قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا يَضُرُّ بِالسُّكْنَى: فَلَهُ الفَسْخُ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ المَنَافِعُ، وَأَنَّهَا تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكَانَ هَذَا عَيْبًا حَادِثًا قَبْلَ القَبْضِ، فَيُوجِبُ الخِيَارَ كَمَا فِي البَيْعِ، ثُمَّ المُسْتَأْجِرُ إِذَا اسْتَوْفَى المَنْفَعَةَ فَقَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ
بلا حجة، فلو بيعت دار بجنبها فأراد أن يأخذها بالشفعة لا يأخذها بمجرد اليد حتى يقيم بينة أنه ملكه؛ لأن ثبوت الملك بظاهر اليد يصلح للدفع لا للاستحقاق، والأخذ بالشفعة من يد المشتري استحقاق فلا يملكه بدون البينة، كذا هاهنا في أدب القاضي للصدر الشهيد، والله سبحانه أعلم.
بَابُ فَسْحَ الْإِجَارَةِ
تأخير هذا الباب ظاهر المناسبة لأن الفسخ بعد الوجود وهو الصحة.
قوله: (عيبا يضر بالسكنى) العيب بالإضرار؛ لأنه إذا كان عيبا لا يضر بالسكنى بأن كان في الدار حائطا للجمال لكن لا ينتفع به في سكناها لم يثبت الخيار بلا خلاف بين الأئمة الأربعة، وكذا لو كان المستأجر عبدا للخدمة فسقط شعره أو ذهبت إحدى عينيه وذلك لا يضر بالخدمة لم يثبت الخيار، كذا في الإيضاح.
أما إذا كان عيبا يضر بالسكنى فله ولاية (^١) الفسخ بالإجماع.
قوله: (وإنها توجد شيئًا فشيئًا) إلى آخره دفع شبهة ترد على الإجارة من جانب البيع وهي أن يقال: إن عقد الإجارة عقد لازم كالبيع، والعيب الحادث في المبيع بعد قبض المشتري لا يثبت الرد، فكان ينبغي أن لا يرد في الإجارة (قبل) (^٢) القبض أيضًا.
فأجاب عنه وقال: إن المعقود عليه المنافع، فالعيب الحادث وإن كان بعد القبض صورة، وهو قبل القبض معنى؛ لما أن المنافع تحدث شيئًا فشيئًا، إليه أشار في شرح الطحاوي.
_________________
(١) في الأصل: (ولا)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في المخطوط (بعد).
[ ٧ / ٣٢٨ ]
فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ البَدَلِ كَمَا فِي البَيْعِ، وَإِنْ فَعَلَ المُؤَجِّرُ مَا أَزَالَ بِهِ العَيْبَ فَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ لِزَوَالِ سَبَبِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا خَرِبَتِ الدَّارُ، أَوْ انْقَطَعَ شِرْبُ الضَّيْعَةِ، أَوْ انْقَطَعَ المَاءُ عَنِ الرَّحَى: انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ قَدْ فَاتَ، وَهِيَ المَنَافِعُ المَخْصُوصَةُ قَبْلَ القَبْضِ فَشَابَهَ فَوْتُ المَبِيعِ قَبْلَ القَبْضِ وَمَوْتِ العَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إِنَّ العَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ قَدْ فَاتَتْ عَلَى وَجْهِ يُتَصَوَّرُ عَوْدُهَا فَأَشْبَهَ
(فيلزمه جميع البدل)، وبه قال الشافعي في الأظهر ومالك وأحمد وقال في وجه لا يلزمه جميع الأجر ولو فعل ما زال به العيب فلا خيار للمستأجر لأن العيب قد زال قبل فسخ العقد.
قوله: (انفسخت الإجارة)، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعن بعض أصحاب أحمد والشافعي في الأرض التي انقطع ماؤها لم تنفسخ الإجارة، كما قاله بعض أصحابنا، ويجيء بعد ذلك؛ لأن المنفعة لم تبطل جملة؛ لأنه يمكنه الانتفاع بعرصة الأرض بنصب خيمة، أو جمع حطب، فأشبه ما لو نقص نفعها، لكن يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء، فإن فسخ فلا أجر عليه كعبد مات بعد العقد قبل استيفاء المنفعة، وكدار انهدمت، ولو اختار الإمضاء يلزمه جميع الأجر كما في العيب.
وقلنا: (المعقود عليه قد فات وهو المنافع المخصوصة) إلى آخره.
قوله: (ومن أصحابنا من قال) إلى آخره، وفي الذخيرة: اختلف أصحابنا فيه، فقال بعضهم: ينفسخ بمجرد الانهدام والانقطاع، واستدل بما ذكره محمد في كتاب البيوع: ولو سقطت الدار فله أن يخرج سواء كان صاحب الدار حاضرًا أو غائبًا، فهذه إشارة إلى الانفساخ بمجرد الانهدام حيثما شرط حضرة صاحبها.
وقال بعضهم: لا ينفسخ، ولكن يثبت له حق الفسخ، وبه يفتي شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام، واستدل بما روى هشام عن محمد: أنه لو استأجر بيتًا فانهدم، ثم بناها الآجر فليس للمستأجر أن يمتنع من القبض والأجر، فهذا دليل على أن العقد لم ينفسخ، ولكنه يُفْسَخُ، وهذا لأن المنفعة غير فائتة من كل وجه إذا وصل الموضع مسكن بعد انهدام البناء (^١) وتتأتى فيه
_________________
(١) في النسخة الثانية: (إذ أصل الموضع مسكن بغير انهدام البناء).
[ ٧ / ٣٢٩ ]
الإِبَاقَ فِي البَيْعِ قَبْلَ القَبْضِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ الآجِرَ لَوْ بَنَاهَا لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْتَنِعَ وَلَا لِلْآجِرِ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ مِنهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ لَكِنَّهُ يُفْسَخُ.
(وَلَو انْقَطَعَ مَاءُ الرَّحَى، وَالبَيْتُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ لِغَيْرِ الطَّحْنِ: فَعَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بِحِيَّتِهِ)؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ المَعْقُودِ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ المُتَعَاقِدَيْنِ وَقَدْ عَقَدَ الإِجَارَةَ لِنَفْسِهِ: انْفَسَخَتْ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ
السكني بنصب فسطاط، وفي انقطاع الماء لو فاتت من كل وجه لكنها تحتمل العود فأشبه إباق العبد وذلك لا يوجب الانفساخ.
والذي قال: ينفسخ بالانهدام ثم يعود بالبناء، ومثله جائز كما في الشاة المبيعة إذا ماتت في يد البائع ينفسخ العقد، ثم إذا دبغ جلدها يعود العقد بقدرها فكذا.
وهذا بخلاف السفينة إذا نُقِضَتْ وصارت ألواحًا ثم رُكَّبَتْ وأعيدت سفينة لم يجبر على تسليمها إلى المستأجر؛ لأن السفينة بعد النقض إذا أعيدت صارت سفينة أخرى، ألا ترى أن من غصب ألواحًا وجعلها سفينة ينقطع حق المالك، فأما عرصة الدار لا تتغير بالبناء عليها قاله محمد.
(ولو انقطع ماء الرحى)، إن كان النقصان فاحشا فله حق الفسخ، وإلا فلا؛ لأن مدة الإجارة لا تخلو عن نقصان غير فاحش غالبًا، وتخلو عن نقصان فاحش.
قال القدوري في شرحه: إذا صار يطحن أقل من نصف طحنه فهو فاحش.
وفي الأصل: (إذا انقطع ماء الرحى) لم ينفسخ ويثبت الخيار للعاقد، فإن لم ينفسخ حتى عاد الماء لزمه الإجارة فيما بقي من الشهر لزوال الموجب للفسخ، ويرفع عنه الأجر بحساب ذلك أي بحساب ما انقطع الماء في المدة، ولو لم يفسخها ومضت المدة فلا أجر عليه في ذلك.
قوله: (وإذا مات أحد المتعاقدين) إلى قوله: (انفسخت) أي: الإجارة، وبه قال الثوري والليث، وقال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، والبتي، وإسحاق: لا تنفسخ والإجارة بحالها، ويقوم وارثهما مقامهما سواء مات
[ ٧ / ٣٣٠ ]
بَقِيَ العَقْدُ تَصِيرُ المَنْفَعَةُ المَمْلُوكَةُ بِهِ، أَوْ الأَجْرَةُ المَمْلُوكَةُ لِغَيْرِ العَاقِدِ مُسْتَحَقَّةٌ بِالعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ بِالمَوْتِ إِلَى الوَارِثِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (وَإِنْ عَقَدَهَا لِغَيْرِهِ: لَمْ
أحدهما أو كلاهما؛ لأن المنافع كالأعيان عندهم، والعقد لازم فلا ينفسخ بموت العاقد، كما لو زوج أمته ومات.
ولنا أن العقد ينعقد ساعة فساعة بحسب [ما يحدث من المنفعة، فإذا مات المؤجر فالمستحق بالعقد المنافع] (^١) التي تحدث على ملكه، وقد فات ذلك بموته فتبطل الإجارة لفوات المعقود عليه؛ لأن رقبة الدار تنتقل إلى الوارث، والمنفعة تحدث على ملك صاحب الرقبة.
وإذا مات المستأجر فلو بقي العقد بعد موته إنما يبقى على أن يخلفه الوارث، والمنفعة المجردة لا تورث إذ الوراثة خلافة فلا تتصور إلا فيما يتصور وقتين ليكون ملك المورث في الوقت الأول، ثم يخلفه الوارث فيه في الوقت الثاني، والمنفعة الموجودة في حياة المستأجر لا تبقى حتى تورث، والتي تحدث بعد موته لم تكن مملوكة له ليخلفه الوارث فيها؛ إذ الملك لا يسبق الوجود، وإذا ثبت انتفاء الإرث تعين بطلان العقد فيه كعقد النكاح يرتفع بموت الزوج؛ لأن وارثه لا يخلفه فيه.
ولا يشكل هذا بما إذا استأجر دابة إلى مكان معين فمات صاحب الدابة في وسط الطريق حيث لا تنفسخ الإجارة، وللمستأجر أن يركبها إلى المكان المسمى، وبما إذا استأجر أرضًا للزراعة فزرعها فمات في المدة حيث لا تنتقض الإجارة.
وينتقض قوله أيضًا ينفسخ بموت أحد المتعاقدين بموت الموكل فإنه ينفسخ بموته مع أنه غير العاقدين، والمسائل في الذخيرة، وفتاوى قاضي خان.
لأنا نقول في المسألة الأولى لا تنفسخ للضرورة، ومواضع الضرورة مستثناة عن الأصول، حتى قال مشايخنا: لو وجد ثمة دابة أخرى يحمل عليها، أو الموت في موضع فيه قاض تنتقض الإجارة؛ لأنه لا ضرورة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٣٣١ ]
تَنْفَسِخْ) مِثْلُ الوَكِيلِ وَالوَصِيِّ وَالمُتَوَلِّي فِي الوَقْفِ، لِانْعِدَامِ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ المَعْنَى.
قَالَ: (وَيَصِحُ شَرْطُ الخِيَارِ فِي الإِجَارَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَصِحُ؛ لِأَنَّ
وكذا في مسألة المزارعة يبقى عقد الإجارة استحسانًا للحاجة إلى دفع الضرر، فإن مثل هذه الحاجة تعتبر لإثبات عقد الإجارة ابتداءً، حتى إذا مضت المدة والزرع بَقْلُ يعقد بينهما عقد الإجارة إلى وقت الإدراك لدفع الضرر، فلأن يبقى العقد لدفع الضرر أولى، والمستحسن من القياس لا يرد نقضًا على القياس، كذا في المبسوط (^١)، والذخيرة.
وأما في مسألة الموكل فلأن المراد بالعاقد من وقع لأجله العقد، حتى لو كان عاقدًا ولم يقع العقد له كالوكيل، والأب، والوصي، والمتولي في فسخ الوقف لا ينفسخ العقد بموته لبقاء المستحق عليه والمستحق فيكون الاستحقاق على وفاق ما وجد العقد، كذا في الذخيرة.
وهذا معنى قوله: (لانعدام ما ذكرنا من المعنى).
قوله: (ويصح شرط الخيار في الإجارة)، ويعتبر ابتداء المدة من وقت سقوط الخيار، وبه قال أحمد، وقال الشافعي: لا يصح شرط الخيار فيه، وله في ثبوت خيار المجلس وجهان، ولو كانت الإجارة على عمل معين ففيه ثلاثة أوجه: لا يثبت فيها الخياران، وفي وجه يثبت فيها الخياران، وفي وجه يثبت خيار المجلس لا خيار الشرط، كذا في الحلية (^٢).
وفي المبسوط: رجل تكارى دارًا سنة على أنه فيها بالخيار ثلاثة أيام جاز عندنا، وفي أحد قولي الشافعي؛ لأن شرط الخيار يثبت في البيع بالنص بخلاف القياس، والإجارة ليست في معناه فلا يجوز شرط الخيار فيها (^٣).
وهذا لأن شرط الخيار للفسخ، ولا بد أن يتلف شيء من المعقود عليه في مدة الخيار وذا مانع من الفسخ إذ رد كل المعقود عليه بالفسخ مستحق بالخيار،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ١٦٠).
(٢) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٥/ ٤٠٥).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٥٠).
[ ٧ / ٣٣٢ ]
المُسْتَأْجِرَ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ المَعْقُودِ عَلَيْهِ بِكَمَالِهِ لَوْ كَانَ الخِيَارُ لَهُ لِفَوَاتِ بَعْضِهِ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُؤَجِّرِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّسْلِيمُ أَيْضًا عَلَى الكَمَالِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الخِيَارَ. وَلَنَا: أَنَّهُ عَقْدُ مُعَامَلَةٍ لَا يُسْتَحَقُّ القَبْضُ فِيهِ فِي المَجْلِسِ فَجَازَ اشْتِرَاطُ الخِيَارِ فِيهِ كَالبَيْعِ، وَالجَامِعُ بَيْنَهُمَا دَفْعُ الحَاجَةِ، وَفَوَاتُ بَعْضِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الإِجَارَةِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِخِيَارِ العَيْبِ، فَكَذَا بِخِيَارِ الشَّرْطِ، بِخِلَافِ البَيْعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ رَدَّ الكُلِّ مُمْكِنٌ فِي البَيْعِ دُونَ الإِجَارَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ دُونَهَا، وَلِهَذَا يُجْبَرُ المُسْتَأْجِرُ عَلَى القَبْضِ، إِذَا سَلَّمَ
ولا يقدر المستأجر على رد المعقود عليه على الكمال لو كان الخيار له، ولا يقدر المؤجر على التسليم أيضًا على الكمال لو كان الخيار له بخلاف البيع.
(ولنا أنه)، أي: عقد الإجارة (عقد معاملة)، وهذا احتراز عن النكاح فإن مطلق المعاملة ينصرف إلى المعاوضات، وفي بعض النسخ: (عقد مقابلة)، أي: معاوضة لا يستحق القبض فيه في المجلس، واحترز به عن الصرف والسلم فإن قبض البدل في المجلس شرط فيهما فلم يجز فيهما شرط الخيار، وإذا لم يستحق القبض فيه في المجلس ويحتمل الفسخ بالإقالة فيجوز شرط الخيار فيه كالبيع، وهذا لأن شرط الخيار إنما يثبت في البيع لدفع الغبن بالتروي فيه إذ البيع يقع بغتة، فالشرع أثبت الخيار ثم دفعها لهذه الحاجة، والإجارة في هذا كالبيع لأنها تقع بغتة وربما يغبن فيها فشرع الخيار فيها دفعا للغرور، ومنعا للزوم كذا في تعليقات البزدوي.
وهذا معنى قوله: (والجامع دفع الحاجة).
قوله: (وفوات بعض المعقود عليه بالإجارة لا يمنع الرد بخيار العيب)، أي: بالإجماع، فكذا لا يمنع الرد بخيار الشرط، بخلاف البيع فإن فوات بعض المعقود عليه يمنع الرد بخيار العيب والشرط.
(وهذا)، أي: الفرق بين البيع والإجارة (أن رد الكل ممكن في البيع دون الإجارة فيشترط رد الكل فيه)، أي: في البيع (دونه) أي: دون عقد الإجارة لما أن التكليف بحسب الوسع والطاقة، وهذا جواب عن حرف الخصم.
وقوله: (ولهذا يجبر المستأجر) إلى آخره نتيجة قولنا، أما عند الشافعي لا يجبر، وللمستأجر الفسخ في باقي المدة.
[ ٧ / ٣٣٣ ]
المُؤَخَّرَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ المُدَّةِ.
قَالَ: (وَتُفْسَخُ الإِجَارَةُ بِالأَعْذَارِ) عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تُفْسَخُ إِلَّا بِالعَيْبِ؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الأَعْيَانِ حَتَّى يَجُوزُ العَقْدُ عَلَيْهَا فَأَشْبَهَ البَيْعَ. وَلَنَا: أَنَّ المَنَافِعَ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ، وَهِيَ المَعْقُودُ عَلَيْهَا فَصَارَ العُذْرُ فِي الإِجَارَةِ كَالعَيْبِ قَبْلَ القَبْضِ فِي البَيْعِ فَتَنْفَسِخُ بِهِ، إِذْ المَعْنَى يَجْمَعُهُمَا وَهُوَ عَجْزُ العَاقِدِ عَنْ المُضِيِّ فِي مُوجِبِهِ، إِلَّا بِتَحَوُّلِ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ، … … .
يعني إذا استأجر دارا سنة حتى مضى شهر ثم تحاكما لم يكن للمستأجر أن يمتنع من القبض في باقي السنة عندنا، ولا للمؤاجر أن يمنعه من ذلك.
وقال الشافعي: للمستأجر أن يفسخ العقد فيما بقي، بناءً على أصله أن المنافع في حكم الأعيان، فبفوات بعض ما تناوله العقد يخير فيما بقي لاتحاد الصفقة، وتفرقت الصفقة عليه قبل التمام، وذلك مثبت حق الفسخ كما لو اشترى شيئين وهلك أحدهما، وعندنا عقد الإجارة في حكم عقود متفرقة حتى يتجدد انعقاده بحسب حدوث المنفعة فلا يمكن تفرق الصفقة مع تفرق العقود.
قوله: (وقال الشافعي لا تُفسخُ بالأعذار إلا بالعيب)، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور، وعند شريح يفسخ بعذر وبغير عذر فإن الإجارة عنده عقد غير لازم؛ لأنه عقد على المعدوم فلا يتعلق به اللزوم، كالعارية والجواز للحاجة، ولا حاجة إلى إثبات صفة اللزوم.
قوله: (فأشبه البيع)، فكما أن البيع لا يفسخ إلا بالعيب فكذا الإجارة.
ولنا أن العذر في الإجارة كالعيب الحاصل قبل القبض في البيع، وهذا لأن المعقود عليه وهو المنافع لا تصير مقبوضة إلا بالاستيفاء، والإجارة تفسخ بالعيب الحاصل قبل القبض، والجامع بينهما عجز العاقد عن المضي في موجب العقد إلا بضرر زائد.
(لم يستحق به)، أي: بالعقد فإن عندنا جواز هذا العقد للحاجة، ولزومه لتوفير المنفعة على المتعاقدين، فإذا آل الأمر إلى الضرر أخذنا فيه بأصل القياس، وقلنا: العقد في حكم المضاف في حق المعقود عليه، والإضافة في
[ ٧ / ٣٣٤ ]
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى العُذْرِ عِنْدَنَا (وَهُوَ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ حَدَّادًا لِيَقْلَعَ ضِرْسَهُ لِوَجَعِ بِهِ، فَسَكَنَ الوَجَعُ، أَوْ اسْتَأْجَرَ طَبَّاخًا لِيَطْبُخَ لَهُ طَعَامَ الوَلِيمَةِ، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ، تُفْسَخُ الإِجَارَةُ)؛ لِأَنَّ فِي المُضِيِّ عَلَيْهِ الْزَامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالعَقْدِ (وَكَذَا مَنْ اسْتَأْجَرَ دُكَّانًا فِي السُّوقِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ فَذَهَبَ مَالُهُ، وَكَذَا مَنْ أَجَّرَ دُكَّانًا، أَوْ دَارًا، ثُمَّ أَفْلَسَ، وَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا إِلَّا بِثَمَنِ مَا أَجَّرَ، فَسَخَ القَاضِي العَقْدَ وَبَاعَهَا فِي الدُّيُونِ)؛ لِأَنَّ فِي الجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ العَقْدِ إِلْزَامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ الحَبْسُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُصَدَّقُ عَلَى عَدَمِ مَالٍ آخَرَ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: (فَسَخَ القَاضِي العَقْدَ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى قَضَاءِ القَاضِي فِي النَّقْضِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي (الزِّيَادَاتِ) فِي عُذْرِ الدَّيْنِ، وَقَالَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عُذْرٌ فَإِنَّ الإِجَارَةَ فِيهِ تُنْتَقَضُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قَضَاءِ القَاضِي.
وَوَجْهُهُ: أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ العَيْبِ قَبْلَ القَبْضِ فِي المَبِيعِ عَلَى مَا مَرَّ، فَيَنْفَرِدُ العَاقِدُ بِالفَسْخِ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ … … .
عقود التمليكات تمنع اللزوم في الحال كالوصية، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (فاختلعت) أي: المرأة (منه) أي: من الزوج أو ماتت المرأة ففي هذين الصورتين تنفسخ الإجارة بالإجماع.
قوله: (تنتقض بدون القضاء)، أما بدون فسخ أحدهما فلا عند عامة المشايخ، فإن محمدًا لم يذكر في شيء من الكتب هذا، وإشارات الكتب متعارضة ففي بعضها يشير إلى أنه ينفسخ بنفس العذر، به أخذ بعض المشايخ.
وفي عامتها يشير إلى أنه يحتاج فيه إلى الفسخ وعليه عامة المشايخ، وهو الصحيح.
ثم يحتاج إلى القضاء أم لا فيه خلاف كما ذكر في المتن.
قوله: (إنه فصل مجتهد فيه)؛ لأن فيه خلاف الأئمة الثلاثة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/¬٢).
[ ٧ / ٣٣٥ ]
فَلَا بُدَّ مِنْ الْزَامِ القَاضِي، وَمِنْهُمْ مَنْ وَفَّقَ فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى القَضَاءِ لِظُهُورِ العُذْرِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ كَالدَّيْنِ يَحْتَاجُ إِلَى القَضَاءِ لِظُهُورِ العُذْرِ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةٌ لِيُسَافِرَ عَلَيْهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ مِنْ السَّفَرِ: فَهُوَ عُذْرٌ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَضَى
قوله: (العذر ظاهرًا) بأن ماتت المرأة أو اختلعت فيما إذا استأجره لطبخ طعام الوليمة، أو مات الولد إذا استأجره لِيَخْتِنَهُ.
وقال المحبوبي: هو الصحيح، أي: التوفيق فيما ذكر في الزيادات محمول على عذر يحتمل الاشتباه كما إذا لحق المؤجر وهو يدعي أنه لا وفاء له إلا من ثمن ما أجر؛ لأنه يحتمل أن يكون له وفاء من غير المستأجر، فيحتاج فيه إلى القضاء ليزول الاشتباه بالقضاء ويظهر العذر.
وما ذكر محمد في الجامع والأصل محمول على ما إذا كان العذر واضحًا لا اشتباه فيه فلا يحتاج إلى القضاء.
وجعل شمس الأئمة ما ذكر في الزيادات أصح؛ لأنه فصل مجتهد فيه فيحتاج فيه إلى القضاء، ذكره في المبسوط (^١).
ثم اختلفوا في فسخ القاضي، قيل: يبيع الدار فينفذ البيع فتنفسخ الإجارة ضمنًا، وإنما لا تنقض الإجارة قصدًا لأنه لو نقضها قصدًا بما لا يتفق البيع فيكون النقض إبطالًا لحق المستأجر قصدًا وأنه لا يجوز.
وقيل: تفسخ الإجارة ثم يبيع.
وفي الذخيرة: لو أظهر المستأجر في الدار الشر كشرب الخمر، وأكل الربا، والزنا، واللواطة يؤمر بالمعروف وليس للمؤجر ولا لجيرانه أن يخرجوه من الدار، وذلك لا يصير عذرًا في فسخ الإجارة، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة.
وفي الجواهر: إن رأى السلطان أن يخرجه فعل، وقال ابن حبيب المالكي: لو أظهر الفسق في دار نفسه ولم يمتنع بالأمر بالمعروف ويقول: داري أنا آتي فيها ما شئت، تباع عليه داره (^٢).
قوله: (ثم بدا له) أي: للمستأجر، يقال: بدا له في هذا الأمر بداءً
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/¬٣).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (٣/ ٥٢٥).
[ ٧ / ٣٣٦ ]
عَلَى مُوجِبِ العَقْدِ يَلْزَمُهُ ضَرَرٌ زَائِدٌ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَذْهَبُ لِلْحَجِّ فَذَهَبَ وَقْتُهُ، أَوْ لِطَلَبِ غَرِيمِهِ فَحَضَرَ، أَوْ لِلتِّجَارَةِ فَافْتَقَرَ (وَإِنْ بَدَا لِلْمُكَارِي فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعُذْرِ)؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْعُدَ وَيَبْعَثَ الدَّوَابَّ عَلَى يَدِ تِلْمِيذِهِ، أَوْ أَجِيرِهِ وَلَوْ مَرِضَ المُؤَاجِرُ فَقَعَدَ فَكَذَا الجَوَابُ عَلَى رِوَايَةِ الأَصْلِ. وَرَوَى الكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ عُذْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ ضَرَرٍ، فَيُدْفَعُ عَنْهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ دُونَ الاخْتِيَارِ (وَمَنْ آجَرَ عَبْدَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ: فَلَيْسَ بِعُذْرِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الضَّرَرُ بِالمُضِي عَلَى مُوجِبِ عَقْدٍ، وَإِنَّمَا يَفُوتُهُ الاسْتِرْبَاحُ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ زَائِدٌ
(ممدود)، أي: نشأ له فيه رأي، وهو ذو بدوات.
قوله: (ولو مرض المؤاجر) أي: المكاري، هذه المسألة في مرض المكاري، والأولى في بدائه، فكذا الجواب على رواية الأصل لا يمكنه أن يرسل من يتعاهد الدابة، وعلى رواية الكرخي عذر لأنه إذا مرض بعذر خروجه لا باختياره، وغيره لا يشفق على دابته ولا يتعاهدها مثله فيدفع عنه الضرورة أما إذا أراد أن يعقد باختياره فقد ترك الخروج باختياره فعليه أن يقيم غيره مقامه.
قوله: (فليس بعذر)، أي: هذا البيع في فسخ الإجارة إذا لم يكن عليه بدون الوفاء من غيره لأنه لا يلزمه الضرر بالمضي على موجب العقد، وإنما الحجر عن التصرف قبل المدة يلزمه بالتزامه، وإنما يفوته الاسترباح بأن يتصرف فيه قبل مضي المدة ويستربح.
(وأنه) أي: الاسترباح أمر (زائد) إذ لو نقضنا الإجارة به لما سلمت إجارة أبدا، ولبطلت حوائج الناس.
ثم هل يجوز هذا البيع؟ اختلفت الرواية فيه.
قال شمس الأئمة: والصحيح من الرواية أن البيع موقوف على سقوط حق المستأجر، وليس للمستأجر أن يفسخ البيع، وإليه مال الصدر الشهيد، حتى لو قال: ينبغي أن يكتب المفتي في جوابه: لا يجوز في حق المستأجر ولو جاء أيام الفسخ ينعقد البيع وتنفسخ الإجارة.
أما إذا تعذر الدين وحبس في الدين يجوز كما ذكرنا، قال عليه الصلاة
[ ٧ / ٣٣٧ ]
(وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الخَيَّاطُ غُلَامًا، فَأَفْلَسَ وَتَرَكَ العَمَلَ: فَهُوَ العُذْرُ)؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّرَرُ بِالمُضِيِّ عَلَى مُوجِبِ العَقْدِ لِفَوَاتِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ رَأْسُ مَالِهِ، وَتَأْوِيلُ المَسْأَلَةِ: خَيَّاطٌ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ، أَمَّا الَّذِي يَخِيطُ بِأَجْرٍ فَرَأْسُ مَالِهِ الخَيْطُ وَالمَخِيطُ وَالمِقْرَاضُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الإِفْلَاسُ فِيهِ. (وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَ الخِيَاطَةِ، وَأَنْ يَعْمَلَ فِي الصَّرْفِ: فَلَيْسَ
والسلام: «إِذَا اسْتَقْبَلَكَ بلاءُ فَاجْعَلْ مَالَكَ دُونَ نَفْسِكَ».
فإن قيل ينبغي أن لا يحبسه القاضي إذا علم أن الحق المستأجر تعلق بماله، بل يؤخر الحبس إلى انقضاء مدة الإجارة.
قلنا: القاضي لا يصدقه في أنه لا وفاء له إلا من ثمن المستأجر فيحبسه لهذا، كذا في الذخيرة، وجامع المحبوبي، وعند مالك، وأحمد، والشافعي في قول يصح هذا البيع، ويجب التسليم عند انقضاء الإجارة.
وقال الشافعي في قول: يصح البيع من المستأجر دون غيره؛ لأن يد المستأجر حائلة تمنع التسليم فيمنع صحته.
قيل في جوابه منعت التسليم من المال لا في الوقت الذي يجب التسليم، ويكفي القدرة على التسليم في وقته كالمُسْلَم فيه، وعندهم لو يعلم المشتري بالإجارة فله الخيار بين الفسخ والإمضاء لأن ذلك عيب ونقص.
قوله: (وتأويل المسألة خياط يعمل) بأن يشتري الثياب ويخيطها ويبيعها كما هو عرف أهل الكوفة لا الخياط الذي يعمل للناس قد يعجز عن ذلك بأن تظهر خيانته عند الناس فيمتنعون عن معاملته وتسليم العمل إليه، كذا في الذخيرة.
قوله: (ثم سافر فهو عذر) (^١)، أي: قصد السفر؛ لأن الحجز عن السفر لاستخدام العبد يضره ضررًا غير مستحق بالعقد لما فيه من تعطيل مصالح السفر، وخدمة السفر أشق على العبد فلا يجبر أن يسافر معه فيكون عذرًا.
وفي الذخيرة: لو قال المؤجر للقاضي إنه لا يريد السفر، ولكن يريد فسخ الإجارة، وقال المستأجر: أريد السفر، فيقول القاضي للمستأجر: مع من يخرج؟ فإن قال: مع فلان وفلان، فالقاضي يسألهم أن فلانًا، فهل يخرج
_________________
(١) انظر المتن ص ٣٣٩.
[ ٧ / ٣٣٨ ]
بِعُذْرٍ)؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُقْعِدَ الغُلَامَ لِلْخِيَاطَةِ فِي نَاحِيَةِ، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي الصَّرْفِ فِي نَاحِيَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَأْجَرَ دُكَّانًا لِلْخِيَاطَةِ فَأَرَادَ أَنْ يَتْرُكَهَا وَيَشْتَغِلَ بِعَمَلٍ آخَرَ، حَيْثُ جَعَلَهُ عُذْرًا ذَكَرَهُ فِي الأَصْلِ؛ لِأَنَّ الوَاحِدَ لَا يُمْكِنُهُ الجَمْعُ بَيْنَ العَمَلَيْنِ، أَمَّا هَاهُنَا العَامِلُ شَخْصَانِ فَأَمْكَنَهُمَا (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ غُلَامًا يَخْدُمُهُ فِي المِصْرِ، ثُمَّ سَافَرَ: فَهُوَ عُذْرٌ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ إِلْزَامِ ضَرَرٍ زَائِدٍ؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ أَشَقُّ، وَفِي المَنْعُ مِنْ السَّفَرِ ضَرَرٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالعَقْدِ فَيَكُونُ عُذْرًا وَكَذَا إِذَا أَطْلَقَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالحَضَرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا آجَرَ عَقَارًا ثُمَّ سَافَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ، إِذْ الْمُسْتَأْجِرُ يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ المَنْفَعَةِ مِنْ المَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ غَيْبَتِهِ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ المُسْتَأْجِرُ السَّفَرَ فَهُوَ عُذْرٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ المَنْعِ مِنْ السَّفَرِ، أَوْ إِلْزَامِ الأَجْرِ بِدُونِ السُّكْنَى وَذَلِكَ ضَرَرٌ.