قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ جَارِيَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ البَائِعُ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ بَاعَ فَهُوَ ابْنُ للبَائِعِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ) وَفِي القِيَاسِ هُوَ قَوْلُ زُفَرٍ (*) وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: دَعْوَتُهُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ البَيْعَ اعْتِرَافٌ مِنهُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ، فَكَانَ فِي دَعْوَاهُ مُنَاقِضًا وَلَا نَسَبَ بِدُونِ الدَّعْوَى.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ اتِّصَالَ العُلُوقِ بِمِلْكِهِ شَهَادَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الزِّنَا. وَمَبْنَى النَّسَبِ عَلَى الخَفَاءِ فَيُعْفَى فِيهِ التَّنَاقُضُ، وَإِذَا صَحَّتْ
بَابُ دَعْوَى النَّسَبِ
لما ذكر حكم دعوى المال شرع في دعوى النسب، وقدم دعوى المال؛ لكثرة وقوعها، فكانت أهم.
في الصحاح: الدعوة، بالكسر: في النسب، وبالفتح: في الطعام. وقيل: على العكس (^١).
قوله: (فكان في دعواه) أي: البائع في دعواه (مناقضا) وكذا سعيا في نقض ما تم من جهته، وهو البيع، فصار كما لو ادعى اليد بتراء، والإعتاق قبل البيع، أو ادعى أب البائع الولد، وكذَّبه المشتري، فإنه لم يثبت النسب، كذا هذا.
وفي الاستحسان: أمكن إثبات النسب منه فيثبت؛ وهذا لأنا تيقنا بحصول العلوق في ملكه لما ولدت لأقل من ستة أشهر، وذا ينزل منزلة البينة العادلة في إثبات النسب منه، وهذا معنى قوله: (اتصال العلوق بملكه شهادة ظاهرة).
قوله: (فيعفى فيه التناقض) أي: لا يمنع صحة الدعوى؛ لأن مبنى النسب على الإخفاء؛ إذ قد يظن المرء أن العلوق ليس منه ثم يظهر له أنه منه، حتى لو كان صبي في يد امرأة فقال زوجها هذا الولد من زنا، وقالت: من نكاح منك، ثم قال الزوج: هو من نكاح - يثبت النسب منه، بخلاف الإعتاق
_________________
(١) (*) الراجح: قول الجمهور.
(٢) الصحاح تاج اللغة للجوهري (٦/ ٢٣٣٦).
[ ٦ / ٨٦٠ ]
الدَّعْوَى اسْتَنَدَتْ إِلَى وَقْتِ العُلُوقِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ فَيُفْسَخُ البَيْعُ لِأَنَّ بَيْعَ أُمِّ الوَلَدِ لَا يَجُوزُ (وَيُرَدُّ الثَّمَنُ) لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٌّ وَإِنْ ادَّعَاهُ المُشْتَرِي مَعَ دَعْوَةِ البَائِعِ أَوْ بَعْدَهُ فَدَعْوَةُ البَائِعِ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَسْبَقُ لِاسْتِنَادِهَا إِلَى وَقْتِ العُلُوقِ وَهَذِهِ دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ البَيْعِ: لَمْ تَصِحَ دَعْوَةُ البَائِعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ اتِّصَالُ العُلُوقِ بِمِلْكِهِ تَيَقَّنَا وَهُوَ الشَّاهِدُ وَالحُجَّةُ إِلَّا إِذَا صَدَّقَهُ المُشْتَرِي) فَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَيُحْمَلُ عَلَى الاسْتِيلَادِ بِالنِّكَاحِ، وَلَا يَبْطُلُ البَيْعُ، لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ العُلُوقَ
والتدبير؛ لأن إعتاقه وتدبيره لا يخفى عليه، وبخلاف دعوة الحد؛ لأن العلوق ما حصل في ملكه، وله حق التملك على ولده، وقد زال ذلك بالبيع.
قوله: (مع دعوة البائع أو بعده) قيد به؛ لأنه لو ادعاه المشتري أولا يثبت النسب منه، ولا يثبت نسب البائع بعد ذلك؛ لاستغناء الولد عن النسب.
قوله: (وهذه دعوة استيلاد) أي: دعوة البائع دعوة استيلاد، ودعوة المشتري دعوة تحرير؛ إذ أصل العلوق لم يكن في ملكه، ودعوة الاستيلاد أولى؛ لاستنادها إلى وقت العلوق، واقتصار دعوة التحرير على الحال، فدعوة البائع سابقة معنى، فكانت أولى، ودعوة الاستيلاد لا تفتقر إلى حقيقة الملك، ودعوة التحرير تفتقر، وفي الحقيقة هذا جواب عن قول إبراهيم النخعي حيث قال فيها: يثبت النسب من المشتري؛ لأن له حقيقة الملك فيها وفي ولدها، وللبائع حق، والحق لا يعارض الحقيقة، كما لو جاءت جارية بولد فادعاه مولاه وأبو المولى؛ فالمولى أولى؛ لأن له حقيقة الملك، ولأبيه حق التمليك.
فقلنا: هذه دعوة استيلاد إلى آخره، بخلاف دعوة المولى مع أبيه، فإن شرط صحة دعوة الأب تملك الجارية من وقت العلوق؛ إذ ليس له في مال ولده حق ملك ولا حقيقته؛ بل له حق التملك، واقتران دعوة الابن بدعوة الأب يمنع تحصيل هذا الشرط؛ فلهذا أثبتناه من المولى دون أبيه. كذا في المبسوط (^١)، وجامع قاضي خان.
قوله: (ويحمل على الاستيلاد بالنكاح) حملا لأمره على الصلاح، وقول المشتري على الصدق كذا ذكره قاضي خان.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٠٢).
[ ٦ / ٨٦١ ]
لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ، فَلَا يُثْبِتُ حَقِيقَةَ العِتْقِ وَلَا حَقَّهُ، وَهَذِهِ دَعْوَةُ تَحْرِيرِ وَغَيْرُ المَالِكِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
(وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ البَيْعِ، وَلِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ: لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَةُ البَائِعِ فِيهِ، إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ المُشْتَرِي) لِأَنَّهُ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ العُلُوقُ فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ تُوجَدْ الحُجَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ، وَإِذَا صَدَّقَهُ، يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَيَبْطُلُ البَيْعُ، وَالوَلَدُ حُرٌّ وَالأُمُّ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ كَمَا فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى لِتَصَادُقِهِمَا وَاحْتِمَالِ العُلُوقِ فِي المِلْكِ فَإِنْ مَاتَ الوَلَدُ، فَادَّعَاهُ البَائِعُ، وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ: لَمْ يَثْبُتْ الاسْتِيلَادُ فِي الأُمِّ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْوَلَدِ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إِلَى ذَلِكَ فَلَا يَتْبَعُهُ اسْتِيلَادُ الأُمّ (وَإِنْ مَاتَتْ الأُمُّ فَادَّعَاهُ البَائِعُ، وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ
قوله: (فلا تثبت حقيقة (العتق) أي: في الولد ولا حقه) أي: حق العتق، وهو أمومية الولد في أمه، كما لو ادعاه أجنبي آخر؛ لأن بتصادقهما أن الولد من البائع لا يثبت كون العلوق في ملكه؛ لأن البائع يدعي ذلك، وكيف يدعي والولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين؟ فكان حادثا بعد زوال ملك البائع، وإذا لم يثبت العلوق في ملك البائع، فكان دعوة البائع هنا دعوة تحرير (وغير المالك ليس بأهله) أي: بأهل التحرير، فلا يصح دعوى التحرير منه، فلم يعتق الولد، ولا تصير أمه أم ولد.
قوله: (ويبطل البيع) ٩ لأنهما تصادقا على النسب، واحتمل أن يكون العلوق في ملك البائع، فيثبت النسب ويبطل البيع.
قوله: (لأنها) أي: الأم (تابعة للولد) في ثبوت أموميتها؛ لأنها تستفيد الحرية من الولد، قال ﵇: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» (^١) فكان الاستيلاد فرع النسب.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٤١) رقم (٢٥١٦)، والحاكم (٢/¬٢٣) رقم (٢١٩١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٤٦) من حديث ابن عباس ﵄. قال البيهقي: أبو بكر بن أبي سبرة ضعيف لا يحتج به، إلا أنه قد روى عن غيره عن حسين بهذا اللفظ، وقال ابن حجر: في إسناده حسين بن عبد الله، وهو ضعيف جدًا. التلخيص الحبير (٤/ ٤٠١).
[ ٦ / ٨٦٢ ]
سِتَّةُ أَشْهُرٍ: يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي الوَلَدِ وَأَخَذَهُ البَائِعُ)؛ لِأَنَّ الوَلَدَ هُوَ الْأَصْلُ فِي النَّسَبِ، فَلَا يَضُرُّهُ فَوَاتُ التَّبَعِ، وَإِنَّمَا كَانَ الوَلَدُ أَصْلًا، لِأَنَّهَا تُضَافُ إِلَيْهِ يُقَالُ أُمُّ الوَلَدِ، وَتَسْتَفِيدُ الحُرِّيَّةَ مِنْ جِهَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَالثَّابِتُ لَهَا حَقُّ الحُرِّيَّةِ وَلَهُ حَقِيقَتُهَا، وَالأَدْنَى يَتْبَعُ الأَعْلَى (وَيَرُدُّ الثَّمَنَ كُلَّهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَرُدُّ حِصَّةَ الوَلَدِ وَلَا يَرُدُّ حِصَّةَ الْأُمِّ) (*) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ، وَمَالِيَّتُهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَهُ فِي العَقْدِ وَالغَصْبِ فَلَا يَضْمَنُهَا المُشْتَرِي، وَعِنْدَهُمَا: مُتَقَوِّمَةٌ فَيَضْمَنُهَا.
وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَإِذَا حَمَلَتْ الجَارِيَةُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا فَوَلَدَتْ فِي يَدِ المُشْتَرِي، فَادَّعَى البَائِعُ الوَلَدَ وَقَدْ أَعْتَقَ المُشْتَرِي الأُمَّ فَهُوَ ابْنُهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِحِيَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَلَوْ كَانَ المُشْتَرِي إِنَّمَا أَعْتَقَ الوَلَدَ فَدَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ.
وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ الأَصْلَ فِي هَذَا البَابِ الوَلَدُ، وَالأُمُّ، تَابِعَةٌ لَهُ عَلَى مَا مَرَّ. وَفِي الفَصْلِ الأَوَّلِ: قَامَ المَانِعُ مِنْ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِيلَادِ.
قوله: (إذ هو الأصل) أي: الولد أصل (في النسب) والاستيلاد فرع النسب كما ذكرناه (فلا يضره) أي: النسب أو الولد (فوات التبع) وهو الأم أو أمومية الولد.
قوله: (فهو ابنه) أي: ابن البائع، فيقسم الثمن على قيمة الولد وقيمة أمها، فما أصاب الأم يلزم المشتري، وما أصاب الولد سقط عنه، ولا تصير الجارية أم ولد للبائع؛ لأنه ثبت فيها للمشتري ما لا يحتمل الإبطال، وهو الولاء، وكذا الحكم فيما إذا دبرها أو استولدها. ذكره التمرتاشي.
قوله: (فدعواه) أي: دعوى البائع (باطلة) أي: إذا لم يصدقه المشتري.
(أن الأصل في هذا الباب) أي: في باب ثبوت حق العتق للأم بطريق الاستيلاد (الولد).
وقوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله: (لأنها يضاف إليها).
(ففي الوجه الأول) وهو ما إذا أعتق المشتري الأم، والبائع ادعى الولد، وفي بعض النسخ: (ففي الفصل الأول).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٨٦٣ ]
وَهُوَ العِتْقُ فِي التَّبَعِ وَهُوَ الأُمُّ، فَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ فِي الأَصْلِ وَهُوَ الوَلَدُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ. كَمَا فِي وَلَدِ المَغْرُورِ، فَإِنَّهُ حُرٌّ وَأُمُّهُ أَمَةٌ لِمَوْلَاهَا، وَكَمَا فِي المُسْتَوْلَدَةِ بِالنِّكَاحِ. وَفِي الفَصْلِ الثَّانِي: قَامَ المَانِعُ بِالأَصْلِ وَهُوَ الوَلَدُ، فَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ فِيهِ وَفِي التَّبَعِ، وَإِنَّمَا كَانَ الإِعْتَاقُ مَانِعًا، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ كَحَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ وَحَقٌّ الاسْتِيلَادِ فَاسْتَوَيَا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، ثُمَّ الثَّابِتُ مِنْ المُشْتَرِي حَقِيقَةُ الإِعْتَاقِ، وَالثَّابِتُ
قوله: (وهو) أي: المانع (العتق) وقوله: (من الدعوة) (^١) في في قوله: (قام المانع من الدعوة) (^٢) صلة للمانع؛ أي: العتق الذي هو مانع من الدعوة والاستيلاد إنما قام في البيع، وهو الأم في الوجه الأول، فلم يؤثر منعه في الأصل.
قوله: (وليس من ضروراته إلى آخره، جواب سؤال وهو أن يقال: ينبغي أن يثبت الاستيلاد في الأم؛ إذ بثبوت نسب الولد يثبت الاستيلاد في الأم، فقال: (ليس من ضروراته كما في الولد المغرور فإنه حر) الأصل، ثابت النسب من المستولد وأمه لا تكون أم ولد؛ بل تكون رقيقة حتى تُباع في السوق، فإذا لم يكن كونها أم ولد للمدعي من ضرورات ثبوت النسب لا تصير أم ولد، سواء ادعاه قبل عتق المشتري أو بعده.
(وفي الفصل الثاني) وهو فيما إذا أعتق المشتري الولد ثم ادعاه البائع.
(فيتمنع ثبوته) أي: ثبوت ما ذكرنا من الدعوة والاستيلاد (فيه) أي: في الأصل (وفي التبع وهو الأم وإنما كان الإعتاق) أي: إعتاق المشتري الولد (مانعًا) لدعوة البائع (لأنه) أي: الإعتاق (لَا يحتمل النقض، كحق استلحاق النسب) أي: من البائع في حق الولد وحق الاستيلاد) أي: حق استيلاد البائع في حق الأم (فاستويا) أي: استوى إعتاق المشتري وحق استلحاق البائع (من هذا الوجه) أي: من حيث إنهما لا يحتملان النقض، لكن ترجح إعتاق المشتري بوجه آخر، وهو أن الذي من المشتري حقيقة الإعتاق، وما وجد من البائع حق استلحاق النسب، والحقيقة أقوى من الحق؛ فلذلك لم نقل بصحة دعوة البائع فيما إذا أعتق المشتري الولد.
وذكر قاضي خان: إنما لا تصح دعوة البائع بعد إعتاق
_________________
(١) و(^٢) انظر المتن ص ٨٦٣.
[ ٦ / ٨٦٤ ]
فِي الأُمِّ حَقُّ الحُرِّيَّةِ، وَفِي الوَلَدِ لِلْبَائِعِ حَقُّ الدَّعْوَةِ، وَالحَقُّ لَا يُعَارِضُ الحَقِيقَةَ، وَالتَّدْبِيرُ بِمَنْزِلَةِ الإِعْتَاقِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَقَدْ ثَبَتَ بِهِ بَعْضُ آثَارِ الحُرِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ: يُرَدُّ عَلَيْهِ بِحِيَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، قَوْلُهُمَا، وَعِنْدَهُ: يُرَدُّ بِكُلِّ الثَّمَنِ، هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي فَصْلِ الْمَوْتِ.
المشتري؛ لأن المشتري استحق الولاء عليه بالإعتاق، وهو بمنزلة النسب، فلا يمكن إبطاله، ولو ثبت نسبه من المشتري لا تصح دعوة البائع فكذا هذا.
وقال: هذا كله فيما إذا علم أن العلوق كان في ملك البائع، وإن كان مشكلا، بأن جاءت لستة أشهر فصاعدًا، أو لأقل من سنتين من وقت البيع، فلا تصح دعوته إلا بتصديق المشتري.
(وقوله: في الفصل الأول) وهو ما إذا ادعى البائع الولد، وقد أعتق المشتري الأم.
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عما ذكر شمس الأئمة وقاضي خان والمحبوبي بأن البائع يرد ما يخص الولد من الثمن لا كل الثمن؛ لأن أم الولد لا قيمة لها عنده، وهذا قول يخالف الرواية؛ لما ذكرنا أن البيع لم يبطل في حق الجارية.
وفي المبسوط (^١): يرد في الموت كل الثمن عند أبي حنيفة، وفي الإعتاق حصة الولد فقط، وفرق أبو حنيفة بين الموت والعتق.
ووجهه: أن القاضي كذب البائع فيما زعم في الإعتاق، حيث جعلها معتقة للمشتري أو مدبرة أو أم ولد له، فلم يبق لزعم البائع أنها أم ولده عبرة، ولم يوجد التكذيب في فصل الموت؛ إذْ بموتها لم يَجْرِ الحكم، بخلاف ما لو زعم فبقي زعمه معتبرًا، فيؤاخذ بزعمه، فيرد حصتها أيضًا.
فإن قيل: ينبغي ألا يكون للولد حصة من الثمن؛ لأنه حادث بعد قبض المشتري، ولا حصة الحادث منه.
وقلنا: الولد حَدَثَ صورةً بعد القبض، ومعنى حَدَثَ قبلَهُ؛ لثبوت علوقه في
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٠٣).
[ ٦ / ٨٦٥ ]
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا، وُلِدَ عِنْدَهُ وَبَاعَهُ المُشْتَرِي مِنْ آخَرَ، ثُمَّ ادَّعَاهُ البَائِعُ الأَوَّلُ، فَهُوَ ابْنُهُ وَيَبْطُلُ البَيْعُ) لِأَنَّ البَيْعَ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَمَا لَهُ مِنْ حَقِّ الدَّعْوَةِ لَا يَحْتَمِلُهُ، فَيُنْقَضُ البَيْعُ لِأَجْلِهِ، وَكَذَا إِذَا كَاتَبَ الوَلَدَ أَوْ رَهَنَهُ، أَوْ أَجَّرَهُ، أَوْ كَاتَبَ الأُمَّ أَوْ رَهَنَهَا، أَوْ زَوَّجَهَا، ثُمَّ كَانَتْ الدَّعْوَةُ، لِأَنَّ هَذِهِ العَوَارِضَ تَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَيُنْقَضُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَتَصِحُ الدَّعْوَةُ، بِخِلَافِ الإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ عَلَى مَا مَرَّ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا ادَّعَاهُ المُشْتَرِي أَوَّلًا ثُمَّ ادَّعَاهُ البَائِعُ، حَيْثُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ البَائِعِ، لِأَنَّ النَّسَبَ الثَّابِتَ مِنْ المُشْتَرِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَصَارَ كَإِعْتَاقِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنهُ) لِأَنَّهُمَا مِنْ مَاءِ وَاحِدٍ، فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ نَسَبِ الآخَرِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّوْأَمَيْنِ وَلَدَانِ بَيْنَ
ملك البائع، ولهذا للبائع سبيل من فسخ هذا البيع بالدعوة وإن قبضه المشتري، كما له سبيل من الفسخ قبل القبض قبل الاستهلاك، وإذا كان كذلك كان له حصة من الثمن، كما لو استهلكه قبل القبض، وهاهنا استهلكه بالدعوة.
قوله: (ولد عنده) أي: كان أصل العلوق في ملكه.
وقوله: (لأن البيع يحتمل النقض) وخصص البيع؛ للاحتراز عن الإعتاق والتدبير، فإنهما لا يحتملان النقض.
وقوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله: (لأنه لا يحتمل النقض).
قوله: (نسب أحد التوأمين) يعني: باع أحد التوأمين وادعى نسب الآخر، والتوأم اسم للولد إذا كان معه آخر في بطن واحد.
وفي المغرب (^١): ويقال: هما توأمان، ويقال: هما توأم خطأ، كما لو قال: هما زوج، ويقال للأنثى: توأمة.
وفي مبسوط شمس الأئمة (^٢): إن ذكر التوأم مكان التوأمين صحيح في اللغة، حتى لو قال: غلامان توأم أو توأمان كلاهما صحيح عند أهل اللغة.
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٥٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٠٥).
[ ٦ / ٨٦٦ ]
وِلَادَتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ عُلُوقُ الثَّانِي حَادِثًا، لِأَنَّهُ لَا حَبَلَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ غُلَامَانِ تَوْأَمَانِ وُلِدَا عِنْدَهُ، فَبَاعَ أَحَدَهُمَا وَأَعْتَقَهُ المُشْتَرِي ثُمَّ ادَّعَى البَائِعُ الَّذِي فِي يَدِهِ، فَهُمَا ابْنَاهُ وَبَطَلَ عِتْقُ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُ الوَلَدِ الَّذِي عِنْدَهُ لِمُصَادَفَةِ العُلُوقِ وَالدَّعْوَةِ مِلْكَهُ، إِذْ المَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيهِ ثَبَتَ بِهِ حُرِّيَّةُ الأَصْلِ فِيهِ فَيَثْبُتُ نَسَبُ الآخَرِ، وَحُرِّيَّةُ الأَصْلِ فِيهِ ضَرُورَةٌ لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ عِتْقَ المُشْتَرِي وَشِرَاءَهُ لَاقَى حُرِّيَّةَ الأَصْلِ فَبَطَلَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الوَلَدُ وَاحِدًا، لِأَنَّ هُنَاكَ يَبْطُلُ العِتْقُ فِيهِ مَقْصُودًا لِحَقِّ دَعْوَةِ
قوله: (غلامان توأمان) إلى آخره، وتأويل المسألة: إذا كان علوقهما جميعًا في ملك المدعي؛ لأن دعوة البائع صحت في الذي عنده لمكان الملك والعلوق فيه، وإنما أعاد لفظ الجامع لما فيه زيادة، وهي قوله: ولد عنده، وفيه إشارة إلى ما ذكرنا.
قوله: (لاقى حُرّ (^١) الأصل فبطل) أي: عتق المشتري، وفي بعض النسخ: (عتق المشتري وشراءه لاقى) إلى آخره، فحينئذ يكون الضمير المستكن في (بطل) راجعًا إلى كل واحدٍ منهما؛ لأن تحرير الحر باطل؛ إذ فيه إثبات الثابت.
قوله: (لأن هناك يبطل العتق فيه مقصودًا) يعني لو بطل عتق المشتري في تلك الصورة إنما يبطل العتق الثابت مقصودًا بسبب حق دعوة البائع، وأنه لا يجوز؛ لأن عتق المشتري عتق حقيقي، ومن البائع حق الدعوة، والحق أدنى من الحقيقة فلا يعارضها، فكيف يرفعها! فلذلك لا يبطل عتق المشتري.
أما في مسألتنا لو بطل عتق المشتري إنما يبطل بطريق التبعية لمن هو حر الأصل الذي ثبت مقصودًا من المدعي، وهو دعوة البائع للذي في يده، فتصح، ومن ضرورة ثبوت حرية الأصل فيه ثبوت حرية الأصل للآخر ضمنا وتبعا؛ لأنهما توأمان، فيستغنى عن قيام الولاء، فيبطل إعتاق المشتري ضرورة؛ لأنه تبين أنه لاقي غير محله؛ لما ذكرنا أن حر الأصل لا يعتق. إليه أشار قاضي خان والمرغيناني في فوائده والسرخسي في جامعه.
_________________
(١) كذا بالأصول الخطية، وتقدم في المتن: (حرية).
[ ٦ / ٨٦٧ ]
البَائِعِ، وَهُنَا ثَبَتَ تَبَعًا لِحُرِّيَّتِهِ فِيهِ حُرِّيَّةُ الأَصْلِ فَافْتَرَقَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ العُلُوقِ فِي مِلْكِهِ ثَبَتَ نَسَبُ الوَلَدِ الَّذِي عِنْدَهُ، وَلَا يُنْقَضُ البَيْعُ فِيمَا بَاعَ) لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ لِانْعِدَامِ شَاهِدِ الاتِّصَالِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَالَ: هُوَ ابْنُ عَبْدِي فُلَانٍ الغَائِبِ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي لَمْ يَكُنْ ابْنَهُ أَبَدًا، وَإِنْ جَحَدَ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا جَحَدَ العَبْدُ فَهُوَ ابْنُ المَوْلَى) (*) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، إِذَا
قوله: (لأن هذه دعوة تحرير) لأنه لما لم يكن أصل علوقهما في ملك البائع كانت دعوته دعوة تحرير، وكان قوله: (هذا ابني) مجازا عن قوله: (هذا حر) وإعتاق أحد التوأمين ينفصل عن إعتاق الآخر، فيقتصر هذا العتق على محل ولايته، وصار كأن البائع أعتقهما، فيعتق من في ملكه فحسب، وهذا بخلاف ما لو اشترى أحد التوأمين واشترى أب المشتري الآخر، ثم ادعى أحدهما نسبه، حيث يعتق كلاهما، وهذا دعوة تحرير فينبغي أن يقتصر على محل ولايته؛ لما أن المدعي لأحدهما إما أن كان أب المشتري أو المشترى، فإن كان أب المشتري فالابن ملك أخيه، فيعتق عليه، وإن كان المدعي هو الابن فالأب ملك حافدته، فيعتق عليه. كذا ذكره التمرتاشي.
قوله: (لم يكن ابنه أبدًا) يعني: سواء صدقه العبد الغائب أو كذبه، أو لم يُعرف منه تكذيب ولا تصديق؛ لأن إقراره ثبوت نسبه من الغير يمنع ثبوت النسب منه؛ إذ إقراره حجة في حقه.
وفي جامع المحبوبي: فلو حضر العبد إما أن صدق المولى أو كذبه، أو لم يصدقه ولم يكذبه، ففي الوجه الأول والثالث لم تصح دعوة المولى بعد ذلك بالإجماع؛ لأنه لم يتصل بإقراره تكذيب من جهة المقر له، فبقي إقراره صحيحًا، وفي الوجه الثاني، وهو ما إذا أكذبه ثم ادعى المولى نسبه؛ لم تصح دعوته عنده خلافًا لهما، ولكن يعتق عليه وإن لم يثبت نسبه من المولى. ذكره في المبسوط.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٨٦٨ ]
قَالَ: هُوَ ابْنُ فُلَانٍ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ. لَهُمَا: أَنَّ الإِقْرَارَ ارْتَدَّ بِرَدِّ العَبْدِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ الإِقْرَارُ، وَالإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهِ الإِكْرَاهُ وَالهَزْلُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ المُشْتَرِي عَلَى البَائِعِ بِإِعْتَاقِ المُشْتَرَى فَكَذَّبَهُ البَائِعُ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَعْتَقْتُهُ يَتَحَوَّلُ الوَلَاءُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَدَّقَهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ نَسَبًا ثَابِتًا مِنْ الغَيْرِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يُصَدِّقُهُ وَلَمْ يُكَذِّبُهُ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ المُقَرِّ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَصْدِيقِهِ فَيَصِيرُ كَوَلَدِ المُلَاعَنَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ المُلَاعِنِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ.
قوله: (وإن كان) أي: النسب (لا يحتمل النقض، ألا يرى أنه) أي: الإقرار بالنسب (يعمل فيه الإكراه) حتى لو أكره بالإقرار ببنوة عبده فأقر لا يجوز، وكذا لو أقر به هازلا، وإذا أريد بالرد صار كأنه لم يقر أصلا، أو نفى نسبه ثم ادعاه، وهناك تصح دعوته، كذا هنا؛ وذلك لأن بقوله: (ليس بابني) أنكر أن يكون للابن عليه حقوق مالية، وبقوله: (هو ابني) بعد ذلك أقر على نفسه بالحقوق المالية والإقرار بالحقوق المالية بعد إنكاره صحيح. ذكره في الذخيرة وجامع المحبوبي.
(ثم قال) أي: المشتري (أنا أعتقته يتحول الولاء إليه) أي: إلى المشتري، فصار كأنه لم يقر أصلا.
قوله: (والإقرار بمثله) أي: بمثل ما لا يحتمل النقض لا يبطل بالرد بعد ثبوته بالتكذيب، كمن أقر بحرية عبد إنسان، وكذبه المولى لا يبطل إقراره، حتى لو اشتراه بعد ذلك يعتق عليه، ولا خلاف فيه لأحدٍ، وكذا في دعوة النسب لم يبطل قوله في حقه.
وفي المبسوط (^١): أقر بشيئين: أحدهما: ثبوت النسب من الغير، والآخر: خروجه عن دعوى هذا النسب أصلا، وبتكذيب المقر له يبطل ما هو حقه، ولا يبطل ما لا حق له فيه، وهذا معنى قوله: (وهذا؛ لأنه تعلق به حق المقر له) إلى آخره.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١١٢).
[ ٦ / ٨٦٩ ]
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ النَّسَبَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَالإِقْرَارُ بِمِثْلِهِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَبَقِيَ فَتَمْتَنِعُ دَعْوَتُهُ، كَمَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِنَسَبِ صَغِيرٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ المُقَرِّ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَصْدِيقِهِ، حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ بَعْدَ التَّكْذِيبِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنهُ، وَكَذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الوَلَدِ فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ المُقَرِّ لَهُ. وَمَسْأَلَةُ الوَلَاءِ عَلَى هَذَا الخِلَافِ، وَلَوْ سَلِمَ فَالوَلَاءُ قَدْ يَبْطُلُ بِاعْتِرَاضِ الْأَقْوَى كَجَرِّ الوَلَاءِ مِنْ جَانِبِ الأُمِّ إِلَى قَوْمِ الأَبِ.
وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى الوَلَاءِ المَوْقُوفِ مَا هُوَ أَقْوَى، وَهُوَ دَعْوَى المُشْتَرِي فَيَبْطُلُ بِهِ، بِخِلَافِ النَّسَبِ عَلَى مَا مَرَّ.
وَهَذَا يَصْلُحُ مَخْرَجًا عَلَى أَصْلِهِ فِيمَنْ يَبِيعُ الوَلَدَ وَيَخَافُ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقْطَعُ دَعْوَاهُ إِقْرَارُهُ بِالنَّسَبِ لِغَيْرِهِ.
قوله: (ردت شهادته لتهمة) كالفسق والقرابة (ثم ادعاه) أي: الشاهد (لنفسه) لم تصح دعوته.
قوله: (كَجَرِّ الولاء من جانب الأم) صورته معتقة تزوجت بعبد، وولدت منه أولادًا، فجنى الأولاد كان عقل جنايتهم على موالي الأم؛ لأن الأب ليس من أهل الولاء، فكان ملحقا بقوم الأم، فإذا أعتق العبد جر ولاء الأولاد إلى نفسه. هكذا روي عن عمر، ذكره قاضي خان.
(وقد اعترض على الولاء الموقوف) وهو الولاء من جانب البائع، وسماه موقوفا؛ لأنه على عرضية التصديق بعد التكذيب (ما هو أقوى، وهو دعوى المشتري) ودعواه أقوى؛ لقيام ملكه في الحال، فكان دعواه الولاء إلى نفسه بسبب الإعتاق مصادفًا محله لوجود شرطه، وهو قيام الملك (بخلاف النسب على ما مر) وهو قوله: (إن النسب لا يحتمل النقض) ولأن المعتقة إذا ارتدت ولحقت، ثم سبيت وأعتقت فولاؤها لمن أعتقها ثانيًا، وبطل ولاء الأول، والنسب إذا ثبت حقيقة لا يحتمل الانتقاض.
قوله: (وهذا) أي: ما قاله (يصلح مخرجًا) أي: حيلة (على أصل أبي حنيفة فيمن يبيع الولد).
[ ٦ / ٨٧٠ ]
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِي، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: هُوَ ابْنِي، وَقَالَ المُسْلِمُ: هُوَ عَبْدِي، فَهُوَ ابْنُ النَّصْرَانِي، وَهُوَ حُرٌّ) لِأَنَّ الإِسْلَامَ مُرَبِّحٌ فَيَسْتَدْعِي تَعَارُضًا، وَلَا تَعَارُضَ، لِأَنَّ نَظَرَ الصَّبِيِّ فِي هَذَا أَوْفَرُ، لِأَنَّهُ يَنَالُ شَرَفَ الحُرِّيَّةِ حَالًا وَشَرَفَ الإِسْلَامِ مَالًا، إِذْ دَلَائِلُ الوَحْدَانِيَّةِ ظَاهِرَةٌ، وَفِي عَكْسِهِ الحُكْمُ بِالإِسْلَامِ تَبَعًا وَحِرْمَانُهُ عَنْ الحُرِّيَّةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ اكْتِسَابُهَا (وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَتُهُمَا دَعْوَةَ البُنُوَّةِ فَالمُسْلِمُ أَوْلَى) تَرْجِيحًا لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ أَوْفَرُ النَّظَرَيْنِ.
تفسيره: رجل في يده صبي ولد على ملكه ويبيعه، ولا يأمن المشتري أن يدعيه فينقض البيع، فحيلة الأمن من انتقاض البيع أن يقر البائع أنه ابن عبده الغائب، فإن بعد هذا الإقرار لا تصح دعوته عنده فيأمن المشتري من انتقاض البيع.
وفي الفوائد الظهيرية: الحيلة في هذه المسألة على قول الكل أن يقر البائع أن هذا ابن عبده الميت حتى لا يتأتى فيه تكذيب، فيكون مخرجًا على قول الكل.
قوله: (هو ابن النصراني) يعني: إذا ادعيا معًا، وبه صرح في الفوائد الظهيرية، وفيه: إلا أنَّ دعوة المسلم لو سبقت يكون عبدًا للمسلم.
(لأن الإسلام مرجح) بكسر الجيم على صيغة الفاعل (فيستدعي تعارضًا، ولا تعارض) يعني الإسلام إنما يكون مرجحًا عند وجود المعارضة، ولا معارضة هاهنا؛ لأن المعارضة إنما تكون عند وجود المساواة، ولا مساواة بين الرّقيَّة والحرية فيما يرجع إلى منفعة الصبي؛ لأن منفعة الحرية له أكثر (لأنه ينال شرف الحرية حالا، وشرف الإسلام مالا) لأنه يمكنه اكتساب الإسلام بنفسه؛ لوضوح دلائل الوحدانية، وسطوع براهين الألوهية.
فَفِي كُلِّ شيء له آية … تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ واحد
وفي عكسه الحكم بالإسلام تبعًا إما لأبيه أو لمولاه؛ لأنه ليس في وسعه اكتساب الحرية بنفسه، وقد مرت المسألة بتفاصيلها في اللقيط.
قوله: (ترجيحا للإسلام)، فإن قيل: يشكل هذا بما لو ادعى غلام نصراني قد احتلم على رجل نصراني وامرأة نصرانية أنه ابنهما، وادعاه مسلم ومسلمة أنه
[ ٦ / ٨٧١ ]
قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا أَنَّهُ ابْنُهَا: لَمْ تَجُزْ دَعْوَاهَا حَتَّى تَشْهَدَ امْرَأَةٌ عَلَى الوِلَادَةِ) وَمَعْنَى المَسْأَلَةِ: أَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجِ، لِأَنَّهَا تَدَّعِي تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ، فَلَا تُصَدَّقُ إِلَّا بِحُجَّةٍ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ يُحَمِّلُ نَفْسَهُ النَّسَبَ، ثُمَّ شَهَادَةُ القَابِلَةِ كَافِيَةٌ فِيهَا، لِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى تَعْيِينِ الوَلَدِ.
ابنهما، وأقام كل واحدٍ بينة؛ فبينة الغلام أولى، ولم تترجح بينة المسلمين بإسلامهما بعد وجود المساواة بين الدعوتين في دعوى النسب. ذكر المسألة المحبوبي في جامعه.
قلنا: ترجحت بينة الغلام لأنه أشبه بالمدعيين، وقال ﵇: «البَينَةُ عَلى المدّعِي» (^١)، فمن كان به أشبه أولى (^٢) كانت بينته أولى؛ وذلك لأن معظم المنفعة في النسب للوالدين؛ لأن الولد يُعيَّر إذا لم يكن له أب معروف، والوالد لا يعير إذا لم يكن له ولد فكان بينته تثبت الحق لنفسه، فصار أشبه بالمدعيين. كذا ذكره في الذخيرة.
وفي الإيضاح: بينة الغلام أولى؛ لأنه صاحب يد، فصار كما لو ادعيا عينًا بالشراء من واحد، وأقاما بينة، وأحدهما صاحب اليد فهو أولى، كذا هنا.
قوله: (ومعنى المسألة) إلى آخره، قيد به؛ لأنه إذا لم يكن لها زوج؛ فالقول لها من غير بينة كما في الرجل، فعلى ما ذكر في الكتاب بعد هذا، ومن المشايخ من أجرى المسألة على إطلاقها ورد قولها وإن لم تكن ذات زوج؛ عملًا بإطلاق ما ذكر محمد، وفرق بين الرجل والمرأة، حيث يجوز دعوى الرجل النسب بلا بينة، ولا يجوز من المرأة.
ووجه فرقه: أن الأصل أن كل من ادعى معنى لا يمكنه إثباته بالبينة - كان
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣/¬١٩ رقم ١٣٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٢٣ رقم ١٦٨٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال في خطبته: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه». قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، ومحمد بن عبيد الله العرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه ضعفه ابن المبارك، وغيره.
(٢) كذا في الأصول الخطية.
[ ٦ / ٨٧٢ ]
أما النسب فيثبت بالفراش القائم، وقد صح «أن النبي ﵊ قبل شهادة القابلة على الولادة» (ولو كانت معتدة فلا بد من حجة تامة) عند أبي حنيفة وقد مر في الطلاق، وإن لم تكن منكوحة ولا معتدة قالوا: يثبت النسب منها بقولها، لأن فيه إلزاما على نفسها دون غيرها.
(وإن كان لها زوج، وزعمت أنه ابنهما منه، وصدقها: فهو ابنهما وإن لم تشهد امرأة) لأنه التزم نسبه فأغنى ذلك عن الحجة.
(وإن كان الصبي في أيديهما، وزعم الزوج أنه ابنه من غيرها، وزعمت أنه ابنها من غيره، فهو ابنهما) لأن الظاهر أن الولد منهما لقيام أيديهما، أو لقيام الفراش بينهما، ثم كل واحد منهما يريد إبطال حق صاحبه فلا يصدق عليه، وهو نظير ثوب في يد رجلين يقول كل واحد منهما: هو بيني وبين رجل آخر غير صاحبه، يكون الثوب بينهما، إلا أن هناك يدخل المقر له في نصيب المقر، لأن المحل يحتمل الشركة، وهاهنا لا يدخل لأن النسب لا يحتملها.
القول له فيه، وكل من يدعي معنى يمكن إثباته بالبينة لا يقبل قوله إلا بالبينة.
وبيان هذا: أن من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فادعت الدخول وكذبها الزوج لا يصدق إلا ببينة؛ لإمكان إثباته بالبينة، وبمثله لو علق طلاقها بحيضها فقال: حضت؛ يقبل قولها بلا بينة؛ للعجز عن الإثبات بالبينة، وفي مسألتنا يمكن لها إثبات النسب بالبينة؛ لأن انفصال الولد منها مما يشاهد ويعاين، ولا كذلك الرجل؛ لأنه لا يمكنه إقامة البينة على الإعلاق والإحبال؛ لمكان الخفاء والتغيب عن عيون الناظرين، فيصدق بلا شهادة قابلة، ولأن دعوى الرجل إقرار على نفسه بوجوب النفقة والحفظ والتربية، أما دعوى المرأة فإقرار على الزوج؛ إذ لا يلزمها شيء من ذلك، والدعوى لا تقبل إلا بحجة. كذا ذكره المرغيناني وقاضي خان.
قوله: (ولو كان الصبي في أيديهما) إلى أن قال: (فهو ابنهما) هذا إذا كان الصبي لا يعبر عن نفسه، فإن كان يعبر؛ فالقول له أيهما صدق ثبت نسبه بتصديقه، وعند الأئمة الثلاثة لا يعتبر تصديقه.
[ ٦ / ٨٧٣ ]
قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ وَلَدًا عِنْدَهُ، فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ، غَرِمَ الأَبُ قِيمَةَ الوَلَدِ يَوْمَ يُخَاصِمُ) لِأَنَّهُ وَلَدُ المَغْرُورِ، فَإِنَّ المَغْرُورَ مَنْ يَطَأُ امْرَأَةٌ مُعْتَمِدًا عَلَى مِلْكِ يَمِينِ، أَوْ نِكَاحٍ فَتَلِدُ مِنهُ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ، وَوَلَدُ المَغْرُورِ حُرٌّ بِالقِيمَةِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلِأَنَّ النَّظَرَ مِنْ الجَانِبَيْنِ وَاجِبٌ فَيُجْعَلُ الوَلَدُ حُرَّ الأَصْلِ فِي حَقِّ
قال التمرتاشي: التناقض لا يمنع صحة دعوى النسب، حتى لو قال رجل: هو ابني منك من زنا وقالت: من نكاح، ثم قال الرجل: من نكاح، وقالت: ابنك مني من زنا؛ لم يثبت النسب منهما؛ لعدم اتفاقهما في النكاح، فلو قالت بعد ذلك: ابني منك من نكاح - يثبت؛ لما قلنا.
وفي الإيضاح: دعوى النسب لا تبطل بالتناقض؛ لأن التناقض بين المتساويين، ولا مساواة، فإن دعوى النسب أقوى من النفي، وفيه: لو تصادقا على أن الولد من الزنا من فلان يثبت النسب من الزوج؛ لأن سبب ثبوته قائم، وهو الفراش، وهو حق الصبي، فلا يقبل تصادقهما على إبطال النسب، وكذا لو كانت المنكوحة أمةً، أو كان النكاح فاسدًا؛ لأن الفراش قد وجد.
قوله: (معتمدًا على ملك يمين) بأي سبب كان، مثل الشراء والهبة والصدقة والوصية (أو نكاح) يعني تزوج امرأة على أنها حرة ثم ظهرت البينة أنها أمة؛ فالولد في هذه المسائل حر بالقيمة، روي ذلك عن عمر في النكاح، وعن علي في الشراء، وذا بمحضر من الصحابة، فحل محل الإجماع.
قوله: (ولأن النظر من الجانبين واجب) إذ المغرور بنى الأمر على سبب صحيح في الشرع، فاستوجب النظر، والأمة ملك المستحق، والولد يتفرع من ملكه، فاستوجب النظر أيضًا، فوجب الجمع بين حقيهما بقدر الإمكان، وذا بأن يحيي حق المستحق في معنى المملوك، وحق المغرور في صورته، فيجعل حر الأصل في حقه، وعبدًا في حق المستحق؛ ولهذا قال محمد: لو تزوج عبد امرأة غره رجل أنها حرة فولدت، ثم ظهرت أنها أمة؛ فالولد حر بالقيمة عنده؛ لأن الصحابة حكموا بذلك، فلا فصل بين أب وأب.
وقال أبو حنيفة: متولد من رقيقين فكيف يكون حرًا! والمنقول عنهم في حق الأب الحر.
[ ٦ / ٨٧٤ ]
أَبِيهِ رَقِيقًا فِي حَقِّ مُدَّعِيهِ نَظَرًا لَهُمَا، ثُمَّ الوَلَدُ حَاصِلٌ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ إِلَّا بِالمَنْعِ، كَمَا فِي وَلَدِ المَغْصُوبَةِ، فَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الوَلَدِ يَوْمَ الخُصُومَةِ، لِأَنَّهُ يَوْمُ المَنْعِ (وَلَوْ مَاتَ الوَلَدُ لَا شَيْءَ عَلَى الأَبِ) لِانْعِدَامِ المَنْعِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ مَالًا، لِأَنَّ الإِرْثَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْهُ، وَالمَالُ لِأَبِيهِ، لِأَنَّهُ حُرُّ الأَصْلِ فِي حَقِّهِ فَيَرِثُهُ (وَلَوْ قَتَلَهُ الأَبُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ) لِوُجُودِ المَنْعِ (وَكَذَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ فَأَخَذَ دِيَتَهُ)، لِأَنَّ سَلَامَةَ بَدَلِهِ
(لأنه) أي: يوم الخصومة (يوم المنع).
وفي شرح الطحاوي: تعتبر قيمته يوم القضاء بالقيمة؛ لأنه انغلق في حق المستحق رقيقا، فلا يتحول حقه في العين إلى البدل إلا بالقضاء، فتعتبر قيمته يوم القضاء.
(ولو مات الولد) أي: مات قبل الخصومة (لا شيء على الأب) لأن الولد لو كان مملوكًا حقيقةً، كما في ولد الغصب، لم يكن مضمونًا قبل الطلب عندنا، فكذا إذا كان مملوكًا بجهة.
قوله: (وكذا لو ترك مالا) أي: مات ولد المغرور، وترك مالا ميرانا لأبيه - لا يضمن الأب شيئًا من قيمته؛ وهذا لدفع شبهة، وهي أن يقال: لما أخذ ديته قامت الدية مقام الولد في المنع، فينبغي أن يجعل منع تركته كمنع ديته، فقال في جوابه: (الإرث ليس ببدل عنه) أي: عن الولد بخلاف الدية، فلم يصر الولد سالمًا بسلامة الإرث، فلم يغرم شيئًا، والمال لأبيه؛ لأن الولد حر الأصل في حقه، فما ترك يكون ميرانا لأبيه.
فإن قيل: ينبغي أن يكون الإرث مشتركًا؛ لأنه رقيق في حق المستحق، وإن
كان حر الأصل في حق المستولد [فيكون مشتركًا نظرًا للجانبين.
قلنا: هو حر الأصل في حق المستحق] (^١) أيضًا، وإنما قدرنا الرق في حقه الضرورة القضاء بالقيمة، والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، ولأن الولد لو كان حيا فهو أحق بماله؛ لعدم استحقاق المستحق في ماله بالشك، فكذا بعد وفاة الولد هو أحق به، فيخلفه وارثه.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٨٧٥ ]
لَهُ كَسَلَامَتِهِ، وَمَنْعَ بَدَلِهِ كَمَنْعِهِ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ كَمَا إِذَا كَانَ حَيًّا (وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الوَلَدِ عَلَى بَائِعِهِ) لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ سَلَامَتَهُ كَمَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ، بِخِلَافِ العُقْرِ، لِأَنَّهُ لَزِمَهُ لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهَا فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى البَائِعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وكذا لو قتله غيره) أي: غير الأب (وأخذ) الأب (ديته).
وفي المبسوط: لو قضى له بديته ولم يقبضها لم يوجد بالقيمة؛ لأن المنع لا يتحقق فيما لم يصل إلى يده من البدل، ولو كان للولد ولد تحرر ديته وميراثه مع الأب، فخرج للأب من الدية مثل القيمة أو دونها قضى على الأب بمثل ذلك؛ لتحقق المنع في البدل ولا يقضى في التركة ولا في الدية؛ لأن هذا الضمان مستحق على الأب [لمنعه الولد بالحرية، وإنما يقضى في تركة الابن ما يكون على الابن، فإن كان الأب] (^١) ميتًا قضى [له] (^٢) في تركة الأب؛ لأنه دين عليه فيستوفي من تركته (^٣).
قوله: (ويرجع) أي: المشتري المغرور على بائعه (بقيمة الولد؛ لأنه) أي: بائعه (ضمن له) أي: للمشتري (سلامته) أي: سلامة المبيع عن العيب، ولا عيب فوق الاستحقاق.
قوله: (بخلاف العُقْر) أي: لا يرجع بالعقر الذي أخذ منه المستحق، فإنه يجب عليه العقر بالإجماع لوطئه أمة الغير، وسقط الحد للشبهة، فيجب العقر.
وقال الشافعي: يرجع بالعقر كما يرجع بقيمة الولد وثمن الأمة، وبه قال مالك وأحمد؛ لأنه ضمان لزمه بسبب فوت سلامة مستحقة بالعقد، ولأن المنافع مال عنده، فصار كاستحقاق جزء منه.
وقلنا: العقر عوض عما استوفى من منافع البضع، فلا يستوجب الرجوع على غيره؛ لأنه لو رجع به سلم المستوفى له مجانا، والوطء في ملك الغير لا يجوز أن يسلم للواطئ مجانًا، بخلاف ما ذكر؛ لأن البائع ضمن سلامة المبيع، والأولى للمشتري، فيرجع إذا لم يسلما له.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٧٧).
[ ٦ / ٨٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المبسوط: ولا يرجع على الواهب والمتصدق والموصي بشيء من قيمة الولد عندنا (^١)، وقال الشافعي: يرجع به؛ لأن الغرور قد تحقق منه بإيجابه الملك له في المحل وإخباره أنها مملوكته، سواء كان بعوض أو بغير عوض.
وقلنا: مجرد الغرور لا يكفي لإثبات حق الرجوع، فإن من أخبر آخر بأن هذا الطريق آمن فسلك فيه، فأخذ اللصوص متاعه؛ لم يرجع على المخبر بشيء، وإنما ثبوت حق الرجوع باعتبار عقد المعاوضة؛ لاستحقاق صفة السلامة مستحقة (^٢)؛ ولهذا لا يثبت له فيه حق الرد بالعيب، فلا يرجع المتبرع بقيمة الأولاد، ولأن عقد التبرع لا يكون سببًا لوجوب الضمان على المتبرع؛ ولهذا لو وهب شيئًا لا يجب عليه تسليمه، والملك لا يحصل له قبل التسليم؛ كيلا يلزمه ضمان التسليم.
ولو باعها المشتري من آخر واستولها المشتري الثاني، ثم استحقها رجل، وجعل القاضي الولد حرًا بالقيمة - يرجع المشتري الثاني على البائع الثاني بالثمن وبقيمة الولد، ويرجع المشتري الأول على البائع الأول بالثمن، ولا يرجع بقيمة الولد التي رجع عليه المشتري بها عند أبي حنيفة؛ لأن البائع الأول ضمن للمشتري الأول سلامة أولاده دون سلامة أولاد المشتري الثاني؛ لأن ضمان السلامة إنما يثبت بالبيع، والبيع الثاني يضاف إلى البائع الثاني لا الأول، وعندهما يرجع بقيمة الولد أيضًا؛ لأن المشتري الثاني إنما يرجع على بائعه بقيمة الولد؛ لأنه ضمن له سلامة الولد في ضمن البيع، وهذا المعنى يقتضي رجوعه على البائع الأول؛ لأن البائع الأول ضمن سلامة الولد له، ولم يسلم؛ لما أنه أخذ منه قيمة الولد، والله أعلم.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٧٨).
(٢) ذا في الأصول الخطية: وفي المبسوط: (لأن صفة السلامة تصير مستحقة به).
[ ٦ / ٨٧٧ ]
﷽