، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه في النصف الأول فنكل، فلو كان النكول إقرارًا للزمه النصف بنكوله في المرة الأولى، كما لو أقر في تلك المرة.
قلنا: إن النكول ليس بإقرار في نفسه، ولكن يجعل مقام الإقرار خَلَفًا عنه؛ لقطع الخصومة، فيقوم النكول مقام الإقرار بقدر الحاجة إلى دفع الخصومة، فكان كالإقرار في المرة الأولى لا في الثانية.
وثانيها: الوكيل بالبيع إذا ادعى عليه عيب في المبيع فنكل، فإنه يلزم الموكل، ولو جعل إقرارًا للزم الوكيل، كما في الإقرار به.
قلنا: وإن كان كالإقرار فهو أمر لزمه بسبب البيع بحيث لا اختيار له، والموكل أدخله فعليه خلاصه، أما إذا أقر فهو شيء لزمه باختياره الإقرار، فإنه كان ينقضي عن عهدة الدعوى بالسكوت أو النكول فيلزمه الضمان، ولا يرجع به على الموكل.
[ ٦ / ٧٦٨ ]
وَالإِقْرَارُ يَجْرِي فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ، لَكِنَّهُ إِقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَاللَّعَانُ فِي مَعْنَى الحَدِّ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ بَذْلٌ، لِأَنَّ مَعَهُ لَا تَبْقَى اليَمِينُ وَاجِبَةٌ
وثالثها: ما لو كفل بما وهب على فلان، فادعى المكفول له مالا على فلان، فنكل فلان - لا يقضى بالمال على الكفيل، ولو كان النكول إقرارًا لقضى به على الكفيل كما لو أقر.
قلنا: إنهما يقولان: النكول بدل عن الإقرار في قطع الخصومة لا أن يكون إقرارًا حقيقةً، ولهذا لا يثبت المدعى بنفس النكول حيث يثبت المدعى بنفس الإقرار. كذا في الجامع والمبسوط والأسرار.
وفي الفوائد الظهيرية: ولأبي حنيفة أنه أي: النكول بذل وإباحة، وهذه الحقوق لا يجري فيها البذل والإباحة، فلا يقضى فيها بالنكول، كالقصاص في النفس، وعكسها الأموال.
وفي الفوائد الظهيرية: تفسير البذل عنده: ترك المنازعة والإعراض عنها، وغير مقر بالهبة والتمليك، ولهذا لو ادعى نصف دار فأنكر المدعى عليه، فحلف، فنكل يقضي بالنكول وهبة نصف الدار شائعا لا تصح؛ لأن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تصح.
قوله: (لأن معه) أي: مع البدل (لا تبقى اليمين).
فإن قيل: هذا المعنى مشترك، فاليمين لا يبقى مع الإقرار أيضًا، فما وجه ترجيح كونه بدلا؟
قلنا: لو جعلنا إقرارًا كان فيه تناقض؛ لأنه أنكر أول مرة، فلا يظن بالمسلم الكذب، فيجعل بدلًا.
فإن قيل: وجوب الحكم على القاضي بالنكول دليل على أنه إقرار لا بذل؛ لأن البذل ينتج الأخذ للمدعي، ولا يلزم القاضي أن يقضي به، كالصلح على الإنكار.
قلنا: إذا كان بذلا من العبد صريحًا لا يلزم القاضي، أما النكول بذل
[ ٦ / ٧٦٩ ]
لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَإِنْزَالُهُ بَاذِلًا أَوْلَى كَيْ لَا يَصِيرَ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ، وَالبَذْلُ لَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ. وَفَائِدَةُ الاسْتِحْلَافِ: القَضَاءُ بِالنُّكُولِ فَلَا يُسْتَحْلَفُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا بَذْلٌ لِدَفْعِ الخُصُومَةِ فَيَمْلِكُهُ المُكَاتَبُ وَالعَبْدُ المَأْذُونُ بِمَنْزِلَةِ الضَّيَافَةِ اليَسِيرَةِ، وَصِحَّتُهُ فِي الدَّيْنِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِ المُدَّعِي وَهُوَ مَا يَقْبِضُهُ حَقًّا لِنَفْسِهِ، وَالبَذْلُ مَعْنَاهُ
بحكم الشرع؛ لما أن المدعي يستحق ما ادعاه بنفس الدعوى لولا منازعة المنكر بيده أو بذمته، والشرع أبطله إلى اليمين، فلما منع المنكر اليمين عاد الأمر الأصلي بحكم الشرع؛ فيلزم القاضي قطع منازعته.
فإن قيل: يقضى بالقصاص في الأطراف بالنكول ولا يعمل فيها البذل، حتى لو قال: اقطع يدي لا يحل قطعه.
قلنا: البذل عامل إذا كان مفيدًا، كما لو قال لآخر: اقطع يدي وبها أكلة حل القطع ولم يأثم، وبغير إذنه يأثم، وفيما نحن فيه النكول مفيد؛ لأنه يحترز به عن اليمين الكاذبة، وله ولاية الاحتراز عن اليمين بخلاف ما لو قال جزافًا: اقطع يدي فلا يحل؛ لأنه لا فائدة فيه؛ بل فيه ضرر محض. إليه أشار في الأسرار.
فإن قيل: هذا التعليل مخالف للحديث المشهور، وهو قوله ﵇: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
قلنا: خص منه الحدود بالإجماع، فجاز تخصيص هذه الصور بالقياس.
وقوله: (إلا أن هذا بذل لدفع الخصومة) جواب سؤال مقدر، وهو ما ذكره في الأسرار أن النكول لو كان بذلا ينبغي ألا يملكه المكاتب والمأذون؛ لما أن في البذل معنى التبرع، وهما لا يملكان التبرع، فقال في جوابه: إنهما يملكان لما لا بدل له من التجارة، كما في الضيافة اليسيرة، وبذلهما بالنكول من جملة ذلك.
قوله: (وصحته في الدين) أي: صحة القضاء بالنكول، وهذا جواب سؤال، وهو أن يقال: لو كان بذلا لما جرى في الدين؛ لأن محله الأعيان لا الديون؛ إذ الديون أوصاف، والبذل والأعطاء لا تجري في الأوصاف، فقال في جوابه: وصحته في الدين بناء على زعم المدعي إلى آخره، يعني معنى البذل هنا ترك المنع، فكان المدعي يأخذ منه بناء على زعمه أنه يأخذ حق نفسه ولا
[ ٦ / ٧٧٠ ]
هَاهُنَا. تَرْكُ المَنْعِ وَأَمْرُ المَالِ هَيِّنٌ. قَالَ: (وَيُسْتَحْلَفُ السَّارِقُ، فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ وَلَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ المَنُوطَ بِفِعْلِهِ شَيْئَانِ: الضَّمَانُ وَيَعْمَلُ فِيهِ النُّكُولُ. وَالقَطْعُ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا شَهِدَ عَلَيْهَا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَتْ المَرْأَةُ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ، فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ نِصْفَ المَهْرِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّ الاسْتِحْلَافَ يَجْرِي فِي الطَّلَاقِ عِنْدَهُمْ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ المَقْصُودُ هُوَ المَالُ، وَكَذَا فِي النِّكَاحِ إِذَا ادَّعَتْ هِيَ الصَّدَاقَ، لِأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى المَالِ، ثُمَّ يَثْبُتُ المَالُ بِنُكُولِهِ وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ، وَكَذَا فِي النَّسَبِ إِذَا ادَّعَى حَقًّا كَالْإِرْثِ … … ..
مانع له، وترك المنع جائز في الأموال؛ لأن أمر المال هين، وأما أمر هذه الأشياء فليس بهين، فلا يجوز ترك المنع فيها.
قوله: (فإن نكل) أي: السارق (ضمن ولم يقطع) ولا خلاف فيه، أما عند الشافعي يرد اليمين على المالك؛ لما أن مذهبه أن بمجرد النكول لا يحكم.
قال المرغيناني والمحبوبي: إنما يستحلف السارق إذا أراد المالك أخذ المال دون القطع؛ لأن المال يثبت مع الشبهات، فيثبت بالنكول، أما الحد لا يثبت بالشبهات، فلا يثبت بالنكول بالإجماع، وعن محمد: ينبغي للقاضي أن يقول للمدعي: ماذا تريد؟ فإن قال: أريد القطع لا يستحلف، وإن قال: أريد المال فالقاضي يقول له: دع دعوى السرقة، وانبعث على دعوى المال.
[قوله: (فصار كما لو شهد عليها رجل وامرأتان) حيث لا يقطع ويقضى بالمال، وكما إذا أقر بالسرقة ثم رجع يسقط الحد، ويجب المال] (^١).
قوله: (ادعت طلاقا قبل الدخول) وفائدة تعيين صورة المسألة في الطلاق قبل الدخول؛ هي تعليم أن دعوى المهر لا تتفاوت بين أن تكون الدعوى في كل المهر أو نصفه، وسواء كان دعوى المهر في ضمن الطلاق أو بدونه؛ لأنه ذكر بعد هذا صورة دعوى جميع المهر مع بقاء النكاح بقوله: (وكذا في النكاح إذا ادعت هي الطلاق) (^٢).
قوله: (كالإرث) صورته: ادعى رجل على رجل أن المدعي أخو المدعى
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) كذا بالأصول الخطية، وتقدم في المتن: (الصداق).
[ ٦ / ٧٧١ ]
وَالحِجْرِ فِي اللَّقِيطِ، وَالنَّفَقَةِ وَامْتِنَاعِ الرُّجُوعِ فِي الهِبَةِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ هَذِهِ الحُقُوقُ، وَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ فِي النَّسَبِ المُجَرَّدِ عِنْدَهُمَا إِذَا كَانَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ … … .
عليه مات أبوهما وترك مالا في يد المدعى عليه، أو طلب فرض النفقة على المدعى عليه بسبب الأخوة، فإنه يستحلف على النسب بالإجماع، فإن نكل يقضى بالمال لا بالنسب.
(والحِجر في اللقيط) صورته: أن اللقيط صبي لا يعبر عن نفسه، فادعت امرأة أنه أخوها، ولها الحضانة وتريد قصر يد الملتقط، فأنكر اللقيط الأخوة - يستحلف، فلو نكل يثبت لها حق نقل الصبي إلى حجرها، ولا يثبت النسب.
وكذا لو ادعى النفقة بسبب الأخوة، وهو زَمِن، فأنكر المدعى عليه الأخوة - يستحلف بالإجماع، فإن حلف برئ، وإن نكل يقضى بالنفقة ولا يقضى بالنسب.
وصورة امتناع الرجوع في الهبة أن الواهب أراد الرجوع، فقال الموهوب له: أنا أخوك فلا رجوع لك، فالواهب يستحلف، فإن نكل يثبت الامتناع من الرجوع ولا يثبت النسب. ذكره هذه الجملة في أدب القاضي للصدر الشهيد وغيره.
قوله: (وإنما يستحلف في النسب المجرد) قيد به احترازًا عما هو مقرون بدعوى المال كما ذكرنا إذا كان يثبت النسب (بإقراره) أي: بمجرد إقرار المدعى عليه، فإن النكول عندهما إقرار، فكل نسب لو أقر به المدعى عليه يثبت بالنكول أيضًا.
بانه: أن إقرار الرجل يصح بالأب والابن والزوجة والمولى، وإقرار المرأة يصح بالأب والزوج والمولى، ولا يصح في حق الابن؛ لأن فيه تحميل النسب على الغير، فكان إقرارًا على الغير، فلا يصح، فلو ادعى أنه أبوه أو ابنه ولم يدع مالا بسببه يستحلف عندهما؛ لأنه لو أقر به يثبت، فيستحلف؛ لرجاء النكول الذي هو إقرار، ولو ادعى أنه أخوه أو عمه أو ما أشبه ذلك لا يستحلف؛ لأنه لو أقر به لا يثبت؛ لأن فيه تحميل النسب على الغير.
[ ٦ / ٧٧٢ ]
كَالأَبِ وَالِابْنِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَالأَبِ فِي حَقِّ المَرْأَةِ، لِأَنَّ فِي دَعْوَاهَا الإِبْنَ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ وَالْمَوْلَى وَالزَّوْجِ فِي حَقِّهِمَا.
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى قِصَاصًا عَلَى غَيْرِهِ فَجَحَدَهُ اسْتُحْلِفَ) بِالْإِجْمَاعِ (ثُمَّ إِنْ نَكَلَ عَنْ اليَمِينِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ يَلْزَمُهُ القِصَاصُ، وَإِنْ نَكَلَ فِي النَّفْسِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: لَزِمَهُ الأَرْشُ فِيهِمَا (*)، لِأَنَّ النُّكُولَ إِقْرَارُ فِيهِ شُبْهَةٌ عِنْدَهُمَا فَلَا يَثْبُتُ بِهِ القِصَاصُ وَيَجِبُ بِهِ المَالُ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ امْتِنَاعُ القِصَاصِ لِمَعْنَى مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِالخَطَأَ وَالوَلِيُّ يَدَّعِي العَمْدَ.
قوله: (والمولى والزوج في حقهما) أي: في حق الرجل والمرأة، فإن الإقرار بالولاء والزوجية يصح من الرجل والمرأة، فيستحلف؛ لرجاء النكول فيهما، عندهما.
قوله: (استحلف بالإجماع) ولا خلاف، فإن نكل عن اليمين فيما دون النفس يلزمه القصاص عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي ومالك بعد حلف المدعي، وأحمد في رواية ولو نكل في النفس لا يقتص منه عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد، بل يحبس حتى يحلف أو يقر، وعند الشافعي ومالك وأحمد في رواية: يقتص أيضًا بعد حلف المدعي.
قوله: (لمعنى من جهة مَنْ عليه) وقيد امتناع القصاص لمعنى من جهة من عليه؛ لأنه لو كان امتناعه من جهة من له القصاص - لا يجب القصاص ولا المال أيضًا، كما إذا أقام مدعي القصاص رجلًا وامرأتين والشهادة على الشهادة، حيث لا يقضى بشيء، فامتنع القصاص من جهة من له، فلا يجب المال؛ لأن الأصل أن المال مشروع فيه إذا أضيف العذر إلى من عليه اعتبارًا بالخطأ، أما إذا أضيف العذر إلى من له القصاص لا يجب المال؛ لأن الطالب يدعي القصاص، ويتبرأ من المال، فكيف يقضى بالمال؟ وفيما نحن فيه أضيف العذر إلى من عليه، حيث لم يصرح بالإقرار، فأشبه الخطأ.
وثم أضيف إلى الولي الذي أقام تلك البينة فلم يجب المال، ونظيره إذا أقر بالخطأ والولي يدعي العمد - يجب المال، وبعكسه لا يجب المال.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٧٧٣ ]
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الأَمْوَالِ فَيَجْرِي فِيهَا البَذْلُ، بِخِلَافِ الْأَنْفُسِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَهَذَا إِعْمَالُ لِلْبَذْلِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِعَدَمِ الفَائِدَةِ، وَهَذَا البَذْلُ مُفِيدٌ لِانْدِفَاعِ الخُصُومَةِ بِهِ فَصَارَ
ولأبي حنيفة: أنما يستحلف في النفس وإن كان لا يقضى بالنكول؛ لأن اليمين حق مقصود لتعظيم أمر الدم، واليمين مهلكة معنى، صالحة للتعظيم، ولهذا شرعت مكررة في القسامة، فإذا نكل فقد امتنع من إيفاء حق مقصود، فيحبس إلى أن يحلف أو يقر، كما إذا التعن الزوج ونكلت المرأة عن اللعان.
وفي سائر ما تقدم اليمين ليس بحق مقصود، وإنما المطلوب منه القضاء بالنكول، فما لا يجوز القضاء فيه بالنكول لا يشتغل بالاستحلاف فيه. كذا في جامعي شمس الأئمة وفخر الإسلام.
(أما الأطراف يسلك بها مسلك الأموال) من حيث إن الأطراف خلقت وقاية للأنفس كالأموال، فلما كان كذلك جرى البدل في الأطراف كما في الأموال، ولهذا لو قال: اقطع يدي فقطعه لا يضمن شيئًا، وهذا إعمال للبذل، بخلاف الأنفس حيث لا يجري البذل فيها، ولهذا لو قال لآخر: اقتلني فقتله يؤخذ بالقصاص في رواية.
وفي التتمة: تجب الدية في قول علمائنا الثلاثة. ذكره التمرتاشي.
وقوله: (هذا إعمال للبذل) إشارة إلى عدم الضمان.
وقوله: (إلا أنه لا يباح القطع)، جواب إشكال، وهو أن يقال: لو كان الأطراف كالأموال ينبغي أن يباح القطع بالبذل كما يباح المال بالبذل، فقال في جوابه: (إنما لا يباح القطع لعدم الفائدة) كما هو في المال كذلك بأن قال: ألق مالي في البحر، أو أحرقه، حيث لا يباح إليه أشار فخر الإسلام.
ولهذا لو كان القطع مفيدًا بأن وقع في يده أكلة، فقال لآخر: اقطع يدي حل له قطعه، ولو قطعه لا يجب عليه شيء، والبذل هاهنا مفيد؛ لأنه يصير متورعًا عن اليمين الصادقة، وتندفع خصومته عنه، فصار كقطع السن للوجع، وبخلاف القطع في السرقة، فإن القطع فيها خالص حق الله تعالى فلا يثبت مع
[ ٦ / ٧٧٤ ]
كَقَطْعِ اليَدِ لِلْآكِلَةِ وَقَلْعِ السِّنِّ لِلْوَجَعِ، وَإِذَا امْتَنَعَ القِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَاليَمِينُ حَقٌّ مُسْتَحَقُّ، يُحْبَسُ بِهِ كَمَا فِي القَسَامَةِ. قَالَ: (وَإِذَا قَالَ المُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، قِيلَ لِخَصْمِهِ: أَعْطِهِ كَفِيلًا بِنَفْسِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) كَيْ لَا يَغِيبَ نَفْسُهُ فَيَضِيعَ حَقَّهُ، وَالكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَأَخْذُ الكَفِيلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى اسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا، لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلْمُدَّعِي وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ بِالمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الحُضُورَ مُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى حَتَّى يُعَدَّى عَلَيْهِ، وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَشْغَالِهِ، فَصَحَ التَّكْفِيلُ بِإِحْضَارِهِ، وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀
الشبهة، أما القصاص فحق العبد الذي سلك مسلك الأموال، فيثبت مع الشبهة كالأموال.
قوله: (يحبس به) أي: بحق اليمين (كما في القسامة) فإنهم إذا نكلوا عن اليمين يحبسون حتى يقروا أو يحلفوا.
قوله: (استحسان عندنا) قيد به؛ لأن في القياس ألا يؤخذ كفيلا قبل إقامة البينة؛ لعدم تعلق حقه بمجرد الدعوى، وهو مذهب الشافعي.
وفي شرح الوجيز والقضاة اعتادوا خلاف هذا، وعن بعض المتأخرين من أصحابه أن الأمر فيه إلى رأي الحاكم.
أما بعد إقامة البينة قبل التعديل طولب بالتكفيل (^١) إلى أن يُعَدَّلا، وأَخْذ الكفيل بعد إقامة البينة قياس واستحسان عندنا.
قوله: (حتى يُعدَّى عليه) من الإعداء، على لفظ المجهول، يقال: اسْتَعْدَى فلان الأمير على من ظلمه، أي: استعان به، فأعداه الأمير، أي: أعانه عليه ونصره.
وفي المبسوط (^٢): الإشخاص إلى بابه يثبت بمجرد الدعوى؛ لما فيه من النظر للمدعي، فكذا إذا أخذ الكفيل؛ لما فيه من النظر له.
(وليس فيه كثير كبير ضرر (^٣) بالمدعى عليه) لأنه إن لم يكن من قصده الاختفاء لا يتضرر به، وإن كان قصده الاختفاء يكون ظالمًا، فلا ينظر له.
_________________
(١) في الأصل: (بالكفيل)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٠/ ٧٥).
(٣) في الأصل: (نظر)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٧٥ ]
وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا فَرْقَ فِي الظَّاهِرِ بَيْنَ الخَامِلِ وَالوَجِيهِ وَالحَقِيرِ مِنْ المَالِ وَالخَطِيرِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ لِلتَّكْفِيلِ وَمَعْنَاهُ فِي المِصْرِ، حَتَّى لَوْ قَالَ المُدَّعِي: لَا بَيِّنَةَ لِي، أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ، لَا يُكْفَلُ لِعَدَمِ الفَائِدَةِ. قَالَ: (فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا أُمِرَ بِمُلَازَمَتِهِ كَيْ لَا يَذْهَبَ حَقَّهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا فَيُلَازِمَ مِقْدَارَ مَجْلِسِ القَاضِي) وَكَذَا لَا يُكْفَلُ إِلَّا إِلَى آخِرِ المَجْلِسِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْصَرِفٌ إِلَيْهِمَا، لِأَنَّ فِي أَخْذِ الكَفِيلِ وَالمُلَازَمَةِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ إِضْرَارًا بِهِ بِمَنْعِهِ عَنْ السَّفَرِ، وَلَا ضَرَرَ فِي هَذَا المِقْدَارِ ظَاهِرًا، وَكَيْفِيَّةُ المُلَازَمَةِ نَذْكُرُهَا فِي كِتَابِ الحَجْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عما روي عن أبي يوسف أنه يقدر بما بين مجلس القاضي.
قوله: (ولا فرق في الظاهر) أي: في ظاهر الرواية، وعن محمد: أنه إن كان معروفًا، والظاهر من حاله أنه لا يخفي نفسه بذلك القدر لا يجبر على إعطاء الكفيل، أما لو أعطى يؤخذ، وكذا إذا كان المُدَّعَى حقيرًا، والظاهر أن المرء لا يخفي نفسه بذلك [القدر] (^١) لا يجبر على إعطاء الكفيل.
قوله: (شهودي غيب) بفتحتين على التخفيف، أو بضم الغين على التثقيل، وغيب: مثل خادم وخَدَم، وأما غُيَّب فقياس. كذا في المغرب (^٢).
قوله: (فإن فعل) أي: أعطى الكفيل (وإلا أُمِر) أي: إن أبى ولم يُعْطِ أُمر (بملازمته) أي: دار معه حيث سار حتى لا يغيب.
قوله: (والاستثناء) أي: استثناء المذكور بقوله: (إلا أن يكون غريبًا) (منصرف إليهما) أي: إلى الملازمة والتكفيل، وهذا التفسير إنما يحتاج إليه على رواية القدوري؛ لأنه لم يذكر هناك مقدار مجلس القاضي في تقدير الملازمة، ولا التكفيل ومدته، وإنما قال: فإن فعل وإلا أمر بملازمته إلا أن يكون غريبا على الطريق، وأما هاهنا فقد ذكر الملازمة ومدتها ومدة التكفيل فلا يحتاج إلى قوله: والاستثناء منصرف؛ لأنه ذكر مدة كل واحد باستثناء واحد.
قوله: (زيادة على ذلك) أي: على مقدار مجلس القاضي.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٤٩).
[ ٦ / ٧٧٦ ]