قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَى اثْنَانِ عَيْنَا فِي يَدِ آخَرَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهَا لَهُ، وَأَقَامَا البَيِّنَةَ قضي بِهَا بَيْنَهُمَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِ: تَهَاتَرَنَا، وَفِي قَوْلِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ
(لأنه) أي: المدعي (أثبت ببينته كونه أحق بإمساكها) ولو طلب المدعي يمينه على ما ادعى من الإيداع يحلف على البتات، ولو قال ذو اليد: (أودعني وكيله) لا يصدق إلا ببينة؛ لأن الوكالة لا تثبت بقوله.
بَابُ مَا يَدَّعِيهِ الرَّجُلَانِ
لما ذكر حكم الواحد شرع في حكم الاثنين؛ لأنه بعد الواحد.
قوله: (عينا) وضع المسألة؛ لأن في دعوى النكاح لا يقضى لواحد، كما يجيء.
قوله: (تَهَاتَرَنَا) أي: تساقطتا، مأخوذ من الهتر، بكسر الهاء، وهو السقط من الكلام والخطأ. ذكره في المغرب (^١).
قال الشافعي في القديم، ومالك في رواية، وأحمد في رواية: تساقطت البينتان لما تعارضتا ولا ترجيح، فأشبه الدليلين إذا تعارضا ولا ترجيح، فعلى هذا يجعل كأنه لا بينة، ويصار إلى التحليف؛ للتيقن بكذب أحدهما، وتهمة الكذب تمنع العمل بالشهادة.
(وفي قول: يقرع بينهما) أي: يستعملان ويقرع بينهما، وبه قال أحمد في رواية، ويقضى لمن خرجت قرعته؛ لما روي أنه ﵇ «أَقْرَعَ فِيهِ».
روي أن رجلين تنازعا في أمة بين يدي رسول الله ﷺ، وأقاما بينة، فأسهم النبي ﵊ بينهما، وقضى لمن خرج السهم له، ولأن استعمال القرعة لتعيين المستحق أصل في الشرع، كما في قسمة مال المشترك، والمسافرة بإحدى النساء.
وقال في قول، وأحمد في رواية: يقضى لمن خرجت قرعته بيمينه، وعند
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٩٩).
[ ٦ / ٨٢٠ ]
إِحْدَى البَيِّنَتَيْنِ كَاذِبَةٌ بِيَقِينِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ المِلْكَيْنِ فِي الكُلِّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَيَتَهَاتَرَانِ أَوْ يُصَارُ إِلَى القُرْعَةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَقْرَعَ فِيهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الحَكَمُ بَيْنَهُمَا وَلَنَا: حَدِيثُ تَمِيمِ بْنِ طَرْفَةَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ
مالك يقضى بأعدل البينتين، فإذا كانتا في العدالة سواء ولا ترجيح بهما يقسم بينهما نصفين في رواية كقولنا، وبه قال أحمد في رواية، والشافعي أيضًا في قول.
وقال الأوزاعي، وابن الماجشون المالكي: يقضى بأكثرهما عددًا؛ لزيادة طمأنينة القلب إلى قول الأكثر؛ ولكن ذلك غير معتبر في الحجية بعد نصاب تمام الحجة ورجحان الصدق.
قوله: (ولنا حديث تميم بن طرفة) الطائي، رواية عن أبي موسى الأشعري، ذكره أبو داود، وعن أبي الدرداء: أن رجلين اختصما بين يدي رسول الله ﷺ في شيء وأقاما البينة، فقال: «مَا أَحْوَجَكُمَا إِلى سِلْسِلَةٍ كَسِلْسِلَة بني إِسْرَائِيلَ، كَانَ دَاوُدُ ﵇ إِذَا جَلَسَ لِفَصْلِ القَضَاءِ تدلتْ سِلْسِلَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بُعُنُقِ الظَّالِمِ»، ثم قضى به رسولنا ﵊ بينهما نصفين (^١).
وما روي من استعماله القرعة، فقد كانت في وقت كان القمار مباحًا، ثم انتسخ ذلك بحرمة القمار؛ لأن تعيين المستحق بمنزلة الاستحقاق ابتداء، فكما أن تعليق الاستحقاق بخروج القرعة يكون قمارًا أيضًا.
بخلاف قسمة المال المشترك فللقاضي ولاية تعيين المستحق من غير قرعة، وإنما يقرع لتطييب القلوب ونفيًا لتهمة الميل، كما في قرعة النساء، ولا يكون ذلك في معنى القمار، ولأنهما استويا في سبب الاستحقاق، والمدعى قابل للاشتراك، فيستويان في الاستحقاق كالغريمين في التركة؛ وهذا لأن البينات حجج الله تعالى، فيجب العمل بها ما أمكن، وقد أمكن هاهنا؛ لأن كل واحد من البينتين احتملت الصحة؛ لأن صحة الشهادة لا تعتمد وجود حقيقة؛ إذ لا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣١٦ رقم ٢١٥٦٥)، وعبد الرزاق في المصنف (٨/ ٢٧٦ رقم ١٥٢٠٤) عن أبي الدرداء ﵁: أن رجلين اختصما إليه في دابة، فأقام كل واحد منهما البينة أنها له، فقضى به بينهما وقال: ما كان أحوجكما إلى مثل سلسلة بني إسرائيل. موقوفًا.
[ ٦ / ٨٢١ ]
اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فِي نَاقَةٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا البَيِّنَةَ فَقَضَى بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
وَحَدِيثُ القُرْعَةِ كَانَ فِي الابْتِدَاءِ ثُمَّ نُسِخَ، وَلِأَنَّ المُطْلَقَ لِلشَّهَادَةِ فِي حَقٌّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَمَلُ الوُجُودِ، بَلْ يَعْتَمِدُ أَحَدُهُمَا سَبَبَ المِلْكِ وَالْآخَرُ اليَدَ، فَصَحَّتْ الشَّهَادَتَانِ، فَيَجِبُ العَمَلُ بِهِمَا مَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِالتَّنْصِيفِ، إِذْ المَحِلُّ يَقْبَلُهُ، وَإِنَّمَا يُنَصَّفُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ.
قَالَ: (فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَأَقَامَا بَيِّنَةً، لَمْ يُقْضَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ البَيِّنَتَيْنِ) لِتَعَذُّرِ العَمَلِ بِهِمَا؛ لِأَنَّ المَحَلَّ لَا يَقْبَلُ الاشْتِرَاكَ. وَيَرْجِعُ إِلَى تَصْدِيقِ
علم للعباد بحقائق الأشياء، وإنما يعتمد ظاهر الحال، فإنَّ من رأى شيئًا في يد غيره حلّ له أداء الشهادة بالملك له بناءً على الظاهر.
فإذا عاين أحدهما سبب الملك كالشراء ونحوه جاز له أن يشهد أيضًا، فيمكن أن يعتمد أحدهما الظاهر والآخر السبب، فصحت الشهادتان، فيعمل بهما بالنصف؛ إذ المحل يقبله، وصار هذا كالعلل الشرعية، نحو أن باع فضولي مال آخر، وباع فضولي آخر من آخر ذلك المال، وأجاز مالك (^١) البيعين يثبت الملك لكل واحدٍ منهما في النصف، فكذا هاهنا.
وأما قوله: فالقاضي تيقن بكذب أحدهما، ضعيف؛ إذ كل واحد اعتمد سببًا أطلق له أداء الشهادة، وهو معاينة اليد لمن شهد له، وقد يتوالى بدلين على عين واحد لشخصين في وقتين؛ فلهذا وجب القضاء بهما بحسب الإمكان. كذا في المبسوط (^٢) والإيضاح.
قوله: (يرجع إلى تصديقها) قال السعدي: لا يترجح أحدهما إلا بأحد معان ثلاثة: أحدها: إقرار المرأة، والثاني: كونها في يد أحدهما، والثالث: دخول أحدهما بها إلا أن يقيم الآخر أن نكاحه أسبق. كذا في الخلاصة، وهكذا ذكر في المبسوط.
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية، ولعل صوابها: (المالك).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/¬٤٢).
[ ٦ / ٨٢٢ ]
المَرْأَةِ لِأَحَدِهِمَا لِأَنَّ النِّكَاحَ مِمَّا يُحْكَمُ بِهِ بِتَصَادُقِ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تُؤَقَّتْ البَيِّنَتَانِ، فَأَمَّا إِذَا وَقَتَا فَصَاحِبُ الوَقْتِ الأَوَّلِ أَوْلَى (وَإِنْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ) لِتَصَادُقِهِمَا (وَإِنْ أَقَامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ قُضِيَ بِهَا) لِأَنَّ البَيِّنَةَ أَقْوَى مِنْ الإِقْرَارِ (وَلَوْ تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى وَالمَرْأَةُ تَجْحَدُ، فَأَقَامَ البَيِّنَةَ وَقَضَى بِهَا القَاضِي لَهُ ثُمَّ ادَّعَى الْآخَرُ وَأَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، لَا يَحْكُمُ بِهَا) لِأَنَّ القَضَاءَ الأَوَّلَ قَدْ صَحَ فَلَا يُنْقَضُ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ، بَلْ هُوَ دُونَهُ (إِلَّا أَنْ يُؤَقِّتَ شُهُودُ الثَّانِي سَابِقًا) لِأَنَّهُ ظَهَرَ الخَطَأُ فِي الأَوَّلِ بِيَقِينِ. وَكَذَا إِذَا كَانَتْ المَرْأَةُ فِي يَدِ الزَّوْجِ وَنِكَاحُهُ ظَاهِرٌ، لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الخَارِجِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ السَّبْقِ.
قَالَ: (وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ هَذَا العَبْدَ) مَعْنَاهُ: مِنْ صَاحِبِ اليَدِ (وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ العَبْدِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) لِأَنَّ القَاضِيَ يَقْضِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ فَصَارَ كَالفُضُولِيِّينَ إِذَا بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَأَجَازَ المَالِكُ البَيْعَيْنِ،
قوله: (بما هو مثله) هذا في الظنيات كالقياس لا يرفع بقياس آخر، بخلاف السمعيات (بل بدونه) أي دعوى المدعي الآخر مع شهادته دون الأول؛ لاتصال القضاء بالأول.
قوله: (معناه من صاحب اليد) قيد به؛ لأنه لو ادعى كل واحد الشراء من غير صاحب اليد فهو لا يخلو إما أن يدعيا الشراء من واحد أو اثنين، فالحكم على التفصيل يجيء بعد في الكتاب، ووضع المسألة في المبسوط في الدار.
(يَقْضِي بينهما نصفين؛ لاستوائهما في السبب) وبه قال مالك في رواية، وأحمد في رواية والشافعي في قول. وقال الشافعي في قول آخر: يقرع، وبه قال أحمد في رواية، وعن الشافعي: تسقط البينتان ويرجع إلى البائع، فإن صدق أحدهما سلمت إليه، وهل يحلف الآخر؟ على القولين، والأصح لا يرجح بإقرار البائع، وبه قال أكثر أصحابه، بل يقسم نصفين أو يقرع كما ذكرنا.
فإن قيل: ينبغي أن تسقط البينتان عندنا أيضًا؛ لتيقن القاضي بكذب أحد الفريقين؛ لأن البيعين على دار واحدة من رجلين من كل واحد بكماله لا يتصور في وقت واحد.
[ ٦ / ٨٢٣ ]
يُخَيَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ شَرْطُ عَقْدِهِ، فَلَعَلَّ رَغْبَتَهُ فِي تَمَلُّكِ الكُلِّ فَيَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ كُلَّ الثَّمَنِ.
(فَإِنْ قَضَى القَاضِي بِهِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَا أَخْتَارُ النصف، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَهُ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ فِي النِّصْفِ فَانْفَسَخَ البَيْعُ فِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ خَصَمٌ فِيهِ لِظُهُورِ اسْتِحْقَاقِهِ بِالبَيِّنَةِ لَوْلَا بَيِّنَةُ صَاحِبِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ تَخْيِيرِ القَاضِي، حَيْثُ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الجَمِيعَ، لِأَنَّهُ يَدَّعِي الكُلَّ وَلَمْ يَفْسَخْ سَبَّبُهُ،
قلنا: كل فريق شهدوا بنفس البيع لا بصحته، ولم يشهدوا بوقوع البيعين معًا، ويتصور وقوعهما في وقت واحد، بأن وكل المالك رجلين، كل واحدٍ على الانفراد، فباع كل واحدٍ من الوكيلين معًا؛ فإنه يجوز، وعقد الوكيل كعقد الموكل، فيثبت أنه لا يستحيل ورود البيعين في زمان من رجل واحد. كذا في المبسوط (^١).
(لأنه تغير عليه شرط عقده) وهو رضاه؛ لأنه ما رضي بالعقد إلا ليسلم له كل المبيع، فإذا لم يسلم أحيل رضاه بتفرق الصفقة عليه.
قوله: (فانفسخ البيع فيه) أي: في النصف؛ لأنه لما قضى القاضي بالمبيع بينهما تضمن قضاؤه فسخ العقد في حق كل واحد منهما في النصف، فلا يعود إلا بتجديد العقد.
فإن قيل: الفسخ إنما يكون بعد وجود البيع.
قلنا: البيع إن كان موجودًا فظاهر، وإن لم يكن فلا يتمكن من الأخذ؛ وهذا لأن استحقاق [كل] (^٢) واحد للكل كانت نظرًا إلى بينته (^٣)، وإنما لا يظهر في النصف لوجود بينة صاحبه، فكان دليل استحقاق الكل قائمًا، فيفسخ نظرًا إلى الدليل. كذا قيل، وفيه نوع وتأمل.
قوله: (ولم يفسخ سببه) أي: أثبت شراءه في الكل بالبينة، ولم يفسخ القاضي بيعه في شيء، وإنما كان القضاء له بالنصف؛ لمزاحمة صاحبه له، فإذا
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٥٧).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) في النسخة الثانية: (سببيته).
[ ٦ / ٨٢٤ ]
وَالعَوْدُ إِلَى النِّصْفِ لِلْمُزَاحِمَةِ وَلَمْ تُوجَدْ، وَنَظِيرُهُ تَسْلِيمُ أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ قَبْلَ القَضَاءِ، وَنَظِيرُ الأَوَّلِ تَسْلِيمُهُ بَعْدَ القَضَاءِ (وَلَوْ ذَكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَارِيضًا فَهُوَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الشَّرَاءَ فِي زَمَانٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ فَانْدَفَعَ الآخَرُ بِهِ (وَلَوْ وَقَّتَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ تُؤَقِّتْ الأُخْرَى: فَهُوَ لِصَاحِبِ الوَقْتِ) لِثُبُوتِ مِلْكِهِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وَاحْتَمَلَ الآخَرُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يَقْضِي لَهُ بِالشَّكْ
زالت المزاحمة قضي له بالكل، كالشفيعين إذا سلم أحدهما قبل القضاء لهما - يقضى للآخر بجميع الدار، بخلاف ما إذا كان تسليمه بعد القضاء، حيث لا يكون للآخر إلا نصف الدار.
قوله: (فهو للأول) أي: الأسبق من التاريخين، وبه قال مالك وأحمد والشافعي، واختاره المزني، ويحكى عن نص الشافعي في البويطي؛ لأنه لا ترجيح بالسبق فيه؛ لأن مناط الشهادة الملك في الحال، وقد استويا فيه، فأشبه ما إذا كانتا مطلقتين أو مزوجتين بتاريخ واحد، وكذا لو ادعى الشراء من اثنين - يقدم الأسبق عندنا ومالك وأحمد والشافعي في قول، وقلنا: الأسبق أثبت الشراء في زمان لا تعارضه البينة الأخرى فيه، فاستحقها من ذلك الوقت، فتبين أن الآخر اشتراها من غير المالك، فكان شراؤه باطلًا، بخلاف ما إذا كانتا مطلقتين أو مزوجتين بتاريخ واحد؛ فإنه لا يعلم شراء أحدهما من غير المالك، فتعارضتا.
قوله: (فهو لصاحب الوقت) وبه قال مالك، والشافعي في قول آخر: هما سواء، وبه قال أحمد؛ لما ذكرنا من قوله: إن مناط الشهادة الملك في الحال، وقد استويا، وصار كما لو ادعيا الشراء من رجلين، ووُقِّتَتْ إحدى البينتين، فهما سواء، فكذلك هاهنا.
وقلنا: الشراء حادث فيضاف حدوثه إلى أقرب الأوقات ما لم يثبت التاريخ، فكان شراء المؤقت سابقًا، فكان أولى، وهذا معنى قوله: (واحتمل الآخر) أي: المطلق (أن يكون قبله أو بعده، فلا يقضي له بالشك).
بخلاف ما إذا ادعيا الشراء من رجلين، فإن كل واحد منهما هناك خصم عن بائعه في إثبات الملك، وتوقيت أحدهما لا يدل على سبق ملك بائعه؛ فلعل
[ ٦ / ٨٢٥ ]
(وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا تَارِيخًا وَمَعَ أَحَدِهِمَا قَبْضٌ فَهُوَ أَوْلَى) وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ فِي يَدِهِ، لِأَنَّ تَمَكَّنَهُ مِنْ قَبْضِهِ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ شِرَائِهِ، وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الإِثْبَاتِ فَلَا تُنْقَضُ اليَدُ الثَّابِتَةُ بِالشَّكِّ، وَكَذَا لَوْ ذَكَرَ الْآخَرُ وَقْتًا لِمَا بَيَّنَّا.
إِلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ شِرَاءَهُ كَانَ قَبْلَ شِرَاءِ صَاحِبِ اليَدِ، لِأَنَّ الصَّرِيحَ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ.
ملك البائع الآخر أسبق؛ فلهذا قضي بينهما، أما هاهنا اتفقا على ملك بائع واحد، وإنما حاجة كل واحد إلى إثبات انتقال الملك منه، وسبب الملك في المؤقت أسبق كما ذكرنا، فلا يعارضه المطلق إليه أشار في المبسوط.
قوله: (ومعناه أنه في يده) أي: القبض ثابت في يده معاينة، وإنما احتاج إلى التفسير بهذا؛ لأن قوله: (ومع أحدهما قبض) يجوز أن يحمل على أن يكون معناه: أثبت قبضه بالبينة فيما مضى من الزمان، وهو في الحال في يد البائع، ويجوز أن يكون على خلاف هذا، حيث ذكر في الذخيرة ثبوت اليد لأحدهما بالمعاينة؛ لأن تمكنه من قبضه يدل على سبق شرائه؛ لأن القبض بناء على العقد الثابت بالبينة ظاهرًا حملا لفعل المسلم على الصلاح لا على الغصب، وقبضه اقترن بعقد الآخر؛ لأن كل واحدٍ منهما حادث محكم بوقوعهما معًا، فتقدم صاحب العقد ضرورة ولا يعلم فيه خلاف.
بخلاف ما ادعيا الشراء من اثنين وأقاما بينة وأحدهما قابض، حيث هناك الخارج أولى عندنا؛ لأن كل واحدٍ من المدعيين يحتاج إلى إثبات الملك لبائعه أولًا، فاجتمع في حق البائعين بينة الخارج وبينة ذي اليد، فبينة الخارج أولى، أما هاهنا يحتاجان إلى إثبات سبب الاستحقاق، وملك البائع ثابت بتصادقهما، فبينة القابض أقوى؛ لما ذكرنا أن تمكن القبض دليل سبق عقده، واليد دليل معاين في حق القابض والتاريخ في حق الخارج يخبر به، وليس الخبر كالمعاينة، وكذلك لو ذكر الآخر وقتًا لم ينتفع به، ولا يعلم فيه خلاف أيضًا؛ لأن القبض إذا وجد لم ينقض بالشك، ووقت الآخر يحتمل، فلا تنقض اليد الثابتة بيقين.
قوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (لأن تمكنه من قبضه) إلى آخره.
[ ٦ / ٨٢٦ ]
قَالَ: (وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا شِرَاءً وَالآخَرُ هِبَةً وَقَبَضَا) مَعْنَاهُ مِنْ وَاحِدٍ (وَأَقَامَا بَيِّنَةً وَلَا تَارِيخَ مَعَهُمَا فَالشِّرَاءُ أَوْلَى) لِأَنَّ الشَّرَاءَ أَقْوَى لِكَوْنِهِ مُعَاوَضَةٌ مِنْ الجَانِبَيْنِ، وَلِأَنَّهُ يُثْبِتُ المِلْكَ بِنَفْسِهِ، وَالمِلْكُ فِي الهِبَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى القَبْضِ، وَكَذَا الشَّرَاءُ وَالصَّدَقَةُ مَعَ القَبْضِ لِمَا بَيَّنَّا وَالهِبَةُ وَالقَبْضُ وَالصَّدَقَةُ مَعَ القَبْضِ سَوَاءٌ حَتَّى يُقضى بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي وَجْهِ التَّبَرُّعِ، وَلَا تَرْجِيحَ بِاللُّزُومِ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى المَالِ،
قوله: (من واحد) قيد به؛ لأنه إذا كان من اثنين فهما سواء، ولا أولوية، كما يجيء بعد.
(لكونه) أي: لكون الشراء معاوضة من الجانبين فكما يثبت الملك في المعوض يوجبه في العوض، والبينات ترجح بكثرة الإثبات.
قوله: (والملك في الهبة يتوقف على القبض) فكان ملك مدعي الشراء سابقًا فيه، فكان أولى؛ بخلاف ما إذا ادعيا الشراء والهبة من اثنين، حيث يستويان، ولا ترجيح في الشراء باعتبار معنى المعاوضة؛ لأنهما يحتاجان إلى إثبات الملك للمملك أولًا، والحجتان في إثبات الملك له سواء، وهاهنا لا يحتاجان إلى إثبات الملك للمملك فإنه ثابت بتصادقهما، وإنما الحاجة في إثبات سبب الملك عليه، وفي إثبات السبب الشراء أولى وأقوى من الهبة. كذا في المبسوط (^١).
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (لأن الشراء أقوى من الهبة).
قوله: (والصدقة) أي: مع القبض (سواء) ولا ترجيح باللزوم؛ جواب إشكال تقديري، وهو أن يقال: ينبغي أن ترجح الصدقة على الهبة؛ لأن الصدقة تقع لازمة حيث لا يصح الرجوع فيها، بخلاف الهبة فقال: (ولا ترجيح باللزوم؛ لأنه) أي: اللزوم (يرجع إلى المال) فإن أثر اللزوم يظهر في إبطال حق الرجوع، وذلك حكم يظهر في ثاني الحال، ولأن امتناع الرجوع لحصول المقصود، وهو الثواب، لا لقوة السبب؛ ولهذا لو وقعت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها؛ لحصول المقصود، وهو الصلة والصدقة، وقد لا تكون لازمة بأن وقعت لغني.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٥٩).
[ ٦ / ٨٢٧ ]
وَالتَّرْجِيحُ بِمَعْنَى قَائِمٍ فِي الحَالِ، وَهَذَا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ صَحِيحٌ، وَكَذَا فِيمَا يَحْتَمِلُهَا عِنْدَ البَعْضِ، لِأَنَّ الشُّيُوعَ طَارِئٌ. وَعِنْدَ البَعْضِ، لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ تَنْفِيذُ الهِبَةِ فِي الشَّائِعِ، وَصَارَ كَإِقَامَةِ البَيِّنَتَيْنِ عَلَى الارْتِهَانِ وَهَذَا أَصَحُّ.
قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الشِّرَاءَ، وَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ: فَهُمَا سَوَاءٌ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي القُوَّةِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، يُثْبِتُ المِلْكَ بِنَفْسِهِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الشِّرَاءُ أَوْلَى وَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ القِيمَةُ (*)،
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ: قَوْلُهُ: يَقْضِي بَيْنَهُمَا، كَالحَمَّامِ وَنَحْوِهِ (صَحِيحٌ) وَكَذَا فِيمَا يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ كَالدَّارِ وَنَحْوِهِ، أَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَثْبَتَ اسْتِحْقَاقَهُ فِي الكُلِّ، إِلَّا أَنَّهُ لِأَجْلِ المُزَاحَمَةِ سَلَّمَ لَهُ البَعْضَ، فَكَانَ الشُّيُوعُ طَارِئًا، وَذَا لَا يُبْطِلُ الهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ.
وَفِي المَبْسُوطِ: ادَّعَى أَحَدُهُمَا هِبَةً وَبَيْعًا، وَالآخَرُ صَدَقَةً وَبَيْعًا، وَأَقَامَا بَيِّنَةً وَلَمْ يُوَقِّتْ شُهُودُهَا، أَوْ وَقَّتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ وَقَّتَا جَمِيعًا وَأَحَدُهُمَا أَسْبَقُ بِالوَقْتِ، وَالسَّابِقُ أَوْلَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَارِيخٌ وَلَا قَبْضُ مُعَايِنٍ، وَفِيمَا لَا يُقْسَمُ يَقْضِي بَيْنَهُمَا؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَفِيمَا يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ يَقْضِي بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَقَعَ فِي مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ؛ لَكِنَّ الشُّيُوعَ طَارِئٌ (^١).
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ تَنْفِيذُ الهِبَةِ فِي الشَّائِعِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ أَقَامَا بَيِّنَةً عَلَى الارْتِهَانِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ: (فَهُمَا سَوَاءٌ) وَيَقْضِي بَيْنَهُمَا (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: الشِّرَاءُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ فِي العِوَضَيْنِ، وَالنِّكَاحُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ فِي المَنْكُوحَةِ، فَكَانَ الشِّرَاءُ أَقْوَى.
قُلْنَا: بَلْ النِّكَاحُ أَقْوَى مِنْ الشِّرَاءِ مِنْ وَجْهِ؛ لِأَنَّ المِلْكَ فِي الصَّدَاقِ يَثْبُتُ بِنَفْسِ العَقْدِ مُتَأَكِّدًا، حَتَّى لَا يَبْطُلَ بِالهَلَاكِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، بِخِلَافِ المِلْكِ فِي المُشْتَرَى، وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الصَّدَاقِ قَبْلَ القَبْضِ، بِخِلَافِ المُشْتَرَى، فَإِنْ لَمْ
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي يوسف.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٦٢).
[ ٦ / ٨٢٨ ]
لِأَنَّهُ أَمْكَنَ العَمَلُ بِالبَيِّنَتَيْنِ بِتَقْدِيمِ الشِّرَاءِ، إِذْ التَّزَوُّجُ عَلَى عَيْنٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْغَيْرِ صَحِيحٌ وَتَجِبُ قِيمَتُهُ عِنْدَ تَعَذَّرِ تَسْلِيمِهِ (وَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا رَهْنًا وَقَبْضًا وَالآخَرُ هِبَةً وَقَبْضًا وَأَقَامَا بَيِّنَةً فَالرَّهْنُ أَوْلَى) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَفِي القِيَاسِ: الهِبَةُ أَوْلَى، لِأَنَّهَا تُثْبِتُ المِلْكَ وَالرَّهْنُ لَا يُثْبِتُهُ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ المَقْبُوضَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ مَضْمُونٌ، وَبِحُكْمِ الهِبَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَعَقْدُ الضَّمَانِ أَقْوَى بِخِلَافِ الهِبَةِ بِشَرْطِ العِوَضِ، لِأَنَّهُ بَيْعُ انْتِهَاءِ، وَالبَيْعُ أَوْلَى مِنْ الرَّهْنِ، لِأَنَّهُ عَقْدُ ضَمَانٍ يُثْبِتُ المِلْكَ صُورَةً وَمَعْنَى، وَالرَّهْنُ لَا يُثْبِتُهُ إِلَّا عِنْدَ الهَلَاكِ مَعْنَى لَا صُورَةٌ، فَكَذَا الهِبَةُ بِشَرْطِ العِوَض (وَإِنْ أَقَامَ الخَارِجَانِ البَيِّنَةَ
يترجح جانب النكاح بهذا فلا أقل من المساواة، ثم للمرأة نصف القيمة على الزوج، ويرجع المشتري عليه بنصف الثمن إن كان نقده إياه.
قوله: (لأنه أمكن العمل بالبينتين بتقديم الشراء) يعني: الأصل في البينات الإعمال متى أمكن، وقد أمكن هاهنا بتقديم الشراء؛ إذ النكاح على عبد الغير صحيح وتجب قيمته، أما لو قدمنا النكاح على الشراء لم يصح الشراء إلا بإجازة المرأة، ولم يوجد، وجواب أبي يوسف عن قوله: إن المقصود من ذكر السبب ملك العين، والنكاح إذا تأخر لم يوجب ملك المسمى كما إذا تأخر الشراء، وهما سواء في حق ملك العين، ولأن فيما قاله محمد إثبات تاريخ لم يشهد به الشهود، والتاريخ لا يثبت من غير حجة. كذا في المبسوط (^١)، والأسرار.
وفي القياس: الهبة أولى، وهو رواية كتاب الشهادات؛ لأن الهبة تثبت ملك العين، والرهن لا يثبته، فكانت أكثر إثباتًا، فكان أولى.
قوله: (وعقد الضمان أقوى) يعني: الهبة عقد تبرع، والرهن عقد ضمان،
فكان عقد الضمان أقوى من المتبرع، ولأن بينة الرهن تثبت بدائن الدين، والرهن والهبة لا تثبت إلا واحدًا، فكانت بينة الرهن أكثر إثباتًا،
فكان أولى، فصار كالشراء مع الهبة.
قوله: (وإن أقاما الخارجان البينة) إلى آخره.
وفي الكافي وشرح الطحاوي: إذا ادعيا عينًا ورهنا فلا يخلو إما أن يدعيا
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٦٠).
[ ٦ / ٨٢٩ ]
عَلَى المِلْكِ وَالتَّارِيخ: فَصَاحِبُ التَّارِيخِ الأَقْدَمِ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّهُ أَوَّلُ الْمَالِكَيْنِ، فَلَا يَتَلَقَّى المِلْكَ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَمْ يَتَلَقَّ الْآخَرُ مِنْهُ.
قَالَ: (وَلَوْ ادَّعَيَا الشَّرَاءَ مِنْ وَاحِدٍ) مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ اليَدِ (وَأَقَامَا البَيِّنَةَ عَلَى تَارِيخَيْنِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ أَثْبَتَهُ فِي وَقْتِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ
ملكًا مطلقا أو إرثًا أو شراء، وكل قسم ثلاثة أقسام؛ لأنه إما ألا يؤرّخا، أو أرخا تاريخا واحدًا، أو أرضًا وتاريخ أحدهما أسبق، أو أرخ أحدهما دون الآخر، وجمله ذلك ستة وثلاثون فصلا، وقد بينا خلاف الأئمة الثلاثة.
فلو ادعيا ملكًا مطلقا والعين في يد ثالث ولم يؤرخا، أو أرخا تاريخا واحدًا - يقضى بينهما نصفين؛ لاستوائهما في الحجة، ولا خلاف فيه.
ولو أرخا وتاريخ أحدهما أسبق يقضى للأسبق؛ لأنه أثبت الملك في زمان لا ينازعه فيه غيره، فيقضي بالملك له، ثم لا يقضى لغيره إلا إذا تلقى الملك من جهته، ومن ينازعه لا يتلقاه فلا يقضى له، وهو معنى قوله: (فصاحب التاريخ الأقدم أولى).
وفي الذخيرة: هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف آخرًا، وبه قال محمد أولا، وقال محمد آخرًا: يقضي بينهما ولا يكون للتاريخ عبرة، ولو أرخ أحدهما فقط، ففي النوادر عن أبي حنيفة: يقضي بينهما ولا عبرة للتاريخ عنده حالة الانفراد في دعوى الملك المطلق في أصح الروايات، وعلى قول أبي يوسف يقضى للذي أرخ، وعلى قول محمد يقضى للذي لم يؤرخ؛ لأنه يدعي أولية الملك، وملك المؤرخ يقتصر على وقت التاريخ، وأبو يوسف يقول: إنه أثبت الملك لنفسه في ذلك الوقت يقينًا، ومن لم يوقت يثبت للحال يقينًا، وفي ثبوته في وقت تاريخ صاحبه شك، فلا يعارضه.
وأبو حنيفة: توقيته لا يدل على سبق ملكه؛ لاحتمال أن يكون الآخر أقدم، ويحتمل أن يكون متأخرًا عنه، فجعل مقارنا؛ رعايةً للاحتمالين، هذا إذا كان المدعى في يد ثالث، فإن كان في يدهما فكذا الجواب؛ لأنه لم يترجح أحدهما باليد، ولم تَنْحَطَّ حاله عن حالة الآخر باليد.
قوله: (وأقام البينة على تاريخين، فالأول أولى) وإنما يتفاوت فيما إذا لم يؤرخ أحدهما كما ذكرنا.
قوله: (معناه من غير صاحب اليد) وفي تقييده بهذا القيد ليست زيادة
[ ٦ / ٨٣٠ ]
وَاحِدٍ مِنْهُمَا البَيِّنَةَ عَلَى الشَّرَاءِ مِنْ آخَرَ، وَذَكَرَا تَارِيخًا فَهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ المِلْكَ لِبَائِعَيْهِمَا، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُمَا حَضَرَا ثُمَّ يُخَيَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ (وَلَوْ وَقَّتَتْ إِحْدَى البَيِّنَتَيْنِ وَقْتًا، وَلَمْ تُؤَقِّتْ الأُخْرَى: قَضَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ)؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَ إِحْدَاهُمَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ المِلْكِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ أَقْدَمَ، بِخِلَافِ مَا
فائدة، فإن في هذا الحكم المرتب عليه وفي سائر الأحكام لا يتفاوت أن تكون دعواهما الشراء من صاحب اليد أو غيره بعد أن يكون البائع واحدًا، ولا يعلم فيه خلاف. ذكره في الذخيرة.
(على الشراء من آخر) أي: ادَّعيا الشراء من رجلين، كل واحد من رجل، بخلاف الأول (وذكرا تاريخا فهما سواء) أي: ذكرا تاريخا واحدًا، أما لو ذكرا تاريخين فالسابق أولى؛ لإثبات الملك لتابعه في وقت لا ينازعه الآخر فيه، ويرجع الآخر بالثمن على بائعه؛ لاستحقاق المبيع من يده. ذكره في المبسوط (^١).
بخلاف ما إذا ادعى الخارجان إرثًا من أبويهما وتاريخ أحدهما أقدم؛ فعلى قول محمد آخرًا، وهو قول أبي يوسف أولا، يقضى بينهما، ولم يعتبر سبق التاريخ في الإرث في رواية أبي سليمان عنه.
وروى أبو حفص عن محمد: قال مثل قول أبي حنيفة في الميراث والملك المطلق، ولا عبرة للتاريخ في رواية أبي سليمان، سواء أرخ أحدهما فقط، أو أرخا وتاريخ أحدهما أسبق.
وفي الشراء يعتبر؛ لأن الشراء أمر حادث يثبت بسبب حادث، فكل واحدٍ من المشتريين يثبت الملك لنفسه ملكا حادثا لا تعلق له بملك البائع، فمتى أثبته لنفسه في وقت لا ينازعه غيره كان هو أولى، وملك الوارث ليس بملك جديد؛ بل هو عين ما كان ثابتًا للمورث؛ لأن الوراثة خلافة، ولا تأريخ في ملك المورثين، فاستويا. كذا في الذخيرة.
قوله: (كأنهما حضرا) أي: كأن البائعين حضرا أو ادعيا.
وقوله: (كما ذكرنا من قبل إشارة إلى قوله: فكل واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ نصف العبد بنصف الثمن وإن شاء ترك).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٥٨).
[ ٦ / ٨٣١ ]
إِذَا كَانَ البَائِعُ وَاحِدًا، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ المِلْكَ لَا يُتَلَقَّى إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا أَثْبَتَ أَحَدُهُمَا تَارِيخًا يُحْكَمُ بِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ شِرَاءُ غَيْرِهِ.
(وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الشَّرَاءَ مِنْ رَجُلٍ وَالآخَرُ الهِبَةَ وَالقَبْضَ مِنْ غَيْرِهِ وَالثَّالِثُ المِيرَاثَ مِنْ أَبِيهِ وَالرَّابِعُ الصَّدَقَةَ وَالقَبْضَ مِنْ آخَرَ قَضَى بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا) لِأَنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَ المِلْكَ مِنْ بَاعَتِهِمْ فَيَجْعَلُ كَأَنَّهُمْ حَضَرُوا وَأَقَامُوا البَيِّنَةَ عَلَى المِلْكِ المُطْلَقِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ الخَارِجُ البَيِّنَةَ عَلَى مِلْكِ مُؤَرَّخ، وَصَاحِبُ اليَدِ بَيِّنَةً عَلَى مِلْكٍ أَقْدَمَ تَارِيضًا، كَانَ أَوْلَى) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ (*). وَعَنْهُ: أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ ذِي اليَدِ رَجَعَ إِلَيْهِ، لِأَنَّ البَيِّنَتَيْنِ قَامَتَا عَلَى مُطْلَقِ
(لأنهما) أي: المدعيان (اتفقا على أن الملك لا يتلقى إلا من جهته) يقال: تلقاه؛ أي: استقبله بالقبول والأخذ، وإنما حاجة كل واحد إلى إثبات سبب الانتقال إليه لا إلى إثبات الملك، وسبب الملك في حق الذي شهوده وقت أسبق، فكان هو أولى.
قوله: (يتلقون الملك من باعتهم) وفي بعض النسخ: (من بائعهم) كلاهما بطريق التغليب؛ لأن البائع واحد من المملكين الأربع، فكان المراد منه من مملكهم، وفي بعض النسخ: (من ملقيهم) استدلالا بلفظ يتلقون.
قوله: (وعنه) أي: عن محمد.
(رجع) أي: محمد (إليه) أي: إلى القول بأن بينة ذي اليد في الصور كلها لا تقبل إلا في النتاج، وعند الأئمة الثلاثة بينة ذي اليد أولى في كل الوجوه؛ لترجحها باليد.
وفي المبسوط (^١): ذكر ابن سماعة في نوادره أن محمدًا رجع عن هذا القول بعد انصرافه من الرقة، وقال: لا أقبل من ذي اليد بينة على تاريخ، ولا عبرة للتاريخ إلا النتاج وما في معناه؛ لأن التاريخ ليس بسبب لأولية الملك، بخلاف النتاج.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/¬٤٤).
[ ٦ / ٨٣٢ ]
المِلْكِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِجِهَةِ المِلْكِ، فَكَانَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُرُ سَوَاءً.
وَلَهُمَا: أَنَّ البَيِّنَةَ مَعَ التَّارِيخِ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى الدَّفْعِ، فَإِنَّ المِلْكَ إِذَا ثَبَتَ لِشَخْصِ فِي وَقْتِ، فَثُبُوتُهُ لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْ جِهَتِهِ، وَبَيِّنَةُ ذِي اليَدِ عَلَى الدَّفْعِ مَقْبُولَةٌ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، لَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا وَالمَعْنَى مَا بَيَّنَّا، وَلَوْ أَقَامَ الخَارِجُ وَذُو اليَدِ البَيِّنَةَ عَلَى مِلْكِ مُطْلَقٍ وَوُقِّتَتْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ الخَارِجُ أَوْلَى.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: صَاحِبُ الوَقْتِ أَوْلَى (*)، لِأَنَّهُ أَقْدَمُ وَصَارَ كَمَا فِي دَعْوَى الشِّرَاءِ إِذَا أُرْخَتْ إِحْدَاهُمَا كَانَ صَاحِبُ التَّارِيخِ أَوْلَى.
وقوله: (ولم يتعرضا لجهة الملك) احتراز عما لو قامتا على تاريخ في الشراء وأحدهما أسبق؛ فالأسبق أولى، سواء كان البائع واحدا أو اثنين عندنا، خلافًا للشافعي على قول كما ذكرنا.
قوله: (متضمنة معنى الدفع) أي: دفع بينة الخارج على معنى أنها لا تصح إلا بعد إثبات تلقي الملك من قبله فيقبل، أو يقول: إن صاحب الأسبق أثبت الملك لنفسه في وقت لا ينازعه فيه غيره، فهو أولى خارجًا كان أو صاحب يد؛ وهذا لأن اليد دلت على الملك، ولكن لا يدل على سبق التاريخ، كما وجب قبولهما على النتاج؛ لكون تاريخ النتاج أسبق، فكذا هذا. إليه أشار في المبسوط، والإيضاح.
قوله: (والمعنى ما بينا) وهو ما ذكرنا من الدليل في الطرفين.
قوله: (ووقتت إحداهما دون الأخرى) قيد بالوقت؛ لأن الخارج وذا اليد لو أقاما على ملك مطلق بلا تاريخ لا تقبل بينة ذي اليد عندنا، خلافًا للأئمة الثلاثة، وإنما وقع الاختلاف بين علمائنا في دعوى الملك المطلق إذا ذكر التاريخ.
قوله: (وصار كما في دعوى الشراء) يعني: إذا ادعيا من واحد وأرخ أحدهما يقضى للمؤرخ على ما مر، وأما على قولهما: لا عبرة للتاريخ؛ لأن
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
[ ٦ / ٨٣٣ ]
وَلَهُمَا: أَنَّ بَيِّنَةَ ذِي اليَدِ إِنَّمَا تُقْبَلُ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الدَّفْعِ، وَلَا دَفْعَ هَاهُنَا حَيْثُ وَقَعَ الشَّرُّ فِي التَّلَقِّي مِنْ جِهَتِهِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِ ثَالِثٍ، المَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الَّذِي وَقَتَ أَوْلَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الَّذِي أَطْلَقَ أَوْلَى، لِأَنَّهُ ادَّعَى أَوَّلِيَّةَ المِلْكِ بِدَلِيلِ اسْتِحْقَاقِ الزَّوَائِدِ وَرُجُوعِ البَاعَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى البَعْضِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ التَّارِيخَ يُوجِبُ المِلْكَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ بِيَقِينِ. وَالإِطْلَاقُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الأَوَّلِيَّةِ، وَالتَّرْجِيحُ بِالتَّيَقْنِ؛ كَمَا لَوْ ادَّعَيَا الشَّرَاءَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ التَّارِيخَ يُضَامُّهُ احْتِمَالُ عَدَمِ التَّقَدُّمِ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَقَامَا البَيِّنَةَ عَلَى مِلْكِ مُطْلَقِ، بِخِلَافِ الشَّرَاءِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ حَادِثٌ فَيُضَافُ إِلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ صَاحِبِ التَّارِيخ.
بينة ذي اليد إنما تقبل إذا كانت متضمنة للدفع، ولا دفع هاهنا؛ لوقوع الشك في تلقي الملك من جهته؛ أي من جهة ذي اليد؛ لجواز أن شهود الخارج لو وقتوا لكان أقدم، فإذا وقع الشك في تضمنه معنى الدفع فلا يقبل مع الشك.
(وعلى هذا) أي: على هذا الخلاف لو كانت الدار في أيديهما، وأرخت إحداهما، فقط سقط التاريخ عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: الذي وقت أولى، فالوجه ما بينا كذا في الإيضاح.
قوله: (والمسألة بحالها) أي: أرخت إحداهما فقط (فهما) أي: الخارجان (سواء) وبه قال الشافعي في الأصح ومالك وأحمد.
قوله: (بدليل استحقاق الزوائد) وهي الأولاد والأكساب (ورجوع الباعة بعضهم على بعض) فلو اقتصر الملك لما رجع، فكان مدعي الملك مدعيًا للملك من الأصل، وملك الأصل أولى من التاريخ.
قوله: (كما لو ادعيا الشراء) أي: من بائع واحد، وأرخ أحدهما فقط - كان صاحب التاريخ أولى، كما مر.
قوله: (يضامه) أي: يزاحمه يعني لما وقع احتمال عدم التقدم في التاريخ أنه متقدم أم لا - سقط اعتباره.
وقوله: (بخلاف الشراء) جواب عن قول أبي يوسف.
[ ٦ / ٨٣٤ ]
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ الخَارِجُ وَصَاحِبُ اليَدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بَيِّنَةً عَلَى النِّتَاجِ: فَصَاحِبُ اليَدِ) أَوْلَى لِأَنَّ البَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى مَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ فَاسْتَوَيَا، وَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ
قوله: (فصاحب اليد أولى) سواء أقامها قبل القضاء للخارج أو بعد القضاء له، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وقال الشافعي في وجه: بينة الخارج أولى بعد القضاء له؛ لأن ملك اليد مقضي بزوالها، فلا ينقض القضاء. وقال في الأصح: بينة ذي اليد أولى بعد القضاء للخارج وقبله. وقال ابن أبي ليلى: بينة الخارج أولى؛ لأنها أكثر إثباتًا، فإنها تثبت أولية الملك بالنتاج، وتثبت استحقاق الملك الثابت لذي اليد بظاهر يده، وذو اليد لا يثبت بينة استحقاق الملك للخارج بوجه، وهو القياس.
وفي الاستحسان: بينة ذي اليد أولى؛ لما رواه أبو حنيفة، عن الهيثم، عن رجل، عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا ادعى ناقة نتجها، وأقام ذو اليد البينة أنها نتجها «فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بها للذي في يده» (^١)، ولأنه يثبت ببينته ما ليس بثابت بظاهر يده، وهو أولية الملك، فوجب قبولها بترجح باليد، بخلاف الملك المطلق؛ لأنه ما يثبت ببينته إلا ما يثبت بظاهر يده.
ومعنى هذا الكلام أن حاجة ذي اليد إلى دفع بينة الخارج، وفي الإقامة على النتاج ذلك؛ لأن النتاج لا يتكرر فيدفع بينة الخارج؛ لأن ملكه في الحال لا يبقى ملكًا كان للخارج فيه من قبل، وإنما تقبل بينته بعد القضاء للخارج؛ لأن الخارج بينته لم تستحق على ذي اليد شيئًا، فلم يصر ذو اليد مقضيا عليه، فتسمع بينته كما تسمع بينة أجنبي آخر.
وفي دعوى الملك المطلق لو تفرد الخارج بإقامة البينة وقضى له ثم أقام صاحب اليد بينة أنه له لا تسمع؛ لأن الخارج ببينته استحق على ذي اليد الملك
_________________
(١) أخرجه الدار قطني (٥/ ٣٧٣ رقم ٤٤٧٧) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٥٦ رقم ٢١٧٥٨) من طريق أبي حنيفة، عن هيثم الصيرفي، عن الشعبي، عن جابر ﵁. قال ابن الملقن: زيد بن نعيم الراوي عن محمد بن الحسن لا يعرف في غير هذا الحديث، قاله الذهبي في الميزان، قال ابن القطان في كتاب «الوهم والإيهام»: هو رجل لا يعرف حاله. البدر المنير (٩/ ٦٩٥).
[ ٦ / ٨٣٥ ]
ذِي اليَدِ بِاليَدِ فَيُقْضَى لَهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: إِنَّهُ تَتَهَاتَرُ البَيِّنَتَانِ وَيُتْرَكُ فِي يَدِهِ لَا عَلَى طَرِيقِ القَضَاءِ، وَلَوْ تَلْقَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا المِلْكَ مِنْ رَجُلٍ أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ عِنْدَهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إِقَامَتِهَا عَلَى النِّتَاجِ فِي يَدِ
الثابت له بظاهر اليد، فصار ذو اليد مقضيا عليه، فلا تسمع بينته بعد ذلك، بخلاف النتاج إليه أشار في المبسوط، والذخيرة.
فإن قيل: يشكل على هذا ما لو ادعى ذو اليد النتاج، والخارج أن ذا اليد غصبه منه أو أجره أو أعاره أو أودعه أو رهنه فبينة الخارج أولى.
قلنا: إن بينة الخارج أكثر إثباتًا في هذه الصور؛ لأنها تثبت الفعل على ذي اليد، وهو الغصب أو الاستئجار ونحوهما، وأنه ليس بثابت أصلا، وذو اليد ادعى أولية الملك، واليد لا تدل عليها؛ بل تدل على أصل الملك، فكان ما ادعاه ذو اليد ثابتًا من وجه بظاهر يده، وما ادعاه الخارج من الفعل غير ثابت أصلا، فكانت بينته أكثر إثباتًا.
قال شيخ الإسلام إليه أشار محمد. كذا في الذخيرة.
قوله: (خلافًا لما يقوله عيسى بن أبان) قال عيسى: الطريق عندي في النتاج تهاتر البينتين؛ ليتيقن القاضي بكذب أحدهما؛ إذ لا تصور لنتاج دابة من دابتين، فصار كأنهما لم يقيما بينة، ولو لم يقيما بينة يقضى لصاحب اليد قضاء ترك حتى يحلف ذو اليد للخارج، كذا ههنا.
وهذا ليس بصحيح، فإن محمدًا ذكر في خارجين أقاما بينة على النتاج أنه يقضى بينهما نصفين، ولو كان الطريق ما قاله لكان ترك في يد ذي اليد، فعلم أن القضاء لذي اليد قضاء استحقاق، حتى لا يحلف ذو اليد للخارج. كذا في الذخيرة، والمبسوط (^١).
قوله: (عنده) الضمير راجع إلى رجل.
في الذخيرة: صورة المسألة: عبد في يد رجل ادعاه رجل أنه عبده اشتراه من فلان، وأنه قد ولد في ملك فلان الذي باعه، وأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة أنه عبده اشتراه من فلان - يريد به رجلًا آخر وأنه قد ولد في ملك فلان الذي باعه - قضي به لذي اليد؛ لأن كل واحد خصم في إثبات نتاج
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٦٤).
[ ٦ / ٨٣٦ ]
نَفْسِهِ (وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا البَيِّنَةَ عَلَى المِلْكِ وَالآخَرُ عَلَى النِّتَاجِ، فَصَاحِبُ النِّتَاجِ أَوْلَى أَيُّهُمَا كَانَ) لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ قَامَتْ عَلَى أَوَّلِيَّةِ المِلْكِ، فَلَا يَثْبُتُ لِلْآخَرِ إِلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْ جِهَتِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ الدَّعْوَى بَيْنَ خَارِجَيْنِ، فَبَيِّنَةُ النِّتَاجِ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ قُضِيَ بِالنِّتَاجِ لِصَاحِبِ اليَدِ، ثُمَّ أَقَامَ ثَالِثُ البَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ، يُقْضَى لَهُ إِلَّا أَنْ يُعِيدَهَا ذُو اليَدِ) لِأَنَّ الثَّالِثَ لَمْ يَصِرْ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِتِلْكَ القَضِيَّةِ، وَكَذَا المَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِالمِلْكِ المُطْلَقِ إِذَا أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ تُقْبَلُ وَيُنْقَضُ القَضَاءُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّصُ.
بائعه، كما هو خصم في إثبات بائعه، ولو حضر البائعان وأقاما البينة على النتاج كان ذو اليد أولى، فهذا مثله، ولا يعلم فيه خلاف.
وفي المبسوط - بعد ذكر هذه المسألة -: وكذلك لو أقام بينة على وراثة أو وصية، أو هبة مقبوضة من رجل، وأنه ولد في ملك ذلك الرجل، لا يتلقى الملك من جهة مورثه أو موصيه، فيكون خصما في إثبات نتاجه (^١).
قوله: (فصاحب النتاج أولى) وبه قال الشافعي في القول الأصح ومالك وأحمد، وفي قول: بينة صاحب اليد أولى، وفي الخارجين بينة النتاج أولى بلا خلاف.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (إن بينة صاحب النتاج تدل على أولية الملك).
وقوله: (إلا أن يعيدها ذو اليد) أي: فحينئذ يقضى له، وإلا فلا؛ لأن القضاء بالبينة الأولى كان على خصمه خاصة، فجعل إقامتها في حق الثاني وجودها كعدمها، فلم يصر الثالث مقضيا بتلك القضية؛ لأن التملك بالنتاج لا يكون استحقاقًا على أحد؛ لأنه تبين أنه من الابتداء كان ملكا له، وهو لا يتكرر.
قوله: (وكذا المقضي عليه بالملك المطلق) يعني ادعى الخارج وذو اليد الملك المطلق وبرهنا يقضى على ذي اليد بالملك عندنا، خلافًا للشافعي ومالك، ثم إن ذا اليد المقضي عليه بالملك المطلق لو أقام بينة على النتاج تقبل، وينتقض به القضاء الأول؛ لأنه بمنزلة (النص) أي: نص ترك بخلاف
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٦٨).
[ ٦ / ٨٣٧ ]
قال: (وكذلك النسج في الثياب التي لا تنسج إلا مرة كغزل القطن وكذلك كل
الاجتهاد فينقض الاجتهاد به، فكذا هنا، وهذا لأنه ظهر أنه قضى للمدعي بمطلق الملك مع بينة ذي اليد على النتاج، والقضاء للمدعي في هذه الحالة باطل، فينقض، وهذا استحسان، والقياس: ألا تقبل؛ لأنه صار مقضيا عليه بالملك، فلا تقبل بينته إلا أن يدعي تلقي الملك من جهة المقضي له. وفي الاستحسان: لا يتصور استحقاق هذا الملك عليه، فلم يصر ذو اليد مقضيا عليه لظهور أولية الملك وبطلان القضاء له، بخلاف الملك المطلق؛ لأنه صار مقضيا عليه، وينبغي ألا ينقض القضاء ببينة ذي اليد على النتاج؛ لأن القضاء صادف موضع الاجتهاد.
فعند ابن أبي ليلى: بينة الخارج أولى مع بينة ذي اليد على النتاج، ولكن ينقض؛ لأن بينة ذي اليد ما كانت ثابتة عند القضاء، فترجح باجتهاده بينة الخارج، فلم يكن قضاء عن اجتهاد، بل كان لعدم ما يدفع البينة من ذي اليد، فإذا أقام حجة الدفع انتقض القضاء الأول. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (وكذلك النسج في الثياب) إلى آخره؛ أي: كالنتاج في أنه لا يتكرر. وفي المحيط: النتاج عبارة عن أولية الملك، فكل سبب يشعر بأولية الملك فهو كالنتاج، وكل ما يتكرر فيه سبب الملك ويصنع مرتين لم يكن في معنى النتاج.
وإن كان مشكلا: هل يتكرر أم لا؟
في رواية أبي حفص: يلحق بما يتكرر، وفي رواية أبي سليمان: يلحق بما لا يتكرر، فالبناء وغرس الشجر والقطن النابت وزرع الحنطة والحبوب يتكرر، وتسوية اللحم وكتابة المصحف وانحطاط الدار وضرب اللبن والخياطة والقطع والجسور والصياغة تتكرر أيضا؛ لأن هذه الأشياء تفعل مرتين، واتخاذ الجبن والطحن والعصر وجز الصوف وغزل القطن لا يتكرر، فالنسج في الثوب المتخذ من غزل القطن والإبريسم لا يتكرر، وفي الثوب المنسوج من الصوف والشعر يتكرر.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٧٨).
[ ٦ / ٨٣٨ ]
سَبَبٍ فِي المِلْكِ لَا يَتَكَرَّرُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ كَحَلْبِ اللَّبَنِ وَاتِّخَاذِ الجُبْنِ وَاللُّبَدِ
فإن قيل: جز الصوف ليس بسبب الأولية الملك؛ لأن الصوف على ظهر الغنم ملك له قبل الجز، فكيف يكون في معنى البناء؟
قلنا: نعم ولكنه قبل الجز كوصف الشاة؛ ولهذا لا يجوز بيعه، فلم يكن مالا مقصودا، وبالجز يكون مالا مقصودًا.
في المغرب (^١): المِرْعِزَّى، بكسر الميم والعين، فإِذا شَدَّدْتَ الزاءَ قَصَرْتَ، وإذا خَفَفْتَ مَدَدْتَ، وقد يقال: مَرْعِزاء، بفتح الميم مُخَفَّفًا ممدودًا، وهي كالصوف تحت شعر العنز، والميم فيه زائدة.
والخَز: اسم دابة (^٢)، ثم سُمِّي الثوبُ المُتَّخَذُ من وَبَرِهِ خَزًّا، قيل: هو يُنسج، فإذا بَلِيَ يغزل مرة أخرى، ثم ينسج.
قوله: (كحلب اللبن) إلى آخره.
وذكر في المبسوط (^٣) في حلب اللبن واتخاذ الجبن: هذه المسألة على خمسة أوجه:
أحدها: ادعى كل أنه صنعه في ملكه، فهو لذي اليد.
والثاني: أنهما برهنا أن اللبن الذي صنع منه هذا الجبن ملكه - يقضى به للخارج؛ لأن أصل المنازعة في اللبن، وكل واحد برهن على الملك المطلق.
والثالث: لو برهنا أنه حلب اللبن الذي صنع منه هذا الجبن من شاته في ملكه، فيقضى به لذي اليد؛ لأن الحلب في اللبن لا يتكرر، فكان في معنى النتاج.
والرابع: لو برهنا أن الشاة التي حلب منها هذا اللبن صنع منه هذا الجبن ملكه فيقضى به للخارج؛ لأن المنازعة في ملك الشاة، وبينة كل واحد قامت على الملك المطلق.
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ١٩١).
(٢) هو الأرنب، يُسَمَّى خُزَز، والخَزُ مشتق منه. لسان العرب (٥/ ٣٤٥).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٧٥).
[ ٦ / ٨٣٩ ]
وَالمِرْعِزَّى وَجَزِّ الصُّوفِ، وَإِنْ كَانَ يَتَكَرَّرُ قُضِيَ بِهِ لِلْخَارِجِ بِمَنْزِلَةِ المِلْكِ المُطْلَقِ، وَهُوَ مِثْلُ الخَنِّ وَالبِنَاءِ وَالغَرْسِ وَزِرَاعَةِ الحِنْطَةِ وَالحُبُوبِ، فَإِنْ أَشْكَلَ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِ الخِبْرَةِ، لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِهِ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ قُضِيَ بِهِ لِلْخَارِج، لِأَنَّ القَضَاءَ بِبَيِّنَتِهِ هُوَ الأَصْلُ وَالعُدُولُ عَنْهُ بِخَبَرِ النِّتَاجِ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَصْلِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ الخَارِجُ البَيِّنَةَ عَلَى المِلْكِ المُطْلَقِ، وَصَاحِبُ اليَدِ البَيِّنَةَ عَلَى الشَّرَاءِ مِنهُ: كَانَ صَاحِبُ اليَدِ أَوْلَى) لِأَنَّ الأَوَّلَ إِنْ كَانَ يَدَّعِي أَوَّلِيَّةَ المِلْكِ فَهَذَا تَلَقَّى مِنْهُ، وَفِي هَذَا لَا تَنَافِي فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِالمِلْكِ لَهُ ثُمَّ ادَّعَى الشَّرَاءَ مِنْهُ.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا البَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ الْآخَرِ، وَلَا تَارِيخَ
والخامس: برهنا أن الشاة التي حلب منه هذا اللبن الذي صنع منه هذا الجبن شاته، ولدت في ملكه فيقضى لذي اليد.
قوله: (وإن أشكل يرجع إلى أهل الخبرة؛ لأنهم أعرف به) والواحد منهم يكفي، والاثنان أحوط، قال تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (وإن أشكل عليهم) أي: على أهل الخبرة (قضي به للخارج؛ لأن القضاء ببينة الخارج هو الأصل) عندنا، وإنما عدلنا عن الأصل بخبر النتاج، وهو ما روي أنه ﵊ «قَضَى فِي تَعَارُضِ بَيِّنَتِي النِّتَاجِ لِذِي اليَدِ» وقد مرَّ من حديث جابر.
قوله: (كل واحد منهما على الشراء من الآخر).
في المبسوط: أقام ذو اليد بينة أنه اشتراه من الخارج ونقد الثمن، والخارج أقام بينة أنه اشتراه من ذي اليد ونقد الثمن، فعلى قول أبي حنيفة تهاترت البينتان، سواء شهدوا بالقبض أو لا (^١).
وقال الشافعي في قول، ومالك وأحمد في رواية منهما: بينة ذي اليد أولى ووضع المسألة في المبسوط بين الخارج وذي اليد.
وذكر في الذخيرة: سواء كان المبيع في يد أحدهما أو في يد ثالث،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٦٠).
[ ٦ / ٨٤٠ ]
مَعَهُمَا، تَهَاتَرَتْ البَيِّنَتَانِ، وَتُتْرَكُ الدَّارُ فِي يَدِ ذِي اليَدِ) قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: يَقْضِي بِالبَيِّنَتَيْنِ وَيَكُونُ لِلْخَارِجِ (*)، لِأَنَّ العَمَلَ بِهِمَا مُمْكِنٌ، فَيَجْعَلُ كَأَنَّهُ اشْتَرَى ذُو اليَدِ مِنْ الآخَرِ وَقَبَضَ ثُمَّ بَاعَ الدَّارَ، لِأَنَّ القَبْضَ دَلَالَةُ السَّبْقِ عَلَى مَا مَرَّ، وَلَا يَعْكِسُ الأَمْرَ، لِأَنَّ البَيْعَ قَبْلَ القَبْضِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ فِي العَقَارِ عِنْدَهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ الإِقْدَامَ عَلَى الشَّرَاءِ إِقْرَارُ مِنْهُ بِالمِلْكِ لِلْبَائِعِ، فَصَارَ كَأَنَّهُمَا قَامَتَا عَلَى الإِقْرَارَيْنِ وَفِيهِ التَّهَاتُرُ بِالإِجْمَاعِ، كَذَا هَاهُنَا، وَلِأَنَّ السَّبَبَ يُرَادُ لِحُكْمِهِ وَهُوَ المِلْكُ وَلَا يُمْكِنُ القَضَاءُ لِذِي اليَدِ إِلَّا بِمِلْكِ مُسْتَحَقِّ، فَبَقِيَ القَضَاءُ لَهُ بِمُجَرَّدِ السَّبَبِ وَأَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ.
والثالث يجحد، وسواء شهدوا بالقبض أو لا، وسواء كان الثمنان على السواء، أو أحدهما أنقص، فإن كان المبيع في يد أحدهما يترك في يده قضاء ترك على الروايات كلها، وإن كان في يد ثالث يقضى بين المدعيين نصفين إن كان لا يقضى بين العقدين في رواية الجامع، وذكر في الباب الطويل في الجامع: يترك في يد الثالث قضاء ترك.
قوله: (ولا يعكس الأمر) أي: لا يجعل كأن الخارج اشتراه من ذي اليد أولا، ثم باعه من ذي اليد؛ لأن في ذلك يلزم بيع المبيع قبل القبض، وهذا لا يجوز، وإن كان في العقار عند محمد، ولئن [أتم] (^١) القبض حتى يصح فيقول: ذا زيادة على ما كانت البينة، فلا يجوز هذا إذا لم يشهدوا بالقبض، فلو شهد الفريقان بالقبض تهاترا بالإجماع كما يجيء.
قوله: (ولا يمكن القضاء لذي اليد إلا بملك مستحق) يعني: لو قضينا ببينة صاحب اليد كان هذا قضاء بالعقد ليزول ملكه إلى غيره، والسبب لا يراد لنفسه، وإنما يراد لحكمه، فإذا لم يقع الحكم له في المال لم يكن السبب معتبرًا. كذا في الإيضاح.
ولأن البينتين لما تعارضتا، والتنافي يتحقق من موجبهما، فتعين التهاتر؛ إذْ
_________________
(١) (*) الراحج: قول الشيخين.
(٢) كذا رسمت في الأصول الخطية.
[ ٦ / ٨٤١ ]
ثُمَّ لَوْ شَهِدَتِ البَيِّنَتَانِ عَلَى نَقْدِ الثَّمَنِ: فَالأَلْفُ بِالأَلْفِ قِصَاصُ عِنْدَهُمَا إِذَا اسْتَوَيَا، لِوُجُودِ قَبْضٍ مَضْمُون مِنْ كُلِّ جَانِبِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى نَقْدِ الثَّمَنِ فَالقِصَاصُ مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ لِلْوُجُوبِ عِنْدَهُ. وَلَوْ شَهِدَ الفَرِيقَانِ بِالبَيْعِ وَالقَبْضِ تَهَاتَرَنَا بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الجَمْعَ غَيْرُ مُمْكِن عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِجَوَازِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ البَيْعَيْنِ بِخِلَافِ الأَوَّلِ.
وَإِنْ وُقِّتَتْ البَيِّنَتَانِ فِي العَقَارِ وَلَمْ تُثْبِتَا قَبْضًا وَوَقْتُ الخَارِجِ أَسْبَقُ يُقْضَى لِصَاحِبِ اليَدِ عِنْدَهُمَا، فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الخَارِجَ اشْتَرَى أَوَّلًا ثُمَّ بَاعَ قَبْلَ القَبْضِ مِنْ صَاحِبِ اليَدِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي العَقَارِ عِنْدَهُمَا.
لا يمكن أن يجعل كل واحد منهما بائعًا ومشتريًا في ساعة واحدة، ولا دليل على السبق، ولا رجحان لإحداهما على الأخرى.
قوله: (للوجوب عنده) أي: لوجوب الثمن عند محمد، فإن البيعين لما ثبتا عنده كان كل واحد موجبًا للثمن عند مشتريه، فتقاص الوجوب بالوجوب عنده.
قوله: (تهاترتا بالإجماع) لكن على اختلاف التخريج، فعندهما باعتبار أن دعواهما مثل هذا البيع إقرار من كل واحدٍ بملك صاحبه، وفي مثل هذا تهاتر، وعند محمد باعتبار أن يقع كل واحد منهما جائزا لوجود البيع بعد القبض، وليس في البيعين ذكر تاريخ حتى يجعل أحدهما سابقًا، ولا يمكن أن يجعل كل واحد منهما بائعًا ومشتريًا في ساعة واحدة، وهو معنى قوله: (لأن الجمع غير ممكن) إلى آخره.
وفي الكافي: وهذا يخالف ما ذكر في المبسوط والجامع الكبير وغيرهما، فإنه ذكر فيها: لو شهدوا بالعقد والقبض يقضى بالبينتين عنده، فيقضى بها لذي اليد؛ إذ العمل بالبينتين ممكن، بأن يجعل كأنَّ ذا اليد باعها وسلمها، ثم الخارج باعها وسلمها، بخلاف ما إذا لم يذكروا القبض حتى يقضى بها للخارج؛ لأنهما ما أثبتا القبض بالشهادة، وقد ثبت القبض عيانًا، وهي دلالة السبق، فجعلنا ذا اليد مشتريا من الخارج أولًا، وقد قبضها ثم باعها من الخارج، فيؤمر بتسليمها إليه، وقد ذكرنا وجه ما ذكر في المتن.
قوله: (وإن وقتت البينتان في العقار) قيد بالعقار؛ ليظهر ثمرة الخلاف كما ذكرنا.
قوله: (وإن أثبتا قبضًا يقضى بها لصاحب اليد) أي: بالاتفاق؛ لأنه يجعل
[ ٦ / ٨٤٢ ]
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَقْضِي لِلْخَارِجِ (*)، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ القَبْضِ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ أَثْبَتَا قَبْضًا يَقْضِي لِصَاحِبِ اليَدِ، لِأَنَّ البَيْعَيْنِ جَائِزَانِ عَلَى القَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُ صَاحِبِ اليَدِ أَسْبَقَ يُقْضَى لِلْخَارِجِ فِي الوَجْهَيْنِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا ذُو اليَدِ وَقَبَضَ ثُمَّ بَاعَ وَلَمْ يُسَلِّمْ أَوْ سَلَّمَ ثُمَّ وَصَلَ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُ المُدَّعِيَيْنِ شَاهِدَيْنِ وَالآخَرُ أَرْبَعَةً: فَهُمَا سَوَاءٌ) لِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ الشَّاهِدِينَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ كَمَا فِي حَالَةِ الاِنْفِرَادِ، وَالتَّرْجِيحُ لَا يَقَعُ بِكَثْرَةِ العِلَلِ، بَلْ بِقُوَّةٍ فِيهَا عَلَى مَا عُرِفَ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَاهَا اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا جَمِيعَهَا، وَالْآخَرُ نِصْفَهَا، وَأَقَامَا البَيِّنَةَ، فَلِصَاحِبِ الجَمِيعِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ رُبْعُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) اعْتِبَارًا بِطَرِيقِ المُنَازَعَةِ، فَإِنَّ صَاحِبَ النِّصْفِ لَا يُنَازِعُ الْآخَرَ فِي النِّصْفِ فَسَلَّمَ لَهُ بِلَا مُنَازِعِ وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَتُهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فَيُنَصَّفُ بَيْنَهُمَا (وَقَالَا: هِيَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا) (**) فَاعْتَبَرَا طَرِيقَ العَوْلِ وَالمُضَارَبَةِ، فَصَاحِبُ الجَمِيعِ
أن الخارج باعها من بائعه بعدما قبضها، فكان بيع المبيع بعد القبض، وذلك جائز بالاتفاق.
قوله: (في الوجهين) أي: سواء شهدوا بالقبض أو لم يشهدوا به.
قوله: (فهما سواء) ولا ترجيح بكثرة العدد، وبه قال الشافعي في الجديد، ومالك في المشهور منه وأحمد. وقال الأوزاعي والشافعي في القديم، ومالك في رواية: يرجح بزيادة العدد؛ لأن القلب إلى قولهم أميل، وعند مالك يرجح بزيادة العدالة، فيقضى بأعدل البينتين، وقد مر على ما عرف في أصول الفقه.
قوله: (فَيُنَصَّفُ بينهما) وقال الشافعي في قول: استعمال البينتين في النصف. وقال مالك، وأحمد في رواية، وعن مالك في رواية: يقسم الدار بينهما أثلاثا كما قالا، وفي قول التهاتر: يحلف صاحب اليد لهما في النصف الذي تعارضت البينتان.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين. (**) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٨٤٣ ]
يَضْرِبُ بِكُلِّ حَقِّهِ سَهْمَيْنِ وَصَاحِبُ النِّصْفِ بِسَهْمٍ وَاحِدٍ فَتُقَسَّمُ أَثْلَاثًا، وَلِهَذِهِ المَسْأَلَةِ نَظَائِرُ وَأَضْدَادٌ لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا المُخْتَصَرُ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الزِّيَادَاتِ. قَالَ:
قوله: (يضرب بكل حقه) أي: يأخذ بحسب كل حقه سهمين. وفي المغرب: وقال الفقهاء: فلان يضرب فيه بالثلث؛ أي: يأخذ منه شيئًا بحكم ماله من الثلث (^١).
قوله: (ولهذه المسألة نظائر) ومن نظائرها: الموصى له بجميع المال وبنصفه عند إجازة الورثة، أو الموصى له بعين مع الموصى له بنصف تلك العين إذا لم يكن له مال سواه.
ومن أضدادها: العبد المأذون المشترك إذا ادَّانَهُ أحد الموليين مائة درهم، وأجنبي مائة درهم، ثم بيع بمائة؛ فالقسمة بين مولى المدين والأجنبي عند أبي حنيفة بطريق العول أثلاثا، وعندهما بطريق المنازعة أرباعًا، وكذلك المدبر إذا قتل رجلًا خطأ، وآخر عمدًا، وللمقتول عمدًا، ابنان، فعفا أحدهما ثم دفع العبد بالجنايتين، ومما اتفقوا على أن القسمة فيها بطريق العول: التركة بين الورثة والغرماء إذا ضاقت التركة عن إيفاء حقوقهم، والموصى له بالثلث مع الوصى له بالسدس إذا لم يجز الورثة.
ومما اتفقوا على أن القسمة بطريق المنازعة: فضولي باع عبد رجل بغير أمره، وباع فضولي آخر نصفه، وأجاز المولى البيعين؛ فالقسمة بين المشتريين بطريق المنازعة [أرباعًا.
ثم المعنى الواجب للقسمة على طريق المنازعة] (^٢) عند أبي حنيفة شيئان:
أحدهما: أن القسمة متى وجبت ابتداء في العين بحق ثبت لكل واحد على وجه التمييز والتعيين بطريق النزاع، كما إذا تنازعا في خاتم؛ أحدهما يدعي كله، والآخر نصفه؛ فالحلقة للأول والفص بينهما.
والثاني: أن يكون حق أحدهما في كل العين، وحق الآخر في البعض
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٢٨٢).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٨٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشائع؛ فالقسمة بطريق النزاع؛ لأنه ليس في معنى المواريث؛ إذ ليس في المواريث من يستحق كل التركة ويستحق الآخر بعضه، أو ثبت حق بعض الورثة على وجه التعيين والتمييز بحال، والعول ثبت بخلاف القياس بإجماع الصحابة؛ إذ يستحيل أن يكون في المال نصفان وثلث، أو ثلثان ونصف، فيقتصر عليه إلا إذا كان غيره بمعناه، ويخرج على هذا الأصل أربع مسائل؛ ثلاث مختلف فيها:
أحدها: إذا تنازعا في الدار أحدهما يدعي كلها والآخر نصفها.
والثانية: إذا أوصى بجميع ماله لرجل ولآخر بنصفه، وأجازت الورثة.
الثالثة: أوصى بعين لرجل وبنصفها لآخر؛ فالقسمة فيها نزاعية عنده، عولية عندهما.
والرابعة: فضولي باع إلى آخر ما ذكرنا؛ فالقسمة نزاعية، والمعنى الموجب للقسمة بطريق النزاع عندهما شيئان:
أحدهما: ما ذكره أبو حنيفة، أو لأن الحقين متى ثبتا على وجه التمييز والتعيين فالقسمة نزاعية.
والثاني: أن الحقين متى وجبا في وقتين مختلفين، سواء كانا شائعين، أو أحدهما والآخر معين؛ فالقسمة نزاعية اعتبارًا لتمييز الوقت المختلف على التمييز في حق المختلف.
بيانه في المسائل الخمس المختلفة: أن ثبوت الحق في وقتين مختلفين؛ لأن العفو يتعاقب، وكذا الإدانة في وقتين مختلفين، وفي بيع الفضولي وقت ثبوت الحق يختلف؛ لأن الكل عند الإجازة يستند إلى وقت البيع، وهو مختلف.
ثم اعلم أن المعنى الموجب للعول والمضاربة شيئان:
أحدهما: ثبوت الحق في الذمة، وقسمة العين من ثمراته، كما في المواريث والوصايا والديون المجتمعة في التركة.
[ ٦ / ٨٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: ثبوت كلا الحقين في العين ابتداء؛ لكن على سبيل الشيوع كما في المواريث ونحوها، فإن حق كل واحد من الورثة يثبت على وجه الشيوع دون التعيين، فأينما وجد أحد هذين المعنيين يقسم بطريق العول والمضاربة عنده، ويخرج على هذا الأصل خمس مسائل، منها ثلاث عفوية:
إحداها: قتل عبد رجلًا خطأ وآخر عمدًا، وللمقتول عمدًا وليان إلى آخر ما ذكرنا؛ لأن القسمة إنما وجبت بحق يثبت في ذمة المولى؛ إذ الأصل في جناية الخطأ أن يباعد الواجب عن الجاني فيجب في ذمة المولى، ويخير بين الدفع والفداء.
والثانية: إذا كان الجاني مدبرًا تقسم القيمة أثلاثًا لهذا المعنى.
والثالثة: أم ولد قتلت مولاها عمدًا وأجنبيا عمدًا، ولكل واحد وليان، فعفا أحد وَلِيَّيْ كلّ واحد على التعاقب سعت في ثلاثة أرباع قيمتها، وللساكت من ولي الأجنبي ربع القيمة منها، ويقسم نصف القيمة أثلاثا لهذا المعنى.
والرابعة: عبد مأذون مشترك ادَّانَهُ أحد الموليين إلى آخر ما ذكرنا يقسم ثمنه بينهما أثلاثا؛ لأن الدين وجب في الذمة أيضًا.
والخامسة: ادانَهُ أجنبي مائة، وأجنبي آخر خمسين يقسم أثلاثًا لهذا المعنى.
هذه المسائل المختلفة على المعنى الأول، وأما على المعنى الثاني يخرج ست مسائل:
إحداها: الميراث.
والثانية: الديون في التركة.
والثالثة: إذا أوصى بثلث ماله، والآخر بربعه، والآخر بسدسه، ولم يجز الورثة يقسم الثلث بينهم على طريق العول.
والرابعة: الوصية بالمحاباة، بأن أوصى بأن يباع عبد قيمته ثلاثة آلاف من هذا الرجل بألف، وأوصى لآخر أن يباع منه هذا العبد الذي يساوي ألفي درهم بألف درهم؛ كان الثلث بينهما بطريق العول.
[ ٦ / ٨٤٦ ]
(وَلَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا، سَلِمَ لِصَاحِبِ الجَمِيعِ، نِصْفُهَا عَلَى وَجْهِ القَضَاءِ)، وَنِصْفُهَا لَا عَلَى وَجْهِ القَضَاءِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ فِي النِّصْفِ فَيَقْضِي بِبَيِّنَتِهِ، وَالنِّصْفُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ صَاحِبُهُ لَا يَدَّعِيهِ، لِأَنَّ مُدَّعَاهُ النِّصْفُ وَهُوَ فِي يَدِهِ سَالِمٌ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَيْهِ دَعْوَاهُ كَانَ ظَالِمًا بِإِمْسَاكِهِ وَلَا قَضَاءَ بِدُونِ الدَّعْوَى فَيُتْرَكُ فِي يَدِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا نَتَجَتْ عِنْدَهُ، وَذَكَرَا تَارِيخًا، وَسِنُّ الدَّابَّةِ يُوَافِقُ أَحَدَ التَّارِيخَيْنِ: فَهُوَ أَوْلَى) لِأَنَّ الحَالَ يَشْهَدُ لَهُ فَيَتَرَبَّحُ
والخامسة: الوصية بالعتق، بأن أوصى أن يعتق من هذا العبد نصفه، ومن العبد الآخر ثلثه، وذلك لا يخرج من الثلث، يقسم الثلث بينهما على طريق العول.
والسادسة: الوصية بألف مرسلة، ولآخر بألفين كان الثلث بطريق العول.
والسابعة: عبد فقأ عين رجل، وقتل آخر خطأ، فدفع بهما يقسم الجاني أثلاثا، وذكر شمس الأئمة السرخسي هذه المسألة مختلف فيها.
والثامنة: إذا كان الجاني مدبرًا تقسم القيمة أثلاثًا، وهاتان المسألتان تخرجان على المعنى الأول، والمعنى الموجب للعول عندهما شيء واحد، وهو أن الحقوق متى ثبتت على الشيوع وفي وقت واحد كانت القسمة عولية، سواء كان الشيوع في الحقوق كلها أو بعضها اعتبارًا بالمواريث وأخواتها؛ لأن الحقوق تثبت ثمة على وجه الشيوع في وقت واحد، وهو حالة الموت، فاستوت الحقوق في القوة، فيلحق بها ما كان في معناه، وهو الديون المتفاوتة إذا اجتمعت في التركة، والعبد المدبر إذا فقأ عين رجل وقتل آخر خطأ؛ لأن الحقين ثبتا في وقت الدفع، وفي مسألة دعوى الدار الحق إنما ثبت بقضاء القاضي. كذا في الكتب.
قوله: (ولو كانت في أيديهما) أي: الدار في أيديهما وبرهنا؛ فالدار كلها لصاحب الجميع كما ذكر في الكتاب، وبه قال أحمد في رواية. وقال الشافعي ومالك وأحمد في رواية: بقيت الدار في يديهما كما كانت؛ لترجح بينة صاحب اليد باليد.
[ ٦ / ٨٤٧ ]
(وَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ كَانَتْ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ سَقَطَ التَّوْقِيتُ فَصَارَ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا تَارِيضًا.
وَإِنْ خَالَفَ سِنُّ الدَّابَّةِ الوَقْتَيْنِ بَطَلَتْ البَيِّنَتَانِ، كَذَا ذَكَرَهُ الحَاكِمُ الشهيد الله، لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُ الفَرِيقَيْنِ فَيُتْرَكُ فِي يَدِ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ رَجُلَانِ عَلَيْهِ البَيِّنَةَ، أَحَدُهُمَا بِغَصْبٍ، وَالآخَرُ بِوَدِيعَةٍ: فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الاسْتِحْقَاقِ.
قوله: (وإن أشكل كانت بينهما) هذا الجواب في الخارجين، وإن كان أحدهما صاحب اليد، ودعواهما في النتاج ووقت البينتان؛ فإن كانت الدابة على وقت بينة الخارج قضيت بها له؛ لظهور علامة الصدق في بينته وعلامة الكذب في بينة ذي اليد، ولو كانت الدابة على وقت بينة ذي اليد أو كانت مشكلة قضيت بها لذي اليد؛ إما لظهور علامة الصدق في بينته، أو سقوط اعتبار التوقيت إذا كانت مشكلة. كذا في المبسوط (^١)، ولم يذكر فيه ما إذا كانت سن الدابة بين الوقتين.
وذكر في الذخيرة في ذلك: تهاترت البينتان عند عامة المشايخ، وتترك الدابة في يد صاحب اليد.
قوله: (وإن خالف سن الدابة الوقتين) أي: في دعوى الخارجين (تبطل البينتان). كذا ذكره الحاكم، وكذا ذكر في الإيضاح.
وفي المبسوط (^٢): من مشايخنا قال (^٣): تبطل البينتان، والأصح ما قاله محمد، وهو الدابة بينهما في الفصلين؛ يعني: فيما إذا كان من الدابة مشكلة، وفيما إذا كانت غير الوقتين في دعوى الخارجين، أما إذا كانت مشكلة فلا شك فيه، وكذا إن كانت غير الوقتين؛ لأن اعتبار ذكر الوقت لحقهما، وفي هذا الموضع في اعتباره إبطال حقهما، فسقط اعتبار ذكر الوقت أصلا، وينظر إلى مقصودهما، وهو إثبات الملك، وقد استويا في ذلك، فوجب القضاء بينهما نصفين ولا يترك في يد ذي اليد؛ لأنه اتفق الفريقان على استحقاقها على ذي اليد، فكيف يترك في يده مع قيام يد الاستحقاق؟ وبه قالت الأئمة الثلاثة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٦٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/ ٦٥).
(٣) كذا بالأصول الخطية، وفي المبسوط: (من مشايخنا ﵏ من قال).
[ ٦ / ٨٤٨ ]