قَالَ: (وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الوَكِيلَ عَنْ الوَكَالَةِ) لِأَنَّ الوَكَالَةَ حَقَّهُ فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ، إِلَّا إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الغَيْرِ، بِأَنْ كَانَ وَكِيلًا بِالخُصُومَةِ يُطْلَبُ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الغَيْرِ، وَصَارَ كَالوَكَالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عَقْدُ الرَّهْنِ.
ولو وكله بأن يستأجر أرضًا له فأخذها مزارعة لم يجز عنده؛ لعدم رؤيته جواز المزارعة، وعندهما يجوز.
ولو وكله بالصلح عن دم عمد، فصالحه على مال قليل صح عنده، كالوكيل بالبيع، خلافًا لهما.
بَابُ عَزْلِ الْوَكِيلِ
أخر العزل لأنه بعد الإثبات.
قوله: (يطلب من جهة الطالب) أي: بالتماس من جهة المدعي، قيد بهذين القيدين؛ لأنه لو وكل المدعى عليه لا يطلب المدعي تملك المدعى عليه عزله، وكذا إن كان الوكيل من جانب الطالب يملك الطالب عزله، سواء كان ذلك بطلب المدعى عليه أو لا، وعدم صحة العزل إذا كان يطلب من جهة الطالب فيما إذا كان العزل عند غيبة الطالب، وبحضوره يصح عزله، سواء رضي به الطالب أو لا، وإلى هذه القيود أشار في الذخيرة.
وقال مالك: إذا تشبث بالخصومة ما تعلق به حق الغير لا يجوز عزله في الغيبة والحضور، وعند الشافعي وأحمد يجوز عزل الوكيل بالخصومة، تعلق به حق الغير أم لا؛ لأن الوكالة عقد جائز غير لازم.
قوله: (فصار كالوكالة التي في ضمن الرهن) أي: الوكالة المشروطة في عقد الرهن، فإن الراهن لا يملك عزله؛ لما فيه من إبطال حق المرتهن، فكذا فيما نحن فيه؛ لأن الوكالة إذا كانت بالتماس الطالب ثبت نوع حق الطالب قبل الوكيل، وهو أن يحضره مجلس الحكم ويخاصمه، ويثبت حقه عليه، فلو صح عزله بطل هذا الحق أصلا؛ لأنه لا يمكنه الخصومة معه أيضًا، بخلاف ما إذا كان الطالب حاضرًا، فإن حقه لا يبطل أصلا؛ لأنه إن لم يمكنه مع الوكيل
[ ٦ / ٧٣٨ ]
قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ العَزْلُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَتَصَرُّفُهُ جَائِزٌ حَتَّى يَعْلَمَ) لِأَنَّ فِي العَزْلِ إِضْرَارًا بِهِ مِنْ حَيْثُ إِبْطَالُ وِلَايَتِهِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ رُجُوعُ الحُقُوقِ، إِلَيْهِ فَيَنْقُدُ مِنْ مَالِ المُوَكِّلِ وَيُسَلِّمُ المَبِيعَ فَيَضْمَنُهُ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَيَسْتَوِي الوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ وَغَيْرُهُ لِلْوَجْهِ الأَوَّلِ،
يمكن مع المطلوب، ويمكنه أن يطلب منه وكيلا آخر، وبخلاف ما إذا كان التوكيل بغير التماس الطالب؛ لأنه رضي ببطلان حقه، حيث لم يلتمس وكيلا مع علمه أن الموكل ربما يغيب فلا يمكنه الخصومة معه.
قوله: (فهو على وكالته وتصرفه جائز) عندنا، وبه قال الشافعي في قول، ومالك في رواية وأحمد، وقال الشافعي في الأصح: ينعزل، وبه قال مالك في رواية، وأحمد في رواية؛ لأنه بالعزل يسقط حق نفسه؛ لأن نفوذ الوكالة لحق الموكل، والمرء ينفرد بإسقاط حق نفسه كالطلاق والعتاق، فإنه يجوز بدون علم المرأة والعبد.
ولنا: في انعزاله بدون علمه إضرار به؛ لأنه ربما تصرف بناء على أنه وكيل ثم ظهر أنه غير وكيل، فلحقه عهدة وضمان؛ لأنه إذا نقد من مال الوكالة أو سلم المبيع يضمنه فيتضرر به، ولأن العزل خطاب ملزم للوكيل يمنع من التصرف، وحكم الخطاب لا يثبت في حق المخاطب ما لم يعلم به كخطاب الشرع، فإن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد الأمر بالتوجه إلى الكعبة، وجوز لهم النبي ﵇ حين لم يعلموا به (^١)، وكذلك كثير من الصحابة شربوا الخمر بعد نزول تحريمها قبل علمهم بذلك، وفيه نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية.
قوله: (للوجه الأول) وهو أن في العزل إبطال ولايته، وهو إضرار به؛ لأن الوكيل لما زوج أو طلق أو باع أو اشترى على ادعاء أنه وكيله، ثم لو صح عزله بغير علمه كان تكذيبا للوكيل فيما ادعى من الوكالة ببطلان ولايته، وتكذيب الإنسان فيما يقول ضرر عليه، وهذا المعنى شامل للطلاق وغيره.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٨٩، برقم ٤٠٣)، ومسلم (١/ ٣٧٥، برقم ٥٢٦) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٦ / ٧٣٩ ]
وَقَدْ ذَكَرْنَا اشْتِرَاطَ العَدَدِ أَوْ العَدَالَةِ فِي المُخْبِرِ فَلَا نُعِيدُهُ. قَالَ: (وَتَبْطُلُ الوَكَالَةُ بِمَوْتِ المُوَكِّلِ، وَجُنُونِهِ جُنُونًا مُطْبقًا، وَلَحَاقِهِ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدًا) لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَيَكُونُ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ
وكذا الوكيل [لو] (^١) عزل نفسه بغير علم الموكل لا ينعزل ولا يخرج عن الوكالة، وعند الشافعي وأحمد ومالك في رواية ينعزل، وقال مالك: إن كان في عزله ضرر على الموكل لم ينعزل بدون علمه.
وفي الذخيرة: بإنكار الموكل الوكالة لا ينعزل.
وفي شرح الوجيز (^٢): وجَحْدُ الوكيل الوكالة ردُّ للوكالة إن لم يكن لنسيان أو غرض في الإخفاء، وإن كان لعمد ولا غرض في الإخفاء لا ينعزل، وعلى هذا جحد الموكل وإنكاره.
قوله: (وقد ذكرنا اشتراط العدد أو العدالة في المخبر) أي: في فصل القضاء بالمواريث في قوله: (ولا يكون النهي عن الوكالة) إلى آخره.
قوله: (تبطل بموت الموكل) (^٣) وكذا بموت الوكيل (وجنونه مطبقًا) ولا خلاف في هذا كله.
قوله: (فيكون لدوامه حكم ابتدائه) وفيه إشارة إلى أن التصرف إذا كان لازما لا يكون لدوامه حكم ابتدائه، والمعنى: أنه إذا كان غير لازم يملك الوكيل في كل لحظة نقضه وفسخه، فلما لم يفسخ جعل امتناعه عند إمكانه بمنزلة ابتداء تصرف آخر من جنسه إبدالًا للمتمكن مكان المبتدئ والمنشئ، كما قال صاحب الكشاف في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] مع عدم هداهم كأنه جعل تمكنهم من الهدى فصار كأن الهدى في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة استبدلوها به.
وقد ذكر شمس الأئمة في أصول الفقه (^٤) أنَّ ترك الفعل فعل عند أهل
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٢٥٦).
(٣) كذا في الأصول الخطية، وتقدم في المتن: (تبطل الوكالة بموت الموكل).
(٤) أصول السرخسي (١/ ٧٩).
[ ٦ / ٧٤٠ ]
فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الأَمْرِ، وَقَدْ بَطَلَ بِهَذِهِ العَوَارِضِ، وَشَرْطَ أَنْ يَكُونَ الجُنُونُ مُطْبقًا، لِأَنَّ قَلِيلَهُ بِمَنْزِلَةِ الإِغْمَاءِ، وَحَدُّ المُطْبِقِ: شَهْرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، اعْتِبَارًا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ الصَّوْمُ. وَعَنْهُ: أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِأَنَّهُ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ فَصَارَ كَالمَيِّتِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَوْلٌ كَامِلٌ (*)، لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ العِبَادَاتِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا … .
السنة؛ لما فيه من استعمال أحد الضدين، والانتهاء عن المنهي عنه يتحقق بالترك، وذلك لأن حقيقة الانتهاء الامتناع عن إيجاد المنهي عنه، ولهذا يثاب بالانتهاء، فلا بد أن يكون الانتهاء أمرًا وجوديًا حتى يكون مثابًا به، وليس تقدير الفعل في الانتهاء إلا بأن يجعل المتمكن كالمنشئ للفعل؛ لأنه في الحقيقة إبقاء العدم على العدم الأصلي، أما إذا كان التصرف لازمًا لا يأتي هذا المعنى؛ لأن المتصرف لا يتمكن من فسخه في كل لحظة، فلا يجعل امتناعه عن العزل بمنزلة الابتداء، أو الابتداء لذلك؛ لأن الشيء إنما يتصور تقديرًا أن لو تصور حقيقة، وإذا ثبت أن للتوكيل حكم الابتداء في كل لحظة، وابتداء التوكيل لا يتصور من هؤلاء، فكذا البقاء. كذا قرره في النهاية.
وهذا معنى قوله: (فلا بد من قيام الأمر) أي: أمر الموكل بالتوكيل في كل ساعة (وقد بطل) أي: أمر التوكيل (بهذه العوارض) أي: الموت والجنون والارتداد، ولا يشكل بالبيع بالخيار فإنه غير لازم، ومع ذلك لا يبطل بالموت بل يتقرر؛ لأن الأصل في البيع اللزوم، وعدم اللزوم بسبب العوارض، وهو الخيار، فإذا مات تقرر الأصل وبطل العارض؛ لعدم بقاء الخيار بموته.
وفي الذخيرة: إنما تبطل الوكالة بالجنون إذا كان في موضع يملك الموكل عزله، أما إذا كانت لازمة بحيث لا يقدر الموكل عزله، كما في الوكالة المشروطة في عقد الرهن - لا يبطل بجنونه وإن كان الجنون مطبقًا.
يقال: جنون مطبق بالباء المكسورة، أي: دائم، والحُمَّى المُطبقة: هي الدائمة، كذا بخط الزرنوجي، وقيل: مُطبقًا: مستوعبا، من أطبق الغيم السماء، أي: استوعبها.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
[ ٦ / ٧٤١ ]
قَالُوا: الحُكْمُ المَذْكُورُ فِي اللَّحَاقِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ المُرْتَدٌ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ فَكَذَا وَكَالَتُهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ بَطَلَتْ الوَكَالَةُ، فَأَمَّا عِنْدَهُمَا تَصَرُّفَاتُهُ نَافِذَةٌ (*) فَلَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يُحْكَمَ بِلَحَاقِهِ وَقَدْ مَرَّ فِي السِّيَرِ، وَإِنْ كَانَ المُوَكِّلُ امْرَأَةً فَارْتَدَّتْ فَالوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ حَتَّى تَمُوتَ، أَوْ تَلْحَقَ بِدَارِ الحَرْبِ، لِأَنَّ رِدَّتَهَا لَا تُؤَثَّرُ فِي عُقُودِهَا عَلَى مَا عُرِفَ.
قوله: (قالوا: الحكم المذكور) أي: بقوله قبل هذا: (ولحق بدار الحرب) وقيد بلحاقه؛ لأنه لو ارتد ثم أسلم قبل اللحاق فهو على وكالته؛ لأن ملكه لم يزل قبل اللحاق؛ بل توقف، وبإسلامه قبل اللحاق تقرر ملكه، ألا ترى أنه لو باع بنفسه ثم أسلم نفذ بيعه! فكذا تبقى وكالته في جميع التصرفات ما خلا النكاح، فإنه بالردة يخرج من كونه مالكًا للنكاح بنفسه، فتبطل وكالته به أيضًا، ثم لا يعود إلا بالتجديد. كذا في المبسوط (^١).
وعندهما: بلحاقه، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (لأن ردتها لا تؤثر في عقودها) لأنها لا تقبل.
وفي المبسوط (^٢): لو وكلت قبل الارتداد مثلها أو مسلما لا تبطل ولايتها، وكذا يصح توكيلها حال ردتها، إلا أن توكل بالتزويج وهي مرتدة، حيث لا يصح؛ لأنها لا تملك أن تزوج نفسها، فكذا لا تصح توكيلها به.
ولو زوجها الوكيل في حال ردتها لم يجز، ولو زوجها بعد إسلامها جاز، كالمعتدة أو المنكوحة إذا وكلت إنسانًا بأن يزوجها، فيكون التوكيل مضافًا إلى ما بعد العدة والنكاح، فكذا هاهنا مضافًا إلى ما بعد الإسلام، بخلاف ما إذا وكلت في إسلامها، ثم ارتدت ثم أسلمت فزوجها - لم يجز؛ لأنها بالارتداد خرجت من أهلية النكاح، فيكون ذلك عزلًا لوكيلها، وبعدما انعزل لا يكون وكيلا إلا بتجديد.
_________________
(١) (*) الراحج: قول أبي حنيفة.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٣٩).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٤١).
[ ٦ / ٧٤٢ ]
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَ المُكَاتَبُ ثُمَّ عَجَزَ، أَوْ المَأذُونُ لَهُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ، أَوْ الشَّرِيكَانِ فَافْتَرَقَا، فَهَذِهِ الوُجُوهُ تُبْطِلُ الوَكَالَةَ عَلَى الوَكِيلِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ بَقَاءَ الوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ قِيَامَ الأَمْرِ وَقَدْ بَطَلَ بِالحَجْرِ وَالْعَجْزِ وَالِافْتِرَاقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ العِلْمِ وَعَدَمِهِ، لِأَنَّ هَذَا عَزْلٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى العِلْمِ كَالوَكِيلِ بِالبَيْعِ إِذَا بَاعَهُ المُوَكِّلُ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ الوَكِيلُ أَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبَقًا بَطَلَتْ الوَكَالَةُ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَمْرُهُ بَعْدَ جُنُونِهِ وَمَوْتِهِ (وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ إِلَّا أَنْ يَعُودَ
قوله: (أو الشريكان) أي: وكل واحد من الشريكين الثالث.
قوله: (فهذه الوجوه تبطل الوكالة).
في المبسوط (^١): هذا إذا كانت الوكالة بالبيع والشراء، أما لو كان التوكيل بقضاء الدين أو التقاضي لا يبطل بعجز المكاتب وحجر المأذون؛ لأن في كل شيء وليه العبد لا تسقط المطالبة عنه بالحجر؛ بل يبقى مطالبا بإيفائه واستيفائه، ولهذا ليس لمولى العبد أن يتقاضى دينه إن كان عليه دين أو لا؛ لأنه إن كان عليه دين فكسبه حق غرمائه، والمولى فيه كالأجانب، وإن لم يكن عليه فوجوب المال بعقد العبد، ولا يكون هو في هذا دون الوكيل، وما وجب من الثمن بعقد الوكيل لا يملك الموكل المطالبة به، فهاهنا أولى.
قوله: (كالوكيل بالبيع إذا باعه) أي: المبيع (الموكل) حيث يصير الوكيل معزولا حكما؛ لفوات محل تصرف الوكيل.
(أو جن) أي: الوكيل (جنونًا مطبقًا) أما لو جن ساعة ثم أفاق فهو على وكالته، وجعل هذا كاليوم. ذكره في التتمة.
قوله: (لم يجز له) أي: للوكيل المرتد (التصرف).
قال شيخ الإسلام في مبسوطه: هذا إذا حكم القاضي بلحاقه، وإليه أشار في مبسوط شمس الأئمة؛ لأنه لما قضى بلحاقه فقد مَوَّتَه، أو جعله من أهل دار الحرب فتبطل الوكالة، أما قبل القضاء باللحاق لا يخرج عن الوكالة باتفاقهم.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٠٩).
[ ٦ / ٧٤٣ ]
مُسْلِمًا) قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا تَعُودُ الوَكَالَةُ (*)، لِمُحَمَّدٍ: أَنَّ الوَكَالَةَ إِطْلَاقُ، لِأَنَّهُ رُفِعَ المَانِعُ. أَمَّا الوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِهِ، وَإِنَّمَا عَجَزَ بِعَارِضِ اللَّحَاقِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَإِذَا زَالَ العَجْزُ وَالإِطْلَاقُ بَاقٍ عَادَ وَكِيلًا. وَلِأَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ إِثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ، لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّتِهِ، وَوِلَايَةُ التَّنْفِيذِ بِالمِلْكِ، وَبِاللَّحَاقِ لَحِقَ بِالأَمْوَاتِ، وَبَطَلَتْ الوِلَايَةُ فَلَا تَعُودُ كَمِلْكِهِ فِي أُمِّ الوَلَدِ وَالمُدَبَّر.
وَلَوْ عَادَ المُوَكَّلُ مُسْلِمًا وَقَدْ لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدًا لَا تَعُودُ الوَكَالَةُ فِي الظَّاهِرِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهَا تَعُودُ كَمَا قَالَ فِي الوَكِيلِ. وَالفَرْقُ لَهُ عَلَى الظَّاهِرِ: أَنَّ
قوله: (وهذا) أي: جواز التصرف للوكيل عند عَوْدِهِ مسلمًا.
قوله: (لمعان قائمة به أي: بالوكيل من الحرية والعقل والبلوغ والقصد في ذلك التصرف، والكل قائم، وصحة التوكيل لحق الموكل، وحقه قائم أيضًا بعد لحاقه، ولكنه عجز عن التصرف بعارض على شرف الزوال، فإذا زال صار كأن لم يكن، فبقي الوكيل على وكالته، فصار بمنزلة ما لو أغمي على الوكيل.
(ولأبي يوسف أنه أي: التوكيل إثبات ولاية التنفيذ) لا ولاية أصل التصرف.
(وباللحاق) أي: القضاء باللحاق، صار ميتًا، وبذلك إبطال ولايته، فبطلت الوكالة (فلا تعود) أي: ملك التنفيذ كملكه في أم ولد والمدبر) يعني يعتق أم ولده ومدبره بالقضاء بلحاقه، وبِعَوْدِهِ مسلمًا لا يعود ملكه فيهما، فلا يرتفع العتق، فكذا الوكالة التي بطلت لا تعود.
قوله: (ولو عاد الموكل مسلمًا) إلى آخره، أي: عاد بعد القضاء بلحاقه، وبه صرح في المبسوط (^١).
(وعن محمد أنها) أي: التوكيل (تعود) أو عقد الوكالة (والفرق له) أي: لمحمد (على الظاهر) أي: على ظاهر الرواية، والحاصل أن أبا يوسف سَوَّى
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/¬١٤).
[ ٦ / ٧٤٤ ]
مَبْنَى الوَكَالَةِ فِي حَقِّ المُوَكِّلِ عَلَى المِلْكِ وَقَدْ زَالَ وَفِي حَقِّ الوَكِيلِ عَلَى مَعْنَى قَائِمٍ بِهِ وَلَمْ يَزُلْ بِاللَّحَاقِ.
قَالَ: (وَمَنْ وَكَّلَ آخَرَ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ، بَطَلَتْ الوَكَالَةُ) وَهَذَا اللَّفْظُ يَنْتَظِمُ وُجُوهَا: مِثْلَ، أَنْ يُوَكَّلَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ، أَوْ بِكِتَابَتِهِ فَأَعْتَقَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ المُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يُوَكَّلَهُ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ، أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ … … … .
بين الفصلين، ومحمد فرق بينهما، فقال في عود الوكيل: تعود الوكالة في جميع الروايات، وفي عود الموكل: لا تعود في ظاهر الرواية.
والفرق أن الوكالة تعلقت بملك الوكيل، وقد بطل ملكه، فبطلت الوكالة على الثبات، فأما بِرَدِّهِ على الوكيل فلم يَزُلْ ملك الموكل، فكان محل تصرف الوكيل باقيًا، ولكنه عجز عن التصرف لعارض على شرف الزوال كما ذكر، فإذا زال العارض فصار كأن لم يكن.
وفي السير الكبير يقول محمد: يعود الوكيل على وكالته في هذا الفصل أيضًا؛ لأن الموكل إذا عاد عاد ماله على قديم ملكه، والوكالة تعلقت بقديم ملكه، فيعود بِعَوْدِ قديم ملكه، كما لو وكله ببيع عبده ثم باعه الموكل بنفسه، ورد عليه بعيب بقضاء - عاد الوكيل على وكالته، فهذا مثله. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (ومن وكل آخر بشيء ثم تصرف بنفسه) إلى آخره، ولا خلاف فيه.
وفي الذخيرة: الأصل في جنس هذه المسائل أن الموكل متى أحدث فيما وَكَّلَ ببيعه تصرفًا قبل بيع الوكيل، فإن كان تصرفًا يُعْجِز الوكيل عن البيع يخرج عن الوكالة، وإلا لا؛ لأنه إذا عجز عن البيع عجز عن الامتثال، فبالعجز يخرج عن الوكالة، فإذا باع أو وهب، أو تصدق وسلم، أو وطئ واستولد فيخرج الوكيل عن الوكالة، ولو وطئ ولم يستولد، أو أذن في التجارة، أو استخدم لا يخرج، ألا ترى أن الموكل بعد إحداث هذه التصرفات تعذر بيعه، فكذا وكيله، ولو رهن أو أجر لم يخرج في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه يخرج؛ لعدم جواز بيعه المرهون والمستأجر.
قوله: (أو كاتبه الموكل (^٢) بنفسه) يعني يخرج الوكيل عن الوكالة، أما لو
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/¬١٥).
(٢) في الأصل: (الوكيل)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٤٥ ]
فَفَعَلَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يُوَكَّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةٌ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا،
أسره أهل الحرب، فأدخلوه في دارهم فاشتراه منهم - لم تعد الوكالة، ولو أخذه من المشتري منهم بالثمن، أو عمن وقع في سهمه بالقيمة - فهو على وكالته؛ لعوده إلى قديم ملكه، أما الشراء منهم يملكه بملك جديد.
ولو وكله بعتق أمته فأعتقها المولى، فارتدت ولحقت بدار الحرب واسترقت فملكها المولى - لم يجز عتق الوكيل؛ لأنه مأمور بإزالة الرق الذي كان فيها، وقد زال، وهذا الحادث رق متجدد لتجدد سببه، فلا يكون وكيلا بإزالته.
قوله: (ففعله بنفسه) أي: تزوجها الموكل بنفسه، أو اشتراه بنفسه - كان ذلك عزلا، حتى لو أبانها بعد التزوج لم يكن للوكيل أن يزوجها إياه.
قوله: (لبقاء الحاجة) (^١) يعني مقصود الموكل لم يحصل بمباشرة الوكيل للعقد الأول مع نفسه، ولا منافاة بين حكم ذلك العقد وبين الوكالة، ألا ترى أن ابتداء التوكيل بعد تزويجه صحيح، حتى إذا فارقها زوجها منه، فبقاؤها أولى، وذلك لأنها لما لم تكن محلّا عند التوكيل لما أمر به صار التوكيل كالمضاف إلى ما بعد صيرورتها محلًا، والتوكيل يحتمل الإضافة، ويحصل مقصود الموكل في ذلك، ولو ارتدت تلك المرأة المعينة، ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فأسلمت فزوجها الوكيل - جاز عند أبي حنيفة، خلافًا لهما؛ لأن من أصلهما أن تسمية المرأة مطلقًا في التوكيل ينصرف إلى الحرة، وعنده لا يتقيد بالحرة، ولو كان الموكل تزوج ذات رحم محرم منها، أو أربعًا سواها - بطلت الوكالة؛ لأن الموكل صار بحال لا يملك مباشرة العقد عليها.
قوله: (أو واحدة وانقضت عدتها) أي: في الواحدة، أما في الثلاث لا حاجة إلى انقضاء العدة؛ لأنه لم يبق مالكًا للطلاق بعد، فينعزل الوكيل، أما في الواحدة ما دامت في العدة يملك طلاقها، فبقي الوكيل على وكالته، وبعد الخلع ما دامت في العدة يملك الزوج إيقاع الطلاق عليها عندنا، خلافًا للشافعي، فبقي الوكيل على وكالته وبعد انقضاء العدة تبطل الوكالة؛ لأنه يملك الإيقاع عليها.
_________________
(١) انظر المتن ص ٧٤٧.
[ ٦ / ٧٤٦ ]
أَوْ بِالخُلْعِ فَخَالَعَهَا بِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ تَعَذَّرَ عَلَى الوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فَبَطَلَتْ الوَكَالَةُ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ وَأَبَانَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ، لِأَنَّ الحَاجَةَ قَدْ انْقَضَتْ بِخِلَافِ مَا إِذَا تَزَوَّجَهَا الوَكِيلُ وَأَبَانَهَا، لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ المُوَكَّلَ لِبَقَاءِ الحَاجَةِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى، لِأَنَّ بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ مَنْعٌ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَالعَزْلِ.
ولو تزوجها بعد العدة لا تعود الوكالة؛ لأنه يمكن الزوج من الإيقاع بالسبب المتجدد، والوكالة لم تتناوله، فلا تعود باعتباره، وعلى هذا لو ارتد الزوج أو المرأة فطلاق الوكيل يقع عليها؛ لبقاء تمكن الزوج من الإيقاع، أما لو لحق الزوج بدار الحرب بطلت الوكالة؛ لأن ذلك بمنزلة الموت. كذا في المبسوط (^١).
وفي الذخيرة: لو قال: اخلعها، ثم خلعها الأمر بنفسه خرج عن الوكالة؛ لأن الخلع بعد الخلع لا يصح، وما ذكر في شرح القدوري: (لو طلق بنفسه إذا وكله بطلاقها يخرج عن الوكالة) محمول على الطلاق الثلاث، أو بعد انقضاء العدة؛ لما ذكرنا.
قوله: (بقضاء قاض) قيد به؛ لأنه لو رده بالتراضي بغير قضاء فليس للوكيل أن يبيعه مرة أخرى بالإجماع.
وذكر المسألة في المبسوط (^٢) في الرد بالقضاء من غير خلاف في جواز البيع للوكيل ثانيًا، ووضع المسألة في الأمة، ثم علل وقال: لأن الرد بالقضاء فسخ من الأصل، فعادت إلى قديم ملكه، وانتقاض الوكالة كان حكمًا؛ لزوال ملك الموكل، فإذا عاد ملكه عادت الوكالة، كما لو كان الرد بخيار الشرط للبائع أو المشتري، أو بفساد البيع، أو بخيار رؤية؛ لأن هذه الأسباب تفسخ العقد من الأصل، بخلاف ما لو رده بالعيب بالتراضي أو بالإقالة؛ لأن هذا السبب كالعقد المبتدأ في حق غير المتعاقدين، والوكيل غيرهما.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٢٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/¬٥٠).
[ ٦ / ٧٤٧ ]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى (*)، لِأَنَّ الوَكَالَةَ بَاقِيَةٌ، لِأَنَّهُ إِطْلَاقُ وَالعَجْزُ قَدْ زَالَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا وَكَّلَهُ بِالهِبَةِ فَوَهَبَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَهَبَ، لِأَنَّهُ مُخْتَارُ فِي الرُّجُوعِ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلُ عَدَمِ الحَاجَةِ. أَمَّا الرَّدُّ بِقَضَاءِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلُ زَوَالِ الحَاجَةِ، فَإِذَا عَادَ إِلَيْهِ قَدِيمُ مِلْكِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وفي الكافي: وهذا ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه ليس للوكيل أن يبيعه؛ لأن بيعه منع له عن التصرف، فصار كالعزل، فلا يعود وكيلا إلا بتجديد الوكالة.
وفي التتمة: ولو باعه الوكيل فرد عليه بعيب بالقضاء كان أن يبيعه ثانيًا، فكذا إذا رد على الوكيل، يعود قديم الملك فيهما.
قوله: (لأنه مختار) أي: الواهب مختار (في الرجوع فكان ذلك) أي: الرجوع (دليل زوال الحاجة) إلى الهبة؛ إذ لو كان محتاجًا لما رجع، وكان دليلا على نقض الوكالة.
وفي التتمة: قال محمد: لا يُشْبِهُ البيع الهبة؛ لأن الوكالة بالبيع لا تنقضي، ولهذا الوكيل بعدما باع يتولى حقوق العقد، ويتصرف فيها بحكم الوكالة، فإذا انفسخ والوكالة باقية جاز له البيع ثانيًا، أما الوكالة بالهبة تنقضي بمباشرة الهبة، حتى لا يملك الواهب الرجوع، ولا يصح تسليمه، فإذا رجع في هبته فقد عاد إليه العبد بملك جديد، ولا وكالة، فلا يتمكن الوكيل من الهبة ثانيًا.
_________________
(١) (*) الراحج: قول محمد.
[ ٦ / ٧٤٨ ]
﷽