قَالَ: (وَإِذَا كَانَ العَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يُكَاتِبَ نَصِيبَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَيَقْبِضَ بَدَلَ الكِتَابَةِ فَكَاتَبَ وَقَبَضَ بَعْضَ الأَلْفِ، ثُمَّ عَجَزَ، فَالمَالُ لِلَّذِي قَبَضَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،
ولهذا وضع المسألة في المبسوط في الأولاد الصغار ليفيد هذه الفائدة، ولكن اختار في الجامع الصغير لفظ التثنية لأنه أقل ما يتحقق فيه هذه الفائدة.
وفي الكافي: وليس جوازه منها على ابنيها بطريق الولاية إذ لا ولاية للأم الحرة على ولدها فكيف تثبت للأمة بل جعلت نفسها أصلا في الكتابة فيجوز عليها قصدًا وعليهما تبعًا استحسانًا كما في كتابة الحاضر على نفسه وعلى عبد الغائب.
قوله: (على ما بينا في المسألة الأولى) وهي كتابة العبد عن نفسه وعن العبد الغائب (وهي) أي: الأم (أولى بذلك من الأجنبي) أي: لما جاز هذا العقد في حق الأجنبي على ما ذكر في المسألة الأولى فأولى أن يجوز عقد الأم في حق ولدها؛ لأن ولدها أقرب إليها من الأجنبي.
بَابُ كِتَابَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ
ذكر كتابة رجلين بعد كتابة الواحد لما أن الاثنين بعد الواحد.
اعلم أن كتابة أحد الشريكين نصيبه بغير إذن صاحبه لم تجز عند الشافعي ومالك؛ لتضرر شريكه، وعندنا تجوز ولصاحبه نقضه، وعند أحمد والحسن وابن أبي ليلى تجوز ولا ينقضه صاحبه، فإذا أدى العبد البدل ومثله للساكت بعتق وبإذن صاحبه يجوز، وبه قال الشافعي في قول، وفي قول لا يجوز، وبه قال مالك.
قوله: (أن يكاتب نصيبه) أي: نصيب المأذون.
قوله: (وأصله) أي: أصل قوله: (أن المال للذي قبض عند أبي حنيفة)
_________________
(١) انظر المتن ص ٤٠٤.
[ ٧ / ٤٠٣ ]
وَقَالَا: هُوَ مُكَاتَبٌ بَيْنَهُمَا وَمَا أَدَّى فَهُوَ بَيْنَهُمَا) (•) وَأَصْلُهُ: أَنَّ الكِتَابَةَ تَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ، خِلَافًا لَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ الإِعْتَاقِ، لِأَنَّهَا تُفِيدُ الحُرِّيَّةَ مِنْ وَجْهِ، فَتَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ عِنْدَهُ لِلتَّجَزُّةِ، وَفَائِدَةُ الإِذْنِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حَقُّ الفَسْخِ كَمَا يَكُونُ لَهُ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ، وَإِذْنُهُ لَهُ بِقَبْضِ البَدَلِ إِذْنٌ لِلْعَبْدِ بِالأَدَاءِ، فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِنَصِيبِهِ عَلَيْهِ،
وعندهما هو بينهما، وذلك لأنه لما كان لا تتجزأ الكتابة عندهما كان بكتابته أحدهما نصيبه صار كله مكاتبا، والإذن بكتابة نصيبه إذن بكتابة الكل، فيصير البدل لهما جميعا، كما لو كاتباه جميعا وعجز وفي يده أكساب يكون الاكتساب بينهما، فكذا هاهنا، وعند أبي حنيفة لما كان يتجزأ كالإعتاق اقتصرت الكتابة على نصيب المكاتب، وليس للآخر حق النقض؛ لأنه كاتب بإذنه.
(وإذنه) أي: إذن الشريك (له) أي: للشريك المكاتب (بقبض البدل).
(فيكون) أي: الشريك الآذن (متبرعا بنصيبه) من الكسب.
(عليه) أي: على المكاتب، فيكون المكاتب أحق به أو يقول: لما أذن صار نصيب المكاتب عنده مكاتبا، ويبقى نصيب الآذن عبدا، فكان كسبه بعضه مملوكًا للمكاتب وبعضه لمولاه، فمتى أذن الذي لم يكاتب لشريكه بقبض بدل الكتابة فقد أذن لعبده بقضاء دينه من كسبه، فيكون الآذن متبرعًا بنصيب نفسه من الكسب على العبد، فإذا تم تبرعه بقبض الشريك المكاتب لم يرجع، فصار كما لو وهب من مكاتبه شيئًا ثم المكاتب ملكه من غيره بعوض وعجز.
وفي الكافي: ليس للساكت أن يأخذ منه نصفه؛ لأن [الإذن] (^١) له بقبض البدل إذن للمكاتب بالأداء، والإذن بالأداء تبرع منه بنصيبه من الكسب على المكاتب، وقد تم بقبض المكاتب فسلم كله له كَرَبِّ الوديعة إذا أمر المودع بقضاء دينه من الوديعة فقضى لم يبق لرب الوديعة عليه سبيل فكذا هذا، إلا إذا نهاه قبل الأداء فيصح نهيه؛ لأنه تبرع ولم يتم.
ولو أذن وهو مريض وأدى من كسبه بعض الكتابة صح من كل ماله؛ لأن الكسب إذا لم يكن موجودًا حالة الإذن فالآذن لم يتبرع بشيء من ماله حتى يعتبر
_________________
(١) (•) الراجح: قول الصاحين.
(٢) في الأصل (للآذن)، وما أثبتناه من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من الثلث، وإنما يتبرع بمنافع العبد حيث أذن له بصرفها في أداء بدل الكتابة، وتبرع المريض بالمنافع يعتبر من جميع المال لا من الثلث؛ لأن حق الورثة يتعلق بالأعيان لا بالمنافع، وإن كان قد اكتسب قبل الكتابة فأذن له في أداء بدل الكتابة يعتبر من الثلث؛ لوجود الكسب وقت الإذن وتعلق حق الورثة به.
فإن قيل: للمتبرع أن يرجع بما تبرع إذا لم يحصل مقصوده من التبرع كمن تبرع بأداء الثمن عن المشتري ثم هلك المبيع قبل القبض يرجع بما تبرع، إذ المقصود -وهو سلامة المبيع للمشتري- لم يحصل، وكذا لو تبرع بالمهر عن الزوج ثم جاءت الفرقة من جهتها قبل الدخول يرجع بما تبرع؛ لأن مقصوده وهو سلامة البضع للزوج - لم يحصل، وهاهنا أيضًا مقصوده بالإذن بالتبرع حصول عتقه ولم يحصل بالعجز.
قلنا: المتبرع عليه هاهنا المكاتب من وجه من حيث إن مقصود الآذن عتقه، وبعد العجز صار مرقوقًا له من كل وجه، والمولى لا يستوجب على عبده دينا ولا عيبًا، خصوصًا إذا خرج عن يده بالتسليم إلى المكاتب، بخلاف الزوجة والبائع؛ لأن ذمتهما صالحة لوجوب دين المتبرع؛ فيثبت له حق الرجوع إذا لم يحصل مقصوده، كذا ذكره المحبوبي وقاضي خان.
قوله: (وفائدة الإذن أن لا يكون له حق الفسخ) (^١) وإنما ذكر هذا لئلا يتوهم أن الإذن شرط في حق جواز كتابة نصيبه، فإنه لو كانت نصيبه صحت الكتابة ونفذت بالإجماع عند أبي حنيفة في نصيبه، وعندهما في الكل، وثبت للساكت حق الفسخ بالاتفاق، فلو لم يفسخ حتى أدى البدل عتق حظه عند أبي حنيفة، وللساكت أن يأخذ من المكاتب نصف ما أخذ من البدل؛ لأنه كسب عبد مشترك.
فإن قيل: الكتابة إما عقد معاوضة أو إعتاق معلق بأداء المال، فلو باع نصيبه أو أعتق أو دبر أو علق عتقه بأداء بغير إذن شريكه ليس للساكت أن يفسخه، فينبغي أن يكون في الكتابة كذلك.
_________________
(١) انظر المتن ص ٤٠٤.
[ ٧ / ٤٠٥ ]
فَلِهَذَا كَانَ كُلُّ المَقْبُوضِ لَهُ. وَعِنْدَهُمَا: الإِذْنُ بِكِتَابَةِ نَصِيبِهِ إِذْنٌ بِكِتَابَةِ الكُلِّ لِعَدَمِ التَّجَزُّةِ، فَهُوَ أَصِيلٌ فِي …
قلنا: اختص ذلك بالكتابة؛ لأن المكاتب بالكتابة ألحق ضررا لشريكه الساكت، فإن بسبب كتابته يبطل حقه في نصيبه بيعا وهبة ويصير حرا يدًا، والكتابة قابلة للفسخ فيفسخ دفعًا للضرر.
ولهذا إذا زوجت نفسها بغير كُفْءٍ فللأولياء حق الاعتراض، وإن تصرفت في خالص ملكها لأنها ألحقت لهم ضررًا فكذا هذا، بل أولى لأن الكتابة أقبل للفسخ من النكاح، فإن النكاح لا يفسخ إلا بقصور في ولاية العاقد، والكتابة تفسخ بتراضيهما من غير قصور في ولاية العاقد بخلاف البيع فإنه وإن كان يقبل الفسخ لكن في بيع نصيبه لا يلحق ضرر على شريكه حتى لو كان في بيع نصيبه ضرر على صاحبه كان للآخر حق الفسخ، فإن الدار لو كانت مشتركة وباع أحدهما نصف بيت معلوم كان للآخر حق الفسخ، وبخلاف الإعتاق وتعليقه حيث لا يقبلان الفسخ، إليه أشار في الذخيرة.
هذا الذي ذكرنا إذا كاتبه أحد الشريكين فأما إذا كاتبه الشريكان معا كتابة واحدة يجوز، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
فإذا أدى إلى أحدهما حصته لم يعتق نصيبه منه ما لم يؤد جميع المكاتبة إليهما؛ لأن عقد الكتابة واحد في حق المكاتب فلا يعتق بأداء البعض، كما لو كان الرجل واحدًا، وهذا لأن المقبوض غير سالم لشريكه بل يشركه فيما قبض؛ لأنه مال لهما وجب بسبب واحد عوضًا عما هو مشترك بينهما، فكان أداؤه إلى أحدهما كأدائه إليهما وإن أعتقه أحدهما جاز، وكذا لو أبرأه من نصيبه أو هبة له عتق، ثم المكاتب بالخيار بعد إعتاق أحدهما إن شاء عجز ويكون الشريك بالخيار بين التضمين والسعاية في نصف القيمة والعتق في قول أبي حنيفة، وبين العتق والسعاية إن كان المعتق معسرا.
وعن محمد يضمن الأقل من نصف القيمة ونصف ما بقي من مكاتبته، وكذا العبد يسعى في الأقل عند عسرة المعتق، كذا في المبسوط.
وفي الكافي: لو كاتب أحدهما كله أو حظه بألف ثم كاتب الآخر كله أو
[ ٧ / ٤٠٦ ]
النِّصْفِ، وَكِيلٌ فِي النِّصْفِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَالمَقْبُوضُ مُشْتَرَكْ بَيْنَهُمَا، فَيَبْقَى كَذَلِكَ بَعْدَ العَجْزِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ جَارِيَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَاتَبَاهَا، فَوَطِئَهَا أَحَدُهُمَا، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ، ثُمَّ وَطِئَهَا الْآخَرُ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ، ثُمَّ عَجَزَتْ: فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الوَلَدَ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ لِقِيَامِ المِلْكِ لَهُ فِيهَا، وَصَارَ نَصِيبُهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، لِأَنَّ المُكَاتَبَةَ لَا تَقْبَلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكِ إِلَى مِلْكِ فَتَقْتَصِرُ أُمُومِيَّةُ الوَلَدِ عَلَى نَصِيبِهِ كَمَا فِي المُدَبَّرَةِ المُشْتَرَكَةِ، وَإِذَا ادَّعَى الثَّانِي وَلَدَهَا الأَخِيرَ: صَحَتْ دَعْوَتُهُ لِقِيَامِ مِلْكِهِ ظَاهِرًا، ثُمَّ إِذَا عَجَزَتْ بَعْدَ ذَلِكَ جُعِلَتْ الكِتَابَةُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الجَارِيَةَ كُلَّهَا
حظه بمائة دينار صار مكاتبا لهما.
أما عند أبي حنيفة فلأن الكتابة تتجزأ فنفذت كتابة كل في حظه، وأما عندهما فبكتابة الأول صار مكاتبا وللآخر حق الفسخ، فإذا كاتبه كان فسخا منه في نصفه، وأيهما قبض شيئًا ممن بدل نصيبه لا يشاركه الآخر في ذلك ويعلق عتق نصيب كل واحد بجميع بدل الكتابة المسمى في كتابة نصيبه، وإن أدى إليهما فالولاء لهما عندهم، وإن قدم أحدهما صار كمكاتبتهما حرره أحدهما عتق بعتق نصفه عند أبي حنيفة، ويبقى نصيب صاحبه مكاتبا ولا ضمان ولا سعاية إلا أن يعجز المكاتب فيضمن القابض نصيب صاحبه، إن كان موسرًا ويسعى العبد في نصف قيمته إن كان معسرا.
وعندهما يعتق كله ويضمن نصيب صاحبه إن كان موسرًا ويسعى في نصف قيمته إن كان معسرًا عند أبي يوسف، وعند محمد يضمن الأقل من قيمة نصيبه ومن بدل الكتابة في اليسار ويسعى في الإعسار ذلك.
قوله: (فادعاه) أي: صحت دعوته وثبت النسب ثم وطئها الآخر فجاءت بولد.
(فادعاه) أي: صحت دعوته أيضًا ويثبت النسب كما في المدبرة المشتركة، فإنه يضمن أمومية الولد في المدبرة المشتركة على نصيبه بالإجماع.
قوله: (لقيام ملكه ظاهرا) قيد به لأنه بالنظر إلى بقاء الكتابة ملك الثاني باق
[ ٧ / ٤٠٧ ]
أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ زَالَ المَانِعُ مِنْ الانْتِقَالِ وَوَطْؤُهُ سَابِقٌ (وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَهُ لَمَّا اسْتَكْمَلَ الِاسْتِيلَادَ (وَنِصْفَ عُقْرِهَا) لِوَطْئِهِ جَارِيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ (وَيَضْمَنُ شَرِيكُهُ كَمَالَ عُقْرِهَا وَقِيمَةَ الوَلَدِ وَيَكُونُ ابْنَهُ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ المَغْرُورِ،
فيهما، وبالنظر إلى التعجيز لم يبق ملكه فيها، والظاهر أنها تمضي كتابتهما فيكون ملك الثاني باقيا فيها، ثم استيلاد المكاتبة لما كان يتجزأ عند أبي حنيفة كان استيلاد الأول مقتصرا على نصيبه، ونصيب الساكت باقيًا على حاله، فلما وطئ الثاني وجاءت بولد فادعاه الثاني كانت دعوته مصادفة لملكه من حيث الظاهر؛ لأن الظاهر هو أن يمضي على كتابتها، فكان وطؤه واقعا في ملكه والذي حدث من العجز إنما حدث فيها بعد صحة الدعوى، فلا يبطل حكم النسب ظاهرًا كما في ولد المغرور؛ لأنه حر بالقيمة لأنه حين استولدها كانت حرة في الظاهر.
قوله: (ويضمن شريكه) أي شريكه الثاني (كمال عقرها).
وفي المبسوط: ولم يذكر حكم العقر، ثم قال على رواية الكتاب: يوجب نصف العقر على الثاني، ونصف العقر على الأول، فيكون أحدهما قصاصا بالآخر.
ثم قال: وقد بينا في كتاب الدعوى أن الأصح وجوب جميع العقر على الثاني، وبينا قول أبي يوسف ومحمد هناك أيضًا أنه حين استولدها أحدهما صار الكل أم ولد له، وهي مكاتبته فلا يصح الاستيلاد من الثاني بعد ذلك، ولا يثبت النسب منه بالدعوة.
وذكر قاضي خان وحاصل الاختلاف راجع إلى أن الاستيلاد في الكتابة يتجزأ عنده خلافا لهما، وأجمعوا أنه لا يتجزأ في القنة ويتجزأ في المدبرة.
قوله: (وقيمة الولد) أي: يضمن قيمة الولد أيضًا.
فإن قيل: ولد أم الولد لا قيمة له عند أبي حنيفة، فكيف يستقيم إيجاب القيمة على أصله؟ بل ينبغي أن يجعل حرا بغير شيء أو يرد إلى مولى الأم وهو الواطئ الأول.
قلنا: عدم تقومها على الإطلاق غير مسلم، بل متقوم في الجملة، فإنه لو
[ ٧ / ٤٠٨ ]
لِأَنَّهُ حِينَ وَطِئَهَا كَانَ مِلْكُهُ قَائِمًا ظَاهِرًا.
وَوَلَدُ المَغْرُورِ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنهُ حُرٌّ بِالقِيمَةِ عَلَى مَا عُرِفَ، لَكِنَّهُ وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ الغَيْرِ حَقِيقَةٌ فَيَلْزَمُهُ كَمَالُ العُقْرِ (وَأَيُّهُمَا دَفَعَ العُقْرَ إِلَى المُكَاتَبَةِ: جَازَ) لِأَنَّ الكِتَابَةَ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً فَحَقُّ القَبْضِ لَهَا لِاخْتِصَاصِهَا بِمَنَافِعِهَا وَأَبْدَالِهَا، وَإِذَا عَجَزَتْ تَرُدُّ العُقْرَ إِلَى المَوْلَى لِظُهُورِ اخْتِصَاصِهِ (وَهَذَا) الَّذِي ذَكَرْنَا (كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ وَطْء الآخَرِ) (*) لِأَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى الْأَوَّلُ
كاتب أم ولده جاز بالاتفاق، وبدل الكتابة يجب بمقابلة مالية الرقبة، وهذا لأنها وإن لم تكن متقومة في نفسها يجوز تقومها بالشرط نظرا إلى وصولها إلى الحرية ناجزا كملك القصاص والنكاح، فإنهما وإن لم يكونا متقومين في أنفسهما قد يتقومان بالشرط نظرا لمن عليه القصاص وللمرأة حتى جاز الصلح عن دم العمد والطلاق على مال، فلما تقومت أم الولد في الجملة تقوم ولدها.
فإن قيل: جواز كتابتها لا يدل على تقويمها؛ لاحتمال أن تنعقد الكتابة في حقها بمعنى التعليق لا المعاوضة، ولئن سلمنا أنه ينعقد بمعنى المعاوضة لا نسلم أن البدل يجب بمقابلة المالية بل بمقابلة فك الحجر فلا يثبت التقويم.
قلنا: لا تنعقد تعليقا بدليل ردها إلى الرق عند العجز وتبطل الكتابة، ولا يمكن إبطال التعليق بوجه، ولا يقال إبطاله عند العجز لفوات وصف الشرط، وهو أن يؤدي كل شهر كذا، وعند العجز فات هذا الوصف؛ لأنا نقول: لو كان كذلك لم يكن إبقاء عقد الكتابة إذا لم يطلب المولى رده إلى الرق، ولما صح إبطاله بطلب المولى عند العجز، وبقاؤه عند عدم طلبه دل أنه انعقد كتابة لا تعليقا.
وأما قوله البدل في الكتابة مقابل بفك الحجر فمسلم، ولكن في الابتداء دون الانتهاء، فإن الكتابة في الانتهاء إعتاق على مال على ما عرف في الأسرار، فعلم أن البدل في مقابلة المالية، ولئن سلمنا أنها غير متقومة على الإطلاق لكن حكمنا بتقويم ولدها هاهنا على مذهب الخصم للضرورة؛ لأن
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٤٠٩ ]
الوَلَدُ صَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، لِأَنَّ أُمُومِيَّةَ الوَلَدِ يَجِبُ تَكْمِيلُهَا بِالْإِجْمَاعِ مَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِفَسْخِ الكِتَابَةِ، لِأَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلْفَسْخِ فَتُفْسَخُ فِيمَا لَا تَتَضَرَّرُ بِهِ المُكَاتَبَةُ وَتَبْقَى الكِتَابَةُ فِيمَا وَرَاءَهُ، بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الفَسْخَ، وَبِخِلَافِ بَيْعِ المُكَاتَبِ، لِأَنَّ فِي تَجْوِيزِهِ إِبْطَالَ الكِتَابَةِ إذ المُشْتَرِي لَا يَرْضَى بِبَقَائِهِ مُكَاتِبًا.
وَإِذَا صَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ: فَالثَّانِي وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ الغَيْرِ (فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الوَلَدِ
حال الولد لا يخلو عن ثلاثة أوجه: إما أن يرد إلى مولى الأم وهو الواطئ الأول، أو يجعل حرا بغير شيء، أو يجعل حرا بالقيمة.
لا وجه إلى الأول لأن فيه إهدار جانب المغرور والولد بالكلية، ولم يرد الشرع به.
ولا وجه إلى الثاني لأن فيه إهدار جانب المالك، وهو مولى الأم، لأن ملكه يزول عنه بلا بدل من غير رضاه، وهو خلاف المشروع، فتعين جعله حرا بالقيمة ويثبت تقومه ضرورة، وفيه نوع تأمل.
قوله: (فتفسخ فيما لا تتضرر به المكاتبة) (^١) وهو أمومية الولد لأنه لا ضرر لها في ذلك، بل لها نفع فيها حيث لم يبق محلا للابتذال بالبيع والهبة ويعتق مجانا بعد موت المولى.
قوله: (وتبقى الكتابة فيما وراءه) أي: في حق ما لا يتضرر بالانفساخ، وهو كونها أحق في أكسابها وأكساب ولدها، وسقوط الحد عن الثاني في وطئه بخلاف التدبير، يعني إذا استولد مدبرة مشتركة فإنه لا يكمله ويقتصر على نصيب المستولد؛ لأنه لا يمكن تكميلها إذ التدبير لا يقبل الفسخ، فيكون مانعا للنقل من ملك إلى ملك.
قوله: (وبخلاف بيع المكاتب) جواب سؤال يرد على المدبرة بأن قيل: هلا قلتم بفسخ الكتابة ضمنا لصحة الاستيلاد.
فقال: (في تجويزه) أي: البيع (إبطال الكتابة إذ المشتري لا يرضى ببقائه مكاتبًا) ويتضرر هو ببطلانه والكتابة لا تنفسخ فيما يتضرر به المكاتب.
_________________
(١) هكذا في الشرح، وقد سبق في المتن: (فتفسخ فيما لا تتضرر به المكاتبة).
[ ٧ / ٤١٠ ]
مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ حُرًّا عَلَيْهِ بِالقِيمَةِ) غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الحَدُّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ (وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ العُقْرِ) لِأَنَّ الوَطْءَ لَا يَعْرَى عَنْ إِحْدَى الغَرَامَتَيْنِ، وَإِذَا بَقِيَتْ الكِتَابَةُ وَصَارَتْ كُلُّهَا مُكَاتَبَةٌ لَهُ، قِيلَ يَجِبُ عَلَيْهَا نِصْفُ بَدَلِ الكِتَابَةِ، لِأَنَّ الكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ فِيمَا لَا تَتَضَرَّرُ بِهِ المُكَاتَبَةُ، وَلَا تَتَضَرَّرُ بِسُقُوطِ نِصْفِ البَدَلِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ كُلُّ البَدَلِ، لِأَنَّ الكِتَابَةَ لَمْ تَنْفَسِخْ، إِلَّا فِي حَقِّ التَّمَلُّكِ ضَرُورَةً فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقٌّ سُقُوطِ نِصْفِ البَدَلِ وَفِي إِبْقَائِهِ فِي حَقِّهِ نَظَرٌ لِلْمَوْلَى، وَإِنْ كَانَ لَا تَتَضَرَّرُ المُكَاتَبَةُ بِسُقُوطِهِ، وَالمُكَاتَبَةُ هِيَ الَّتِي تُعْطِي العُقْرَ لِاخْتِصَاصِهَا بِأَبْدَالِ مَنَافِعِهَا.
وَلَوْ عَجَزَتْ وَرُدَّتْ فِي الرِّقِّ تُرَدُّ إِلَى المَوْلَى لِظُهُورِ اخْتِصَاصِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَيَضْمَنُ الأَوَّلُ لِشَرِيكِهِ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ نِصْفَ قِيمَتِهَا مُكَاتَبَةٌ)
قوله: (للشبهة) وهي شبهة كونها مكاتبة بينهما بدليل ما ذكره أبو حنيفة أو أنها تبقى مكاتبته فيما يتضرر به بالإجماع.
قوله: (وإذا بقيت الكتابة عندهما) أي: فيما يتضرر (صارت كلها مكاتبة له) أي: للمستولد الأول، قيل: يجب عليها نصف البدل.
قال الإمام قاضي خان: اختلف المشايخ بعد ذلك في بدل الكتابة.
قال الماتريدي: يجب نصف بدل الكتابة عليها؛ لأن الكتابة لما انفسخت في نصيب الثاني سقط نصف البدل؛ فيبقى مكاتبه بالنصف.
وقال عامة المشايخ: يبقى مكاتبه بجميع البدل؛ لأن انفساخ الكتابة أمر ضروري فلا يظهر فيما وراء الضرورة وهي تكامل الاستيلاد أي فيما عدا التمليك فيبقى العقد الأول كما كان.
(وفي إبقائه) أي: إبقاء عقد الكتابة (في حقه) أي في: حق نصف البدل نظر للمولى وهو المستولد الأول.
قوله: (لظهور اختصاصه) أي: اختصاص المستولد الأول على ما بينا في تعليل قول أبي حنيفة.
قوله: (في قياس قول أبي يوسف) أي: في قياس قوله في إعتاق المكاتب
[ ٧ / ٤١١ ]
لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ، وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ فَيَضْمَنُهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، لِأَنَّهُ ضَمَانُ التَّمَلُّكِ (وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ: يَضْمَنُ الأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا وَمِنْ نِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ بَدَلِ الكِتَابَةِ) لِأَنَّ حَقَّ شَرِيكِهِ فِي نِصْفِ الرَّقَبَةِ عَلَى اعْتِبَارِ العَجْزِ، وَفِي نِصْفِ البَدَلِ عَلَى اعْتِبَارِ الأَدَاءِ فَلِتَرَدُّدِ بَيْنَهُمَا يَجِبُ أَقَلُّهُمَا.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الثَّانِي لَمْ يَطَاهَا، وَلَكِنْ دَبَّرَهَا، ثُمَّ عَجَزَتْ: بَطَلَ التَّدْبِيرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفُ المِلْكَ. أَمَّا عِنْدَهُمَا: فَظَاهِرٌ، لِأَنَّ المُسْتَوْلِدَ تَمَلَّكَهَا قَبْلَ العَجْزِ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَظْلَهُ: فَلِأَنَّهُ بِالعَجْزِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَهُ مِنْ وَقْتِ الوَطْءِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُصَادِفُ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَالتَّدْبِيرُ يَعْتَمِدُ المِلْكَ، بِخِلَافِ النَّسَبِ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ الغُرُورَ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ، وَكَمَّلَ الِاسْتِيلَادَ عَلَى مَا بَيَّنَّا (وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ عُقْرِهَا) لِوَطْئِهِ جَارِيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ (وَنِصْفَ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نِصْفَهَا بِالاسْتِيلادِ، وَهُوَ تَمَلَّكَ بِالقِيمَةِ (وَالوَلَدُ وَلَدُ الأَوَّلِ) لِأَنَّهُ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ لِقِيَامِ المُصَحِّحِ، وَهَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا. وَوَجْهُهُ مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَا كَاتَبَاهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ عَجَزَتْ: يَضْمَنُ
_________________
(١) بين اثنين فإن عنده يضمن المعتق قيمة نصيب شريكه مكاتبًا فيجب أقلهما لأن الأقل متيقن. قوله: (ولكن دبرها) أي: بعد ما استولدها الأول. (بطل التدبير) أي: بالاتفاق أما عندهما أن المستولد يملكها قبل العجز فانفسخت الكتابة قبل التدبير فلا يصح تدبيره. فتبين أنه أي: التدبير (مصادف ملك غيره) أي: غير المدبر (لأنه) أي: النسب يثبت بمجرد الغرور، كما لو اشترى أمة فاستولدها فاستحقت لم يبطل النسب، وكان الولد حُرا بالقيمة فكذا هاهنا. ولو دبرها فاستحقت يبطل التدبير (وكمل الاستيلاد على ما بينا) أي: في تعليل قول أبي حنيفة ووجهه ما بينا في تعليل القولين.
[ ٧ / ٤١٢ ]
المُعْتِقُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا) لِأَنَّهَا لَمَّا عَجَزَتْ وَرُدَّتْ فِي الرِّقِّ تَصِيرُ كَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ قِنَّةٌ، وَالجَوَابُ فِيهِ عَلَى الخِلَافِ فِي الرُّجُوعِ، وَفِي الخِيَارَاتِ وَغَيْرِهَا كَمَا هُوَ مَسْأَلَةُ تَجَزُّةِ الإِعْتَاقِ وَقَدْ قَرَرْنَاهُ فِي الإِعْتَاقِ، فَأَمَّا قَبْلَ العَجْزِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ المُعْتِقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ الإِعْتَاقَ لَمَّا كَانَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ كَانَ أَثَرُهُ أَنْ يُجْعَلَ نَصِيبُ غَيْرِ المُعْتِقِ كَالمُكَاتَبِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ نَصِيبُ صَاحِبِهِ، لِأَنَّهَا مُكَاتَبَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُمَا: لَمَّا كَانَ لَا يَتَجَزَّأُ بِعِثْقِ الكُلِّ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مُكَاتَبًا إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَيُسْتَسْعَى العَبْدُ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لِأَنَّهُ ضَمَانُ إِعْتَاقِ فَيَخْتَلِفُ بِاليَسَارِ وَالإِعْسَارِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ العَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْآخَرُ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَإِنْ شَاءَ الَّذِي دَبَّرَهُ ضَمَّنَ المُعْتِقَ نِصْفَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى العَبْدَ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ دَبَّرَهُ الآخَرُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ المُعْتِقَ وَيُسْتَسْعَى العبدُ أَوْ يُعْتَقُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَوَجْهُهُ: أَنَّ التَّدْبِيرَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ، فَتَدْبِيرُ أَحَدِهِمَا يَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ، لَكِنْ يَفْسُدُ بِهِ نَصِيبُ الآخَرِ فَيَثْبُتُ لَهُ خِيرَةُ الإِعْتَاقِ وَالتَّضْمِينِ وَالِاسْتِسْعَاءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ، فَإِذَا أَعْتَقَ لَمْ يَبْقَ لَهُ خِيَارُ التَّضْمِينِ وَالِاسْتِسْعَاءِ، وَإِعْتَاقُهُ يَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ، لِأَنَّهُ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ، وَلَكِنْ يَفْسُدُ بِهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ، وَلَهُ خِيَارُ العِتْقِ وَالِاسْتِسْعَاءِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ، وَيُضَمِّنُهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مُدَبَّرًا، لِأَنَّ الإِعْتَاقَ صَادَفَ المُدَبَّرَ.
_________________
(١) قوله: (والجواب فيه) أي: في إعتاق أحد الشريكين القن على الخلاف في الرجوع. فإن عند أبي حنيفة إذا ضمن الساكت المعتق فالمعتق يرجع على العبد، وعندهما لا ير يرجع. وفي الخيارات فإن عنده الساكت بين الخيارات الثلاثة: العتق والسعاية والتضمين، وعندهما ليس إلا الضمان مع اليسار والسعاية مع الإعسار. (وغيرها) أي غير الخيارات وهو الولاء وقد مر تقريره في الإعتاق.
[ ٧ / ٤١٣ ]
ثُمَّ قِيلَ: قِيمَةُ المُدَبَّرِ تُعْرَفُ بِتَقْوِيمِ المُقَوِّمِينَ، وَقِيلَ: يَجِبُ ثُلُثَا قِيمَتِهِ زَهْوَ قِنٌ، لِأَنَّ المَنَافِعَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: البَيْعُ وَأَشْبَاهُهُ، وَالِاسْتِخْدَامُ وَأَمْثَالُهُ، وَالإِعْتَاقُ وَتَوَابِعُهُ، وَالفَائِتُ البَيْعُ فَيَسْقُطُ الثُّلُثُ. وَإِذَا ضَمَّنَهُ لَا يَتَمَلَّكُهُ بِالضَّمَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الانْتِقَالَ مِنْ مِلْكِ إِلَى مِلْكِ، كَمَا إِذَا غَصَبَ مُدَبَّرًا فَأَبَقَ. وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا أَوَّلًا كَانَ لِلْآخَرِ الخِيَارَاتُ الثَّلَاثُ عِنْدَهُ، فَإِذَا دَبَّرَهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ خِيَارُ التَّضْمِينِ وَبَقِيَ خِيَارُ الإِعْتَاقِ وَالاسْتِسْعَاءِ، لِأَنَّ المُدَبَّرَ يُعْتَقُ وَيُسْتَسْعَى (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا فَعِتْقُ الْآخَرِ بَاطِلٌ) (*) لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا فَيَتَمَلَّكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالتَّدْبِيرِ (وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا) لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكِ، فَلَا يَخْتَلِفُ بِاليَسَارِ وَالإِعْسَارِ، وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ قِنَّا، لِأَنَّهُ صَادَفَهُ التَّدْبِيرُ وَهُوَ قِنُّ (وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا فَتَدْبِيرُ الْآخَرِ بَاطِلٌ) لِأَنَّ الإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ فَعَتَقَ كُلُّهُ فَلَمْ يُصَادِفَ التَّدْبِيرُ
قوله: (البيع وأشباهه كالهبة والصدقة والإرث والوصية (والاستخدام وأمثاله) كالإجارة والإعارة والوطء والإعتاق وتوابعه) وهي الكتابة والاستيلاد والتدبير والإعتاق على مال لا يملك بالضمان.
(لأنه) أي: المدبر (لا يقبل …). إلى آخره فكان هذا الضمان ضمان الحيلولة لا ضمان التملك كما في غصب المدبر.
وذكر قاضي خان: قيمة أم الولد ثلث قيمتها قنة؛ لأن منافع المملوك ثلاث: الاستخدام، والاسترباح بالبيع، وقضاء الديون من ماليته بعد الموت، وبالتدبير تفوت منفعة واحدة وهي الاسترباح، فينقص ثلث قيمته، وبالاستيلاد تفوت منفعتان منفعة الاسترباح ومنفعة قضاء الديون بعد الموت وتبقى منفعة واحدة، وهي الاستخدام فينقص ثلثا قيمتها، وقد مر المختار في الإعتاق وبيان الخلافات أيضًا.
قوله: (لم يبق خيار التضمين) لأنه بمباشرته التدبير يصير مبرئا للمعتق عن الضمان؛ لأن تضمينه متعلق بشرط تملك العين بالضمان، وقد فوت ذلك
_________________
(١) (•) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٤١٤ ]
المِلْكَ وَهُوَ يَعْتَمِدُهُ (وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَيَسْعَى العَبْدُ فِي ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا)، لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ الإِعْتَاقِ فَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاليَسَارِ وَالْإِعْسَارِ عِنْدَهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.