قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِنْجَارُ الدُّورِ وَالحَوَانِيتِ لِلسُّكْنَى، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنُ مَا يَعْمَلُ فِيهَا)؛ لِأَنَّ العَمَلَ المُتَعَارَفَ فِيهَا السُّكْنَى فَيَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ فَصَحَ العَقْدُ (وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ كُلَّ شَيْءٍ) لِلْإِطْلَاقِ
وأما نقل الكتاب فليس بعمل يقابل به الأجر لخفة مؤنته، وإنما الأجر مقابل بقطع المسافة وقد قطعها في الذهاب.
بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْإِجَارَةِ وَمَا يَكُونُ خِلَافًا فِيهَا
لما ذكر الإجارة ومقدماتها شرع في هذا الباب في بيان ما يجوز وما لا يجوز منها.
قوله: (لأن العمل المتعارف) إلى آخره، وفي القياس: لا يجوز لأن المقصود من الدار والحانوت الانتفاع، والانتفاع قد يكون من حيث السكني، وقد يكون من حيث وضع الأمتعة، فينبغي أن لا يجوز ما لم يبين شيئًا من ذلك، وبه قال أبو ثور.
وفي الاستحسان: يجوز؛ لأن المقصود وهو السكني معلوم بالعرف فينصرف إليه؛ لأن المعروف كالمشروط، وله أن يسكنها ويُسكنها من شاء لأنه لا يتفاوت الناس في ذلك، وله أن يعمل فيه كل شيء إلا ما يضر بالبناء للإطلاق، ولا نعلم فيه خلافا للأكثر.
قوله: (وله أن يعمل كل شيء)، من الوضوء، ووضع المتاع، وكسر الحطب، وربط الدواب؛ لأن سكناها لا يتم إلا بذلك فيكون من توابع السكني، فكان قوله: (وله أن يعمل كل شيء) صورة المسألة، وقوله: (لإطلاقها) دليلنا.
في المبسوط، والذخيرة: إنما يكون له ولاية ربط الدواب إذا كان فيها موضع معد لربط الدواب وهو المربط، أما إذا لم يكن فليس له ولاية ربط
[ ٧ / ٢٤٤ ]
(إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْكِنُ حَدَّادًا وَلَا قَصَّارًا وَلَا طَحَّانًا)؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ يُوهِنُ البِنَاءَ فَيَتَقَيَّدُ العَقْدُ بِمَا وَرَاءَهَا دَلَالَةٌ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِنْجَارُ الأَرَاضِي لِلزِّرَاعَةِ)؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ مَعْهُودَةٌ فِيهَا
الدواب (^١).
وما ذكر في الكتاب يعني ربط الدواب فهو بناء على عرفهم، فإن في عرف ديارهم المربط يكون في الدار لسعة دورهم، أما في ديارنا فبخلافه؛ لأن المنازل ببخارى تضيق عن سكنى الناس، فكيف يتسع لإدخال الدواب فيها، وإنما هذا الجواب في عرف الكوفة.
قوله: (إلا أنه لا يسكن) إلى آخره لفظ يسكن يجوز بفتح الياء وضمها، وعلى تقدير الفتح انتصاب (حدادًا) على الحال، وعلى الضم على المفعول، وعلى التقديرين لا يختلف حكم المسألة، ذكره في المغرب، والذخيرة، وإليه أشار في المبسوط.
وفيه وفي الذخيرة بعدما ذكر قوله: (ما خلا الرحا): المراد رحا الماء، أو رحا الثور، أما رحا اليد فلا يمنع منه؛ لأن هذا لا يضر بالبناء، وهو من توابع السكنى عادة.
والحاصل أن كل عمل يضر بالبناء ويوهنه فذلك لا يصير مستحقا بمطلق العقد للمستأجر، وعلى هذا كسر الحطب بالقدر المعتاد منه لا يوهن البناء، فإن زاد على ذلك وكان بحيث يوهن البناء فليس له أن يفعل إلا برضى صاحب الدار (^٢).
وفي الذخيرة: ورحا اليد إذا كان يضر بالبناء يمنع عنه وإلا لا، هكذا اختاره الحلواني، وعليه الفتوى.
ثم قال: فلو أقعد حدادًا أو غيره فانهدم شيء من البناء ضمن ذلك؛ لأن الانهدام أثر الحدادة، ولا أجر عليه فيما ضمن لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان، وإن لم ينهدم شيء لا يجب الأجر قياسًا؛ لأن عمل الحدادة
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٣٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٣٠).
[ ٧ / ٢٤٥ ]
(وَلِلْمُسْتَأْجِرِ الشَّرْبُ وَالطَّرِيقُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِط) لِأَنَّ الإِجَارَةَ تُعْقَدُ لِلانْتِفَاعِ، وَلَا انْتِفَاعَ فِي الحَالِ إِلَّا بِهِمَا فَيَدْخُلَانِ فِي مُطْلَقِ العُقَدِ، بِخِلَافِ البَيْعِ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لَا الانْتِفَاعُ فِي الحَالِ، حَتَّى يَجُوزُ بَيْعُ الجَحْشِ وَالْأَرْضِ السَبِخَةِ دُونَ الإِجَارَةِ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الحُقُوقِ وَقَدْ مَرَّ فِي البُيُوعِ (وَلَا يَصِحُ العَقْدُ حَتَّى يُسَمِّيَ مَا يَزْرَعُ فِيهَا)؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُسْتَأجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَلِغَيْرِهَا، وَمَا يُزْرَعُ فِيهَا مُتَفَاوِتٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ كَيْ لَا تَقَعَ المُنَازَعَةُ (أَوْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الخِيَرَةَ إِلَيْهِ ارْتَفَعَتْ الجَهَالَةُ المُفْضِيَةُ إِلَى المُنَازَعَةِ.
والقصارة غير داخل تحت العقد، ولهذا كان سببًا للضمان، فإذا لم يدخل تحت العقد فالحال قبل العقد وبعده سواء، ويجب استحسانًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة لأن المعقود عليه السكنى وفي الحدادة السكني وزيادة، فقد استوفى المعقود عليه فيجب الأجر.
وهكذا كمن استأجر دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم كذا فحمل أحد عشر وسلمت الدابة يجب الأجر فكذلك ههنا، ولو اختلف المستأجر والآجر في ذلك فقال المستأجر: استأجرتها للحدادة، والآجر يقول: لسكنى دون الحدادة، فالقول للآجر لأنه أنكر الإجارة أصلا، ولو أقاما البينة فالبينة بينة المستأجر؛ لأنه يثبت زيادة الشرط.
وفي المغرب: المستعمل لفظ المؤجر لا الآجر، ولكن ذكره في كتب الفقه كذلك (^١).
قوله: (وللمستأجر الشَّرْبُ والطريق)، يعني وإن لم يشترطهما، وهذه من مسائل الجامع الصغير، (بخلاف البيع) يعني لا يدخلان في البيع إلا بالذكر، وقد مر في البيوع في باب الحقوق.
قوله: (حتى يسمي ما يزرع فيها) بفتح الياء على بناء الفاعل.
وقوله: (وما يُزرع فيها متفاوت) بضم الياء، وفي المغني لابن قدامة: استأجرها للزرع مطلقًا، أو قال: لتزرعها ما شئت فإنه يصح ولو زرع ما شاء، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وعن ابن سريج: لا يصح حتى يُبين ما يزرع؛
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب لمطرزي (ص ٢٠).
[ ٧ / ٢٤٦ ]
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأجِرَ السَّاحَةُ لِيَبْنِيَ فِيهَا، أَوْ لِيَغْرِسَ فِيهَا نَخْلًا، أَوْ شَجَرًا)؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ تُقْصَدُ بِالْأَرَاضِي (ثُمَّ إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارَةِ: لَزِمَهُ أَنْ يَقْلَعَ البِنَاءَ وَالغَرْسَ، وَيُسْلِمَهَا إِلَيْهِ فَارِغَةٌ)؛ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُمَا وَفِي إِبْقَائِهِمَا إِضْرَارًا
لأن ضرره يختلف فلم يصح بلا بيان (^١).
وهو قولنا فيما أطلق الزرع كما ذكر في الكتاب. ثم لو زرع نوعًا من الأنواع في هذه الصورة ومضت المدة ففي القياس يجب عليه أجر المثل؛ لأنه استوفى المعقود عليه بحكم عقد فاسد فلا ينقلب إلى الجواز.
وفي الاستحسان: يجب المسمى وينقل العقد جائزا؛ لأن المعقود عليه صار معلومًا بالاستعمال، لما أن الإجارة تنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة، والفساد كان لأجل الجهالة، فإذا ارتفعت كان الارتفاع في هذه الحالة كالارتفاع وقت العقد فيعود جائزا، وكذا لو استأجر ثوبًا للبس ولم يعين اللابس لا يجوز لتفاوت الناس في اللبس، فإن عين اللابس بعد ذلك يجوز استحسانًا لما ذكرنا، كذا في الذخيرة، وجامع قاضي خان (^٢).
قوله: (أن يستأجر الساحة) بالحاء المهملة، وهي الأرض الخالية عن البناء والشجر. (ويسلمها)، أي: الساحة (فارغة)، أي: يجبر على القلع، ولا يضمن صاحب الأرض قيمة النقص، وبه قال مالك (^٣)، والمزني، وقال الشافعي (^٤)، وأحمد (^٥): إن كانا قد شرطا القلع عند انقضائها كذلك، وإن أطلقا العقد لم يجبر على القلع إلا أن يضمن المالك له قيمة نقضه؛ لأنه ﵊ قال: «ليس لعرق ظالم حَقٌّ» (^٦)، وهذا ليس بضامن، ولأنه غرس بإذن المالك
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٥/ ٣٥٨).
(٢) انظر: فتاوى قاضي خان (٢/ ١٦٠).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٧/ ٣٧٥).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٧/ ٣٥٧)، وروضة الطالبين للنووي (٥/ ٢١٤).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٥/ ٣٦٣)، والشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة (٦/ ١٤٢).
(٦) أخرجه أبو داود (٣/ ١٧٨) رقم (٣٠٧٣)، والترمذي (٣/ ٥٥ رقم ١٣٧٨)، والنسائي في " الكبرى" (٥/ ٣٢٥ رقم ٥٩٢٧) من حديث سعيد بن زيد ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد رواه بعضهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا، وقال النسائي: خالفه يحيى بن سعيد، وليث بن سعد - أي فروياه مرسلًا.
[ ٧ / ٢٤٧ ]
بِصَاحِبِ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا انْقَضَتْ المُدَّةُ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ، حَيْثُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ المِثْلِ
ولم يشترط قلعه فلم يجبر على القلع من غير ضمان النقض، كما لو استعار أرضا للغرس مدة فرجع قبل انقضائها.
وقلنا: تقدير المدة في الإجازة يقتضي التفريغ عند انقضائها، ولا يقتضي التأبيد إذ فيه ضرر لرب الأرض؛ لأنه ليس للبناء والغرس مدة معلومة، فيكون كاشتراط القلع عند الانقضاء عرفًا ودلالة.
قوله: (حيث يترك بأجر المثل)، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد إن لم يكن ذلك من تفريط المستأجر، مثل أن يزرع زرعًا لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء المدة فحكمه حكم زرع الغاصب، يخير المالك بين أخذه بالقيمة أو تركه بأجر المثل.
وقال الشافعي في وجه: يلزمه نقله؛ لأن المدة ضربت لنقل الزرع فيلزم العمل بموجبه.
وعندنا يترك بأجر المثل مطلقا إلى زمان الإدراك؛ لأن في التأخير مراعاة الحقين، بخلاف لو مات أحد المتعاقدين والزرع يقل حيث يترك بلا أجر المثل، بل بالمسمى لأنا أثبتنا عقد الإجارة بعد انقضاء المدة، والزرع بأجر المثل رعاية للجانبين ضرورة، وفي الموت الحاجة إلى إبقاء العقد، فيبقى ما كان مسمى في العقد، وذلك لأن الباقي حكم ذلك العقد، وذلك العقد يقتضي أن يكون مضمونا بالمسمى كذا في الإيضاح، وجامع قاضي خان (^١).
وحاصل ذلك أن في حق البناء والغرس اتحد الجواب في الصور الثلاث، وهي: الإجارة، والعارية، والغصب، حتى يجب عليهم القلع والتسليم فارغا، وفي الزرع اختلف الجواب، ففي الغصب يلزم القلع على الغاصب في الحال؛ لأنه متعد في الزراعة، وفي الإجارة يترك إلى وقت الإدراك استحسانًا بأجر المثل.
وفي العارية المؤقتة وغير المؤقتة لا يأخذها صاحبها إلى أن
_________________
(١) انظر: فتاوى قاضي خان (٢/ ١٥٤).
[ ٧ / ٢٤٨ ]
إِلَى زَمَانِ الإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَأَمْكَنَ رِعَايَةُ الجَانِبَيْنِ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكَهُ فَلَهُ ذَلِكَ) وَهَذَا بِرِضَا صَاحِبِ الغَرْسِ وَالشَّجَرِ، إِلَّا أَنْ تَنْقُصَ الْأَرْضُ بِقَلْعِهِمَا فَحِينَئِذٍ يَتَمَلَّكُهُمَا بِغَيْرِ رِضَاهُ. قَالَ: (أَوْ يَرْضَى بِتَرْكِهِ عَلَى حَالِهِ، فَيَكُونَ البِنَاءُ لِهَذَا وَالأَرْضُ لِهَذَا)؛ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُ فَلَهُ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَهُ. قَالَ: (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارَةِ، وَفِي الْأَرْضِ رَطْبَةٌ فَإِنَّهَا تُقْلَعُ)؛ لِأَنَّ الرِّطَابَ لَا نِهَايَةَ لَهَا فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الدَّوَابِّ لِلرُّكُوبِ وَالحَمْلِ)؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ مَعْهُودَةٌ (فَإِنْ أَطْلَقَ الرُّكُوبَ: جَازَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ مَنْ شَاءَ) عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ … … … .
يستحصد الزرع استحسانا؛ لأنه ما كان متعديًا في الزراعة بجهة العارية، ولإدراك الزرع نهاية معلومة فيترك.
قالوا: وينبغي أن يترك بأجر المثل كما في الإجارة نظرًا للجانبين، الكل من المبسوط (^١).
قوله: (عملا بالإطلاق)، فإن قيل: ذكر في المبسوط، والمغني، والذخيرة، وشرح الطحاوي استأجر ثوبًا ليلبسه يومًا ولم يسم من يلبسه، أو دابة ليركبها يومًا ولم يسم من يركبه، أو للعمل ولم يسم ما يعمل عليها تفسد الإجارة (^٢).
وكذا في شرح الأقطع، إلا أن يقول: يركب من شاء فما وجه ما ذكر في الكتاب.
قلنا: قيل في التوفيق بين الروايات ما ذكر في فتاوى قاضي خان: إنه لو أركب غيره أو ركبه بنفسه انقلب جائزا بعد ما وقع فاسدًا (^٣).
فعلى هذا كان ما ذكره محمولًا على آخر الأحوال، فكان معنى قوله: (فإن أطلق الركوب جاز له أن يركب من شاء)، أي: لو أركبه ينقلب إلى الجواز بعد
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٤٢).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٦٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٧/ ٦٢٣).
(٣) انظر: فتاوى قاضي خان (٢/ ١٨٦).
[ ٧ / ٢٤٩ ]
وَلَكِنْ إِذَا رَكِبَ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَرْكَبَ وَاحِدًا، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مُرَادًا مِنْ الأَصْلِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّكُوبِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَى رُكُوبِهِ (وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِلَّبْسِ وَأَطْلَقَ: جَازَ فِيمَا ذَكَرْنَا لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ وَتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي اللُّبْسِ وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا فُلَانٌ، أَوْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ فُلَانٌ، فَأَرْكَبَهَا غَيْرَهُ، أَوْ أَلْبَسَهُ غَيْرَهُ فَعَطِبَ: كَانَ ضَامِنًا)؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ فَصَحَّ التَّعْيِينُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ لِمَا ذَكَرْنَا.
فَأَمَّا العَقَارُ وَمَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ إِذَا شَرَطَ سُكْنَى وَاحِدٍ فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ التَّقْبِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ الَّذِي يَضُرُّ بِالبِنَاءِ، وَالَّذِي يَضُرُّ بِالبِنَاءِ
ما وقع فاسدًا، أو المراد منه ما هو المذكور في شرح الأقطع كما ذكرنا، فكان معنى قوله: (فإن أطلق الركوب)، أي: استأجرها للركوب على أن يركب عليها من شاء، واختاره صاحب الكافي.
والأوجه فيه أن يقال: ما ذكره من الفساد جواب القياس، ومن الجواز جواب الاستحسان، فإنه ذكر في المبسوط بعد ما ذكرنا: فالعقد فاسد لجهالة المعقود عليه؛ لأن حمل بعض الأشياء وركوب بعض الأشخاص، أو لبس البعض غير معلوم لينصرف مطلق العقد إليه، ويقع التفاوت في الركوب واللبس والحمل، فما لم يبين لا يصير المعقود عليه معلومًا فلا يحكم بجواز العقد (^١).
وفي الاستحسان أن الجهالة المفسدة قد زال بركوب نفسه وإركاب غره (^٢)، فجعلنا التعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء.
قوله: (كل ما يختلف باختلاف المستعمل)؛ كالفسطاط ونحوه، حتى لو استأجر فسطاطا ودفعه إلى غيره إجارةً، أو إعارةً فنصبه وسكن فيه ضمنه عند أبي يوسف لتفاوت الناس في نصبه واختيار مكانه، وضرب أوتاده، وعند محمد لا يضمن؛ لأنه للسكنى فصار كالدار.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٦٦).
(٢) نص الكلام في المبسوط: (وجه الاستحسان أن المفسد - وهو الجهالة التي تفضي إلى المنازعة - قد زال).
[ ٧ / ٢٥٠ ]
خَارِجٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (وَإِنْ سَمَّى نَوْعًا وَقَدْرًا مَعْلُومًا يَحْمِلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: خَمْسَةُ أَقْفِزَةِ حِنْطَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ مِثْلُ الحِنْطَةِ فِي الضَّرَرِ، أَوْ أَقَلُّ كَالشَّعِيرِ وَالسِّمْسِمِ)؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ الإِذْنِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ، أَوْ لِكَوْنِهِ خَيْرًا مِنْ
وقوله: (على ما ذكرنا)، إشارة إلى قوله: (إلا إنه لا يسكن حداد) إلى آخره.
قوله: (كالشعير والسمسم)، هذا لف ونشر، فالشعير ينصرف إلى المثل، والسمسم إلى الأقل إذا كان التقدير فيها من حيث الكيل لا من حيث الوزن، هذا جواب الاستحسان.
أما لو سمى قدرًا من الحنطة وزنًا فحمل مثل الوزن من الشعير يضمن، وقد بينا نظير هذا في العارية، ولكن ذكر شيخ الإسلام في مبسوطه: لا يضمن فيه هذا أيضًا، وهو الأصح؛ لأن ضرر الشعير مثل ضرر الحنطة في حق الدابة عند استوائهما وزنًا، وبه يفتي الصدر الشهيد، كذا في الذخيرة.
وفي المبسوط: المسألة على أربعة أوجه، أحدها: أن يحمل ما عينه.
والثاني: أن يخالف في الجنس، ففي القياس يضمن لأنه مخالف، وفي الاستحسان: لا يضمن في المثل والأخف؛ لأنه لا فائدة في تعيين الحنطة.
والثالث: أن يخالف إلى ما هو أضر بأن حمل عليها حديدًا مثل وزن الحنطة، أو أجرًا، أو ملحًا فيضمن؛ لأن هذا يجتمع في موضع واحد فيدق ظهر الدابة، وكذا لو حمل وزن الحنطة قطنا يضمن؛ لأنه يأخذ من ظهر الدابة فوق ما يأخذ الحنطة فكان أضرَّ عليها من وجه، كما لو حمل عليها حطبا أو تبنا.
والرابع: أن يخالف في القدر، بأن قال: عشرة مخاتيم حنطة، فحمل خمسة عشر مختومًا فهلك، يضمن ثلث قيمتها؛ لأنه في مقدار عشرة مخاتيم موافق؛ لأنه حمل بالإذن، وفيما زاد بغير الإذن، فيعتبر الجزء بالكل ويتوزع الضمان على ذلك (^١).
وقال الشافعي، وأحمد يضمن قيمتها كما في الغصب؛ لأنه متعد إذا لم
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٣٧).
[ ٧ / ٢٥١ ]
الأَوَّلِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْ الحِنْطَةِ، كَالمِلْحِ وَالحَدِيدِ لِانْعِدَامِ الرِّضَا فِيهِ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا قُطْنًا سَمَّاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا)؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ أَضَرَّ بِالدَّابَّةِ، فَإِنَّ الحَدِيدَ يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعِ مِنْ ظَهْرِهَا وَالقُطْنُ يَنْبَسِطُ عَلَى ظَهْرِهَا.
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَأَرْدَفَ مَعَهُ رَجُلًا، فَعَطِبَتْ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالثَّقَلِ)؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ قَدْ يَعْقِرُهَا جَهْلُ الرَّاكِبِ الخَفِيفِ وَيَخِفُّ عَلَيْهَا رُكُوبُ الثَّقِيلِ لِعِلْمِهِ بِالفُرُوسِيَّةِ، وَلِأَنَّ الآدَمِيَّ غَيْرُ مَوْزُونٍ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الوَزْنِ فَاعْتُبِرَ عَدَدُ
يكن معها صاحبها، وإن كان صاحبها معها فإن تلف بعد التسليم إلى صاحبها لم يضمن، وإن تلف في حال الحمل ضمن، وفي قدر الضمان قولان، أحدهما: نصف قيمته، والثاني: أنه يقسط، وما قابل الزيادة يجب، وإذا لم يهلك يجب المسمى، وفيما زاد أجر المثل، وعن مالك خير المالك بين تضمين القيمة بالتعدي، وبين أجر المثل.
قوله: (فأردف معه رجلًا) قيد بالإرداف لأنه لو ركبها وحمل على عاتقه غيره يضمن كل القيمة وإن كانت الدابة تطيق ذلك؛ لأن ثقل الراكب مع الذي حمله يجتمعان في مكان واحد فيكون أشق عليها، فصار كما لو حملها مثل وزن الحنطة حديدًا.
(ضمن نصف قيمتها)، أي: مع تمام الأجر إذا كان الهلاك بعد البلوغ إلى المقصد، ثم المالك بالخيار إن شاء ضمن المستأجر، ولا يرجع المستأجر على الغير سواء كان الغير مستعيرًا أو مستأجرًا، وإن ضمن الرديف يرجع على المستأجر إن كان الغير مستأجرًا، وإن كان مستعيرًا لا يرجع، وهذا إذا كانت الدابة تطيق ذلك، فإن لم تطق يضمن جميع قيمتها، وهو قياس قول الشافعي، وأحمد.
وقال الشافعي في قول: يجب على المرتدف نصف الضمان كقولنا، وقال في قول: يقسط على أوزانهما أن يطيق ذلك.
قوله: (لعلمه بالفروسية)، فرُبَّ خفيف لا يحسن الركوب فيضر بالدابة،
[ ٧ / ٢٥٢ ]
الرَّاكِبِ كَعَدَدِ الجُنَاةِ فِي الجِنَايَاتِ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارًا مِنَ الحِنْطَةِ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْهُ، فَعَطِبَتْ:
ورب ثقيل يحسن الركوب فلا يضر بالدابة، ولهذا قال الحلواني: هذا إذا أردف مثله، أما لو أردف صبيًا لا يستمسك بنفسه فكان بمنزلة الحمل فيضمن بقدر ثقله.
قوله: (كعدد الجناة)، يعني يعتبر عدد الجناة لا عدد الجنايات، حتى لو جرح إنسان عشر جراحات وجرح آخر جراحة يتنصف الضمان، فربما يهلك الإنسان من جراحة ويسلم من عشر جراحات.
فإن قيل: ينبغي أن يضمن كل القيمة؛ لأنه لو استأجرها ليركبها بنفسه، وفي مثله لو أركب غيره يجب عليه ضمان كل القيمة، وههنا وجد إركاب الغير مع ركوب نفسه، فركوبه بنفسه إن لم يوجب عليه زيادة ضمان على ضمان الإركاب ينبغي أن لا يوجب نقصان ضمان منه، وكذا ينبغي أن لا يجب عليه الأجر؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان، وههنا يجب عليه نصف الضمان فينبغي أن لا يجب عليه نصف الأجر.
قلنا: إنما ينتفي الأجر عند وجوب الضمان إذا ملكه بالضمان بطريق الغصب؛ لأنه لا أجر في ملكه، وههنا لم يملك بهذا الضمان شيئًا مما شغله بركوب نفسه، وجميع المسمى بمقابلة ذلك، وإنما يضمن ما شغله غيره ولا أجر بمقابلة ذلك ليسقط عنه لما بينا أن الضرر في الدابة ليس من قبيل ثقل الراكب وخفته، فلهذا يوزع الضمان نصفين، وهذا هو الجواب عما سأل بقوله.
فإن قيل: قد تقرر عليه ضمان نصف القيمة، وقد ملك نصف الدابة من حين ضمن، فينبغي أن لا يلزمه نصف الأجر.
والجواب عن قوله - وفي مثله: لو أركب غيره يجب عليه ضمان كل القيمة - أنه إذا أركب غيره فهو مخالف في الكل، وإذا ركبها بنفسه فهو موافق فيما شغله بنفسه، مخالف فيما شغله بغيره، ألا ترى أنه لو استأجرها لركوبه لم يجب الأجر إذا حمل عليها غيره، ووجب الأجر إذا ركبها وحمل مع نفسه غيره، كذا
[ ٧ / ٢٥٣ ]
ضَمِنَ مَا زَادَ الثَّقَلُ)؛ لِأَنَّهَا عَطِبَتْ بِمَا هُوَ مَأذُونٌ فِيهِ وَمَا هُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَالسَّبَبُ الثَّقَلُ فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا إِلَّا إِذَا كَانَ حِمْلًا لَا يُطِيقُهُ مِثْلُ تِلْكَ الدَّابَّةِ فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ كُلَّ قِيمَتِهَا لِعَدَمِ الإِذْنِ فِيهَا أَصْلًا لِخُرُوجِهِ عَنْ العَادَةِ.
في المبسوط (^١).
وفيه: هذا إذا كانت الدابة تطيق ذلك حمل رجلين، فإن لم تطق فإن كان يعلم أن لا تطيق ذلك فهو متلف يضمن جميع قيمتها.
قوله: (فانقسم)، أي: الضمان (عليهما)، أي: على ما هو مأذون فيه، وعلى ما هو غير مأذون، وهذا بخلاف ما لو استأجر ثورًا ليطحن به عشرة مخاتيم فطحن أحد عشر فهلك حيث يضمن جميع قيمتها ولا يتوزع؛ لما أن الطحن يكون شيئًا فشيئًا، فكما طحن عشرة مخاتيم انتهى إذن المالك، فبعد ذلك في الطحن مخالف في جميع الدابة، مستعمل لها بغير إذن مالكها فيضمن جميعها.
أما الحمل فيكون جملة واحدة، فهو في البعض مستعمل بالإذن، وفي البعض مخالف فيتوزع الضمان، كذا في المبسوط (^٢).
وعن هذا قال في المغني في مسألة الحنطة التي زاد على المسمى: هذا الجواب الذي ذكره في الكتاب فيما إذا حمل عليها أحد عشر مختوما دفعة واحدة، أما إذا حمل عليها عشرة مخاتيم، ثم حمل عليها مختوما وعطب يضمن جميع قيمتها كما في مسألة الطحن.
وقوله: (ضمن ما زاد الثقل) مقيد بما إذا كان المزيد من جنس المسمى كما ذكرنا في مخاتيم الحنطة؛ لأنه إذا لم يكن المزيد من جنس المسمى، كما لو استأجرها ليحمل عليها كُرَّ شعير فحمل عليها حنطة بمثل ذلك الكيل فهلك ضمن جميع قيمتها؛ لأن الحنطة بمثل كيل الشعير أثقل، فيكون ضررها أكثر.
والفرق أن المزيد إذا كان من جنس المسمى كان في حق المزيد عليه ما ذكرنا، وفي حق الزيادة فلا يضمن لما أذن فيه.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٣٩).
(٢) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٣٩).
[ ٧ / ٢٥٤ ]
قالَ: (وَإِنْ كَبَحَ الدَّابَّةَ بِلِجَامِهَا، أَوْ ضَرَبَهَا فَعَطِبَتْ: ضَمِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ إِذَا فَعَلَ فِعْلًا مُتَعَارَفًا) (*)؛ لِأَنَّ المُتَعَارَفَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ
أما إذا كانت الزيادة من غير جنس المسمى كانت المخالفة في الجميع فيضمن؛ لأن هناك ما عمل غير داخل تحت العقد إلا أنا نسقط حكم الخلاف إذا تساويا في الضرر، فإذا لم يتساويا ظهر موجب الخلاف وهو نظير الحائط المشترك، أما إذا مال فاشهد على أحدهما ثم سقط فقتل إنسانًا فإنه يضمن بقدر نصيبه، إليه أشار في الذخيرة، والإيضاح.
قوله: (وإن كبح الدابة)، أي: جذبها إلى نفسه لتقف ولا تجري، كذا في الصحاح (^١).
قوله: (وقالا)، أي: أبو يوسف ومحمد: (لا يضمن إذا فعل فعلا متعارفًا)، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور؛ لأن المتعارف يدخل تحت العقد إذ المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، والضرب والكبح باللجام معتاد فيثبت الإذن بهما دلالة.
ولو أذن فيهما لم يضمن بالاتفاق فكذا إذا ثبت عرفًا، وقد صح أنه عليه الصلاة السلام نخس بعير جابر وضربه (^٢)، وكان أبو بكر يحرش بعيره بمحجنه (^٣).
ولأبي حنيفة أنه تلف بجنايته فيضمن كغير المستأجر، وذلك لأن المستحق السير لا نهايته، وبالكبح والضرب يستخرج منها نهايته، ومطلق السير قد يستخرج بالتحريك والصياح فلا يكون الضرب من اللوازم، على أنه إن أبيح له الضرب يتقيد بشرط السلامة لأنه إنما أبيح له لمنفعة نفسه لا لحق المالك، فإن حق المالك يتقرر في الأجر بدونه، وصار كتعزير الزوج زوجته، ورمي الرجل
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) الصحاح تاج اللغة للجوهري (١/ ٣٩٨).
(٣) أخرجه البخاري (٥/ ٥٧ رقم ٥٠٧٩)، ومسلم (٢/ ١٠٨٨ رقم ٧١٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٤) أخرجه الشافعي في المسند (ص ٣٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٢٥ رقم ٩٧٩٤).
[ ٧ / ٢٥٥ ]
العَقْدِ، فَكَانَ حَاصِلا بِإِذْنِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، إِذْ يَتَحَقَّقُ السَّوْقُ بِدُونِهِ، وَإِنَّمَا هُمَا لِلْمُبَالَغَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ كَالمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ.
قَالَ: (وَإِنِ اسْتَأْجَرَهَا إِلَى الحِيرَةِ فَجَاوَزَ بِهَا إِلَى القَادِسِيَّةِ ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى الحِيرَةِ ثُمَّ نَفَقَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَكَذَلِكَ العَارِيَّةُ) وَقِيلَ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا لَا جَائِيًا؛ لِيَنْتَهِيَ العَقْدُ بِالوُصُولِ إِلَى الحِيرَةِ فَلَا يَصِيرُ بِالعَوْدِ مَرْدُودًا إِلَى يَدِ المَالِكِ مَعْنَى.
وَأَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا وَجَائِيًا: فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ المُودَعِ إِذَا خَالَفَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الوِفَاقِ. وَقِيلَ: لَا، بَلْ الجَوَابُ مُجْرَى عَلَى الإِطْلَاقِ.
إلى الصيد، ومشيه في الطريق فإن هذا كله مباح شرعًا ويتقيد بشرط السلامة.
بخلاف ما إذا أذن نصا فإن بعده فعله كفعل المالك، كذا في المبسوط (^١).
وفعل النبي ﵊ يدل على إباحته، وهذا لا ينفي الضمان؛ لأنه مقيد بشرط السلامة.
أما الأب إذا ضرب ابنه للتأديب ضربًا يضرب مثله فمات من ذلك ضمن الدية والكفارة، وبه قال الشافعي؛ لأنه يمكنه التأديب بغير الضرب، وعندهما ومالك، وأحمد لا يضمن، وعلى هذا الخلاف الوصي، ولو أسرف في الضرب، أو ضرب من لا عقل له فعليه الضمان بالإجماع.
(الحيرة) بكسر الحاء مدينة على ميل من الكوفة.
قوله: (فهو ضامن)، وكذلك العارية، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد.
وهل يجب أجر المثل في الزيادة؟ فعندنا والثوري لا يجب، وعند الشافعي وأحمد يجب أجر المثل في الزيادة، وحكي عن مالك: إذا تجاوز بها إلى مسافة بعيدة خير صاحبها بين أجر المثل وبين المطالبة بقيمتها يوم التعدي؛ لأنه متعد بإمساكها فكان لصاحبها تضمينها إياه.
قوله: (مجرى على الإطلاق)، أي: سواء استأجرها ذاهبًا أو جائيًا أو لا،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٥/ ١٧٤).
[ ٧ / ٢٥٦ ]
وَالفَرْقُ: أَنَّ المُودَعَ بِأُمُورِ بِالحِفْظِ مَقْصُودًا، فَبَقِيَ الْأَمْرُ بِالحِفْظِ بَعْدَ العَوْدِ إِلَى الوِفَاقِ، فَحَصَلَ الرَّدُّ إِلَى يَدِ نَائِبِ المَالِكِ، وَفِي الإِجَارَةِ وَالعَارِيَّةِ يَصِيرُ الحِفْظُ مَأْمُورًا بِهِ تَبَعًا لِلاسْتِعْمَالِ لَا مَقْصُودًا، فَإِذَا انْقَطَعَ الاِسْتِعْمَالُ لَمْ يَبْقَ هُوَ نَائِبًا، فَلَا
فلا يبرأ بالعود؛ لأنه بالمجاورة صار غاصبا، ودخلت الدابة في ضمانه، والغاصب لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك، أو على من هو مأمور بالحفظ من جهة المالك ولم يوجد.
فإن قيل: غاصب الغاصب إذا رد المغصوب على الغاصب فإنه يبرأ وإن لم يوجد الرد على هذين.
قلنا: يريد في المأخذ فيقول: إنما يبرأ بالرد إلى أحد هذين، أو إلى من لم يوجد منه سبب ضمان يرتفع بالرد عليه ضمانه من قبل، والغاصب الأول لم يوجد منه سبب ضمان يرتفع بالرد عليه كذا في الفوائد الظهيرية.
طعن عيسى بن أبان وقال: إلحاق الإجارة بالعارية كما ذكره في الكتاب غير مستقيم؛ لما أن يد المستأجر كيد المالك حتى يرجع بما لحقه من الضمان على المالك كما في الوديعة، ولهذا مؤنة الرد على المالك بخلاف العارية حيث لا ير. يرجع المستعير على المالك بشيء.
قلنا: يد المستأجر يد نفسه لأنه قبضه لمنفعة نفسه كالمستعير، ولكن رجوعه بالضمان للغرور المتمكن بعقد المعاوضة، وذلك لا يدل على أن يده لست كيد نفسه كالمشتري يرجع بضمان المغرور.
فإن قيل: لو استأجرت المرأة ثوبًا لتلبسه أياما فلبست بالليل كانت ضامنة، ثم إذا جاء النهار برئت من الضمان فعلم أن المستأجر إذا عاد إلى الوفاق يبرأ من الضمان.
قلنا: وجوب الضمان عليها بالاستعمال دون اليد فلها أن تمسكه بالليل، وههنا وجوب الضمان باعتبار إمساك الدابة بعد المجاوزة بدليل أنه لو لم يركبها فهلكت يضمن، والإمساك وإن أعادها إلى الحيرة يزول بالرد على المالك [أو إلى] (^١) من هو قائم مقامه ولم يوجد، كذا ذكره المحبوبي.
_________________
(١) في الأصل: (أولى)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٢٥٧ ]
يَبْرَأُ بِالعَوْدِ وَهَذَا أَصَحٌ. قَالَ: (وَمَنْ اكْتَرَى حِمَارًا بِسَرْجِ فَنَزَعَ السَّرْجَ وَأَسْرَجَهُ بِسَرْجِ يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الحُمُرُ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يُمَائِلُ الأَوَّلَ تَنَاوَلَهُ إِذْنُ المَالِكِ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّقْيِيدِ بِغَيْرِهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ زَائِدًا عَلَيْهِ فِي الوَزْنِ فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ (وَإِنْ كَانَ لَا يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الحُمُرُ: ضَمِنَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْإِذْنُ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ مُخَالِفًا (وَإِنْ أَوْكَفَهُ بِإِكَافٍ لَا يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الحُمُرُ: يَضْمَنُ) لِمَا قُلْنَا فِي السَّرْجِ، وَهَذَا أَوْلَى (وَإِنْ أَوْكَفَهُ بِإِكَافٍ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الحُمُرُ: يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،
قوله: (وهذا)، أي: الجواب على الإطلاق (أصح)، وفي الكافي: وقيل الأول أصح.
قوله: (إذ لا فائدة في التقييد بغيره)، أي: من حيث المنع، أي: لا فائدة في القول بأن هذا مقيد بأن لا يسرج بغير هذا السرج الذي عينه صاحب الدابة إذا كان غير ذلك السرج يماثل السرج الذي عينه، والأولى في اللفظ ههنا أن يقال: إذ لا فائدة في التقييد بعينه، أي بعين ذلك السرج الذي عينه المالك كما قاله المحبوبي.
قوله: (وإن كان لا يسرج بمثله الحُمُر) بأن أسرج الحمار سرج البِرْدَوْن (^١) ضمن)، أي: جميع القيمة.
وفي الفوائد الظهيرية: ضمن القيمة، ولم يذكر فيه خلافًا، ولا يقال التفاوت بين السَّرْجَيْنِ دون التفاوت بين الإكاف والسرج؛ لأن السرج جنس واحد.
أما الإكاف: فمخالف للسرج جنسًا فيجب أن لا يضمن جميع القيمة عندهما كما لو أوكف المسرج؛ لأنا نقول: التفاوت بين السرجين دون التفاوت بين السرج والإكاف في الصورة والانتفاع، أما في حق الإضرار بالدابة بين سرج الحمير، وبين إكاف يوكف بها الحمير أقل من التفاوت بين سرج الحمير وسرج البَرَاذِين، وحكم الضمان يتعلق بالضرر.
_________________
(١) البِرْدَوْنُ: يُطلق على غير العربي من الخيل والبغال، من الفصيلة الخيلية، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوي الأرجل، عظيم الحوافر. والجمع: بَرَاذِينُ.
[ ٧ / ٢٥٨ ]
وَقَالَا: يَضْمَنُ بِحِسَابِهِ) (*)؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الحُمُرُ: كَانَ هُوَ وَالسَّرْجُ سَوَاءٌ، فَيَكُونُ المَالِكُ رَاضِيًا بِهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى السَّرْجِ فِي الوَزْنِ فَيَضْمَنُ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالزِّيَادَةِ فَصَارَ كَالزِّيَادَةِ فِي الحَمْلِ المُسَمَّى إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الإِكَافَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ السَّرْجِ؛ لِأَنَّهُ لِلْحَمْلِ، وَالسَّرْجُ لِلرُّكُوبِ، وَكَذَا يَنْبَسِطُ أَحَدُهُمَا عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ مَا لَا يَنْبَسِطُ عَلَيْهِ الْآخَرُ، فَكَانَ مُخَالِفًا، كَمَا إِذَا حَمَلَ الحَدِيدَ وَقَدْ شَرَطَ لَهُ الحِنْطَةَ.
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ حَمَّالًا لِيَحْمِلَ لَهُ طَعَامًا فِي طَرِيقِ كَذَا، فَأَخَذَ فِي طَرِيقٍ غَيْرِهِ يَسْلُكُهُ النَّاسُ، فَهَلَكَ المَتَاعُ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَ، فَلَهُ الْأَجْرُ) وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ تَفَاوُتٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ التَّقْبِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ تَفَاوُتُ
قوله: (وقالا يضمن بحسابه)، قال بعض المشايخ: ليس في المسألتين اختلاف الروايتين عن أبي حنيفة؛ لأنه لم يذكر في الجامع الصغير أنه ضامن جميع القيمة، ولكن قال: هو ضامن، ولم يبين أي قدر ما يضمن، فكان المطلق محمولا على المفسر.
وقيل: عن أبي حنيفة روايتان في رواية الإجارات: يضمن بقدر ما زاد، وفي رواية الجامع: يضمن جميع القيمة، قال شيخ الإسلام: وهو الأصح.
وتكلموا في معنى قولهما: (يضمن بحسابه)، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
قيل: المراد هو المساحة، حتى لو كان السرج يأخذ من ظهر الدابة قدر شبرين، والإكاف قدر أربعة أشبار يضمن نصف قيمتها، وقيل: بحسابه بالثقل والخفة، كذا في جامع المحبوبي.
قوله: (أما إذا كان التفاوت)، وهو أن يكون الذي سلكه أشق، أو أبعد، أو أخوف فهلك يضمن، ولا يعلم فيه خلاف، وإن بلغ إليه المتاع مع ذلك فله الأجر لحصول المقصود، كذا في الفوائد الظهيرية، ولا خلاف فيه (^١).
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٩/ ٩٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (١٠/ ٢٦٤).
[ ٧ / ٢٥٩ ]
يَضْمَنُ لِصِحَّةِ التَّقْيِيدِ: فَإِنَّ التَّقْيِيدَ مُفِيدٌ، إِلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّفَاوُتِ إِذَا كَانَ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَلَمْ يُفَصِّلْ (وَإِنْ كَانَ طَرِيقًا لَا يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَهَلَكَ: ضَمِنَ)؛ لِأَنَّهُ صَحَّ التَّقْيِيدُ فَصَارَ مُخَالِفًا (وَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الأَجْرُ)؛ لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ الخِلَافُ مَعْنَى، وَإِنْ بَقِيَ صُورَةٌ. قَالَ: (وَإِنْ حَمَلَهُ فِي البَحْرِ فِيمَا يَحْمِلُهُ النَّاسُ فِي البَرِّ ضَمِنَ) لِفُحْشِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ البَرِّ وَالبَحْرِ (وَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الأَجْرُ) لِحُصُولِ المَقْصُودِ وَارْتِفَاعِ الخِلَافِ مَعْنَى.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةٌ فَزَرَعَهَا رَطْبَةٌ ضَمِنَ مَا نَقَصَهَا) لِأَنَّ
وقوله: (إلا أن الظاهر)، إلى آخره جواب إشكال يرد على التفصيل وهو أن يقال: أن محمدًا أطلق الرواية بأنه لا ضمان عليه فيما أخذ في الطريق الذي يسلكه الناس ولم يقيد، فكيف يقيدها بهذا: (وإن بلغ فله الأجر) إلى آخره، وكذلك في مسألة البحر.
فإن قيل: اجتمع الضمان مع الأجر - وقد ذكرنا من المبسوط أنهما لا يجتمعان -.
قلنا: ليس كذلك؛ لأن الضمان حال عدم التبليغ، والأجر في حالة التبليغ وإن سلم، لكن مثل هذا الجمع يجوز؛ كما في العبد المحجور إذا أجر نفسه، فإن تلف في العمل كان المستأجر ضامنًا، وإن سلم يجب الأجر فهذا مثله، ذكره المحبوبي.
قوله: (لفحش التفاوت بين البر والبحر)، حتى أن للمودع أن يسافر بالوديعة من طريق البر دون البحر، وعن العباس ﵁ أنه كان يشترط على المضارب أن لا يركب بحرًا، ولا ينزل واديًا، ولا يشتري ذا كبد (^١)، قيل: أن البحر دور على عود.
قوله: (ضمن ما نقصها)، ولا يعلم فيه خلاف.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٤/ ٥٢ رقم ٣٠٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١١١ رقم ١١٩٤٥) من حديث ابن عباس ﵄. وضعفه الدارقطني، والبيهقي.
[ ٧ / ٢٦٠ ]
الرِّطَابَ أَضَرُّ بِالْأَرْضِ مِنْ الحِنْطَةِ، لِانْتِشَارِ عُرُوقِهَا فِيهَا وَكَثْرَةِ الحَاجَةِ إِلَى سَقْيِهَا، فَكَانَ خِلَافًا إِلَى شَرِّ، فَيَضْمَنُ مَا نَقَصَهَا (وَلَا أَجْرَ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِلْأَرْضِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ.
قَالَ: (وَمَنْ دَفَعَ إِلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا بِدِرْهَمٍ، فَخَاطَهُ قَبَاءٌ: فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ القَبَاءَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ دِرْهَمًا) قِيلَ: مَعْنَاهُ القَرْطَقُ الَّذِي هُوَ ذُو طَاقٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ القَمِيصِ، وَقِيلَ: هُوَ مُجْرَى عَلَى إِطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبَانِ فِي المَنْفَعَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُضَمِّنُهُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ؛ لِأَنَّ القَبَاءَ خِلَافُ جِنْسِ القَمِيصِ.
قوله: (لا أجر له لأنه غاصب)، وعند الشافعي وأحمد رب الأرض مخير بين أخذ الأجر وما نقصت الأرض، وبين أخذ أجر المثل للجميع، وعند أحمد في رواية: عليه أجر المثل كالغاصب.
قوله: (على ما قررناه) إشارة إلى قوله لأن الرطاب أضر بالأرض.
قوله: (قيل: معناه القُرْطَق (^١) الذي) إلى آخره، القرطق تعريب كرته، (ويك تاهي) والقرطق الذي يلبسه الأتراك مكان القميص، ويقال بالفارسية: (يكتهي)، وفي المغرب: القرطق قباذ وطاق واحد، (^٢) يعني يكتاه.
قال الإمام ظهير الدين: القميص إذا قُدَّ من قبل كان قباء طاق، وإذا خيط جانباه كان قميصا وهو المراد من القرطق، كذا في الخبازية.
قوله: (وعن أبي حنيفة)، وهو رواية الحسن عنه (يضمنه من غير خيار)،
_________________
(١) قال الزبيدي: القُرْطَق كجُنْدَب، أهمله الجوهري، وقال ابن الأثير: هو القباء، وهو لبس معروف معرب كُرْتَه، قال: وإبدال القاف من الهاء في الأسماء المعربة كثير. وفي الحديث: " جاء الغلام وعليه قُرْطَقٌ أبيض ". ويقال: قَرْطَقْتُهُ، فَتَقَرْطَقَ أي: ألبسته إياه، فلبسه نقله الصاغاني. ومما يستدرك عليه: قُرَيْطِقْ: تصغير قُرطَقْ، وقد جاء في الحديث. وقُرْطق كَقُنفذ، لغة، عن ابن الأثير. وأغرب من ذلك قرطق كجعفر، نقله شيخنا عن صاحب المصباح. تاج العروس من جواهر القاموس (٢٦/ ٣٣٦).
(٢) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٨٠).
[ ٧ / ٢٦١ ]
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّهُ قَمِيصٌ مِنْ وَجْهِ؛ لِأَنَّهُ يُشَدُّ وَسَطُهُ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ: يَكُونُ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ القَمِيصَ لَا يُشَدُّ وَيُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفَاعُ القَمِيصِ فَجَاءَتْ المُوَافَقَةُ وَالمُخَالَفَةُ فَيَمِيلُ إِلَى أَيِّ الجِهَتَيْنِ شَاءَ، إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ المِثْلِ لِقُصُورِ جِهَةِ المُوَافَقَةِ، وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ الدِّرْهَمَ المُسَمَّى كَمَا هُوَ الحُكْمُ فِي سَائِرِ الإِجَارَاتِ الفَاسِدَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ خَاطَهُ سَرَاوِيلَ، وَقَدْ أَمَرَ بِالقَبَاءِ، قِيلَ: يَضْمَنُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِلتَّفَاوُتِ فِي المَنْفَعَةِ، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ لِلاتِّحَادِ فِي أَصْلِ المَنْفَعَةِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أُمِرَ بِضَرْبِ طَسْتٍ مِنْ شَبَهِ فَضَرَبَ مِنهُ كُورًا، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ كَذَا هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أي: لا خيار لرب الثوب، والخياط ضامن قيمة ثوبه، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة.
هذا أيضًا إذا تصادقا على الأمر بخياطة القميص، ولو تخالفا فقال رب الثوب: أمرتك بخياطة القميص، وقال الخياط: لا، بل أمرتني بخياطة القباء، فالقول لرب الثوب، وبه قال مالك، وأحمد وابن أبي ليلى، وأبو ثور.
وقال أحمد في رواية: القول للخياط لأنهما اتفقا على الإذن، واختلفا في صفته، فكان القول قول المأذون له كالمضارب.
واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال: في المسألة قولان كالمذهبين ومنهم من قال: الصحيح أن القول لرب الثوب، ومنهم من قال: له قول ثالث أنهما يتحالفان كالمتبايعين يختلفان في الثمن.
قوله: (لا يجاوز به الدرهم المسمى) عندنا خلافًا للأئمة الثلاثة كما يجيء في الإجارة الفاسدة.
قوله: (يضمن من غير خلاف)، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (للاتحاد في أصل المنفعة)، وهو اللبس والستر. والله أعلم.
[ ٧ / ٢٦٢ ]