قَالَ: (الأَجَرَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ، وَأَجِيرٌ خَاصٌ، فَالْمُشْتَرَكُ: مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الأَجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ، كَالصَّبَّاغِ وَالقَصَّارِ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ هُوَ العَمَلَ، أَوْ أَثَرَهُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِلْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لَمْ تَصِرْ مُسْتَحَقَّةٌ لِوَاحِدٍ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ يُسَمَّى مُشْتَرَكًا.
قوله: (فله الأجر المسمى استحسانًا)، وفي القياس يجب أجر المثل، وهو قول زفر لما مر.
وجه الاستحسان: ارتفعت الجهالة قبل تمام العقد، فإنه لما حمل ما يحمله الناس فقد تعين الحمل وارتفعت الجهالة المؤدية إلى المنازعة، فانقلب إلى الجواز فوجب المسمى.
بَابُ ضَمَانِ الْأَجِيرِ
لما ذكر أنواع الإجارة الصحيحة والفاسدة شرع في بيان ضمان الأجير.
والأجير: فعيل بمعنى مفاعل، من باب: أجر، واسم الفاعل منه: مُؤَجِّر، لا مؤاجر، وقد مر في أول كتاب الإجارات.
قوله: (فالمشترك من لا يستحق الأجرة حتى يعمل)، قيل: هذا تعريف دوري لأنه لو سئل من لا يستحق الأجر حتى يُعلَم من هو، فلا بد من أن يقول: هو الأجير المشترك أجيب أن هذا تعريف بالأجْلَى والأشهر، أو تعريف لما لم يذكر بما قد سبق ذكره قبل فإنه ذكر في باب الأجر متى يستحق بقوله: (أو باستيفاء المعقود عليه).
وقيل في تعريفه: من يعمل لغير واحد؛ كالصبّاغ، والخاص من يعمل لواحد.
[ ٧ / ٣٠١ ]
قَالَ: (وَالمَتَاعُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، إِنْ هَلَكَ: لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَيَضْمَنُهُ عِنْدَهُمَا إِلَّا مِنْ شَيْءٍ غَالِبٍ كَالحَرِيقِ الغَالِبِ وَالعَدُوِّ المُكَابِرِ) (*)
قوله: (إن هلك لم يضمن شيئًا عند أبي حنيفة، وهو قول زفر)، والحسن بن زياد، وهو القياس سواء هلك بأمر يمكن التحرز عنه؛ كالسرقة، والغصب، أو بأمر لا يمكن التحرز عنه، وأحمد وإسحاق، والمزني، والشافعي في قول، وروي عن علي، وهو مذهب إبراهيم.
(ويضمنه عندهما)، أي: عند أبي يوسف ومحمد، وبه قال الشافعي في قول، ومالك، وابن أبي ليلى، وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وقيل: روي عن أبي بكر أيضًا، وهو مذهب عطاء، وطاووس، ومجاهد.
والمسألة مختلفة بين الصحابة، فلهذا اختار المتأخرون الفتوى بالصلح على النصف؛ لأن فيه عمل بأقوال الصحابة بقدر الإمكان.
قيل: في القول بالصلح على النصف قول خارج عن أقوال الصحابة، وترك للعمل بأقوالهم؛ إذ الصحابة اختلفوا على القولين لا غير إما بالضمان، أو عدم الضمان، فكان القول بنصف الضمان خارجًا عن أقوالهم فكان باطلا.
وقيل: فيه عمل بأقوالهم لأنا لما قلنا بالصلح على النصف كان ذلك حقًا للنصف بعد وجوب الكل، وإبقاء لوجوب النصف كما كان فكان عملا بقول من يقول بالضمان.
ثم لما قلنا بعدم وجوب النصف كان عملًا في النصف بقول من قال بعدم الضمان.
وأما إيجاب النصف فكان منه مبرة ابتداءً باعتبار أن المصاب يعان، وأقرب الناس منه إعانة من هلك ماله في يده، فعمل (^١) أن فيه عملا بأقوالهم بقدر الإمكان، وفيه نوع تأمل.
وفي الخلاصة: بعض العلماء أفتوا بقولهما احتشاما لقول عمر، وعلي،
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) كذا في النسخ الخطية، ولعل صوابها: (فعلم).
[ ٧ / ٣٠٢ ]
لَهُمَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٌّ ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يُضَمِّنَانِ الأَجِيرَ المُشْتَرَكَ؛ وَلِأَنَّ الحِفْظُ مُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، إِذْ لَا يُمْكِنُهُ العَمَلُ إِلَّا بِهِ، فَإِذَا هَلَكَ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ كَانَ التَّقْصِيرُ مِنْ جِهَتِهِ فَيَضْمَنُهُ كَالوَدِيعَةِ إِذَا كَانَتْ بِأَجْرٍ، بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالمَوْتِ حَتْفَ أَنْفِهِ وَالحَرِيقِ الغَالِبِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِنْ جِهَتِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ العَيْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ القَبْضَ حَصَلَ
وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وهم من كبار التابعين، وأئمة سمرقند أفتوا بالصلح هل يجبروا على النصف، وكان الإمام المرغيناني يفتي بقول أبي حنيفة، فقيل له: من قال بالصلح هل يجبر لو امتنع؟ قال: لا، وقال: كنت أفتي زمانًا بالصلح فرجعت لهذا.
والقاضي الإمام قاضي خان يفتي بقول أبي حنيفة، ونحن نفتي به.
ثم عندهما إن شاء المالك ضمنه مقصورًا وأعطى الأجرة، وإن شاء غير مقصور ولا أجر له، وكذا لو هلك بفعله فالمالك بالخيار بالاتفاق.
قوله: (كانا)، أي: عمر وعلي (يُضَمِّنان الأجير المشترك) استحسانا حفظًا لأموال الناس.
(ولأن الحفظ مستحق عليه) أي: واجب، فكان عليه العمل السليم إذ لا يمكن التوصل إلى المعقود عليه إلا بالعمل السليم، فلو هلك بجهة يمكن الاحتراز عنها كالغصب والسرقة صار بالتقصير تاركًا ذلك الحفظ المستحق فيضمن؛ كالوديعة إذا كانت بأجر وصار مثل الدق فالمستحق بالعقد دق سليم عن عيب التخرق، فإذا انخرق كان ضامنًا.
(إلا أن لا يمكن التحرز عنه كالموت حتف أنفه، والحريق الغالب وغيرهما)؛ لأن الحفظ عنه غير واجب فلا يضمن لعدم الجناية والتقصير منه.
ولأبي حنيفة أن العين أمانة عنده؛ لأنه قبضها بإذن المالك لإقامة العمل فيه فلا يكون مضمونًا عليه كالمودع وأجير الوحد، وهذا لأن الضمان إنما يجب بالتعدي أو بالعقد، ولم يوجد واحد منهما.
أما التعدي فلأنه قبض بإذن المالك، وأما العقد فلأنه ورد على العمل لا
[ ٧ / ٣٠٣ ]
بِإِذْنِهِ، وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ بِسَبَبٍ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ كَانَ مَضْمُونًا لَضَمِنَهُ كَمَا فِي المَغْصُوبِ، وَالحِفْظُ مُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ تَبَعًا لَا مَقْصُودًا، وَلِهَذَا لَا يُقَابِلُهُ الأَجْرُ، بِخِلَافِ المُودَعِ بِأَجْرٍ؛ لِأَنَّ الحِفْظَ مُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ مَقْصُودًا حَتَّى يُقَابِلَهُ الْأَجْرُ.
قَالَ: (وَمَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ، كَتَخْرِيقِ الثَّوْبِ مِنْ دَقِّهِ، وَزَلَقِ الحَمَّالِ وَانْقِطَاعِ الحَبْلِ الَّذِي يَشُدُّ بِهِ المُكَارِي الحِمْلَ، وَغَرَقِ السَّفِينَةِ مِنْ مَدِّهِ: مَضْمُونٌ عَلَيْهِ).
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالفِعْلِ مُطْلَقًا
على العين فلا تصير العين به مضمونًا إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
(والحفظ مستحق عليه تبعًا لا مقصودًا) أي: غير معقود عليه، لكنه وسيلة إليه، وجعل العين تابعًا قلب الحقيقة فلا يصار إليه إلا عن ضرورة كما في الحبس إذ لا يقدر على حبس أثر فعله إلا بحبس العين، والمسألة مختلفة بين الصحابة فلا يجب تقليد البعض.
وما قالا من النظر في حق صاحب المال فهو ضرر في حق الأجير، وهو أن يلزمه ما لم يلتزم، ونظر الشرع للكل، فمن النظر أن لا يكون مضمونا عليه، ولما تساوي الجانبان لم يجب الضمان بالشك إليه أشار في الأسرار، والمبسوط (^١).
قوله: (وما تلف بعمله)، أي: بعمل الأجير إلى قوله: (مضمونًا عليه)، وكذا ما تلف بسوق المكاري وقوده مضمون عليه، وبه قال مالك، وأحمد، والشافعي في قول، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وعبيد الله بن عتبة، وشريح، والحسن، والحكم، وقال زفر والشافعي في قول: لم يضمن، وقال الربيع: هذا مذهب الشافعي، وروى ذلك عن عطاء وطاووس؛ لأنه مأذون فيه فلا يكون مضمونا عليه كالمعين في الدق، والأجير الوحد.
(وهذا لأنه أمره بالفعل مطلقًا) إلى الآخر، ولا يقيده بالدق المصلح لأنه ليس في وسعه، ولئن كان في وسعه فلا يمكن التحرز عنه إلا بحرج عظيم، وما فيه حرج ملحق بما ليس في الوسع وهو كالفصاد والبزاغ، والحجام،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٠٣).
[ ٧ / ٣٠٤ ]
فَيَنْتَظِمُهُ بِنَوْعَيْهِ المَعِيبِ وَالسَّلِيمِ وَصَارَ كَأَجِيرِ الوَحْدِ وَمُعِينِ القَصَّارِ.
وَلَنَا: أَنَّ الدَّاخِلَ تَحْتَ الإِذْنِ مَا هُوَ الدَّاخِلُ تَحْتَ العَقْدِ، وَهُوَ العَمَلُ المُصْلِحُ؛
والختان فإنه يجب الضمان عليهم إذا سرى إلى النفس لهذا المعنى.
قوله: (وهو العمل المصلح)؛ لأن الإذن إنما ثبت ضمنا للعقد، والعقد انعقد على السليم؛ لأن مطلق المعاوضة يقتضي سلامة المعقود عليه من العيوب كما مر في البيوع، فإذا ثبت أن المعقود عليه السليم ثبت أن المفسد غير معقود عليه فلا يكون مأذونا فيه، كما لو وصف نوعًا من الدق فجاءه بنوع آخر، بخلاف معين القصار لأنه متبرع، وعمل المتبرع لا يتقيد بوصف السلامة، وبخلاف البزاغ والفصاد ونحوهما؛ لأن العقد لم يتناول العمل الصالح؛ لأن نفس ذلك العمل إفساد، وإنما السلامة المطلوبة من العمل أن لا يجاوز القدر المقدور، ومتى جاوز ضمن.
وهنا الملتزم بالعقد الدق المُزيّن المُحَسِّن، ولأنه لا يمكنه الاحتراز عن العمل الساري لأن السراية والاقتصار يتبعان قوة المحل على احتمال الألم وسيلان الدم وضعفه عن ذلك، وليس في وسعه معرفته، والخارج من الوسع لا يستحق بعقد المعاوضة بحال، فأما التحرز عن التخرق ففي وسع القصار، إلا أنه ربما يلحقه الحرج فيه، وهو ساقط العبرة فلا يلزم العبد بالتزامه، وعقده وإنما يعتبر في خطابات الشرع رحمة ونظرًا.
ولا يقال القصار أتى بالدق المُزيّن المُحَسِّن، إنما التخرق حصل بوهن في الثوب فهو نظير البزاغ والفصاد؛ لأنا نقول المعقود عليه العمل الصالح، فإذا حصل التخرق علم أنه غير معقود عليه.
ولما قلنا أن في البزاغ لم يتناول الصالح؛ لأن نفس ذلك العمل إفساد إلى آخر ما ذكرنا.
يؤيد قولنا ما روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أنه كان يضمن الصباغ، وروى الشافعي في مسنده بإسناده عن علي أنه كان يضمن الأجراء،
[ ٧ / ٣٠٥ ]
لِأَنَّهُ هُوَ الوَسِيلَةُ إِلَى الأَثَرِ وَهُوَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ، حَتَّى لَوْ حَصَلَ بِفِعْلِ الغَيْرِ يَجِبُ الأَجْرُ فَلَمْ يَكُنْ المُفْسِدُ مَأذُونَا فِيهِ، بِخِلَافِ المُعِينِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعُ فَلَا يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُصْلِحِ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ التَّبَرُّعِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَعْمَلُ بِالْأَجْرِ فَأَمْكَنَ تَقْيِيدُهُ.
وَبِخِلَافِ أَجِيرِ الوَحْدِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَانْقِطَاعُ الحَبْلِ مِنْ قِلَّةِ اهْتِمَامِهِ فَكَانَ مِنْ صَنِيعِهِ. قَالَ: (إِلَّا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِهِ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ غَرِقَ فِي السَّفِينَةِ، أَوْ سَقَطَ مِنْ الدَّابَّةِ، وَإِنْ كَانَ بِسَوْقِهِ وَقَوْدِهِ)؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ ضَمَانُ الْآدَمِيِّ. وَأَنَّهُ لَا
ويقول: لا يصلح للناس إلا هذا (^١).
ثم صاحب الثوب بالخيار إن شاء ضمنه مقصورًا وأعطاه الأجر، وإن شاء ضمنه قيمته غير مقصور ولا أجر له.
قال بشر: هذا الجواب صحيح على قولهما؛ لأن عندهما قبضه قبض ضمان فله أن يضمنه قيمته وقت القبض غير مقصور، أما عند أبي حنيفة فهو خطأ؛ لأن عنده قبض العين قبض أمانة، وإنما الموجب للضمان عليه العمل فيكون له أن يضمنه قيمته معمولا ولا خيار له في ذلك، والأصح ما قلنا؛ لأنا لا نضمنه قيمته بالقبض، بل يضمنه بالإتلاف إن شاء معمولا، وإن شاء غير معمول لأن العمل يصير مسلمًا من وجه باتصاله بالثوب، وذلك العمل يجوز أن يكون معقودًا عليه عند الرضا به كالرديء في باب السلم يكون معقودًا عليه عند التجوز به فإذا وقع التغيير في العمل كان له الخيار، كذا في المبسوط (^٢)، والأسرار.
قوله: (إلا أنه لا يضمن بني آدم ممن غرق في السفينة، أو سقط من الدابة)، قيل: هذا إذا كان ممن يستمسك على الدابة ويركب وحده، وإلا فهو كالمتاع، والصحيح أنه لا فرق، وكذا رواه ابن سماعة، عن أبي يوسف في
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٢٢ رقم ١٢٠٠١) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي: أنه كان يضمن الصناع والصائغ، وقال: لا يصلح للناس إلا ذاك. وقال الشافعي: وليس بهذا سنة علمتها ولا أثر يصح عند أهل الحديث عن أحد من أصحاب النبي ﷺ، وقد روي فيه شيء عن عمر وعلي ﵄ ما ليس يثبت عند أهل الحديث عنهما، ولو ثبت عنهما لزم من يثبته أن يضمن الأجراء من كانوا. الأم (٦/ ١٨٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٠٦).
[ ٧ / ٣٠٦ ]
يَجِبُ بِالعَقْدِ. وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالجِنَايَةِ، وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى العَاقِلَةِ، وَضَمَانُ العُقُودِ لَا تَتَحَمَّلُهُ العَاقِلَةُ. قَالَ: (وَإِذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحْمِلُ لَهُ دَنَّا مِنْ الفُرَاتِ، فَوَقَعَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَانْكَسَرَ، فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ فِي المَكَانِ الَّذِي حَمَلَهُ، وَلَا أَجْرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي انْكَسَرَ، وَأَعْطَاهُ الأَجْرَ بِحِسَابِهِ) أَمَّا الضَّمَانُ فَلِمَا
الرضيع، كذا ذكره التمرتاشي.
قوله: (دنا من الفرات)، قال العتابي: إنما المسألة في الفرات؛ لأن الدنان كانت تباع هنالك، وقيد (في بعض الطريق)؛ لأنه لو انكسر بعدما انتهى إلى المكان المشروط من جناية يده فلا ضمان عليه وله الأجر كذا نقل عن الإمام صاعد النيسابوري، كذا في المبسوط (^١)، والفوائد الظهيرية.
وقوله: (فإن انكسر) ليس بقيد، فإنه لو كسره عمدًا فالحكم كذلك عندنا، وعند زفر والشافعي: إن انكسر لا ضمان عليه لما قلنا، وإن كسره يضمن قيمته في المكان الذي كسره؛ لأنه أتلفه في هذا المكان، ويعطيه أجر ما حمل لأنه أوفاه المنافع إلى هاهنا.
ولا خيار للمستأجر عندهما، أما الضمان عندنا في مسألة الانكسار فلأن الحمال أجير مشترك فيضمن ما تلف بجناية يده؛ لأن السقوط بالعثار أو بانقطاع الحمل، وكل ذلك من صنيعه.
وأما الخيار فلأن الحمل موافق من وجه فإنه أمره بالحمل وقد حمل، ومخالف من وجه لأنه أمره بالحمل على وجه يصير محمولًا إلى مكان معين ولم يأت بذلك الحمل، فإن مال إلى جهة الخلاف ضمنه في المكان الذي حمل، ولا أجر له لأنه لم يسلم العمل، وإن مال إلى الوفاق ضمنه في المكان الذي انكسر وأعطاه من الأجر بحسابه، ولأن المعقود عليه فات بعضه فصار كالمبيع العين إذا فات بعضه وثم خير المشتري فكذا هاهنا.
فإن قيل: كيف يضمنه في موضع الحمل ولم يوجد منه سبب الضمان ثم؟ قلنا: لأنه لما انكسر في الطريق - والحمل شيء واحد حكما
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٠٧).
[ ٧ / ٣٠٧ ]
قُلْنَا، وَالسُّقُوطُ بِالعِثَارِ، أَوْ بِانْقِطَاعِ الحَبْلِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِهِ، وَأَمَّا الخِيَارُ فَلِأَنَّهُ إِذَا انْكَسَرَ فِي الطَّرِيقِ، وَالحِمْلُ شَيْءٌ وَاحِدٌ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ تَعَدِّيَا مِنْ الابْتِدَاءِ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وَلَهُ وَجْهُ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الحَمْلِ حَصَلَ بِإِذْنِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا، وَإِنَّمَا صَارَ تَعَدِّيًا عِنْدَ الكَسْرِ فَيَمِيلُ إِلَى أَيِّ الوَجْهَيْنِ شَاءَ، وَفِي الوَجْهِ الثَّانِي: لَهُ الْأَجْرُ بِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَى، وَفِي الوَجْهِ الأَوَّلِ: لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى أَصْلًا.
إذ الحمل المستحق بالعقد ما ينفع به وهو أن يجعله محمولًا إلى موضع عينه ظهر أنه وقع تعديًا ابتداءً، وفي الحقيقة ابتداؤه سليم، وإنما صار تعديًا عند الكسر، فإن مال إلى الوجه الحكمي فلا أجر له؛ لأنه ما استوفى من عمله أصلا، وإن مال إلى الوجه الحقيقي فله الأجر بقدر ما استوفى.
والأجر والضمان إنما لا يجتمعان عندنا في حالة واحدة، وقد اختلفت الحالة هاهنا، وهذا لأنه إذا ضمنه قيمته في مكان انكسر فقد جعل المتاع أمانة عنده من حيث حمل إلى موضع انكسر، والأجر يجب في حالة الأمانة، وإنما صار مضمونًا في حالة الكسر وهذه حالة أخرى.
وإن تلف في يده بغير فعله بأن زحمه الناس لا يضمن عند أبي حنيفة خلافًا لهما، وهي مسألة أجير المشترك.
فإن قيل: ينبغي أن لا يجبر عند أبي حنيفة على هذا الوجه؛ لأن عنده المال أمانة عند الأجير، وإنما يضمن ما تلف بفعله، وإذا كان أمانة عند القبض عنده وجب أن لا يضمن قيمته في المكان الذي حمل منه.
قلنا: إن القبض يقع على وصف التوقف عنده إن هلك بصنعه ظهر أنه كان مضمونًا عليه، وزلقه فعله وصنعه، فظهر أنه كان مضمونا عليه فله الخيار.
أو لأن الكسر حاصل بصنعه فالفساد الحاصل به يستند إلى حالة العقد؛ لأن الفساد بعمله إنما أوجب الضمان باعتبار العقد؛ لأنه لولا عقد الإجارة يكون الأجير مُعِينًا في الحمل، ولا ضمان على المُعِين فيما أعان، كذا في
المبسوط (^١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٠٤).
[ ٧ / ٣٠٨ ]
قَالَ: (وَإِذَا فَصَدَ الفَصَّادُ، أَوْ بَزَغَ البَزَّاغُ، وَلَمْ يَتَجَاوَزُ المَوْضِعَ المُعْتَادَ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا عَطِبَ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: بَيْطَارٌ بَزَغَ دَابَّةٌ بِدَانِقٍ فَنَفَقَتْ، أَوْ حَجَّامٌ حَجَمَ عَبْدًا بِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَمَاتَ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ العِبَارَتَيْنِ نَوْعُ بَيَانٍ وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْ السِّرَايَةِ، لِأَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى قُوَّةِ الطَّبَاعِ وَضَعْفِهَا فِي تَحَوُّلِ الأَلَمِ فَلَا يُمْكِنُ التَّقْيِيدُ بِالمُصْلِحِ مِنْ العَمَلِ، وَلَا كَذَلِكَ دَقُّ الثَّوْبِ وَنَحْوُهُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الثَّوْبِ وَرِقَّتَهُ تُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ فَأَمْكَنَ القَوْلُ بِالتَّقْيِيدِ.
قوله: (فصد الفصاد) من حد ضرب، وهو في الآدمي.
(وبزغ) من حد فتح، وهو في الحيوان، يقال: بزغ البيطار الدابة، إذا شقها بالمبزغ، وهو مثل شرط الحجام، كذا في المغرب (^١).
(فلا ضمان عليه)، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (وفي كل واحد من العبارتين)، أي عبارة القدوري والجامع (نوع بيان)؛ لأنه ذكر في القدوري عدم التجاوز عن الموضع المعتاد، حتى إذا تجاوز يجب الضمان، وفي الجامع ذكر الأجرة وحجامة العبد بأمر المولى، حتى إنه إذا لم يكن بأمره يجب الضمان، فيجعل المذكور في أحدهما مذكورًا في الأخرى.
(لما قدمنا) إشارة إلى قوله: (لأن الاحتراز عن التخريق بالدق ممكن) فيمكن التقييد بالمصلح.
أما السراية والاندمال يتعلق بأحوال باطن الحيوان من ضعف المزاج وقوته، فضعيف المزاج لا يندمل سريعًا قد يسري إلى النفس، وقوي المزاج يندمل في تلك الساعة، ولا اطلاع للفصاد ونحوه على قوة طبعه وضعفه فلا يقيد بالمصلح من العمل، وكيف يقيد به والمطلوب هو الجرح، وهو إفساد وتخريب البنية كما ترى، والسلامة ضده.
وفي المبسوط: توضيح الفرق أن السراية بعد تسليم العمل وخروجه عن
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٢).
[ ٧ / ٣٠٩ ]
قَالَ: (وَالأَجِيرُ الخَاصُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الأَجْرَةَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ فِي المُدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، كَمَنْ اسْتُوْجِرَ شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ، أَوْ لِرَعْيِ الغَنَمِ) وَإِنَّمَا سُمِّيَ أَجِيرَ وَحْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ فِي المُدَّةِ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ، وَالْأَجْرُ مُقَابَلٌ بِالمَنَافِعِ، وَلِهَذَا يَبْقَى الأَجْرُ مُسْتَحَقًّا، وَإِنْ نُقِضَ العَمَلُ.
ضمان العامل إذ السراية تكون بعد الجرح بزمان لضعف الطبيعة عن دفع أثر الجرح وتوالي الآلام، فأما التخرق مقترن بالعمل قبل خروجه عن ضمان العامل، فكان ضامنًا لما يتلفه بعمله؛ لأن عمله مضمون بما يقابله من البدل (^١).
ثم إذا تجاوز المعتاد يضمن ولم يبين قدر ذلك الضمان على تقدير الحياة أو الموت كم هو؟ قيل: كان ذلك بحسب قدر التجاوز، حتى إن الختان لو ختن فقطع الحشفة ينظر إن برئ فعليه كمال دية النفس، وإن مات فعليه نصف الدية، وهذا من العجب إذ هو مخالف لجميع مسائل الديات، فإنه كلما ازداد أثر جنايته انتقص ضمانه، وينبغي أن يزداد ضمانه كما في قطع اليد، وقتله خطأ.
وقد ذكر الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي في مبسوطه: فقال محمد في النوادر: أنه لما برئ كان عليه ضمان الحشفة وهي عضو مقصود لا يأتي في النفس فيتقدر بدله ببدل النفس كما في قطع اللسان، فلو مات حصل تلف النفس بفعلين أحدهما مأذون فيه وهو قطع الجلد، والآخر غير مأذون فيه وهو قطع الحشفة، فعليه نصف بدل النصف كذلك (^٢).
قوله: (والأجير الخاص) إلى آخره، وقوله: (وإن لم يعمل)، وإنما يستحق الأجرة بتسليم نفسه بدون العمل إذا تمكن من العمل، حتى لو استأجره لإيجاد الطين أو غيره في الصحراء فمُطَّرِدٌ لك بعدما خرج الأجير إلى الصحراء لا أجر له؛ لأن تسليم النفس في ذلك العمل لم يوجد لمكان العذر، وبه كان يفتي المرغيناني.
قوله: (وإن نُقِضَ) على بناء المفعول بخلاف الأجير المشترك، فقد روي عن محمد: لو فتق الخياط أو غيره يجبر على الإعادة؛ لأنه نُقِضَ عمله فصار
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٠٥).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/¬١٣).
[ ٧ / ٣١٠ ]
قَالَ: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الأَجِيرِ الخَاصٌ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ، وَلَا مَا تَلِفَ مِنْ عَمَلِهِ) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ العَيْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ بِإِذْنِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ تَضْمِينَ الأَجِيرِ المُشْتَرَكِ نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ عِنْدَهُمَا، لِصِيَانَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَالأَجِيرُ الوَحْدُ لَا يَتَقَبَّلُ الأَعْمَالَ فَتَكُونُ السَّلَامَةُ غَالِبَةٌ
كأن لم يكن، ولو فتقه غير الخياط لا يجبر الخياط على الإعادة؛ لأن حكم العقد قد انتهى. ولا يمكن أن يجعل كأن الخياط لم يعمل أصلا، وكذا الإسكاف على هذا، ولم يذكر الجبر على الإعادة كما في مسألة السفينة فإن الملاح إذا رد السفينة بنفسه يجبر على الإعادة، كذا في الذخيرة.
قوله: (ولا ضمان على الأجير الخاص) إلى آخره، وبه قال مالك، وأحمد والشافعي في ظاهر مذهبه، وقال بعض أصحابه: فيه قولان، في قول: يضمن كالأجير المشترك، وهو المنصوص عليه، ذكره في الحلية (^١).
ومنهم من قال: لا يضمن قولا واحدا.
وجه الضمان ما روى الشافعي في مسنده عن علي أنه كان يضمن الأجراء، ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا (^٢).
ولنا أن العين أمانة في يده، فإذا تلف بدون تعديه لا يضمن، وكذا ما تلف من عمله لأن فعله منقولا إليه كأنه فعله بنفسه، والصحيح في الرواية من علي أنه كان يُضَمِّنُ الصباغ والصواغ، وإن روي مطلقًا فيحمل عليه فإن المطلق يحمل على المقيد عندك، مع أنك لا ترى العمل واجبًا بقول الصحابي.
قوله: (أما الأول)، وهو ما إذا تلف في يده.
قوله: (لصيانة أموال الناس)؛ فإن الأجير المشترك يقبل أعيانًا كثيرة رغبة في كثرة الأجر، وقد يعجز عن قضاء حق الحفظ فيها فضمن حتى لا يقصر في حفظها، أو لا يأخذ إلا ما يقدر على حفظه، أما الأجير الخاص يعمل له في بيته ولا يقبل الأعمال من غيره.
_________________
(١) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٥/ ٤٤٨).
(٢) تقدم تخريجه ونقل كلام الشافعي عليه.
[ ٧ / ٣١١ ]
فَيُؤْخَذُ فِيهِ القِيَاسُ، وَأَمَّا الثَّانِي، فَلِأَنَّ المَنَافِعَ مَتَى صَارَتْ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَإِذَا أَمَرَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ صَحَّ، وَيَصِيرُ نَائِبًا مَنَابَهُ، فَيَصِيرُ فِعْلُهُ مَنْقُولًا إِلَيْهِ، كَأَنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.