قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ البَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالسَّفَرُ) لِأَنَّ مُوجَبَ الكِتَابَةِ أَنْ يَصِيرَ حُرًّا يَدًا، وَذَلِكَ بِمَالِكِيَّةِ التَّصَرُّفِ، مُسْتَبِدًّا بِهِ تَصَرُّفًا يُوَصِّلُهُ إِلَى مَقْصُودِهِ وَهُوَ نَيْلُ الحُرِّيَّةِ بِأَدَاءِ البَدَلِ، وَالبَيْعُ وَالشَّرَاءُ مِنْ هَذَا القَبِيلِ، وَكَذَا السَّفَرُ، لِأَنَّ التِّجَارَةَ رُبَّمَا لَا تَتَّفِقُ فِي الحَضَرِ فَتَحْتَاجُ إِلَى المُسَافَرَةِ، وَيَمْلِكُ البَيْعَ بِالمُحَابَاةِ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التَّجَارِ، فَإِنَّ التَّاجِرَ قَدْ يُحَابِي فِي صَفْقَةٍ لِيَرْبَحَ فِي أُخْرَى.
وذكر التمرتاشي: فمتى وقع العقد فاسدًا يكون البدل فيه القيمة فيعتق بأدائها، ويعتق بالشروط صورة [وعليه قيمة نفسه لفساد المسمى] (^١).
قوله: (وقد بيناه من قبل) [إشارة إلى ما ذكره في أول الفصل] (^٢) بقوله: فإن أدى الخمر يعتق، وقال زفر: لا يعتق.
بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ
لما ذكر أحكام الكتابة الصحيحة والفاسدة شرع في بيان ما يجوز للمكاتب.
قوله: (ويجوز للمكاتب البيع والشراء)، ولا خلاف فيه وفي السفر خلاف مالك والشافعي في قول، وقد بيناه من قبل.
قوله: (البيع بالمحاباة)، وقالت الأئمة الثلاثة: لا يملك البيع بالمحاباة؛ لأنه تبرع كالهبة والعتق.
وقلنا: هو من صنيع التجار فإن التاجر قد يحابي إظهارا للمسامحة استجلابا لقلوب الناس، وربما يحابي في صفقة ليربح في أخرى.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية، ووقع تكرار بالأصل لجملة: (فمتى وقع العقد فاسدًا) السابقة، وهو انتقال نظر.
(٢) في الأصل: (يسنده إلى ما ذكر وكون النص) والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٣٦٨ ]
قَالَ: (فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الكُوفَةِ: فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى العَقْدِ، وَهُوَ مَالِكِيَّةُ اليَدِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِبْدَادِ، وَثُبُوتِ الاخْتِصَاصِ: فَبَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَ العَقْدُ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِ العَقْدِ، وَبِمِثْلِهِ لَا تَفْسُدُ الكِتَابَةُ، وَهَذَا لِأَنَّ الكِتَابَةَ تُشْبِهُ البَيْعَ وَتُشْبِهُ النِّكَاحَ، فَأَلْحَقْنَاهُ بِالبَيْعِ فِي شَرْطٍ تَمَكَّنَ فِي صُلْبِ العَقْدِ، كَمَا إِذَا شَرَطَ خِدْمَةٌ مَجْهُولَةٌ، لِأَنَّهُ فِي البَدَلِ، وَبِالنِّكَاحِ فِي شَرْطٍ، لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِهِ هَذَا هُوَ الأَصْلُ، … .
قوله: (أن لا يخرج من الكوفة)، وكذا لا يخرج من المصر، والقيد بالكوفة باعتبار أن وضع المسألة فيه، فله أن يخرج استحسانًا، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد، وعند مالك والشافعي في قول: لا يجوز له الخروج بدون الشرط فبالشرط أولى، وهو القياس لثبوت ولايته من جهة المولى.
وقلنا: هذا شرط مخالف لمقتضى العقد فيبطل الشرط، وهذا لأن موجب العقد مالكية اليد والاختصاص بنفسه ومنافعه فيثبت له حق الخروج إلى حيث أراد ليتمكن من ابتغاء المال، وذا بالضرب في الأرض قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فكل شرط يمنعه من ذلك فهو خلاف موجب العقد ومقصوده فكان باطلا.
فإن قيل: الشرط الذي يخالف مقتضى العقد يوجب فساد العقد على ما مر في البيوع.
قلنا: هذا تعليل لبيان فساد الشرط في نفسه، وهذا الشرط ليس بمتمكن في صلب العقد فلا يفسده، وإليه أشار بقوله: (وصح العقد) إلى آخره.
قوله: (وهذا)، أي: كون الشرط متمكنا في صلب العقد يفسد الكتابة لا الشرط الذي لا يتمكن في صلبه؛ لأن الكتابة نسبة إلى البيع من حيث إنها تحتمل الفسخ بعد تمام المعقود بالأداء فيوفر حظهما، فلشببها بالبيع تبطل بالشرط إذا تمكن في صلب العقد، كما إذا شرط خدمة مجهولة بأن قال: كاتبتك على أن تخدمني مدة أو زمانًا؛ لأنه في البدل فلشبهها بالنكاح لا تبطل بالشرط الفاسد إذا لم يتمكن في صلب العقد.
قوله: (وهذا هو الأصل)، أي: بالعمل بالشبهين عند دلالة الدليلين المتقابلين.
[ ٧ / ٣٦٩ ]
أَوْ نَقُولُ: إِنَّ الكِتَابَةَ فِي جَانِبِ العَبْدِ إِعْتَاقٌ، لِأَنَّهُ إِسْقَاطُ المِلْكِ، وَهَذَا الشَّرْطُ يَخُصُّ العَبْدَ فَاعْتُبِرَ إِعْتَاقًا فِي حَقِّ هَذَا الشَّرْطِ، وَالإِعْتَاقُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ.
قَالَ: (وَلَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِ المَوْلَى لِأَنَّ الكِتَابَةَ فَكُ الحَجْرِ مَعَ قِيَامِ المِلْكِ ضَرُورَةَ التَّوَسُّلِ إِلَى المَقْصُودِ، وَالتَّزَوُّجُ لَيْسَ وَسِيلَةَ إِلَيْهِ، وَيَجُوزُ بِإِذْنِ المَوْلَى لِأَنَّ المِلْكَ لَهُ وَلَا يَهَبُ وَلَا يَتَصَدَّقُ إِلَّا بِالشَّيْءِ اليَسِيرِ) لِأَنَّ الهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ تَبَرُّعُ وَهُوَ
وفي الذخيرة: لو كاتبه على خدمته شهرًا في القياس لا يجوز لجهالة جنس الخدمة، فإن الخدمة قد تكون في البيت، وقد تكون خارج البيت، وعن هذا قال مشايخنا: ذكر القياس في الكتابة يكون ذكرًا في الإجارة، يعني أن هناك لا يجوز أيضًا، وفي الاستحسان يجوز؛ لأن أعمال الخدمة معلومة فيما بين الناس عرفًا، فالمعروف كالمشروط، ولهذا جازت الإجارة وإن لم يبين نوع الخدمة.
وعند الشافعي وأحمد: لا يجوز؛ لأن الخدمة بمنزلة العوض الحال، والكتابة الحالة لا تجوز عندهما، أما لو قال: كاتبتك على خدمتك شهرًا ودينار بعد الشهر بيوم أو يومين يصح عندهما.
قوله: (لأنه) أي: عقد الكتابة إسقاط الملك وفك الحجر، وإطلاق اليد بمنزلة الإعتاق.
قوله: (لا يتزوج) إلى آخره، ولا خلاف فيه للأئمة الثلاثة، وقال ابن أبي ليلى: شَرَط عليه أن لا يتزوج إلا بإذنه لم يتزوج بغير إذنه، وإن لم يشترط ذلك جاز له التزوج بغير إذنه لتملكه منافع نفسه.
قوله: (والتزوج ليس وسيلة إليه) أي: إلى المقصود لأن التزوج ليس من اكتساب المال بل فيه التزام المهر والنفقة، وحكم المالكية إنما يثبت له ليتمكن من أداء بدل الكتابة، وكل عقد لا يوصله إليه لا يثبت له حكم المالكية فيه، بل يكون كالقن فيه، كذا في المبسوط (^١).
المجاهز: عند العامة الغني من التجار وكأنه أريد المُجَهّز وهو الذي يبعث التجار بالجهاز وهو فاخر المتاع ويسافر به كذا في المغرب.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢٢٥).
[ ٧ / ٣٧٠ ]
غَيْرُ مَالِكِ لَيُمَلِّكَهُ، إِلَّا أَنَّ الشَّيْءَ اليَسِيرَ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ ضِيَافَةٍ وَإِعَارَةِ لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ المُجَاهِزُونَ.
وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا يَمْلِكُ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ وَتَوَابِعِهِ (وَلَا يَتَكَفَّلُ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعُ مَحْضُ، فَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ وَالاكْتِسَابِ وَلَا يَمْلِكُهُ بِنَوْعَيْهِ نَفْسًا وَمَالًا لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَبَرُّعُ (وَلَا يُقْرِضُ) … .
قوله: (ولا يتكفل) سواء كان بأمر المكفول عنه أو بغير أمره، وسواء كان بإذن مولاه أو بغير إذنه، وحكم كفالته في الحال ككفالة المحجور عليه يصح في حقه بعد العتق لا في الحال.
(لأن كل) أي: من الكفالة بالنفس والمال وبالأمر وبغير الأمر (تبرع)، أما بغير الأمر فظاهر، وكذا بالأمر لأن الكفيل عند الأداء كالمقرض للمكفول عنه، والإقراض تبرع لأنه إعارة، وكذا الكفالة بالنفس التزام فعل وهو تسليم النفس في ذمته، ولا يتعلق بها مال فكان متصرفًا فيما هو خالص حقه فيجوز؛ لأنا نقول الكفالة متى صحت فلا تتعدى إلى المال؛ لأنه ربما يعجز عن تسليم النفس فيحبس على ذلك، ومتى حبس عجز عن الكسب فيتصل ضرر هذا بكسبه، وكان بمنزلة الكفالة بالمال فلا يجوز سواء كان بإذن المولى أو بغير إذنه؛ لأنه لا ملك للمولى في منافعه ومكاسبه فوجود إذنه فيما هو تبرع كعدمه، كذا في المبسوطين (^١).
قوله: (لا يُقرض) أي: لا يجوز له الإقراض، حتى لو أقرض لا يطيب للمستقرض أكله إلا أنه يكون مضمونًا عليه، حتى لو تصرف فيه يجوز كما يقول في قرض الأعيان؛ لأنه لا يطيب للمستقرض أكله، ويكون مضمونا عليه حتى لو كان عبدًا فأعتقه يجوز لأنه ملكه بالقرض الفاسد، كذا في بعض الشروح للمبسوط.
وكذا لا يجوز إن وهب بالعوض وغيره لأنه تبرع ابتداءً، فالحاصل أن المكاتب لا يملك التبرع، ولا خلاف للأئمة الثلاثة فيه.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٨/ ٦٠).
[ ٧ / ٣٧١ ]
لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَيْسَ مِنْ تَوَابِعِ الاكْتِسَابِ (فَإِنْ وَهَبَ عَلَى عِوَضٍ لَمْ يَصِحَ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعُ ابْتِدَاءً (وَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ جَازَ) لِأَنَّهُ اكْتِسَابٌ لِلْمَالِ فَإِنَّهُ يَتَمَلَّكُ بِهِ المَهْرَ فَدَخَلَ تَحْتَ العَقْدِ. قَالَ (وَكَذَلِكَ إِنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ) وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجُوزَ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ
قوله: (ولو زوج أمته جاز)، ولا يعلم فيه خلاف، وكذا له أن يوكل بتزويجها؛ لأنه من باب الاكتساب للمال بخلاف ما لو زوجت المكاتبة نفسها (^١) حيث لا يجوز فعلى هذا التعليل ينبغي أن يجوز لأنه من باب الاكتساب، لكن لا يجوز لما أن رقبتها باقية على ملك المولى فيمنع ذلك ثبوت ولاية الاستبداد بها بالتزويج.
ولأن فيه تعييب رقبتها إذ النكاح عيب فيها، فربما تعجز فيبقى هذا العيب في ملك المولى، كذا في المبسوط (^٢).
وفيه: فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يملك المكاتب تزويج ابنته، ومع ذلك لا يملك.
قلنا: نعم، لكن ابنته مملوكة لمولاه وأمته لا حتى ينفذ عتق المولى في ابنته دون أمته، ولو عجز وحاضت ابنته حيضة لا يجب على المولى استبراء فيها جديد، ويلزمه في أمته ومكاتبته (^٣).
ولو زوج المكاتب [أمته من عبده] (^٤) فعن أبي يوسف يجوز؛ لأن فيه اكتساب الولد من غير ضرر يلحقه؛ لأن المهر لا يجب على المولى، ونفقتها كانت عليه قبل النكاح، وفي ظاهر الرواية لا يجوز لما أن الداخل تحت الكتابة تجارة واكتساب مال، وتزويج العبد أمته ليس باكتساب مال في الحال، وفيه نوع ضرر؛ لأنه ربما يبيع الأمة فلا يبطل النكاح فيجب على العبد نفقتها وهي أمة الغير، كذا في الذخيرة.
قوله: (وهو) أي: القياس قول زفر والشافعي، وبه قال أحمد، وقول
_________________
(١) في الأصل (نفسه)، وكتب فوقها: (كذا)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢٢٦).
(٣) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢٢٥).
(٤) في الأصل: (مكاتبته أمته ينفذ من عبده) والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٣٧٢ ]
وَالشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ مَالَهُ العِتْقُ، وَالمُكَاتَبُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ كَالإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ عَقْدُ اكْتِسَابِ لِلْمَالِ، فَيَمْلِكُهُ كَتَزْوِيجِ الأَمَةِ وَكَالبَيْعِ، وَقَدْ يَكُونُ هُوَ أَنْفَعَ لَهُ مِنْ البَيْعِ، لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ المِلْكَ إِلَّا بَعْدَ وُصُولِ البَدَلِ إِلَيْهِ، وَالبَيْعُ يُزِيلُهُ قَبْلَهُ، وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الأَبُ وَالوَصِيُّ، ثُمَّ هُوَ يُوجِبُ لِلْمَمْلُوكِ مِثْلَ مَا هُوَ ثَابِتٌ لَهُ. بِخِلَافِ الإِعْتَاقِ عَلَى مَالِ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ فَوْقَ مَا هُوَ ثَابِتٌ لَهُ. قَالَ: (فَإِنْ أَدَّى الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ الأَوَّلُ فَوَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى)، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ نَوْعَ مِلْكِ. وَتَصِحُّ إِضَافَةُ الإِعْتَاقِ إِلَيْهِ.
مالك، والقاضي الحنبلي، وأصحاب الظاهر كقولنا.
قوله: (لأنه يوجب)، أي: لأن الإعتاق على مال فوق الكتابة؛ لأن الكتابة معاوضة حتى يقال وتفسخ ولا تعتق في الحال، أما في الإعتاق على مال يعتق في الحال بنفس قبول المال من غير توقف إلى أداء المال فلا تقبل الإقالة والفسخ، وهذا غير ثابت للمكاتب، ففي تجويزه إثبات أمر للمكاتب فوق ما هو حاله، وذلك لا يجوز.
وكذا لا يملك تعليق عتق عبده بلا خلاف بأن قال لعبده: إن أديت إليَّ ألفًا فأنت حر؛ لأنه تعليق عتق بالشرط مقصودًا، وهذا غير ثابت مقصودًا، وإنما يثبت له ضمنا لثبوت فك الحجر عن الاكتساب بالكتابة، فلا يملك إيجابه لغيره مقصودا، ولهذا لا يملك أن يكاتب ولده ووالديه؛ لأنهم دخلوا في كتابته تبعًا، فكما لا يملك كتابة نفسه لا يملك كتابتهم، كذا في المبسوط (^١)، والذخيرة.
قوله: (لأن له فيه نوع ملك)، أي: لأن للمولى في المكاتب الثاني نوع ملك.
(وتصح إضافة الإعتاق إليه)، أي: إلى المولى في الجملة؛ لأن مكاتب الثاني مكاتب للمولى بواسطة المكاتب الأعلى، فالحكم كما يضاف إلى العلة يضاف إلى علة العلة عند تعذر الإضافة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢٢٩).
[ ٧ / ٣٧٣ ]
فِي الجُمْلَةِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ إِضَافَتُهُ إِلَى مُبَاشِرِ العَقْدِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ، أُضِيفَ إِلَيْهِ كَمَا فِي العَبْدِ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا (فَلَوْ أَدَّى الأَوَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَتَقَ: لَا يَنْتَقِلُ الوَلَاءُ إِلَيْهِ) لِأَنَّ المَوْلَى جُعِلَ مُعْتِقًا، وَالوَلَاءُ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ المُعْتِقِ (وَإِنْ أَدَّى الثَّانِي بَعْدَ عِتْقِ الأَوَّلِ: فَوَلَاؤُهُ لَهُ) لِأَنَّ العَاقِدَ مِنْ أَهْلِ ثُبُوتِ الوَلَاءِ، وَهُوَ الأَصْلُ فَيَثْبُتُ لَهُ.
قَالَ: (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالِ، أَوْ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ: لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مِنْ الكَسْبِ وَلَا مِنْ تَوَابِعِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ إِسْقَاطُ المِلْكِ عَنْ رَقَبَتِهِ، وَإِثْبَاتُ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ المُفْلِسِ، فَأَشْبَهَ الزَّوَالَ بِغَيْرِ عِوَضِ، وَكَذَا الثَّانِي، لِأَنَّهُ إِعْتَاقٌ عَلَى مَالٍ فِي الحَقِيقَةِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلِأَنَّهُ تَنْقِيصُ لِلْعَبْدِ وَتَعْيِيبُ لَهُ وَشَغْلُ
وفي الذخيرة: لما صار المولى مكاتبًا للأعلى صار مكاتبا للثاني من وجه؛ لأن لكل واحد منهما حق الملك في كسب المكاتب بالكتابة داخل تحت كتابته الأولى، فيكون حاصله بإذن المولى فيقدر مال المولى حق الملك في كسبه فيصير منقولًا إلى المولى، فيصير المولى مكاتبًا له من وجه، إلا أن حق المكاتب في كسبه أرجح من حق المولى، فإذا أمكن إثبات الولاء لهما كان إثبات الولاء من المكاتب أولى لرجحان حقه، وإذا لم يكن المكاتب أهلا للولاء أثبتناه من المولى.
وفي المبسوط: ويصح إضافة الإعتاق إلى المولى في الجملة، فيقال: مول، زد ومعتق زيد بطريق المجاز وإن كان معتق معتقه.
قوله: (لا ينتقل الولاء إليه)، أي: إلى المكاتب؛ لأن المولى معتق مباشرة من وجه كما بينا بخلاف جر الولاء فإن ثمة مولى الجارية ليس بمعتق للولد مباشرة ولكن تسبيبًا باعتبار إعتاق الأم، والأصل أن الحكم لا يضاف إلى السبب إلا عند تعذر الإضافة إلى العلة، والتعذر عند عدم عتق الأب، فإذا عتق زالت الضرورة فينتقل الولاء إلى قوم الأب إليه أشار في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: (وتعييب له)، أي: للعبد، ولهذا لو اشترى عبدا فوجده ذا زوجة يتمكن من الرد بالعيب، كذا في الأوضح.
[ ٧ / ٣٧٤ ]
رَقَبَتِهِ بِالمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، بِخِلَافِ تَزْوِيجِ الأَمَةِ، لِأَنَّهُ اكْتِسَابٌ لِاسْتِفَادَتِهِ الْمَهْرَ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ الأَبُ، وَالوَصِيُّ فِي رَقِيقِ الصَّغِيرِ بِمَنْزِلَةِ المُكَاتَبِ) لِأَنَّهُمَا
وقوله: (على ما مر)، إشارة إلى قوله: (وإن زوج أمته جاز) إلى آخره، ولو عتق عبده وأجاز التزويج لا يجوز؛ لأن الإجازة لاقت عقدًا باطلا إذ تزويج المكاتب عبده باطل غير موقوف؛ لأنه لا مجيز له، وكذا لو زوجه الوكيل بعد عتقه يتوقف على إجازته لأن توكيله به وقع باطلا، ولو قال بعد العتق: أجزت تلك الوكالة يكون هذا توكيلا ابتداءً، وينعقد بلفظ الإجازة ابتداء، كما لو قال: أجزت لك أن تطلق امرأتي أو رضيتُ، يكون توكيلا، بخلاف التزويج لا ينعقد بلفظ الإجازة ابتداءً.
قوله: (والأب والوصي) إلى آخره، وبقولنا قال مالك، وأحمد، وعند أحمد يجوز إعتاقهما على مال أيضًا، وقال الشافعي: لا يملكان كالمكاتب شيئًا من ذلك لما ذكرنا.
وقلنا: في كتابتهما وتزويجهما أمة اليتيم نظر لليتيم فيجوز، أما في التزويج فلأنه يستفاد به المهر والنفقة، وأما في الكتابة فلوصول البدل إليه قبل زوال ملكه عنه، وتسقط نفقته عنه في الحال، فكان أنظر من البيع؛ لأن بالبيع يزول ملكه قبل وصول البدل إليه، كذا في المبسوط (^١).
وهذا بخلاف ما لو كاتب الوصي عبدًا من التركة والورثة صغار، وفي التركة دين لا يجوز، ولو باعه بدون حضور الغرماء يجوز وإن كانت الورثة صغارًا إذا كان الدين غير مستغرق، ذكره في وصايا المبسوط.
لأنا لو صححنا كتابة الوصي فلا يخلو إما أن يصحح لأجل الغريم، أو اليتيم، أو الميت، وكل ذلك لا يصح، فلا يصح كتابته، وذلك لأن حق الغريم مقدم، وما لم يصل إليه حقه لا يسلم شيء من التركة إلى الوارث فلا يمكن تصحيحه للغريم إذ ليس للوصي عليه ولاية، ولا لليتيم؛ لأنه لا يسلم له شيء
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٨/¬٢٦).
[ ٧ / ٣٧٥ ]
يَمْلِكَانِ الِاحْتِسَابَ كَالمُكَاتَبِ، وَلِأَنَّ فِي تَزْوِيجِ الأَمَةِ وَالْكِتَابَةِ نَظَرًا لَهُ، وَلَا نَظَرَ فِيمَا سِوَاهُمَا وَالوِلَايَةُ نَظَرِيَّةٌ. قَالَ: (فَأَمَّا المَأْذُونُ لَهُ: فَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ) (*) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ المُضَارِبُ، وَالمُفَاوِضُ، وَالشَّرِيكُ شَرِكَةَ عَنَانٍ، هُوَ قَاسَهُ عَلَى المُكَاتَبِ وَاعْتَبَرَهُ بِالإِجَارَةِ.
إلا بعد قضاء الدين، ولا للميت لأن حقه في تفريغ ذمته ويتأخر ذلك بكتابته فلم يجز.
بخلاف البيع فإن المالية باقية كما كانت في حق الغريم، وحق الغريم في مالية التركة لا في عينها، إلا أن يستوفي الغريم حقه من بقية التركة فحينئذ تنفذ كتابته؛ لأن المانع قد زال، وكذا إذا كان مكان الدين وصية لأنه لا ولاية للوصي على الموصى له، إليه أشار في المبسوط (^١).
قوله: (وهي على هذا الخلاف المضارب والمفاوض)، قيل: لفظ المفاوض هنا سهو من الكاتب لما أن المفاوض كالمكاتب، فإنه ذكر في شرح الجامع، والمبسوط وغيرهما: كل ما يملكه المكاتب والوصي والجد وأمين القاضي في مال اليتيم، والمفاوض في مال المفاوضة.
قوله: (هو)، أي: أبو يوسف (قاسه)، أي: المأذون (على المكاتب، واعتبره) أي: التصرف المذكور وهو التزويج (بالإجازة)، يعني لهؤلاء ولاية الإجازة، فكذا ولاية التزويج واستعمل لفظ القياس في العينين وهما المأذون والمكاتب ولفظ الاعتبار في الفعلين وهما التزويج والإجازة؛ لأن المماثلة بين هذين العينين ظاهرة إذ كل منهما فك الحجر وإطلاق التصرف، فاستعمل لفظ القياس لذلك.
وأما في هذين الفعلين فالمماثلة بينهما من حيث الفعلية؛ لأن الإجازة من المعاوضات المالية من الجانبين؛ لأن للمنفعة حكم المال.
ألا ترى أن الحيوان لا يثبت دينا في الذمة بمقابلة المنافع كما لا يثبت
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) المبسوط للسرخسي (٨/¬٢٨).
[ ٧ / ٣٧٦ ]
وَلَهُمَا: أَنَّ المَأْذُونَ لَهُ يَمْلِكُ التِّجَارَةَ وَهَذَا لَيْسَ بِتِجَارَةٍ، فَأَمَّا المُكَاتَبُ يَتَمَلَّكُ الاكْتِسَابَ وَهَذَا اكْتِسَابٌ، وَلِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ المَالِ بِغَيْرِ المَالِ، فَيُعْتَبَرُ بِالْكِتَابَةِ دُونَ الإِجَارَةِ، إِذْ هِيَ مُبَادَلَةُ المَالِ بِالمَالِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ تَزْوِيجَ العَبْدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بمقابلة الأموال الحقيقية في البيع، وكان استعمال لفظ الاعتبار أليق، كذا قيل.
قوله: (وهذا)، أي: تزويج الأمة ليس بتجارة؛ لأن التجارة مبادلة المال بالمال، وتزويج الأمة ليس كذلك؛ إذ البضع ليس بمال حقيقةً فصار شبيها بالكتابة فلا يملكه المأذون، والمضارب، وشريك العنان، أما المكاتب يملك الاكتساب والاكتساب ما يوصل إلى المال، وتزويج الأمة يصل إلى المهر والنفقة فكان اكتسابًا، وإنما كان هكذا لأن المكاتب ملحق بالأحرار في استبداد التصرف واكتساب نفسه.
وفي جامع قاضي خان، والمحبوبي: الأصل في هذا أن كل من كان تصرفه عاما في التجارة وغيرها يملك تزويج الأمة في حق الغير؛ كالأب، والوصي، والجد والمفاوض، والمكاتب والقاضي، وأمين القاضي، وكل من كان تصرفه خاصا في التجارة؛ كالمضارب، وشريك العنان، والمأذون لا يملك تزويج الأمة عندهما خلافًا لأبي يوسف (ولأنه)، أي: تزويج الأمة.
قوله: (إذ هي)، أي: الإجازة لما ذكرنا أن المنفعة في الإجازة في حكم المال، ولهذا يصلح مهرًا في النكاح وابتغاء النكاح شرع بالمال.
قوله: (كلهم)، أي: المكاتب والمأذون، والمضارب، والمفاوض، وشريك العنان.
(تزويج العبد)؛ لأنه ليس باكتساب المال ولا من التجارة.
وقال أبو الخطاب الحنبلي: يجوز للمكاتب تزويج عبده؛ لأنه تصرف في رقيق ماله بما فيه المصلحة فيجوز؛ كَخِتَانِ العبد.
ولنا ما ذكرنا أن في تزويجه ضررًا ونقصًا في القيمة، وليس من جهات المكاسب.
[ ٧ / ٣٧٧ ]