وفي الذخيرة (^١): وكذا كل من أُوجِب عليه النفقة وأبي من الإنفاق - يحبس أبا كان أو أما أو جدًا أو جدةً أو زوجًا؛ لأن في ترك الإنفاق عليهم سعيًا إلى هلاكهم، ويجوز أن يحبس الوالد لقصده إلى إتلاف الولد.
قوله: (لسقوطها) أي: لسقوط نفقة الولد بمضي الزمان، أما الدين لا يسقط بمضي الزمان، فافترقا في هذا الحكم فيفترقان في حق الحبس.
وفي الذخيرة (^٢) والعبد لا يُحبس لمولاه؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا، وكذا لا يحبس المولى لعبده إذا لم يكن على العبد دين؛ لأنه إذا لم يكن دينه من جنس بدل الكتابة؛ لأن في الحبس له حق أخذه، فإذا أخذ يلتقيان قصاصا، وفي غير جنسه لا تقع المقاصة والمكاتب في اكتسابه بمنزلة الحر، فيكون له حق المطالبة من المولى، فيحبس عند مطله، أما المكاتب لا يحبس بدين الكتابة لمولاه؛ لأنه بالامتناع لا يصير ظالمًا، ولو كان عليه دين غير بدل الكتابة يحبس فيه؛ لأنه لا يتمكن من فسخ ذلك الدين وهو ظاهر الرواية.
وعن بعض مشايخنا: هما سواء؛ لأنه يتمكن من إسقاطه بتعجيز نفسه، فيسقط الدين عنه؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده دينًا، وفي ظاهر الرواية: أن بدل الكتابة صلة من وجه، بخلاف سائر الديون.
بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي
أورده عقيب الحبس لأنه من عمل القضاة أيضًا، ولكنه يحتاج بتمامه إلى اثنين، والحبس يتم بقاضٍ واحد، والواحد مقدم على الاثنين.
وفي المبسوط (^٣): القياس يأبى جواز العمل بكتاب القاضي إلى القاضي؛ لما فيه شبهة التزوير؛ إذ الخط يشبه الخط والخاتم يشبه الخاتم، إلا أنه جُوز لحاجة الناس إليه؛ لحديث علي أنه جوز لحاجة الناس إلى ذلك.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٣٥).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٣٦).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٩٥).
[ ٦ / ٤٠١ ]
قَالَ: (وَيُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي الحُقُوقِ إِذَا شَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ) لِلْحَاجَةِ عَلَى مَا تُبَيِّنُ (فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ حَكَمَ بِالشَّهَادَةِ) لِوُجُودِ الحُجَّةِ (وَكَتَبَ بِحُكْمِهِ) وَهُوَ المَدْعُو سِجِلًا وَإِنْ شَهِدُوا بِهِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الخَصْمِ: لَمْ يَحْكُمْ لِأَنَّ
وأصله ما روى الضحاك بن سفيان أن رسول الله ﷺ كتب: أَنْ أُوْرِثِ امرأة أشيح الضبابي من دِيَة زَوجَها، رواه أبو داود، والترمذي (^١)، وعليه أجمع (^٢) الفقهاء.
قوله: (في الحقوق) أي: الحقوق التي تثبت مع الشبهات؛ إذ في الحدود والقصاص لا تقبل عندنا، كما يجيء (^٣).
قوله: (إذا شُهد به) أي: بالكتاب (عنده) أي: عند القاضي المكتوب إليه، وشهد: على بناء المفعول.
قوله: (على خصم حكم بالشهادة)، والمراد من الخصم هنا الوكيل عن الغائب، أو المسخّر الذي جعل وكيلا لأجل إثبات الحق عليه، وإن لم يكن هو وكيلا عنه في الحقيقة؛ إذ لو كان المراد هو المدعى عليه نفسه لما احتيج إلى كتاب القاضي؛ إذ الحكم يتم على الخصم بحكمه، ولو لم يكن خصمًا أصلًا لا المدعى عليه ولا نائبه، وقد حكم القاضي بالشهادة كان قضى على الغائب، وهو لا يجوز عندنا، وعند الأئمة الثلاثة يجوز الحكم على الغائب، فلا يحتاج إلى خصم.
(وهو المدعو سجلا)؛ إذ السجل لا يكون إلا بعد الحكم والكتاب الحكمي، وهو المعروف بكتاب القاضي إلى القاضي لا يكون إلا قبل الحكم كما ذكر في المتن (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ١٢٩ رقم ٢٩٢٧)، والترمذي (٣/ ٧٩ رقم ١٤١٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٨٣ رقم الله ٢٦٤٢) من حديث الضحاك بن سفيان ﵁ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) انظر: الإجماع لابن المنذر (١/ ٦٥)، مراتب الإجماع لابن تيمة (١/ ٥١).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ٩٥)، البناية شرح الهداية (٩/¬٣٥).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٨٦)، البناية شرح الهداية (٩/¬٣٥).
[ ٦ / ٤٠٢ ]
القَضَاءَ عَلَى الغَائِبِ لَا يَجُوزُ (وَكَتَبَ بِالشَّهَادَةِ) لِيَحْكُمَ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ بِهَا، وَهَذَا هُوَ الكِتَابُ الحُكْمِيُّ، وَهُوَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ فِي الحَقِيقَةِ، وَيَخْتَصُّ بِشَرَائِطَ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَوَازُهُ لِمِسَاسِ الحَاجَةِ، لِأَنَّ المُدَّعِيَ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الجَمْعُ بَيْنَ شُهُودِهِ وَخَصْمِهِ فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَقَوْلُهُ: (فِي الحُقُوقِ) يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الدَّيْنُ، وَالنِّكَاحُ، وَالنَّسَبُ، وَالمَغْصُوبُ، وَالأَمَانَةُ المَجْحُودَةُ، وَالمُضَارَبَةُ المَجْحُودَةُ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ، وَهُوَ يُعْرَفُ بِالوَصْفِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الإِشَارَةِ، وَيُقْبَلُ فِي العَقَارِ أَيْضًا، لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِيهِ بِالتَّحْدِيدِ.
قوله: (وهو نقل الشهادة في الحقيقة)، يعني في السجل لا سبيل للمكتوب إليه برده وإن كان مخالفًا لمذهبه؛ لما أن حكم القاضي في السجل إذا وقع في مسألة مختلف فيها ليس لقاض آخر رده؛ لاتصال حكم القاضي به، بخلاف كتاب الحكمي، فإن للقاضي المكتوب إليه يجوز رده؛ لأنه لم يتصل به حكم، وهو بمنزلة الشهادة على الشهادة في الحقيقة.
ألا ترى أن للقاضي الأول أن يطلبه قبل أن يبعث به إلى الثاني، فإن الخصم لو حضر مجلسه لم يلزمه ذلك منها، فكذا للثاني ألا ينفذ بكتابه إلا أن يكون ذلك من رأيه. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (ويختص بشرائط) (^٢) ومن الشرائط: العلوم الخمسة، ذكرها في الذخيرة: هو أن يكون الكاتب معلومًا، والمكتوب إليه معلومًا، والمدعي به معلومًا، والمدعى عليه معلومًا، والمدعى به المعلوم، وشرائط أُخر نذكرها في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ثم إعلام كل واحد من هؤلاء المذكورين يكون بذكر اسمه واسم أبيه واسم جده، أو قبيلته؛ لأن إعلام الإنسان إذا كان غائبًا بهذه الأشياء، ولو لم يذكر اسم أبيه وجده لا يحصل التعريف بالاتفاق، وبذكر أبيه دون جده وقبيلته يحصل التعريف عند أبي حنيفة إن كان مشهورًا.
قوله: (لا يحتاج فيه إلى الإشارة)، فإن قيل: الإشارة في النكاح شرط عند
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٩٧).
(٢) انظر: المحيط البرهاني شرح الفقه النعماني (٨/ ١٣٢).
[ ٦ / ٤٠٣ ]
وَلَا يُقْبَلُ فِي الْأَعْيَانِ المَنْقُولَةِ لِلْحَاجَةِ إِلَى الإِشَارَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي العَبْدِ دُونَ الأَمَةِ لِغَلَبَةِ الإِبَاقِ فِيهِ دُونَهَا. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِمَا بِشَرَائِط
دعوى الرجل أو المرأة من الجانبين، وكذا في الأمانة والمغصوب وغيرهما، وكاتب هذه الأشياء، كالحيوان والعروض والثياب، ولا يُقبل كتاب القاضي في هذه الأشياء في ظاهر الرواية.
قلنا: دعوى نفس النكاح ونظائره لا يحتاج إلى الإشارة؛ لأنها من الأفعال، وإن كان يلزم في ضمنه الإشارة إلى نفس الرجل أو المرأة؛ إذ كل واحد خصم، والإشارة إلى الخصم شرط، وهو ليس بمدعى والمدعى الفعل، ومثل هذا يوجد في الدين أيضًا، فإنه يحتاج فيه أن يشير إلى رب الدين والمديون؛ لأن الدين في الذمة، والإشارة إلى الغريم والمديون شرط، والمدعي الدين، فكذا هاهنا. إليه أشار في شرح أدب القاضي للصدر الشهيد (^١).
(للحاجة إلى الإشارة) فلا يقبل عند أبي حنيفة ومحمد في العبيد والجواري أيضًا، وهو القياس، والمنصوص من الشافعي (^٢) أنه لا يجوز في المنقول، وهو أصح القولين عنده، واستحسن أبو يوسف في العبيد، فقال العبد يأبق من مولاه دون الأمة؛ لأن العبد يخدم خارج البيت، فيقدر على الإباق غالبًا، فتمس الحاجة إلى الكتاب، بخلاف الأمة، فإنها تخدم فلا تقدر على الإباق غالبًا، ولا تمس الحاجة، كذا في شرح أدب القاضي للصدر الشهيد (^٣).
قوله: (بشرائط) يعرف في موضعه من المبسوط (^٤) والذخيرة (^٥) وشرح أدب القاضي للصدر الشهيد (^٦) والمغني.
وما ذكرنا من أن يكتب من معلوم إلى معلوم في معلوم، ومنها أن يكلف المدعي أنه كان له عبد آبق، وهو اليوم في يد فلان بن فلان في البلد الفلاني، ويعرف المدعي غاية التعريف بصفته واسمه وسنه وقيمته والدار التي جلب منها،
_________________
(١) انظر: شرح أدب القاضي (٣/ ٢٨٢، ٢٨٣).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢١٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١٨٨).
(٣) انظر: شرح أدب القاضي (٣/ ٢٨٣).
(٤) المبسوط للسرخسي (١١/¬٢٤، ٢٥).
(٥) انظر: المحيط البرهاني شرح الفقه النعماني (٨/ ١٤٦، ١٤٧).
(٦) انظر: شرح أدب القاضي (٣/ ٢٨٣).
[ ٦ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإذا كتب وضم، كما يجيء بعدها، وورد الكتاب على المكتوب إليه أحضر القاضي المكتوب إليه المدعى عليه والعبد، فنظر في العبد وفي الكتاب، فإن وافق حلية الغلام ما في الكتاب ختم في عنق العبد من الرصاص، ودفع إلى المدعي من غير أن يقضى له بالملك، وأخذ منه كفيلا وأمره أن يذهب إلى القاضي الكاتب، فإذا جاء به إليه أمره الكاتب بإعادة البينة على أن هذا العبد بعينه ملكه، فإذا أعاد يقضي القاضي الكاتب بدله، ثم يكتب إلى قاضي تلك البلدة ليبرئ كفيله. كذا في المبسوط (^١) وغيره.
فإذا شهدوا بذلك ثانيًا اختلفت الرواية عن أبي يوسف؛ في رواية: يقضي ويرسل إلى قاضي المكتوب ليبرئ كفيله، كما ذكر في المبسوط (^٢)، وفي بعض الروايات عن أبي يوسف: لا يقضي للمدعي بالعبد؛ لأن الخصم غائب؛ بل يكتب كتابًا آخر إلى المكتوب إليه ليحضر المدعى عليه ويفكه بحضرته، ويحكم كذلك، ويبرئ الكفيل، هذا في العبد.
وفي الجارية: لا يدفعها المكتوب إليه إلى المدعي، ولكن يبعث بها معه على يد أمين؛ لأنه لو دفعها إليه لم يمتنع من وطئها وإن كان أمينًا في نفسه؛ لأنه يزعم أنها مملوكته، ولكن أبو حنيفة ومحمد قالا هذا استحسان فيه بعض القبح، فإنه إذا دفع إليه العبد يستخدمه قهرًا ويستغله، فيأكل من غلته قبل أن يثبت فيها بقضاء العبد له، وربما يظهر العبد لغيره؛ لأن الحلية والصفة يشتبهان، ألا ترى أن الرجلين المختلفين قد يتفقان في الحلية والصفة.
وفي الحلية: وحكى الشافعي عن بعض الحكام على مذهب القائلين بجواز الحكم ببادئ في القاضي المكتوب على العبد، فإذا تم ثمنه قال لمدعيه: ادفع ثمنه يكون موضوعًا على يد عدل، وخذ العبد فإن عيّنه شهودك إلى حكم القاضي به، وكتب إليَّ برد اليمين عليك، وإن لم يُعينوه لزمك ردّه، وأخذ اليمين من يد العدل (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/¬٢٥).
(٢) المبسوط للسرخسي (١١/¬٢٥).
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٨/ ١٥٦).
[ ٦ / ٤٠٥ ]
تُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي جَمِيعِ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ وَعَلَيْهِ المُتَأَخِّرُونَ (*).
قَالَ: (وَلَا يُقْبَلُ الكِتَابُ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِأَنَّ الْكِتَابَ يُشْبِهُ الكِتَابَ، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُلْزِمٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الحُجَّةِ،
قوله: (وعن محمد أنه يقبل في جميع ما يُنقل) وبه قال مالك (^١) وأحمد (^٢) والشافعي (^٣) في قول (وعليه المتأخرون) قال الإسبيجابي: وعليه الفتوى، ولكن شرط أن يكون المنقول مما يتميز بالعلامة، وكذا الشافعي في قول (^٤).
قوله: (وهذا) أي: اشتراط الحجة عند عامة الفقهاء، وعن الحسن البصري (^٥) والعنبري (^٦) والشعبي (^٧) وأبي ثور والإِصْطَخْرِي (^٨) من أصحاب الشافعي، وأبي يوسف في رواية، ومالك في رواية (^٩) أنهم قالوا: إذا كان يعرف خط القاضي الكاتب وختمه قبله، كما في كتاب الاستئمان من أهل الحرب، وكما في رسول القاضي إلى المزكى.
وقلنا: (إنه) أي كتاب القاضي (ملزم) إذ يجب على القاضي المكتوب إليه أن ينظر فيه ويعمل به (فلا بد من الحجة) حتى يثبت كونه ملزما، والحجة هي البينة.
أما كتاب الاستئمان ليس بملزم، فإن الإمام بالخيار؛ إن شاء أعطاه الأمان، وإن شاء لم يعطه، فلا تشترط فيه البينة.
_________________
(١) (*) الراجح: هو رواية محمد.
(٢) انظر: المدونة (٤/ ٤٦٣، ٤٦٢)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (١٠٢٧).
(٣) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٧٦)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (١١/ ٣٣٠)
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢١٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١٨٨).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢١٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١٨٨).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢١٣)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٨٤).
(٧) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢١٣)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٨٤).
(٨) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢١٣)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٨٤).
(٩) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢١٣)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٨٤).
(١٠) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٠٣)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٦٠).
[ ٦ / ٤٠٦ ]
بِخِلَافِ كِتَابِ الاِسْتِثْمَانِ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُلْزِمٍ، وَبِخِلَافِ رَسُولِ القَاضِي إِلَى المُزَكَّى وَرَسُولِهِ إِلَى القَاضِي، لِأَنَّ الإِلْزَامَ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالتَّزْكِيَةِ.
وكذا رسول القاضي إلى المزكى، ورسول المزكى إلى القاضي ليس بملزم، بل الملزم الشهادة؛ إذ القضاء مضاف إلى الشهادة، ولهذا لو أوصى بدون التزكية صح قضاؤه، وإنما التزكية لنوع رجحان الصدق.
فإن قيل: ما فائدة كتاب القاضي إلى القاضي، فالشاهدان على الكتاب يجوز أن يشهدا على شهادة الأصول، حتى لا يحتاج إلى الكتاب؟
قلنا: في الشهادة على الشهادة يحتاج القاضي الآخر إلى تعديل الشهود الأصول، وقد يتعذر معرفة عدالة الأصول في تلك البلدة، فلا يحصل المقصود، وهنا يكتب عدالة الشهود الذين شهدوا عنده، فلا يحتاج المكتوب إليه إلى التعديل ثانيًا.
وقيد الرسول بكونه مرسلًا إلى المزكى أو على العكس؛ لأن رسول القاضي إلى قاض آخر غير معتبر في لزوم القضاء على الآخر بدون بينة، ولا بالبينة.
والفرق بين كتابه ورسوله وجهان: أحدهما: أن القياس يأبى جواز كتاب القاضي إلى القاضي كما بينا، إلا أنا جوزنا بالأثر كما بينا، وأجمع التابعون على جوازه، ولم يرد مثل ذلك في الرسول، فعمل به القياس.
والثاني: أن الكتاب من القاضي جُعِل كالخطاب في موضع القضاء المكتوب، والكتاب وجد من موضع القضاء، فيكون كالخطاب في موضع القضاء، فيكون حجة، أما الرسول عند أداء الرسالة كان ذلك مرسلًا حضر في هذا الموضع يبلغه، ألا ترى أن مجيز تزويج الولي في تزويج ابنته البالغة لو كان فضوليا - يشترط فيه العدد أو العدالة على قول أبي حنيفة، ولو كان رسولًا لا يشترط بالإجماع؛ لقيامه مقام المرسل وقت التبليغ، فلما كان هذا من المرسل بمنزلة خطاب المرسل، والمرسل في هذا الموضع ليس بقاض.
وقوله: (في غير موضع قضائه) كقول واحد من الرعايا، فلذلك لم يقبل قول رسوله، ويقبل كتابه. إلى هذا أشار في الذخيرة (^١).
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني شرح الفقه النعماني (٨/ ١٥٣).
[ ٦ / ٤٠٧ ]
قَالَ: (وَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأُ الكِتَابَ عَلَيْهِمْ لِيَعْرِفُوا مَا فِيهِ أَوْ يُعْلِمَهُمْ بِهِ) لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ بِدُونِ العِلْمِ ثُمَّ يَخْتِمَهُ بِحَضْرَتِهِمْ وَيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ كَيْ لَا يُتَوَهَّمَ التَّغْيِيرُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، لِأَنَّ عِلْمَ مَا فِي الكِتَابِ وَالخَتْمِ بِحَضْرَتِهِمْ شَرْطٌ، وَكَذَا حِفْظُ مَا فِي الكِتَابِ عِنْدَهُمَا، وَلِهَذَا يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ كِتَابٌ آخَرُ غَيْرُ مَحْتُومٍ لِيَكُونَ مَعَهُمْ مُعَاوَنَةٌ عَلَى حِفْظِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ آخِرًا: شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطِ، وَالشَّرْطُ: أَنْ يُشْهِدَهُمْ أَنَّ هَذَا كِتَابُهُ وَخَتْمُهُ،
قوله: (ويجب أن يقرأ القاضي الكتاب عليهم) أي: على الشهود على كتابه (أو يعلمهم به) أي: بما في الكتاب يعني.
علم ما في الكتاب شرط عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي (^١) وأحمد (^٢) ومالك (^٣) في رواية.
وإعلامهم يحصل بطريقين إما بقراءة الكتاب عليهم، أو باختياره لهم بما في الكتاب.
(والشرط) أي: عند أبي يوسف (أن يشهدهم أن هذا كتابه وختمه)، وبه قال مالك في رواية، ويُسلّم الكتاب إلى المدعي، وعليه عمل القضاة اليوم، وهو اختيار الفتوى على قول شمس الأئمة.
وعلى قول أبي حنيفة ومحمد: يُسلّم الكتاب إلى الشهود، وأجمعوا في الصك أن الإشهاد عليه لا يصح ما لم يعلم الشاهد ما في الكتاب، فاحفظ هذا، فإن الناس اعتادوا بخلاف ذلك، حيث يشهدون على ما في الصك من غير قراءة الحدود وغير ذلك.
قيل: كذا في مختلفات القاضي الغني، وما قالاه احتياطا، وما قاله أبو يوسف توسع.
_________________
(١) انظر: الأم (٦/ ٢٢٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١٧٨، ١٧٩).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٤٢)، المغني (١٠/ ٨٤، ٨٥).
(٣) انظر: المدونة (٤/ ٥٢٢)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٢٦).
[ ٦ / ٤٠٨ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الخَتْمَ لَيْسَ بِشَرْطِ أَيْضًا (*)، فَسَهَّلَ فِي ذَلِكَ لَمَّا ابْتُلِيَ بِالقَضَاءِ وَلَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ. وَاخْتَارَ شَمْسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
ومن الشرائط عندهما: أن يحفظوا الشهادة بما في الكتاب من وقت التحمل إلى وقت الأداء، كما في جميع الشهادات. كذا في الذخيرة (^١).
ومن الشرائط عندهما: أن يكون الكتاب معنونًا بأن يكتب فيه: هذا كتاب من فلان بن فلان قاضي بلد كذا إلى فلان بن فلان القاضي، والشرط العنوان الباطن عندهما لا عنوان الظاهر، حتى لو ترك العنوان الظاهر اكتفى المكتوب إليه بالعنوان الباطن - جاز، وعلى العكس لا يجوز.
وصورة العنوان الظاهر في زماننا أن يكتب قبل كتابة التسمية من جانب اليسار: من فلان بن فلان إلى القاضي الإمام فلان بن فلان قاضي بلد كذا، أو يكتب في جنب اليمين فوق كتابة التسمية: بسم الله الملك الحق المبين - ونحو ذلك -، إلى القاضي الإمام فلان بن فلان قاضي بلد كذا، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم.
فإن كتب: إلى قاضي بلد كذا، وفي البلد قاضيان لا يصح، ولو كان قاضيًا واحدًا يصح.
ثم يكتب على ظهر الكتاب من قبل اليسار على الصدر: من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان قاضي بلد كذا ونواحيها، ويكتب على الظهر من قبل اليمين: بسم الله الملك الحق المبين إلى قاضي بلد كذا فلان بن فلان، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم، ثم يكتب بعد التسمية: هذا كتابي - أطال الله بقاء فلان القاضي - إلى آخره، كما هو الرسم في الكتاب، ثم يكتب: أما بعد.
ثم إذا كان القاضي يعرف المُدّعي بوجهه واسمه ونسبه يكتب في كتابه: حضر في مجلس قضائي في بلد كذا، وأنا مقيم بها، نافذ القضاء من جهة فلان، كما هو الرسم، ويذكر حليته.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: المحيط البرهاني شرح الفقه النعماني (٨/ ١٣٦).
[ ٦ / ٤٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن لم يعرفه بوجهه وهو يقول: أنا فلان بن فلان، يسأل عنه البينة، ويذكر في كتابه: حضر رجل يزعم أنه فلان بن فلان، ولم أعرفه، فسألت عنه البينة، ويذكر أسماء الشهود وأنسابهم وحلاهم ومساكنهم؛ إن كتب ذلك كان أولى، وإن لم يكتب أسماءهم وأنسابهم، واكتفى بقوله: فأقام شهودًا عدولًا عرفتهم بالعدالة، أو سألت عنهم فعدلوا أو عرفوا بالعدالة - جاز.
ثم يذكر بعد ذلك: فشهدوا أنه فلان بن فلان، ويستقصى في تعريفه؛ فإن ذكر قبيلته مع ذلك كان أبلغ، وإن ترك لا يضره.
لو لم يذكر جده لا يتم تعريفه في قول أبي حنيفة، ويتم في قولهما. وكذا الخلاف لو ذكر قبيلته أو صناعته لا يكون تعريفا بالاتفاق.
ثم يكتب: من غير خصم أحضره، ولا نائب عن خصم حضر معه، وادعى أن له دارًا في بلدة كذا في محلة كذا، وذكر حدودها في يد رجل يقال له: فلان ابن فلان، يُعرِّف المدعى عليه على وجه التمام وإن كان رجلا مشهورا لا يحتاج إلى هذا، بل يكتب: ادعى على فلان ولا بد أن يذكر: ادعى المدعي أنه غائب عن هذه البلدة مسيرة سفر؛ لأن بين العلماء اختلافًا في تقدير المسافة التي يجوز كتاب القاضي إلى القاضي فيها، وكثير من مشايخنا قالوا: لا يجوز فيما دون مسيرة السفر، وبه قال الشافعي (^١) وأحمد (^٢) في وجه.
وحكى الطحاوي (^٣) عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يجوز فيما دون السفر، قال بعض المتأخرين من أصحابنا: هذا مذهب أبي يوسف ومحمد، وبه قال مالك (^٤)، والذي يقتضي مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز، كالشهادة على الشهادة.
ثم يكتب: وهو جاحد لدعوى المدعي هذا، وشهوده على صحة دعواه هاهنا، ويتعذر عليه الجمع بينه وبينهم، فسألني الاستماع إلى شهادتهم لأكتب
_________________
(١) انظر: الأم (٦/ ٢٢٩)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٥٣٦).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٤٢)، المغني (١٠/ ٨١).
(٣) انظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (٣/ ٣٦٣).
(٤) انظر: المدونة (٤/¬١٤)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٥٥).
[ ٦ / ٤١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بما صح عندي من شهادتهم إلى القاضي فلان، فأجبته إليه، فأحضرتهم، وهم فلان وفلان، يكتب اسم كل واحد ونسبه وقبيلته وتجارته إن كان تاجرا، ومصلاه وتحليته بتمام التعريف، فشهد كل من هؤلاء بعد دعوى المدعي هذا، والاستشهاد منهم شهادة مستقيمة متفقة اللفظ والمعنى، هكذا روي عن محمد.
قالوا: ينبغي ألا يكتفي بهذا القدر، بل يفسر الشهادة ويبينها، فيكتب: أما الأول فشهد بكذا، وفسر شهادته وبينها، فإن كان المدعى به عقارًا يذكر موضعه وحدوده الأربعة، وإن كان غلامًا يذكر اسمه وحليته وصفته وحرفته واسم مولاه واسم أبيه وجده، وكذا في الدين يذكر قدره وجنسه وصفته كما هو المعروف، فيكتب: شهدوا أن لفلان المدعي على فلان بن فلان هذا الذي ذكر اسمه ونسبه في هذا الكتاب - أداء هذا المال ليقبضه لنفسه.
وقد اختلف المتأخرون في أنه هل يشترط ذكره هذا؟ والصحيح أنه لا يشترط، ويشترط بيان سبب الدين لتكون الشهادة موافقة للدعوى.
ثم يكتب: وشهد كل واحد من الباقين بمثل شهادته هذه، وأشار في مواضع الإشارات، ولا يكتب على مثل شهادته.
ثم يكتب: فأتوا بالشهادة على وجهها، وساقوها على سننها، فسمعتها وأثبتتها في المحضر المجلد في ديوان الحكم، ثم بعد ذلك إن عرف القاضي الشهود أثبت ذلك في الكتاب، وهم معروفون عندي بالعدالة والرضا، وإن لم يعرفهم سأل المزكي عن حالهم إلى من إليه التزكية والتعديل، وهم فلان وفلان ونسباهم إلى العدالة والرضا وقبول القول، ثم الكاتب بعدما ظهرت عدالة الذين شهدوا بالحق عنده يُحلّف المدعي بالله ما قبضت هذا المال منه، ولا يعلم أن رسولك ووكيلك قبض منه، ويستحلف مع أن أحدًا لا يدعي عليه شيئًا؛ لأن القاضي نصب ناظرًا لكل من عجز عن النظر لنفسه، والغائب عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، فنظر له القاضي.
وإذا كتب الكتاب بالصفة التي ذكرنا يكتب في آخر الكتاب: يقول القاضي
[ ٦ / ٤١١ ]
قَالَ: (وَإِذَا وَصَلَ إِلَى القَاضِي لَمْ يَقْبَلْهُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الخَصْمِ)
فلان بن فلان قاضي بلد كذا: كتب هذا الكتاب عني بأمري - إن كان كاتبه غير القاضي - وجرى الأمر على ما يبين فيه مني وعندي، وهو كما كتب فيه، وهو معنون بعنوانين؛ عنوان على ظاهره وعنوان في باطنه، وهو مختوم بخاتمي، ونقش خاتمي كذا، وهو مكتوب على ثلاثة أنصاف من الكاغد، وهو موقع بتوقيعي بكذا، كتبت التوقيع على صدره، أشهدت عليه شهودًا، وهم فلان بن فلان وفلان بن فلان يذكر أسماءهم وأنسابهم وحلاهم، وقرأت الكتاب عليهم وأعلمتهم بما فيه، وختمت الكتاب بمحضر منهم، وأشهدتهم على جميع ذلك، وكتبت هذه الأسطر في آخره، وهي كذا خطا بخطي في تاريخ كذا، ولا يكتب في آخر الكتاب إن شاء.
وينبغي أن يكتب نسختين؛ نسخة في يد المُدّعي مختومًا، وبتلك النسخة من غير زيادة ولا نقصان، نسخة أخرى في يد الشهود؛ لأن علم الشاهد بما في الكتاب شرط عند أبي حنيفة ومحمد. كذا في فتاوى قاضي خان (^١) والمغني.
هذا الذي ذكرنا كله من جانب الكتابة.
ثم شرع في بيان أحكام المكتوب إليه.
قوله: (وإذا وصل إلى القاضي) إلى آخره (لم يقبله) أي: الكتاب، وفي بعض النسخ (لم يَفْتَكَّه) ولكن الأول أوفق لرواية الكتب من الجوامع وفتاوي قاضي خان، فإنه قال: يجمع بين المدعي وخصمه، فإذا حضر وأقر استغنى عن الكتاب، وإذا أنكره المكتوب إليه يقول له: لا بد لك من حجة، فإن قال معي كتاب القاضي، قال أبو يوسف: يأخذ الكتاب بلا بينة، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يأخذه بلا بينة، فإذا شهدوا أنه كتاب فلان القاضي إليك، وهو مختوم بختمه يقبله، ولا يفتحه حتى يسأل عن الشهود في قولهما عما في الكتاب.
وفي المبسوط (^٢): لا يفتح الكتاب إلا بمحضر من الخصم، وهذا يدل على
_________________
(١) فتاو قاضي خان (٢/ ٤٩٢).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٩٥، ٩٦).
[ ٦ / ٤١٢ ]
لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ، بِخِلَافِ سَمَاعِ القَاضِي الكَاتِبَ، لِأَنَّهُ لِلنَّقْلِ لَا لِلْحُكم.
قَالَ: (فَإِذَا سَلَّمَهُ الشُّهُودُ إِلَيْهِ: نَظَرَ إِلَى خَتْمِهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ القَاضِي، سَلَّمَهُ إِلَيْنَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وقَضَائِهِ، وَقَرَأَهُ عَلَيْنَا وَخَتَمَهُ، فَتَحَهُ القَاضِي وَقَرَأَهُ عَلَى الخَصْمِ وَأَلْزَمَهُ مَا فِيهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُهُ وَخَاتَمُهُ قَبِلَهُ (*) عَلَى مَا مَرَّ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الكِتَابِ ظُهُورُ العَدَالَةِ لِلْفَتْحِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَفُضُ الكِتَابَ بَعْدَ ثُبُوتِ
جواز القبول بدون حضرة الخصم، ولا يجوز الفتح، وإليه أشار في الذخيرة (^١).
(لأنه) أي: الكتاب (بمنزلة الشهادة) أي: في معنى الشهادة على الشهادة؛ لأن القاضي ينقل ألفاظ الشهود بكتابه إلى المكتوب إليه، كما أن شاهد الفرع ينقل شهادة شاهد الأصل بعبارته، بخلاف سماع القاضي، فإنه يسمع الشهادة وإن كان الخصم وهو المدعى عليه غالبًا؛ لما أن سماعه لا للحكم بل للنقل، فكان سماع تلك الشهادة بمنزلة تحمل الفرع شهادة الأصول، وفي التحمل لم يشترط حضور الخصم، فكذا هاهنا.
قوله: (ولم يشترط في الكتاب ظهور العدالة للفتح) حيث قال: (فإن شهدوا أنه كتاب فلان القاضي)، إلى قوله: (فتحه)، ولم يقل: فإذا شهدوا وعدلوا، فعلم بهذا أنه لم يشترط العدالة للفتح (^٢).
وقوله: (والصحيح أنه يفض) أي: يفتح، احتراز عن هذه الرواية، والذي اختاره المصنف موافق لشرح أدب القاضي للصدر الشهيد (^٣)، ومخالف لما اختاره في المغني فإنه قال فيه: وذكر الخصاف: لا يفتح قبل ظهور العدالة، ثم قال: ما قال محمد أصح، أي: يجوز الفتح بالشهادة بكتاب القاضي وختمه من غر تعرض عدالة الشهود.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: المحيط البرهاني شرح الفقه النعماني (٨/ ١٥٨).
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من الأصول الخطية، واستفدناها من رسالة جامعية عنيت بتحقيق جزء من الكتاب، من أول كتاب الحوالة، إلى كتاب الشهادات.
(٤) انظر: شرح أدب القاضي (٣/ ٣١٦).
[ ٦ / ٤١٣ ]
العَدَالَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الخَصَّافُ ﵀، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةِ الشُّهُودِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُمْ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بَعْدَ قِيَامِ الخَتْمِ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ الكَاتِبُ عَلَى القَضَاءِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ أَوْ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ قَبْلَ وُصُولِ الكِتَابِ لَا يَقْبَلُهُ،
قوله: (أو لم يبق أهلا للقضاء) بأن جن، أو فسق، أو صار أعمى.
وفي الذخيرة: إذا مات الكاتب أو عُزل قبل أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه - لا يعمل المكتوب إليه به عندنا، وقال أبو يوسف والشافعي (^١): يعمل به، وقال أحمد (^٢): لأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة؛ لأنه بكتابه ينقل شهادة الذين شهدوا عنده بالحق إلى المكتوب إليه، والنقل قد تم بالكتابة به، فكان بمنزلة شهود الفرع لا يمنع القضاء.
وقلنا: نعم إن الكاتب ينقل الشهادة إلا أن لهذا النقل حكم القضاء، ولهذا لا يصح هذا النقل إلا من القاضي، ولم يشترط فيه العدد ولفظ الشهادة، ووجب على القاضي الكاتب هذا النقل لسماع البينة قضاء، فدل أن لهذا النقل حكم القضاء ولم يتم بعد؛ لأن تمامه بوجوب القضاء على المكتوب إليه، ولا يجب القضاء على المكتوب إليه قبل وصول الكتاب إليه وقبل قراءته، فلم يكن النقل تاما فبطل بموت القاضي، كما في سائر الأقضية إذا مات القاضي قبل إتمامها، ولو قبله مع هذا وقضى به، ثم رفع إلى قاض آخر أمضاه؛ لأن قضاءه صادف مجتهدا.
وكذا الجواب فيما إذا مات بعد وصول الكتاب إليه قبل القراءة لا وجوب القضاء على المكتوب إليه عند القراءة، فلم يكن الفعل تاما، ولو مات بعد الوصول والقراءة فالمكتوب إليه يعمل به. هكذا ذكر في ظاهر الرواية.
وكذا لو مات المكتوب إليه أو عُزل أو ولى غيره - لا يعمل الذي قام مقامه به عندنا، وقال الشافعي (^٣) وأحمد (^٤): يعمل به؛ لأن المقول شهادة الشهود
_________________
(١) انظر: الأم (٦/ ٢٢٨)، الحاوي الكبير (١٦/ ٢٣١).
(٢) انظر: المغني (١٠/ ٨٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٧٧).
(٣) انظر: الأم (٦/ ٢٢٨)، الحاوي الكبير (١٦/ ٢٣١).
(٤) انظر: المغني (١٠/ ٨٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٧٧).
[ ٦ / ٤١٤ ]
لِأَنَّهُ التَحَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ إِخْبَارُهُ قَاضِيَا آخَرَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ أَوْ فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، وَكَذَا لَوْ مَاتَ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ، إِلَّا إِذَا كَتَبَ إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلْدَةِ كَذَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ، لِأَنَّ غَيْرَهُ صَارَ تَبَعًا لَهُ وَهُوَ مُعَرَّفٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَتَبَ ابْتِدَاءً إِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَرَّفٍ، وَلَوْ كَانَ مَاتَ الخَصْمُ يَنْفُذُ الكِتَابُ عَلَى وَارِثِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ.
على ما حفظوه وتحملوه، ومن تحمل شهادة وشهد بها وجب على كل قاض الحكم بشهادته، وكما لو قال إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين.
وقلنا: إن القاضي الكاتب علم الأول وأمانته، والقضاة يتفاوتون في أداء الأمانة؛ لأنهم غير معصومين عن الخيانة، فصاروا كالأمناء في الأموال، فهناك يصح التعيين، فكذا هاهنا، بخلاف ما إذا كتب: وإلى كل من يصل من قضاة المسلمين وحكامهم، فذلك لا يجوز في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يجوز.
والظاهر أن محمدًا مع أبي حنيفة، وبقول أبي يوسف قال الشافعي (^١) وأحمد (^٢) وأبو يوسف توسع فيه حين ابتلي بالقضاء، واستحسن كثيرًا من المسائل تسهيلا للأمر على الناس، وأبو حنيفة أخذ بالاحتياط، فإن إعلام الكاتب والمكتوب إليه شرط صحة الكتاب بالاتفاق، وتمام الإعلام لا يحصل بهذا القدر، بخلاف ما إذا عيّن قاضيًا وعرفه ثم كتب إلى كل من يصل كتابي هذا؛ لأنه لما عرف الأول صحت كتابة القاضي إليه، فيجعل المضموم تبعًا له، وكم من شيء يثبت تبعًا ولا يثبت قصدًا، وله نظائر كثيرة. كذا في الذخيرة (^٣).
قوله: (ينفذ الكتاب على وارثه) وفي المحيط (^٤): سواء كان تاريخ الكتاب قبل موت المطلوب أو بعده، ولا خلاف فيه.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢٢٤)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١٨١).
(٢) انظر: المغني (١٠/ ٨٣)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٣٩٣).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ١٣٤).
(٤) انظر: المحيط البرهاني شرح الفقه النعماني (٨/ ١٥٢).
[ ٦ / ٤١٥ ]
(وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ) لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ البَدَلِيَّةِ، فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ مَبْنَاهُمَا عَلَى الإِسْقَاطِ وَفِي قَبُولِهِ سَعْيٌ فِي إِثْبَاتِهِمَا.