قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَعْمَى). وَقَالَ زُفَرُ ﵀ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: تُقْبَلُ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ التَّسَامُعُ، لِأَنَّ الحَاجَةَ فِيهِ إِلَى السَّمَاعِ وَلَا خَلَلَ فِيهِ.
بَابُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ
لما ذكر تفصيل ما يسمع من الشهادة بالنسبة إلى محال الشهادة - شرع في بيان من تسمع شهادته ومن لا تسمع.
ثم الأصل في هذا الباب أن الشهادة ترد بالتهمة؛ لقوله ﵇: «لا شهادة لِمُتَّهَم».
ولأنها خبر محتمل للصدق والكذب، وبترجح جانب الصدق يصير حجة، ولا يترجح جانب الصدق بالتهمة.
ثم تمكن التهمة تارةً يكون لمعنى في الشاهد، وهو الفسق؛ لأنه لما لم ينزجر عن ارتكاب محرم في دينه مع اعتقاده حرمته - لم ينزجر عن شهادة الزور.
وقد يكون لمعنى في الشاهِدِ مع قيام العدالة والولاية، وهو العمى، فإذا عدم له آلة التمييز تمكن تهمة الغلط في الشهادة، وتهمة الغلط وتهمة الكذب سواء.
وقد تكون تهمة الكذب مع قيام العدالة بدليل شرعي، وهو المحدود في القذف بعد التوبة عندنا، وقبل التوبة عند الشافعي (^١) فقد جعل تعالى عجزه عن الإتيان بأربعة دليل كذبه بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (وقال زفر، وهو رواية عن أبي حنيفة: تقبل فيما يجري فيه التسامع)، وبه قال الشافعي (^٣) والنخعي (^٤) وأحمد (^٥) ومالك (^٦) والحسن
_________________
(١) انظر: الأم (٦/ ٢٢٥)، الحاوي الكبير (١٧/¬٢٥، ٢٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٢٠، ١٢١).
(٣) انظر: الأم (٧/ ٩٦)، الحاوي الكبير (١٧/¬٤٣).
(٤) انظر: المدونة (٤/ ٩٣)، المغني (١٠/ ١٧٠).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٦)، المغني (١٠/ ١٧٠).
(٦) انظر: المدونة (٢/ ٩٣)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١٥٤).
[ ٦ / ٥٢٦ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَجُوزُ إِذَا كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَوُّلِ لِحُصُولِ العِلْمِ بِالمُعَايَنَةِ، وَالأَدَاءُ يَخْتَصُّ بِالقَوْلِ، وَلِسَانُهُ غَيْرُ مُوفٍ، وَالتَّعْرِيفُ يَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَيِّتِ.
وَلَنَا: أَنَّ الأَدَاءَ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّمْيِيزِ بِالإِشَارَةِ بَيْنَ المَشْهُودِ لَهُ وَالمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يُمَيِّزُ الْأَعْمَى إِلَّا بِالنَّعْمَةِ،
البصري (^١) وسعيد بن جبير والثوري، وعن ابن عباس (^٢): تُقبل فيما طريقه السمع أيضًا، وبه قال الزهري (^٣) وربيعة (^٤) والليث (^٥) وشريح وعطاء (^٦) وابن أبي ليلى ومالك (^٧) وأحمد (^٨)، وهو اختيار المزني، وكذا تقبل في الترجمة عند الكل؛ لأن العلم يحصل له فيها كالبصير؛ إذ حصول العلم بالسماع، وهو كالبصير في السماع، ويعرف القائل باسمه ونسبه.
قوله: (وقال أبو يوسف والشافعي) (^٩) تجوز شهادته فيما في طريقة السمع، وفيما لا يثبت بالتسامع إذا كان وقت التحمل بصيرا، وعمي عند الأداء، إذا كان يعرفه باسمه ونسبه كما في الميت، وبه قال مالك (^١٠) وأحمد (^١١) أيضًا، وقلنا: في شهادته تهمة يمكن التحرز عنها بحبس الشهود، فترد كشهادة الأب لولده، وهذا لأنه يحتاج في أداء الشهادة إلى التمييز بين المشهود له والمشهود عليه بالإشارة، أو إلى المشهود به فيما يجب إحضاره.
(ولا يميز الأعمى إلا بالنغمة) أي: الصوت.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٤١)، المحلى بالآثار (٨/ ٥٣٢).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٤١)، المغني (١٠/ ١٧٠).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٤١)، المحلى بالآثار (٨/ ٥٣٢).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٤١)، المحلى بالآثار (٨/ ٥٣٢).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٤١)، المحلى بالآثار (٨/ ٥٣٢).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٤١)، المحلى بالآثار (٨/ ٥٣٢).
(٧) انظر: المدونة (٢/ ٩٣)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١٥٤).
(٨) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٦)، المغني (١٠/ ١٧٠).
(٩) انظر: الأم (٧/¬٤٨)، الحاوي الكبير (١٧/¬٤٣).
(١٠) انظر: مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١٥٤)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٦٧).
(١١) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٦)، المغني (١٠/ ١٧١).
[ ٦ / ٥٢٧ ]
وَفِيهِ شُبْهَةٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا بِجِنْسِ الشُّهُودِ وَالنِّسْبَةِ لِتَعْرِيفِ الغَائِبِ دُونَ الحَاضِرِ فَصَارَ كَالحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
(وفيه شبهة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود) فيرد بخلاف الميت؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه بجنس الشهود، ثم لأن المدعي - وإن استكثر الشهود - يحتاج إلى إقامة النسبة والاسم مقام الإشارة عند موت المشهود عليه أو غيبته.
(وإن النسبة لتعريف الغائب دون الحاضر) على أن الإشارة لم تقع إلى وكيل الغائب أو وصيه، وهو في ذلك قائم مقامه.
(فصار كالحدود والقصاص) فإن شهادة الأعمى لا تقبل فيها بإجماع الأئمة (^١).
وفي الذخيرة (^٢): لو تحمل وهو بصير، ثم أدى وهو أعمى: هل تقبل شهادته؟
فأجمع علماؤنا أنه في المنقول لا تقبل؛ لأن الإشارة إلى المنقول شرط، ولا يقوم الوصف مقام الإشارة عندهم جميعًا.
أما إذا كان في الدين والعقار ففيه اختلفوا؛ فقال أبو يوسف: يقبل؛ لأن الاحتراز عن العمى غير ممكن لصاحب الحق، فقام الاسم والنسبة مقام الإشارة كما في الميت، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يقبل؛ لما ذكرنا، ولما روي عن علي أنه رد شهادة الأعمى، ولم يفصل ولم يَسْتَفْسِر أنه تحمل وهو بصير أو أعمى، فدل أن الحكم لا يختلف.
ثم قال مشايخنا: هذا كله فيما لا تجوز الشهادة عليه بالتسامع والشهرة، أما فيما تجوز الشهادة بالشهرة والتسامع تقبل شهادته بلا خلاف.
وفي المبسوط (^٣): قال أبو يوسف: يحتمل أن يكون ذلك عن علي في الحدود.
وفي قوله: (شبهة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود) إشارة إلى جواب
_________________
(١) انظر: الإقناع لابن المنذر (٢/ ٥٢٧)، المحلى بالآثار لابن حزم (٨/ ٥٣٢).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٢٩، ١٣٠).
[ ٦ / ٥٢٨ ]
وَلَوْ عَمِيَ بَعْدَ الأَدَاءِ يَمْتَنِعُ القَضَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (*)، لِأَنَّ قِيَامَ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ شَرْطُ وَقْتَ القَضَاءِ لِصَيْرُورَتِهَا حُجَّةٌ عِنْدَهُ وَقَدْ بَطَلَتْ وَصَارَ
سؤال، وهو أن يقال: صلحت النغمة للتمييز بين شخص وشخص فيما هو أعظم خطرًا من المال، وهو وطء زوجته وجاريته، ولا يميز بينهما وبين غيرهما إلا بالنغمة، فَلَأَنْ يصلح في الأموال أولى.
فقال: في هذا ضرورة، فإن الأعمى يحتاج إلى قضاء الشهوة وبقاء النسل كالبصير، ولا يمكن الاحتراز عنه بغير النغمة، وفيما نحن فيه يمكن الاحتراز بجنس الشهود، ولأن في أصل الوطء هناك يجوز أن يعتمد خبر الواحد، فإنه إذا أخبر أن هذه امرأته وقد زفت إليه حل له وطؤها، وكذا لو وجد امرأة نائمة على فراشه ليلا، فظن أنها امرأته حل له وطؤها. كذا في المبسوط (^١) والأسرار.
فإن قيل: يشكل على قولهما الشهادة على غائب لأجل كتاب القاضي إلى القاضي، حيث تقبل مع أن الإشارة لم توجد كما في الأعمى.
قلنا: في الغائب يعرف الشهود المدعى عليه ويقولون: لو رأيناه عرفناه، فلا تكون شهادة على من لا يعلمون بوجوب الحق عليه، حتى لو قالوا: لا نعرفه اليوم لا تقبل شهادتهم، وأما الأعمى فيشهد على من لا يعلم بوجوب الحق عليه على الحقيقة، فلا يصح منه. كذا في الذخيرة (^٢).
قوله: (لصيرورتها) أي: لصيرورة الشهادة (حجة عنده) أي: عند القضاء؛ لأن المقصود من الشهادة القضاء فيما يمنع الأداء يمنع القضاء، والعمى والخرس والجنون والفسق يمنع الأداء فيمنع القضاء، وعند أبي يوسف لا يمنع الأداء فلا يمنع القضاء. كذا في الذخيرة (^٣).
وفي المبسوط (^٤): لا تجوز شهادة الأخرس، لأن الأداء يختص بلفظ الشهادة بإجماع الفقهاء، حتى لو قال: أنا أخبر أو أعلم أو أتيقن
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٢٩، ١٣٠).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢٣، ٣٢٤).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢٣).
(٥) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٠).
[ ٦ / ٥٢٩ ]
كَمَا إِذَا خَرِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ فَسَقَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتُوا أَوْ غَابُوا، لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ بِالمَوْتِ قَدْ انْتَهَتْ وَبِالغَيْبَةِ مَا بَطَلَتْ.
قَالَ: (وَلَا المَمْلُوكُ).
لا تقبل، ولفظ الشهادة لا يتحقق من الأخرس، وبه قال الشافعي (^١) في قول، ومالك (^٢) وأحمد (^٣)، وقال الشافعي (^٤) في الأصح: تقبل شهادته إذا كان له إشارة مفهومة؛ لأن إشارته حينئذ كترجمة لفظة الشهادة بلسان آخر.
وقلنا: في إشارته تهمة، ويمكن التحرز عنها بجنس الشهود كما في الأعمى.
قوله: (ولا المملوك) أي: الرقيق، وبه قال الشافعي (^٥) ومالك (^٦).
وعن علي أنه قال: أقبل شهادة العبيد بعضهم على بعض، ولا أقبلها على حر.
وعن أنس: أنه يقبل على الأحرار والعبيد، وبه قال عثمان البتي (^٧) وإسحاق (^٨) وأحمد (^٩) وداود، وعن الشعبي والنخعي (^١٠) أنهما قالا: يقبل في القليل دون الكثير.
وكذا لا تقبل شهادة الصبي عندنا، وبه قال الشافعي (^١١) وأحمد (^١٢) وعامة.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٤٣)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٤/ ٧٢).
(٢) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٦٧)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٤٥).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧١)، المغني (١٠/ ١٧١، ١٧٢).
(٤) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (١٤/ ٧٢)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٤٥).
(٥) انظر: الأم (٧/¬٤٩)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢١٣).
(٦) انظر: المدونة (٤/¬١٩، ٢٠)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٦).
(٧) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٥٨)، المغني (١٠/ ١٧٦).
(٨) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٥٨)، المغني (١٠/ ١٧٦).
(٩) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٠)، المغني (١٠/ ١٧٥).
(١٠) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٥٨)، المحلى بالآثار (٨/ ٥٠٢).
(١١) انظر: الأم (٧/¬٤٩)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢١٣).
(١٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧١)، المغني (١٠/ ١٤٤).
[ ٦ / ٥٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العُلَماء، وعن مالِكٍ (^١) تَقبل شَهادة الصِّبيان في الجِراح إذا كانوا قد اجْتَمَعوا لأمر مُباح قَبل أنْ يَتَفَرَّقوا، ويُروى ذلك عن ابن الزُّبَير، وعن أحمد (^٢) أيضًا رِواية، وعن مالِكٍ (^٣) أنه يَقبل في كلِّ شيءٍ؛ لإطْلاق النُّصوص، والعبد والصبي عدل.
وقُلنا: الشَّهادة من باب الوَلاية؛ لأنه قول مُلزم على الغير ابتِداءً، وليس معنى الوَلاية إلا هذا، والأصل ولاية المرء على نفسه، ثم تتعدى إلى غيره، ولا ولاية لهما على أنفسهما، فعلى غيرهما أولى، إلا أن يؤديا في الحُرِّية والبُلوغ ما تحمَّلا قَبلهما؛ لأنَّ التحمل بالمُعايَنة والسَّماع، وهما لا يُنافِيهما، وعِند الأداء هما من أهل الوَلاية على نفسه، والشَّهادة تُقبل بعد البُلوغ والحُرِّية، وبه قال الشافعي (^٤) وأحمد (^٥)، وقال مالِكٌ (^٦): لا تُقبل بعدهما كما لا تُقبل قبلهما، يُؤيده قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والصبي لم يكن رجلًا.
قوله: (وقال الشافعي (^٧): تقبل إذا تاب) (^٨)، وبه قال مالك (^٩) وأحمد (^١٠)، واختلفوا في توبته؛ فقال الشافعي (^١١): توبته إكذابه نفسه، [وبه قال أحمد؛ لما روي عن عمر أنه قال: توبة القاذف إكذابه نفسه] (^١٢) أو قال: قذفي كان باطلًا،
_________________
(١) انظر: المدونة (٤/¬٢٦)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٦).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧١)، المغني (١٠/ ١٤٤).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢١٠).
(٤) انظر: الأم (٧/¬٤٩، ٥٠)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢١٣).
(٥) انظر: المغني (١٠/ ١٨٤)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ٨١).
(٦) انظر: المدونة (٤/¬٢٠)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٧٣).
(٧) انظر: الأم (٧/ ٩٤)، الحاوي الكبير (١٧/¬٢٤).
(٨) انظر المتن ص ٥٣٣، ٥٣٥.
(٩) انظر: المدونة (٤/¬٢٣)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٦).
(١٠) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٩)، المغني (١٠/ ٨٠).
(١١) انظر: الأم (٧/ ٩٤)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٤٨).
(١٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٥٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبه قال ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي (^١)، وهو رواية أحمد (^٢)، وقال الإِصْطخري (^٣) من أصحابه: توبته أن يقول: كذبت فيما قلت، ولا أعود إلى مثله.
وهل يعتبر مع التوبة إصلاح العمل؟
فيه قولان؛ قيل: يعتبر، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ﴾ [آل عمران: ٨٩].
وقيل: لا يعتبر؛ لأن عمر قال لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك.
وجه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ والاستثناء مع تعقب كلمات عطف بعضها على بعض ينصرف إلى جميع ما تقدم، ولأن الموجب لرد شهادته فسقه، فيرتفع بالتوبة، فتقبل شهادته، كالمحدود في غير القذف إذا تاب، وما روي من حديث عمر لأبي بكرة.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] فقد عطف على قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ والعطف للاشتراك، كما قال الشافعي (^٤) في قوله ﵇: «وتغريب عام» (^٥) أنه من تمام حد البكر، فكذا رد الشهادة من تمام حده.
وأصل الحد لا يرتفع بالتوبة بخلاف التغريب حيث لا يصلح من تمام الحد؛ لأنه لا يصلح زاجرًا، لما فيه من الإغراء على الفاحشة كما بين في الأصول.
أما رد الشهادة يصلح زاجرًا؛ لأنه مؤلم بدنه كالجلد، وقد بين تمامه في الأصول، ولأن المقصود من الحد دفع العار عن المقذوف، وذلك في إهدار قوله أظهر؛ لأنه بالقذف آذى قلبه، فجزاؤه ألا تقبل شهادته؛ لأنه فعل لسانه
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٣٢).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٠)، المغني (١٠/ ١٨٠).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٣٢)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١٠/ ٢٤٨).
(٤) انظر: الأم (٧/ ٩٥)، الحاوي الكبير (١٦/ ٧٠).
(٥) أخرجه البخاري (٣/ ١٨٤ رقم ٢٦٩٥)، ومسلم (٣/ ١٣٢٤ رقم ١٦٩٧) من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني ﵁.
[ ٦ / ٥٣٢ ]
لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الوِلَايَةِ وَهُوَ لَا يَلِي نَفْسَهُ، فَأَوْلَى أَنْ لَا تَثْبُتَ لَهُ الوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ (وَلَا المَحْدُودِ فِي قَذْفٍ وَإِنْ تَابَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وَلِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الحَدِّ لِكَوْنِهِ مَانِعًا فَيَبْقَى بَعْدَ التَّوْبَةِ كَأَصْلِهِ، بِخِلَافِ المَحْدُودِ فِي غَيْرِ القَذْفِ، لِأَنَّ الرَّدَّ لِلْفِسْقِ وَقَدْ ارْتَفَعَ بِالتَّوْبَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: ..
ويؤلم قلبه وفاقًا لجريمته، فيكون من تمام الحد، فلا يرتفع بالتوبة كأصل الحد (بخلاف المحدود في غير القذف؛ لأن الرد للفسق) لا للحد (وقد ارتفع بالتوبة).
وأما الاستثناء ينصرف إلى ما يليه، وهو قوله ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لأنه للاستئناف وما قبله أمر ونهي فوضا إلى الأئمة، وهذه جملة اسمية إخبار عن حالة قائمة فيهم، فلم يحسن العطف، فكانت مستأنفة، أو هو استثناء منقطع بمعنى (لكن)؛ لأن التائبين ليسوا من جنس الفاسقين، فكان معناه: ولكن الذين تابوا فإن الله غفور رحيم يغفر ذنبهم ويرحمهم، فكان كلامنا مبتدأ غير متعلق بما قبله، وفي خبر الفاسق الثابت بالنص التوقف، قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] والمنصوص عليه هنا الرد دون التوقف، فتبين أنه ليس بسبب الفسق بل لتمام الحد.
وفي المبسوط (^١): والصحيح من المذهب عندنا أنه إذا أقام أربعة من الشهود على صدقه بعد الحد عليه تقبل شهادته.
قوله: (ولأنه) أي: ولأن رد الشهادة (من تمام الحد) كما بينا.
(لكونه) أي: لكون الرد (مانعًا) من القذف، فيكون من تمام الحد كما ذكرنا.
(فيبقى) أي: الرد (بعد التوبة كأصله) أي: كأصل الحد كما بينا، فلا يقال: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ وإن كان خطابًا للأئمة، فهو في نفسه جملة تامة، وبعطفها على الأولى يلزم الاشتراك كما قرر في الأصول؛ لأنا نقول: في نفسها وفي إثبات حكم الرد تامة، فأما في كونه جزاء على المعصية فلا يتم إلا بعطفها على الجلد؛ لأن المعصية ذكرت قبل الجلد، ونظيره ما لو قال: إن
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/ ١٢٦).
[ ٦ / ٥٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دخلت الدار فعبدي حر وامرأتي طالق، فقوله: وامرأتي طالق، وإن كان تاما في نفسه؛ لكن ناقصا في حق التعليق بالشرط، فكذا هذا (^١).
فإن قيل: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾ [المائدة: ٣٤] فيرجع الاستثناء إلى الجميع، ومعلوم أن ما تقدم في أول الآية أمر معنى.
وقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ﴾ خبر عن حال قائمة، ومع ذلك الاستثناء إلى الجميع، حتى لو تابوا قبل القدرة عليهم يسقط حد المحاربين عنهم.
قلنا: أول الآية وإن كان أمرًا معنى لكن صورته صورة الخبر، فإذا كان كذلك جاز رجوع الاستثناء إلى الجميع، فأما فيما نحن فيه الصيغ مختلفة؛ أمر ونهي وخبر، فلا يحسن العطف، فيرجع الاستثناء إلى ما يليه، ولأن في رجوع الاستثناء إلى ما يليه، وهو قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لا تبقى فائدة في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ إذ التوبة تزيل عذاب الآخرة قبل القدرة عليهم وبعدها.
فإن قيل: رجوع الاستثناء إلى الشهادة أولى؛ لأنه معلوم شرعًا أن التوبة تزيل الفسق بغير هذه الآية، فلا يكون رده إلى الفسق مفيدًا، ورده إلى الشهادة مفيد فائدة؛ لأنه يجوز رد الشهادة مع وجود التوبة، أما سمة الفسق لا تبقى مع وجود التوبة فيكون الاستثناء فيه منقطعًا، ومن الشهادة منفصلا، وهو أولى.
قلنا: أراد بالتوبة المذكورة في الآية التوبة من القذف وإكذاب نفسه؛ لأنه يستحق سمة الفسق، وقد كان جائزا أن تبقى سمة الفسق عليه إذا تاب من سائر الذنوب ولم يكذب نفسه، فأخبر الله تعالى بزوال سمة الفسق إذا أكذب نفسه، ويؤيد ما ذكرنا ما روي أنه ﵇ قال: «المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَحْدُودًا في قَذْفٍ» (^٢)، ولم يستثن فيه وجود التوبة.
وما رُويَ في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء،
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٢٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٧٢) رقم (٢١٠٤٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٦٢٦).
[ ٦ / ٥٣٤ ]
تُقْبَلُ إِذَا تَابَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] اسْتَثْنَى التَّائِبَ. قُلْنَا: الاسْتِثْنَاءُ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا يَلِيهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] أَوْ هُوَ اسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعُ بِمَعْنَى لَكِنْ.
فقال ﵇: «أَتَجْلِدُ هِلال وتُبْطِلُ شَهَادَتَهُ في المُسلِمينَ!» فأخبر أن وقوع الجلد يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها.
وما روى عبد الباقي بإسناده عن الزهري عن عائشة أنه ﵇ قال: «لَا تَجُوزُ في الإسلام شهادة زورٍ، ولَا خَائِنِ ولا خَائِنَةٍ، ولا مَجلُودٍ حدا، ولا ذي غَمرٍ لأخِيهِ، ولا الصانع لأهل البيت، ولا ظنين ولا قرابة» (^١)، وهذا يقتضي بطلان شهادة كل محدود في القذف وغيره، إلا أن الدليل قام في غير القذف على قبول شهادة محدود في غير قذف، ولم يقم في المحدود في القذف فبقي على عمومه.
وبقولنا قال ابن المسيب (^٢) وشريح (^٣) والحسن وإبرهيم النخعي (^٤) وسعيد ابن جبير (^٥)، وهكذا روي عن ابن عباس، وأما حديث عمر لأبي بكرة فإن راويه عمرو بن قيس، قال سفيان بن عيينة: ولئن صح ففيه أن عمر قال لأبي بكرة، وجائز أن يكون قاله قبل الجلد.
فإن قيل: قبل الجلد لا يكون مردود الشهادة عندنا ومالك (^٦)، وعند الشافعي (^٧) وأحمد (^٨) والليث مردود الشهادة إذا عجز عن إقامة الشهادة قبل الجلد، فكيف يصح هذا التأويل؟
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤/ ١٢٠ رقم ٢٢٩٨)، وابن ماجه (٢/ ٧٩٢) رقم (٢٣٦٦)، والدارقطني (٥/ ٤٣٨ رقم ٤٦٠٢). قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن زياد الدمشقي ويزيد يضعف في الحديث ولا يعرف هذا الحديث من حديث الزهري إلا من حديثه، وقال الدارقطني: يزيد هذا ضعيف لا يحتج به.
(٢) انظر: المغني (١٠/ ١٧٩).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٢٥)، المغني (١٠/ ١٧٨).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٧/¬٢٥)، المغني (١٠/ ١٧٨).
(٥) انظر: المغني (١٠/ ٤٧٨).
(٦) انظر: انظر: المدونة (٤/ ٥١٣)، الذخيرة (١٠/ ٢١٧).
(٧) انظر: الأم (٧/¬٤٨)، الحاوي الكبير (١٧/¬٢٥).
(٨) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٩)، المغني (١٠/ ١٨٧).
[ ٦ / ٥٣٥ ]
(وَلَوْ حُدَّ الكَافِرُ فِي قَذْفٍ ثُمَّ أَسْلَمَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) لِأَنَّ لِلْكَافِرِ شَهَادَةً فَكَانَ رَدُّهَا مِنْ تَمَامِ الحَدِّ، وَبِالإِسْلَام حَدَّثَتْ لَهُ شَهَادَةٌ أُخْرَى، بِخِلَافِ العَبْدِ إِذَا حُدَّ ثُمَّ أُعْتِقَ، لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا فَتَمَامُ حَدِّهِ يَرُدُّ شَهَادَتَهُ بَعْدَ العِتْقِ.
قيل: معناه: أقبل شهادتك مع سمة الفسق، ولا يرده فيكون هذا بيان ما كان مشروعًا.
قوله: (بخلاف العبد إذا حد ثم أعتق) حيث لا تقبل شهادته عندنا، وقالت الأئمة الثلاثة (^١): تُقبل كما في الكافر، والفرق عندنا أن رد الشهادة من تمام الحد، فتوقف الرد على حدوثها في العبد، فإذا حدثت ترد إتماما للحد، أما للكافر شهادة على جنسه عندنا، وعند أحمد (^٢) على المسلم في الوصية؛ لكن تاب بالإسلام، وعندنا بالإسلام له حياة حادثة بعد موته، فترتب عليه حكم المسلمين ابتداء فَتُقبل شهادته.
فإن قيل: يشكل بمن زنى في دار الحرب ثم خرج إلى دار الإسلام، حيث لا يقام عليه حد الزنا، فتوقف حكم المؤثر في العبد ولم يتوقف في الزنا.
قلنا: الزنا في دار الحرب لم يقع موجبًا أصلا لعدم ولاية الإمام، وإقامة الحد للإمام، فلو أقيم عليه الحد بعد خروجه كان إقامة من غير موجب للحد، وتمامه برد شهادته، ولم يكن هو من أهل الشهادة، فيتوقف على حدوثها بعد العتق، أو يقول: للعبد قبل العتق شهادة من وجه، حتى تقبل شهادته بهلال رمضان وفي الديانات، وقد صارت هذه الشهادة مردودة فلا تقبل في الجميع بعد العتق؛ لأنها من جنس تلك الشهادة (^٣).
وذكر في المبسوط (^٤) بعد ذكر هذا الفرق [الذي ذكر في الكتاب، فقال: هذا الفرق] (^٥) على الرواية التي تقبل خبر المحدود في القذف في الديانات، أما
_________________
(١) انظر: المدونة (٤/ ٥١٣)، الذخيرة (١٠/ ٢١٧)، الأم (٧/¬٤٨)، الحاوي الكبير (١٧/¬٢٥)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٩)، المغني (١٠/ ١٨٧).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧١)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/¬٣٣).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية، (١٣٨٩)، فتح القدير (٧/ ٤٠٣).
(٤) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٢٨).
(٥) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٥٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الرواية التي لا تقبل خبره في الديانات، وهي رواية المنتقى، بأن الكافر بالإسلام استفاد عدالة لم تكن موجودة عند إقامة الحد، وهذه العدالة لم تصر مجروحة، بخلاف العبد، فهو بالعتق لا يستفيد عدالة لم تكن موجودة من قبل، وقد صارت عدالته مجروحة بإقامة الحد، فلا تقبل شهادته بحال، وفيه نوع تأمل.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب كما قال الشافعي (^١)؛ لأنه فاسق عند إقامة الحد، والفاسق ليس من أهل الشهادة عنده، بل يستفيد الأهلية بعد التوبة كالكافر.
قلنا: الفاسق من أهل الشهادة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]؛ إذ عدم القبول في صورة إمكان الوجود، ولئن كان غير أهل بالفسق عندك فيكون قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ أقوى دليلًا على أن المراد: بعد التوبة؛ لحصول الأهلية عندك بعد التوبة، ثم في قوله: (بخلاف العبد إذا حُدَّ ثم أعتق) (^٢) لا فائدة في ذكر الحد؛ إذ لو لم يُحد، ثم أعتق وحد لم تقبل شهادته أيضًا.
أما ذكره لبيان الفرق بينه وبين الكافر، أما الكافر لو قذف مسلما ثم أسلم، ثم حد - لم تقبل شهادته، ولو حد بعض الحد في حال كفره، وبعضه في حال إسلامه، ففيه اختلاف الروايتين، وقد مر في حد القذف.
وفي الكافي: عند أبي حنيفة في هذه المسألة ثلاث روايات:
إحداها: لا تسقط شهادته ما لم يُضرب تمام الحد؛ لأن إقامة الحد مسقطة للشهادة، والحد لا يتجزأ، فما دونه لا يكون حدًّا؛ بل يكون تعزيرًا، والتعزير لا يسقط الشهادة.
والثانية: إذا أقيم عليه الأكثر مقام الكل.
والثالثة: إذا ضرب سوطًا سقطت شهادته؛ لأن من ضرورة إقامة ذلك القدر من الحد الحكم بكذبه (^٣).
_________________
(١) انظر: الأم (٧/¬٤٧)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢١٢).
(٢) انظر المتن ص ٥٣٦.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٣٩)، فتح القدير (٧/ ٤٠٣).
[ ٦ / ٥٣٧ ]
قَالَ: (وَلَا شَهَادَةِ الوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، وَلَا شَهَادَةِ الوَلَدِ لِأَبَوَيْهِ وَأَجْدَادِهِ) وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَلَا الوَالِدِ
قوله: (ولا شهادة الوالد لولده) إلى قوله: (وأجداده)، وبقولنا قال الشافعي (^١) ومالك (^٢) وأحمد (^٣) في ظاهر روايته، وعن أحمد في رواية (^٤) تقبل شهادة الولد لوالده؛ لدخوله في العموم، ولا تقبل شهادة الأب لولده؛ لأن ماله كماله، قال ﵇: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأبيك» فكانت شهادته لنفسه.
وعن أحمد (^٥) تقبل شهادة أحدهما للآخر، وهو قول أبي ثور (^٦) والمزني (^٧) وداود (^٨)، وحكي في القديم عن الشافعي (^٩)، وروي عن عمر قياسًا على الشهادة عليه، أما تقبل شهادة أحدهما على الآخر بلا خلاف لعدم التهمة، قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].
وعن أحمد (^١٠) في رواية شاذة: لا تُقبل عليه أيضًا؛ لأنها لما لم تُقبل له لم تقبل عليه، كغير العدل، ومذهبه الأول.
وما ذكر في النهاية [من قوله] (^١١): (ومالك (^١٢) يخالفنا فيه، فيجوز شهادة الوالد لولده)، وشهادة الولد لوالده ما وجدته في الكتب المشهورة لأصحاب مالك.
ولنا الحديث المذكور في الكتاب، ورُوي أن الحسن شهد لعلي مع قنبر
_________________
(١) انظر: الأم (٧/¬٤٩)، الحاوي الكبير (١٧/ ١٦٣).
(٢) انظر: المدونة (٤/¬٢٠)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٣٣، ١٠٣٤).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٦)، المغني (١٠/ ١٧٢).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٦)، المغني (١٠/ ١٧٢).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٦)، المغني (١٠/ ١٧٣).
(٦) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٧)، المغني (١٠/ ١٧٣).
(٧) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ١٦٣)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٣٦).
(٨) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٧)، ٤/ الحاوي الكبير (١٧/ ١٦٣).
(٩) انظر: الحاوي اكبير (١٧/ ١٦٣)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٤/¬١٩).
(١٠) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٦)، المغني (١٠/ ١٧٣).
(١١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(١٢) انظر: المدونة (٤/¬٢٠)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٧).
[ ٦ / ٥٣٨ ]
لِوَلَدِهِ وَلَا المَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ وَلَا العَبْدِ لِسَيِّدِهِ وَلَا المَوْلَى لِعَبْدِهِ وَلَا الأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، وَلِأَنَّ المَنَافِعَ بَيْنَ الأَوْلَادِ وَالآبَاءِ مُتَّصِلَةٌ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ، فَتَكُونُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهِ أَوْ تَتَمَكَّنُ فِيهِ التَّهْمَةُ. قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ: وَالمُرَادُ بِالأَجِيرِ عَلَى مَا قَالُوا: التَّلْمِيذُ الخَاصُّ الَّذِي يَعُدُّ ضَرَرَ أُسْتَاذِهِ ضَرَرَ نَفْسِهِ وَنَفْعَهُ نَفْعَ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: «لَا شَهَادَةَ لِلْقَانِعِ بِأَهْلِ البَيْتِ»
عند شريح قال شريح: ائت بشاهد آخر، فقال علي: مكان الحسن، أو مكان قنبر؟ قال: لا بل مكان الحسن، قال علي: أما سمعت أنه ﵇ قال للحسن والحسين: «هُمَا سَيَّدا شَبابِ أَهلِ الجَنة»، قال: نعم صدق رسول الله، ولكن ائت بشاهد آخر.
قيل: عزله عن القضاء ثم أعاده عليه، وزاد في رزقه، ووقع عند علي أنهما مخصوصان عن الجملة بتلك الفضيلة، فانتفى التهمة عنهما، ووقع عند شريح أن السبب المانع، وهو الولادة، قائم في حقه، ولا طريق لمعرفة الصدق والكذب حقيقة في حق من هو غير معصوم عن الكذب، فينبني الحكم على السبب الظاهر، ولهذا رجع علي إلى قوله.
وفائدة قوله: (ولا العبد لسيده) فإن شهادة العبد غير مقبول عند أكثر أهل العلم، سواء كان لسيده أو لغيره، ذكره على سبيل الإطراد وبيان مواضع التهمة، ولهذا قال: (ولا المولى لعبده ولا الأَجِيرُ لِمَنِ اسْتَأْجَرَهُ) (^١).
قوله: («لا شهادة للقانع بأهل البيت»)، وفي المغرب (^٢) قيل: أراد بالقانع: من يكون مع القوم، كالخادم والتابع والأجير ونحوه؛ لأنه بمنزلة السائل يطلب معاشه منهم.
وفي الذخيرة (^٣): شهادة الأجير المشترك مقبولة، وشهادة (^٤) الأجير الواحد لا استحسانًا، سواء كان مُياوَمَة أو مُشاهَرَة أو مسانهة.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٣٩، ١٤٠)، فتح القدير (٧/ ٤٠٣، ٤٠٤).
(٢) المغرب في ترتيب المعرب (١/ ٣٩٥).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٩).
(٤) في الأصل: (إجارة)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٥٣٩ ]
وَقِيلَ: المُرَادُ الأَجِيرُ مُسَانَهَةٌ أَوْ مُشَاهَرَةً أَوْ مُيَاوَمَةٌ فَيَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِمَنَافِعِهِ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَيَصِيرُ كَالمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهَا.
قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تُقْبَلُ، لِأَنَّ
وفي كتاب الديات: تجوز شهادة الأجير لأستاذه، المراد: الأجير المشترك.
وفي كتاب كفالة الأصل: لا تجوز شهادة الأجير، والمراد: الأجير الخاص، والقياس أن تُقبل؛ لأنه عدل شهد لغيره من كل وجه؛ لأنه ليس له فيه ملك ولا شبهة ملك، ولا حق ولا شبهة اشتباه بسبب اتصال المنافع، ولهذا جاز شهادة الأستاذ له، ووضع الزكاة فيه.
وجه الاستحسان ما أشار إليه محمد بقوله: (والإجماع المنعقد على قول واحد من السلف حجة يترك به القياس، ويخص به الأثر) أراد به شريحًا، ولنوع من المعنى، وهو أن أجير الواحد مملوك لأستاذه من وجه، أعني به منفعة، ألا ترى أن الأجير لا يملك أن يؤاجر نفسه من غيره في مدة الإجارة، فصارت شهادته لأستاذه كشهادة المملوك لمالكه، بخلاف الأجير المشترك؛ لأنه غير مملوك، وبخلاف الأستاذ أيضًا؛ لأنه غير مملوك لأجيره، فهذا هو الحرف المعتمد في المسألة.
ولو كان أجير مشاهرة ولم يُرد به القاضي شهادته، ولم تظهر عدالته حتى مضى الشهر ثم عدل قال: أبطل شهادته كمن شهد لامرأته ثم طلقها قبل أن يعدل، ولو شهد ولم يكن أجيرًا، ثم صار أجيرًا قبل أن يقضي أبطل شهادته، فإن لم يبطلها حتى بطلت الإجارة، ثم أعادها - جاز. هكذا ذكر في العيون.
(كالمستأجر عليها) أي: على الشهادة؛ لأن شهادته عمل من أعماله، وجميع أعماله للمستأجر في مدة الإجارة.
قوله: (وقال الشافعي (^١): تقبل)، وقال ابن أبي ليلى (^٢) والثوري (^٣).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ١٦٦)، إعانة الطالبين على حل ألفاظ المعين (٤/ ٣٢٩).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ١٦٦)، المحلى بالآثار (٨/ ٥٠٥).
(٣) انظر: المحلى بالآثار (٨/ ٥٠٥)، المغني (١٠/ ١٤٧).
[ ٦ / ٥٤٠ ]
الأَمْلَاكَ بَيْنَهُمَا مُتَمَيِّزَةٌ، وَالأَيْدِي مُتَحَيِّزَةٌ، وَلِهَذَا يَجْرِي القِصَاصُ وَالحَبْسُ بِالدَّيْنِ بَيْنَهُمَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ لِثُبُوتِهِ ضِمْنًا كَمَا فِي الغَرِيمِ إِذَا شَهِدَ لِمَدْيُونِهِ المُفْلِسِ.
وَلَنَا: مَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ الاِنْتِفَاعَ مُتَّصِلٌ عَادَةً، وَهُوَ المَقْصُودُ، فَيَصِيرُ شَاهِدًا
والنخعي (^١): لا تقبل شهادة الزوجة لزوجها؛ لأن لها حقا في ماله؛ لوجوب نفقتها فيه، وتقبل شهادة الزوج لها؛ لعدم التهمة.
قوله: (والأيدي متحيزة) أي: مجتمعة بنفسها، غير متصرفة في ملك الغير، غر متعدية إليه؛ إذ الزوجية قد تكون سببًا للتنافر والعداوة، وقد تكون سببًا للميل والإيثار، فكانت الزوجية نظير الأخوة أو دونها؛ لأن الزوجية تحتمل القطع دون الأخوة، بخلاف الوالد والولد؛ لأن كل واحد منهما يتصرف في مال صاحبه (^٢).
قوله: (ولنا ما روينا)، وهو قوله ﵇: «وَلَا المَرْأَةُ لِزَوْجِهَا» (^٣) إلى آخره، وبقولنا قال مالك (^٤) وأحمد (^٥).
قوله: (ولأن الانتفاع متصل عادة) حتى تعد منفعة صاحبه منفعته، ويعد الزوج غنيا بمالها.
قيل: تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] أي: بمال خديجة، وهذا لأن الاتحاد بين الزوجين أكثر ما يكون بين الوالد والولد في العادة والشريعة، فإنهما بالزوجية يصيران كشخص واحد في إقامة أسباب المعيشة.
وقد قال ﵇: «أُمُورُ دَاخِلَ البَيْتِ عَلَى فَاطِمَة، وأمورُ خَارِج البَيْتِ على عليّ»، فالتهمة بينهما أكثر مما بين الآباء والأولاد؛ بل أظهر، فإن الإنسان قد يعادي والديه ليرضي زوجته، ولهذا يستحق أحدهما الميراث من الآخر بغير حجب.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ١٦٦)، المغني (١٠/ ١٤٧).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٠٥)، فتح القدير (٧/ ٤٠٦).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) انظر: المدونة (٤/¬٢٠)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٧).
(٥) انظر: المغني (١٠/ ١٧٤)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ٧٣، ٧٤).
[ ٦ / ٥٤١ ]
لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهِ أَوْ يَصِيرُ مُتَهَمّا، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الغَرِيمِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ عَلَى المَشْهُودِ به.
ولو وطئ جارية امرأته وقال: ظننت أنها تحل لي لا يُحدّ، كما في جارية الأب والجد، ولأن الزوجية بمنزلة أصل الولادة؛ لأن الولادة تثبت من الزوجية، والحكم الثابت للفرع يثبت في الأصل (^١) وإن عدم ذلك المعنى فيه، ألا ترى أن المحرم إذا كسر بيض صيد تلزمه قيمته، وليس فيه معنى الصيدية، ولكن أصل الصيد، إلا أن هذا الأصل إنما يلحق بالولادة في حكم يتصور قيام الزوجية عند موته، وفي القصاص لا يتصور قيام الزوجية بعد قتل أحدهما صاحبه، فكان هذا جوابًا عن تعلق الشافعي بجريان القصاص بينهما. كذا في المبسوط (^٢) والأسرار.
وفي المحيط (^٣): ولا تقبل شهادته لمعتدته من رجعي أو بائن؛ لقيام النكاح في بعض الأحكام، ولو شهد أحدهما لآخر في حادثة، فَرُدَّتْ، فارتفعت الزوجية، فأعاد تلك الشهادة - لا تقبل، وبه قال مالك (^٤) وأحمد (^٥) والشافعي (^٦) في الأصح؛ لأن القاضي لما ردها صار مكذبًا في تلك الشهادة شرعًا، فكان مكذبًا، فلا تقبل.
أما العبد والكافر والصبي إذا ردّت شهادتهم، ثم أُعتق وأسلم وبلغ، وأعاد تلك الشهادة - تقبل، وبه قال الشافعي (^٧) وأحمد (^٨)، وعن مالك (^٩) وأحمد (^١٠) في رواية: لا تقبل، كما في الفسق.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٢٣).
(٣) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢٧).
(٤) انظر: المدونة (٤/¬٢٠)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٧).
(٥) انظر: الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل للحجازي (٤/ ٤٤٤)، كشاف القناع على متن الإقناع (٦/ ٤٣٢).
(٦) انظر: المهذب في فقه الإمام الشافعي (٣/ ٤٥٠)، المجموع شرح المهذب للنووي (٢٠/ ٢٣٨).
(٧) انظر: الأم (٧/¬٤٩)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢١٣).
(٨) انظر: المغني (١٠/ ١٨٤)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ٨١).
(٩) انظر: المدونة (٤/¬٢٠)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٧٣).
(١٠) انظر: المغني (١٠/ ١٨٤)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ٨١).
[ ٦ / ٥٤٢ ]
(وَلَا شَهَادَةُ المَوْلَى لِعَبْدِهِ) لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى العَبْدِ دَيْنٌ أَوْ مِنْ وَجْهِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، لِأَنَّ الحَالَ مَوْقُوفٌ مُرَاعَى (وَلَا لِمُكَاتَبِهِ) لِمَا قُلْنَا.
(وَلَا شَهَادَةُ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا) لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا، وَلَوْ شَهِدَ بِمَا لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا تُقْبَلُ لِانْتِفَاءِ التَّهْمَةِ.
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَخِ لِأَخِيهِ وَعَمِّهِ) لِانْعِدَامِ التَّهْمَةِ، لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ وَمَنَافِعَهَا مُتَبَايِنَةٌ وَلَا بُسُوطَةَ لِبَعْضِهِمْ فِي مَالِ البَعْضِ.
وقلنا: رد شهادتهم لعدم الأهلية لا لتهمة الكذب، فإذا صاروا أهلًا تُقبل، إليه أشار في الذخيرة (^١).
قوله: (ولا شهادة المولى لعبده)، وكذا المدبرة وأم ولده ومكاتبه، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^٢).
وفي المبسوط (^٣): وكذا لا تُقبل شهادة أبي المولى وابنه وامرأته لهؤلاء، وكذا شهادة المرأة لزوجها المملوك؛ لأن وصلة الزوجية كوصلة الولاد في المنع من القبول، خلافًا للشافعي.
قوله: (لأن الحال) أي: حال العبد (موقوف) بين أن يصير للغرماء بسبب تبعهم في دينهم، أو تبقى للمولى كما كان بسبب قضائه دينه (^٤).
قوله: (لما قلنا) وهو قوله: (شهادة لنفسه من وجه) أو من وجه.
قوله: (من شركتهما تقبل) هذا في شركة العنان، أما في المفاوضة لا تقبل إلا في الحدود والقصاص والنكاح والطلاق والعتاق؛ لأن ما عداها مشترك بينهما (^٥).
قوله: (وتقبل شهادة الأخ لأخيه وعمه) ولا خلاف فيه، إلا أن مالكا (^٦)
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢٦).
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٦٩)، إرشاد السالك إلى أشرف المسالك لشهاب الدين المالكي (ص: ١١٩)، الحاوي الكبير (١٧/ ١٥٩)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٣٤)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٧)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ٧٤).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٦، ١٣٧).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٠٧)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٤٢).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٠٧)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٤٣).
(٦) انظر: المدونة (٤/¬٢١)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٧).
[ ٦ / ٥٤٣ ]
قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُخَنَّثٍ) وَمُرَادُهُ المُخَنَّثُ فِي الرَّدِيءِ مِنْ الأَفْعَالِ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ، فَأَمَّا الَّذِي فِي كَلَامِهِ لِينٌ وَفِي أَعْضَائِهِ تَكَسُّرٌ فَهُوَ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ.
(وَلَا نَائِحَةٍ وَلَا مُغَنِّيَةٍ) لِأَنَّهُمَا يَرْتَكِبَانِ مُحَرَّمًا فَإِنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ الصَّوْتَيْنِ الْأَحْمَقَيْنِ النَّائِحَةُ وَالمُغَنِّيَةُ»
شرط ألا يكون في عياله، قال بعض أصحابه: يجوز بشرط ألا يكون مبررا له.
وقيل: بشرط أن لم تنله صلته، وقال أشهبُ: يجوز في اليسير دون الكثير، إلا أن يكون مبررًا فيجوز في الكثير.
وقيل: تُقبل إلا فيما تتضح فيه التهمة، مثل أن يشهد له مما يكتسب به شرفًا وجاها، أو يدفع به مضرة، أو تقتضي الطباع [والعصبية] (^١) فيه الغضب والحمية، كشهادته بأن فلانًا قتله أو جرحه. كذا في جواهرهم (^٢).
قوله: (ومراد المخنث من في الرديء من الأفعال) إنما ذكر هذا لأن المُخَنّث يقولون لمن تحنث في كلامه.
في المغرب (^٣): تركيب الخنث [يدل] (^٤) على لين وتكسر، فقال: المراد به الذي يباشر الرديء من الأفعال أي: أفعال النساء من التزين بزيهن، والتشبه بهن في الفعل والقول، فالفعل: مثل كونه محلا للواطة، والقول: مثل تليين الكلام باختياره تشبها بالنساء. إليه أشار العلامة مولانا حميد الدين ﵀.
وفي الذخيرة (^٥): التَخَنَّتُ معصية، قال ﵇: «لَعَنَ اللهُ المُؤنثِينَ مِنَ الرِّجَالِ والمُذكرات من النساءِ» (^٦).
فأما الذي لم يشتهر بشيء من الأفعال الرديئة، ولكن في كلامه لين خلقةً فهو عدل مقبول الشهادة ألا ترى أن هيتا المخنث كان يدخل بيوت أزواج النبي ﵇، حتى سَمِعَ منه النبي ﵇ كلمة شنيعة، أمر بإخراجه.
قوله: (الصوتين الأحمقين) وصف الصوت بصفة صاحبه.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٣٤).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب (١/ ١٥٤).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٤).
(٦) أخرجه البخاري (٧/ ١٥٩) رقم (٥٨٨٦) من حديث ابن عباس ﵄ قال: لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: «أخرجوهم من بيوتكم».
[ ٦ / ٥٤٤ ]
(وَلَا مُدْمِنِ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ) لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مُحَرَّمَ دِينِهِ.
اعلم أن التغني للهوى ولجمع المال حرام بلا خلاف، والتغني لدفع حزن نفسه مباح بلا خلاف، والنوح كذلك، خصوصًا إذا كان من المرأة؛ لأن رفع الصوت منها حرام بلا خلاف.
وفي الذخيرة (^١): ولم يرد بالنائحة التي تنوح في مصيبتها، وإنما أراد التي تنوح في مصيبة غيرها، اتخذت ذلك مكسبة، فلهذا لم يقيده بقوله: للناس، قال ﵇: «لَعَنَ الله النَّائِحَاتِ»، ولأنها ارتكبت معصية، وهي الغناء والنوح لطمعه في المال، فلا يؤمن أن يرتكب شهادة الزور لأجل المال، فذلك أيسر عليه من الغناء والنوح في مدة طويلة.
قوله: (وَلَا مُدْمِنِ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ)، في الصحاح (^٢): يقال: رجل مدمن خمر، أي: مداوم شربها، ثم أطلق الشرب على اللهو ليتناول جميع الأشربة المحرمة، كالخمر والسكر وغيرها، فشرط الإدمان في الخمر ليظهر ذلك عند الناس، حتى لو شرب الخمر سرًا ولا يظهر ذلك - لا يخرج من العدالة وإن كان شرب الخمر كثيرًا، أو إنما تسقط عدالتهُ إذا كان يظهر ذلك، ويخرج السكران فيلعب به الصبيان. كذا في فتاوى قاضي خان (^٣).
وفي الذخيرة (^٤): إذا شرط الإدمان في الشرب، وأراد به الإدمان في النية، يعني يشرب ومن نيته أنه يشرب بعد ذلك إذا وجده، ولا تجوز شهادة مدمن السكر، أي: في الأشربة المسكرة غير الخمر، فشرط الإدمان على السكر؛ لأن المحرم في سائر الأشربة السكر عندنا.
وكذا من يجلس مجالس الشرب والفجور لا تقبل شهادته وإن لم يشرب؛ لأنه تشبه بهم، ولم يحترز أن يظهر عليه ما يظهر عليهم، فلا يحترز عن شهادة الزور.
وعند الشافعي (^٥): بمجرد شرب النبيذ لا تَرَدُّ شهادته، قال بعض أصحابه:
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٥، ٣١٦).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ٢١١٤).
(٣) فتاوى قاضي خان (٢/ ٤٣٨).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٤).
(٥) انظر: الأم (٦/ ٢٢٣)، الحاوي الكبير (١٧/ ١٨٥).
[ ٦ / ٥٤٥ ]
(وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالطُّيُورِ) لِأَنَّهُ يُورِثُ غَفْلَةً، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَقِفُ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ بِصُعُودِهِ عَلَى سَطْحِهِ لِيُطَيِّرَ طَيْرَهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالطُّنْبُورِ، وَهُوَ المُغَنِّي
إن كان يعتقد حرمته ترد بمجرد الشرب دون السكر، قال مالك (^١): ترد بمجرد شربه ويحد، والمزني (^٢) يختار ألا يحد، كما ترد شهادته بمجرد الشرب.
قوله: (ولا من يلعب بالطيور)، ولا خلاف فيه لأهل العلم، وفي قوله: (يلعب) إشارة إلى أنه لو اتخذ الحمام في بيته يستأنس بها، أو لحمل الكتب كما في ديار مصر والشام لا يكون حراما، ولا تسقط عدالته. ذكره في المبسوط (^٣).
وفي المغني لابن قدامة الحنبلي (^٤)، وفي المبسوط (^٥): اتخاذ الحمام في البيوت للاستئناس مباح، وكذا اتخاذ برج الحمام.
وفي الذخيرة (^٦) ناقلا عن شيخ الإسلام: هذا إذا كان لا يطيرهن.
أما لو يأتي بيت حمامته حمامات غيره فَتُفَرِّخُ، ثم هو يبيع ذلك ويأكل، لا يعرف حمامته من حمامة غيره يصير مرتكبا محرمًا، وآكلا حرامًا، فعلى هذا التقدير لا تقبل شهادته، وإن لم يقف على عورات النساء بصعود سطحه.
قوله: (وفي بعض النسخ: ولا من يلعب بالطنبور) أي: نسخ المختصر (وهو المغني).
وفي المغني لابن قدامة (^٧): الملاهي نوعان: محرم، وهو الآلات المطربة من غير غناء، كالمزمار، سَوَاءَ كان من عود أو قصب كالشبابة، أو غيره كالطنبور والعود والمعزفة؛ لما روى أبو أمامة أنه ﵇ قال: ﴿إِنَّ الله تَعَالَى بَعَثَنِي رحمَةً لِلعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي بِمَحْقِ المَعَازِفِ والمَزَامِير﴾ (^٨)، ولأنه مطرب مصد عن ذكر الله تعالى.
_________________
(١) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٣٠)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٣٢).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ١٨٥)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/¬٢٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٢، ١٣١).
(٤) المغني (١٠/ ١٥٢).
(٥) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٢).
(٦) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٤، ٣١٥).
(٧) المغني (١٠/ ١٥٣، ١٥٤).
(٨) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٨) رقم (٢٢٣٦١) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁. قال الهيثمي: فيه علي بن يزيد، وهو ضعيف مجمع الزوائد (٥/ ٦٩).
[ ٦ / ٥٤٦ ]
قال: (وَلَا مَنْ يُغَنِّي لِلنَّاسِ)
والنوع الثاني: مباح، وهو الدُّف في النكاح، وفي معناه ما كان من حادث سرور، ويكره غيره؛ لما روي عن عمر أنه لما سمع صوت الدف بعث فنظر؛ فإن كان في وليمة أو ختان سكت، وإن كان في غيره عمد بالدرة، فهو مكروه على كل حال للتشبه بالنساء.
قوله: (ولا من يغني للناس)، ولا يقال: إن فيه تكرارًا؛ لأن من يُغنّي للناس يكون من الرجال والنساء، والمُغنيّة من النساء خاصة، وقيل: والأصح من الجواب أنه إنما ذكر النائحة والمغنية هناك، مع أن النوح والغناء مشترك بين الرجال والنساء؛ لورود الحديث بذلك اللفظ، ويفهم منه حكم الرجال تبعًا، فأعاد حكم الرجال جريًا على الأصل؛ إذ الأصل أن حكم النساء يستفاد من حكم الرجال؛ إذ لو اقتصر على الأول لتوهم أن ذلك حكم مخصوص بالنساء.
وقيد بقوله: (للناس) لأن التغني للناس مكروه باتفاق المشايخ، والتغني الإسماع الغير مكروه عند عامة المشايخ، ومن الناس من أباح ذلك في العرس والوليمة كما أبيح ضرب الدف فيهما، وإن كان فيه نوع لهو، ومنهم من قال: إذا تغنى ليستفيد به نظم القوافي ويصير فصيح اللسان لا بأس به.
وأما التغني لنفسه فقيل: لا يكره، وبه [أخذ] (^١) السرخسي؛ لما روي عن أنس أنه دخل على أخيه البراء بن مالك، وهو من زهاد الصحابة، وكان يغني.
وقيل: جميع ذلك مكروه، وبه أخذ شيخ الإسلام خواهر زاده، ويحمل حديث البراء على أنه كان ينشد الأشعار المباحة التي فيها ذكر الوعظ والحكمة، وإنشاد الشعر لا بأس به، وإن كان فيه صفة المرأة؛ فإن كانت حية يكره، وإن كانت ميتة لا يكره. كذا في الذخيرة (^٢).
وفي المغني: إذا تغنى الرجل الصالح بشعر فيه محبة لا تبطل عدالته.
أما القراءة بالألحان أباحها قوم وحظرها قوم، والمختار إن كانت الألحان
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٥).
[ ٦ / ٥٤٧ ]
لِأَنَّهُ يَجْمَعُ النَّاسَ عَلَى ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ.
(وَلَا مَنْ يَأْتِي بَابًا مِنْ الكَبَائِرِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الحَدُّ) لِلْفِسْقِ.
قَالَ: (وَلَا مَنْ يَدْخُلُ الحَمَّامَ مِنْ غَيْرِ مِثْزَرٍ) لِأَنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ حَرَامٌ.
لا تغير الحروف عن نظمها مباح، وإن كانت تغير الحروف غير (^١) مباح. ذكره في الحلية بلا خلاف.
وفي التنبيه (^٢): ولا تقبل شهادة القوّال والرقاص والمشعوذ.
قوله: (على ارتكاب كبيرة)، وهو اللهو واللعب، ويصر على نوع فسق، فلا يمتنع عادة عن المحارم والكذب.
قوله: (بابا من الكبائر)، ولا خلاف [فيه] (^٣).
واختلفوا في تفسير الكبيرة قيل: هي التسع التي ذكرها رسول الله ﷺ في الحديث المعروف، وهو: «الإشراك باللهِ، والفِرَارُ مِنَ الرِّحفِ، وعُقُوقُ الوالدين، وقتل النفس بغير حق، ونهب المؤمن، والزنا، وشُرب الخمر» (^٤) وهو قول أهل الحجاز وأهل الحديث، وزاد بعضهم على هذه التسع أكل الربا وأكل مال اليتيم بغير حق.
وقيل: ما ثبتت حرمته بنص القرآن، وقيل: ما فيه حد أو قتل، وقيل: ما كان حرامًا بعينه، وقيل: وأصح ما قيل فيه ما نقل عن الحلواني: ما كان شنيعا بين المسلمين، وفيه هتك حرمة الله تعالى والدين، فهو كبيرة، وكذا الإعانة على المعاصي والفجور والحث عليها من جملة الكبائر. كذا في الذخيرة والمحيط (^٥).
قوله: (لأن كشف العورة حرام)، قال ﵇: «لَعَنَ اللهُ الناظر والمنظور إليه» (^٦)، وقبول الشهادة كرامة فلا يستحقها من يستحق اللعن، ولا خلاف فيه
_________________
(١) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١١٩٤).
(٢) انظر: التنبيه في الفقه الشافعي (١/ ٢٦٩).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٨٦ رقم ٢١٢٧٠) من حديث عمير بن قتادة الليثي ﵁.
(٥) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٢).
(٦) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩٩) رقم (١٣٩٥٠) من حيث الحسن البصري قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله الناظر والمنظور إليه». وقال: هذا مرسل، وضعفه الفتني في تذكرة الموضوعات (ص ١٠).
[ ٦ / ٥٤٨ ]
(أَوْ يَأْكُلُ الرِّبَا أَوْ يُقَامِرُ بِالنَّرْدِ وَالشَّطْرَنْجِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الكَبَائِرِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ لِلاشْتِغَالِ بِهِمَا، فَأَمَّا مُجَرَّدُ اللَّعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ فَلَيْسَ بِفِسْقٍ مَانِعِ مِنْ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا.
للفقهاء، وقد مرَّ بيان العورة في الصلاة، وعن الكرخي: من مشى في طريق بسراويل ليس عليه غيره لا تُقبل شهادته.
قوله: (لأن للاجتهاد) فإن الشافعي (^١) ومالك (^٢) قالا بإباحته مع الكراهة إذا لم يكن بالشرائط الثلاثة المذكورة، وأبو زيد الحكيم يختار قولهما. ذكره في الذخيرة (^٣).
وعندنا وأحمد (^٤) حرام لقوله ﵇: «مَنْ لَعِبَ بالنردشير فَقَد عصى الله وَرَسُوله»، رواه أبو داود (^٥). قيل: هو الشطرنج.
ومرَّ علي ﵇ على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون!
أما النرد فحرام بالإجماع، قال ﵇: «مَنْ لَعِبَ بالنرد ملعون» ذكره في الذخيرة (^٦)، وسيجيئ في الكراهة إن شاء الله تعالى.
واللعب بالشطرنج يمنع قبول الشهادة بالإجماع (^٧) إذا كان مدمنا عليه، أو يُقامر، أو تفوته الصلاة، أو أكثر عليه الحلف بالكذب والباطل.
وفي التنبيه (^٨): من لعب بالشطرنج في الطريق لا تقبل شهادته.
_________________
(١) انظر: الأم (٦/ ٢٢٤)، الحاوي الكبير (١٧/ ١٧٨).
(٢) انظر: المدونة (٤/¬١٩)، الذخيرة (١٠/ ٢١٥).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٦).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٣)، المغني (١٠/ ١٥١).
(٥) أخرجه أبو داود (رقم ٤٩٣٨، ٤٨٢٨٥)، وابن ماجه (٢/ ١٢٣٧) رقم (٣٧٦٢)، وابن حبان (١٣/ ١٨١ رقم ٥٨٧٢)، والحاكم (١/¬٥٠) رقم (١٦٠) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٦٣١).
(٦) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٦).
(٧) انظر: الإجماع لابن المنذر (١/ ٦٧)، المحلى بالآثار (٨/ ٤٧٥).
(٨) انظر: التنبيه في الفقه الشافعي (١/ ٢٦٩).
[ ٦ / ٥٤٩ ]
وَشَرَطَ فِي الأَصْلِ: أَنْ يَكُونَ آكِلُ الرِّبَا مَشْهُورًا بِهِ، لِأَنَّ الإِنْسَانَ قَلَّمَا يَنْجُو عَنْ مُبَاشَرَةِ العُقُودِ الفَاسِدَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ رِبَا.
قَالَ: (وَلَا مَنْ يَفْعَلُ الأَفْعَالَ المُسْتَحْقَرَةَ، كَالبَوْلِ عَلَى الطَّرِيقِ وَالْأَكْلِ عَلَى الطَّرِيقِ) لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْمُرُوءَةِ، وَإِذَا كَانَ لَا يَسْتَحْيِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ عَنْ الكَذِبِ فَيُتَهُمُ.
قوله: (وشرط) أي: محمد (في الأصل) أي: المبسوط (^١).
(وكل ذلك ربا) أي: في معنى الرّبا، والرّبا حرام بالنص، فعلم أن عدالته لا تسقط بمجرد أكل الربا إذا لم يكن مشهورًا ومصرا عليه، وعن هذا وقع الفرق بين الربا وأكل مال اليتيم، فإن الإدمان فيه غير شرط.
واختلف المشايخ في علته قيل: إنما شرط ذلك؛ لأن الإنسان عسى أن يبتلى بذلك؛ لأنه لا يمكنه التحرز عن البياعات الفاسدة، فقد لا يهتدي إلى ذلك، فلو ردت شهادة من ابتلي به لا يبقى في الدنيا مقبول الشهادة، فلذلك شرط أن يكون مشهورًا به، وقيل: إنما شرط ذلك؛ لأن الربا ليس بحرام محض؛ لأن عقد الربا يفيد الملك في الزيادة عندنا بعد القبض، والملك مبيح للأكل في غير الخمر وإن كانت حرمة السبب تمنع الأكل، فلم يكن حرامًا محضًا، فكان ناقصًا في كونه كبيرة، فشرط الإدمان.
قوله: (المستحقرة)، وفي بعض النسخ: (المستقبحة)، وفي بعضها: (المستخفة) من الاستحقار والاستقباح، والاستخفاف، وصحح في المغرب هذه الأخيرة دون غيرها، وقال: سخيفة نسبة إلى السخف، وهو رقة العقل، من قولهم: ثوب سخيف: إذا كان قليل الغزل وعليه ما في المختصر: لا تقبل شهادة من يفعل الأفعال المستخفة (^٢)، ثم قال: وهكذا كان بخط شيخنا وتصحيحه، والمستخفة، بفتح الخاء وكسرها (^٣).
(أو يأكل على الطريق) يعني بمرأى الناس (لأنه تارك للمروءة).
وفي فتاوى قاضي خان (^٤): لا تُقبل شهادة من يأكل في السوق بين أيدي
_________________
(١) انظر: المبسوط (١٦/ ١٣١).
(٢) كذا في الأصول الخطية، وفي المغرب: (المُّسَنِّفَةُ).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب (ص ٢٢٠).
(٤) فتاوى قاضي خان (٢/ ٤٣٩).
[ ٦ / ٥٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الناس؛ لأن ذلك لا يفعل من كان له مروءة، وكل فعل فيه ترك المروءة يوجب سقوط شهادته بلا خلاف بين الأئمة الأربعة، حتى لو مشى في السوق أو في مجامع الناس بسراويل واحد لا تقبل شهادته، وكذا من يمد رجليه عند الناس، أو يكشف رأسه في موضع لا عادة فيه، وما أشبه ذلك مما يجتنبه أهل المروءات بلا خلاف؛ لقوله ﵇: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَك الناس من كلام النبوة الأولى: إِذا لم تَسْتَحْيِ فَاصْنَع ما شئت» (^١)، ولأنه إذا لم يكن له مروءة لا يأنف من الكذب، وفي أصحاب الصنائع الدنيئة، كالكساح والزبال والكناس والحجار، والحائك فيه وجهان.
قال بعض العلماء: لا تقبل شهادة أهل الصناعات، وبه قال الشافعي (^٢) وأحمد (^٣) في وجه؛ لكثرة خلفهم في الوعد، ودناءة صنعتهم في الدنية، وقال عامة العلماء: يجوز إذا كانوا عدولًا، وبه قال الشافعي (^٤) في وجه، وأحمد (^٥) ومالك (^٦)، وهو الأصح؛ لأنه قد تولاها كثير من الصالحين وأهل المروءة.
وفي المحيط (^٧): لا تُقبل شهادة النخاسين والدلالين؛ لأنهم يكذبون كثيرًا، فأما من كان عدلا منهم تقبل شهادته.
بائع الأكفان لا تقبل، قال شمس الأئمة: هذا إذا ترصد لذلك العمل، فأما إذا كان يبيع ويشتري الثياب، ويشتري منه الأكفان تقبل؛ لعدم تمنيه الموت والطاعون.
في الذخيرة (^٨) قيل: لا تُقبل شهادة الصكاكين؛ لأنهم يكتبون: هذا ما اشترى فلان بن فلان وقبض المبيع، والبائع الثمن وضمن الدرك، ولم يكن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/¬٢٩) رقم (٦١٢٠) من حديث أبي مسعود البدري ﵁.
(٢) الحاوي الكبير (١٧/ ١٥٤)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/¬٨).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٣)، المغني (١٠/ ١٥٠).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ١٥٤)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/¬٨).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٣)، المغني (١٠/ ١٥٠).
(٦) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٠٢)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٣٢).
(٧) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢٠).
(٨) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢٠).
[ ٦ / ٥٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شيء من ذلك، فيكون كذبا محضا، ولا فرق في (^١) بين الكذب [بين القول] (^٢) والكتابة، والصحيح أنه يقبل إذا كان غالب أحوالهم الصلاح.
ولا تقبل شهادة القروي والأعرابي البدوي عند بعض العلماء، وعند مالك (^٣) لا تقبل شهادة البدوي على القروي في غير الدماء. ذكره في الجواهر (^٤).
وقال عامة العلماء: تقبل إذا كان عدلا، عالما بكيفية الشهادة تحملا وأداء.
وقيل: حقيقة المروءة ألا يأتي الإنسان ما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل.
وقيل: المراد بها السمت الحسن، وحفظ واللسان، وتجنب السخف والمجون، والارتفاع عن كل خلق رديء. ذكره في الجواهر المالكية (^٥).
وفي مناقب أبي حنيفة: لا تقبل شهادة البخيل، وقال مالك (^٦): إن أفرط في البخل لا تقبل؛ لأن الإفراط فيه يؤديه إلى منع الحقوق، وأخذ ما ليس بحق.
ولا تقبل شهادة الطفيلي والمشعوذ والرقاص والمسخرة بلا خلاف.
قال نصير بن يحيى: من شتم أهله ومماليكه كثيرا في كل ساعة لا تقبل شهادته، وإن كان أحيانا تقبل (^٧).
وفي المحيط (^٨): لا تقبل شهادة الشتام للناس والحيوان.
وفي جامع شمس الأئمة: ولا تقبل شهادة من يجازف في كلامه، ولا خلاف فيه، وحكي أن الفضل بن ربيع وزير الخليفة شهد عند أبي يوسف فرد
_________________
(١) في الأصل: (بين)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٨٤)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٤٠).
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٤٠).
(٥) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٣٢).
(٦) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٠٢)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٣٢).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٥٠)، فتح القدير (٧/ ٤١٥).
(٨) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢٠).
[ ٦ / ٥٥٢ ]
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ) لِظُهُورِ فِسْقِهِ بِخِلَافِ مَنْ يَكْتُمُهُ.
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِلَّا الخَطَّابِيَّةُ)
شهادته، فشكاه إلى الخليفة، فقال الخليفة: إنه وزيري، رجل دين لا يشهد بالزور، فلم رددت شهادته؟ قال: لإني سمعته يومًا قال للخليفة: أنا عبدك، فإن كان صادقًا فلا شهادة للعبد، وإن كان كاذبًا فكذلك أيضًا؛ لأنه إذا لم يبال في مجلسك بالكذب، فلا يبالي في مجلسي أيضًا، فعذره الخليفة (^١).
قوله: (ولا من يظهر سب السلف)، والمراد من السلف: الصحابة، والتابعون، وأبو حنيفة وأصحابه، والسلف: جمع سالف، وهو الماضي، وفي الشرع اسم لكل من يُقلّد مذهبه، ويُقتفي أثره في الدين كأبي حنيفة وأصحابه، فإنهم سلفنا، والصحابة والتابعون سلف لأبي حنيفة وأصحابه.
وفي الذخيرة (^٢): قال أبو يوسف: لا أجيز شهادة من يشتم أصحاب رسول الله ﷺ؛ لأنه لو شتم واحدًا من الناس لا يجوز شهادته، فهو أولى.
وفي المحيط: لا تُقبل شهادة من عُرف بالمجانة، قيل: المجانة شتم أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل: قصور عقله ودينه ومن لم يمتنع عنها لا يمتنع عن الكذب، ولا خلاف فيه.
قوله: (وتقبل شهادة أهل الأهواء) الهوى: ميلان النفس إلى ما يستلذ به من غير داعية الشرع، وإنما سموا به؛ لمتابعتهم النفس، ومخالفتهم السنة والجماعة.
وفي الذخيرة (^٣): تُقبل شهادته إذا كان هوى لا يكفر به صاحبه، ولا يكون ماجنا، ويكون عدلًا في تعاطيه، وهو الصحيح، واستدل محمد (^٤) في الكتاب لبيان ذلك، فقال: أرأيت أن أصحاب رسول الله ساعدوا معاوية على مخالفة علي، لو شهدوا بين يدي عليّ أكان يردّ شهادتهم! ولا شك أن مخالفة علي بعد
_________________
(١) انظر: فتح القدير (٧/ ٤١٥)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/ ٩٢).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢١، ٣٢٢).
(٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٢).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٢، ١٣٣).
[ ٦ / ٥٥٣ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تُقْبَلُ، … … … . … …
عثمان بدعة، وهوى، فكيف الخروج عليه بالمسايفة! لكن لما كان عن تأويل وبدين - لم يمنع قبول الشهادة.
وأصول أهل الأهواء ستة: الجبر والقدر والرفض والخروج والتشبيه والتعطيل وكل واحد يصير اثني عشر فرقة، فيبلغ إلى اثنين وسبعين، إلا الخطابية.
وفي شرح الأقطع: هم قوم ينسبون إلى أبي الخطاب، رجل كان بالكوفة قتله عيسى بن موسى، وكان يزعم أن عليا الإله الأكبر، وجعفر الصادق الإله الأصغر، وكانوا يعتقدون أن من ادعى منهم شيئًا على غيره يجب أن يشهد له بقية شيعته.
وفي المغرب (^١): طائفة من الرافضة نسبوا إلى أبي الخطاب محمد بن أبي وهب الأجدع، رُويَ: طرده جعفر الصادق لما ادعى في نفسه أنه إله، وزعم أتباعه أن جعفرًا إله (^٢).
وأما رواية الأخبار من أهل الأهواء اختلف فيه مشايخنا، والأصح عندي لا تقبل. كذا في المبسوط (^٣).
قوله: (وقال الشافعي (^٤): لا تقبل)، في الحلية (^٥): قال الشافعي: لا تردّ شهادة أحد من أهل الأهواء إلا الخطابية، فإنهم يشهد بعضهم لبعض بتصديقه، وقال أبو حامد من أصحابنا: من أهل الأهواء من يفسق كالخوارج والروافض، فلا تقبل شهادتهم، وبعضهم يكفر، كمن يقول بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وإضافة المشيئة إلى نفسه، فلا تقبل، وهذا خلاف ظاهر كلام الشافعي.
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب (١/ ١٤٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤١٥، ٤١٦)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٥١).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٣).
(٤) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ٢٣٩، ٢٤٠)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٤/ ٣٥٣).
(٥) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١١٩٧).
[ ٦ / ٥٥٤ ]
لِأَنَّهُ أَغْلَظُ وُجُوهُ الفِسْقِ. وَلَنَا: أَنَّهُ فِسْقٌ مِنْ حَيْثُ الاعْتِقَادُ وَمَا أَوْقَعَهُ فِيهِ إِلَّا تَدَيْنُهُ بِهِ وَصَارَ كَمَنْ يَشْرَبُ المُثَلَّثَ أَوْ يَأْكُلُ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا مُسْتَبِيحًا لِذَلِكَ، بِخِلَافِ الفِسْقِ مِنْ حَيْثُ التَّعَاطِي.
أَمَّا الخَطَّابِيَّةُ: فَهُمْ مِنْ غُلَاةِ الرَّوَافِضِ، يَعْتَقِدُونَ الشَّهَادَةَ لِكُلِّ مَنْ حَلَفَ عِنْدَهُمْ. وَقِيلَ: يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ لِشِيعَتِهِمْ وَاجِبَةٌ فَتَمَكَّنَتْ التَّهْمَةُ فِي شَهَادَتِهِمْ.
قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ).
وقال مالك (^١): لا تُقبل شهادة أحد من أهل الأهواء.
(لأنه أغلظ وجوه الفسق)، وقال أحمد (^٢): لا تُقبل شهادة ثلاثة منهم: القدرية والجهمية والرافضة، وقال أبو إسحاق: من قدّم عليا على أبي بكر في الإمامة فسق، وما نقل في الكتاب قول مالك على إطلاقه، وقول أبي حامد من أصحاب الشافعي.
قوله: (وما أوقعه فيه) أي: في الأهواء (إلا تدينه) أي: تعمقه في الدين، ألا ترى أن منهم من يعظم الذنب حتى يجعله كفرًا! فيكون ممتنعا عن الكذب فكان.
(كمن شرب المثلث، أو [يأكل] (^٣) متروك التسمية عامدًا مستبيحًا لذلك) أي: معتقدًا إباحته، فإنه لا ترد شهادته، كذا هذا. كذا في المبسوط (^٤).
قوله: (بعضهم على بعض) احترز به عما يأتي بعد بأن شهادة الحربي لا تقبل.
وبقوله: (وإن اختلفت مللهم) احترز عن قول ابن أبي ليلى، وأبي عبيد أن في اختلاف الملة لا تقبل كشهادة اليهود على النصارى، وبالعكس؛ لقوله ﵇: «لا شَهَادَة لأهلِ المِلَّةِ لأهلِ مِلَّةٍ أُخْرَى إِلَّا الْمُسْلِمِينَ فَشَهَادَتُهُمْ
_________________
(١) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢١٥، ٢١٦)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٣١).
(٢) انظر: المغني (١٠/ ١٤٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/¬٤٠).
(٣) ليست بالنسختين، وأثبتناها من المتن.
(٤) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٣).
[ ٦ / ٥٥٥ ]
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِي خَبَرِهِ، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى المُسْلِمِ فَصَارَ كَالمُرْتَدٌ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَجَازَ
مَقْبُولَةٌ عَلَى أهل الملل»، وقال الشافعي (^١) ومالك (^٢): لا تقبل، وقال أحمد (^٣): لا تقبل شهادة كافر بحال.
أما شهادة أهل الكتاب في السفر في الوصية إذا لم يكن غيرهم - تقبل، ويستحلف مع شهادته بعد العصر؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، والآية نزلت في تميم الداري وعدي، وكانا نصرانيين شهدا بوصية مولى عمرو بن العاص، روى هذه القصة أبو داود وغيره (^٤).
وعن أحمد (^٥): مثل قولنا، واحتج الشافعي (^٦) بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا … كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] أراد به الكافر؛ إذ الفسق: خروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها، وسمّي المسلم به لخروجه عن حد الدين تعاطيا، والكافر خرج عن حد الدين اعتقادًا، فوجب التوقف في خبره بالنص، ولأنه تعالى قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس بعدل ولا مرضي ولا هو منا، وقال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] والظالم ليس بعدل ولا مرضي، ووقع في أكثر نسخ الهداية والكافرون هم الفاسقون.
وفي النهاية: النسخة المصححة بتصحيح شيخي: قال [تعالى] (^٧): للكافرين هم الفاسقون، إذ في القرآن: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٨).
قوله: (فصار كالمرتد) لا تقبل شهادة المرتد على جنسه وخلاف جنسه،
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٦١)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٦٢٧).
(٢) انظر: المدونة (٤/¬٢١)، الذخيرة (١٠/ ٢٢٤).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧١)، المغني (١٠/ ١٦٦).
(٤) أخرجه البخاري (٤/¬١٣ رقم ٢٧٨٠) من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧١)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/¬٣٣).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ١٤٩).
(٧) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٨) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤١٨)، فتح القدير (٧/ ٤١٧).
[ ٦ / ٥٥٦ ]
شَهَادَةَ النَّصَارَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى جِنْسِهِ، وَالفِسْقُ مِنْ حَيْثُ الاعْتِقَادُ غَيْرُ مَانِعِ، لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ مَا يَعْتَقِدُهُ مُحَرَّمَ دِينِهِ، وَالكَذِبُ مَحْظُورُ الأَدْيَانِ، بِخِلَافِ المُرْتَدِّ، …
ولهما: وإذا لم يكن من أهل الشهادة على المسلم لا يكون من أهل الشهادة على أحد، كالعبد، بل أولى؛ لأن الرّق من أثر الكفر، فإذا كان مخرجًا عن أهلية الشهادة، فأصل الكفر أولى، ولأنا لو قبلنا شهادتهم لأوجبنا الحكم على القاضي بشهادتهم، وبقولهم لا يلزم على المسلم شيء.
ولنا ما روى ابن ماجه أنه ﵇ «أَجَازَ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَةِ عَلَى بَعْضُهُمْ» (^١)، وما روى أبو داود من قصة مولى عمرو بن العاص في سبب نزول الآية، فإذا جاز شهادتهم على وصية مسلم فمن الضرورة أن تجوز على وصية كافر، وما ثبت بضرورة النص أو دلالته كالمنصوص، ثم انتسخ ذلك في حق المسلم بانتساخ حكم ولايتهم على المسلمين بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فنفى حكم الشهادة فيما بينهم على نيتهم على ما ثبت بدلالة النص أو ضرورته، وليس من ضرورة انتساخ شهادتهم على المسلمين انتساخ شهادة بعضهم على بعض كالولاية، ألا ترى: روي أنه ﵊ «رَجَمَ يَهوديّين بِشَهادَةِ أربعةٍ مِنْهُم» (^٢).
قوله: (والكذب محظور الأديان)، فإن قيل: لا نسلم هذا، فإنه تعالى أخبر أنهم ينكرون الآيات عنادًا مع علمهم بأنها حق، وكان ذلك كذبًا منهم قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].
قلنا: ذلك في الأحبار الذين كانوا على عهد النبي ﵇، حيث تواطؤوا على كتمان بعث النبي ﵇ ونبوته، فلا شهادة لأولئك عندنا، فأما من سواهم
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٩٤ رقم ٢٣٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٦٥ رقم ٢١١٣٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ أجازة شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض. قال البيهقي: هكذا رواه أبو خالد الأحمر عن مجالد وهو مما أخطأ فيه، وإنما رواه غيره عن مجالد عن الشعبى، عن شريح من قوله وحكمه غير مرفوع.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٥٣)، فتح القدير (٧/ ٤١٩).
[ ٦ / ٥٥٧ ]
لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ، وَبِخِلَافِ شَهَادَةِ الذِّمِّيِّ عَلَى المُسْلِمِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ بِالإِضَافَةِ إِلَيْهِ،
فيعتقدون الكفر؛ لأن عندهم أن الحق ما هم عليه، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦] فتبين أن فسقهم فسق اعتقاد، وفسق الاعتقاد لا يمكن تهمة الكذب في الشهادة كما في أهل الأهواء، كذا قيل، وأما الآية فإن الرضا ثبت في حق الكافر في حق المعاملات بصفة الأمانة؛ لأنه تعالى وصفهم بذلك، قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وهذه الآية خرجت مخرج الوصف له بالأمانة، وفعل الأمانة مرضي الله تعالى، وإن لم يكن الكافر مرضيه؛ لكفره، ولما كان مؤتمنا في المعاملات كن مؤتمنا في الشهادة؛ لأن الشهادة من أداء الأمانات، وأما العبد فإنه لا شهادة له؛ لعدم أهلية الولاية له، أما الكافر من أهل الولاية في جنسِهِ، فيكون من أهل الشهادة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] والمراد منه: الولاية دون الموالاة، بدليل صحة أنكحتهم فيما بينهم، ولا نكاح إلا بولي في حق الأكثرين، والمسلم إذا خطب إلى كتابي ابنته الصغيرة، فزوجها منه - جاز النكاح.
وأما قوله: لأوجبنا القضاء على القاضي بقول الكافر، فقلنا: ليس كذلك؛ لأن القضاء وجب عليه بِتَقَلّدِهِ عند قيام الحجة، وباعتبار أنه التزم أداء أمانة القضاء لا أن يكون الوجوب بقوله، كما لو لزم على القاضي النظر للغائب والصغير لا بإيجاب من قبلهما؛ بل باعتبار أداء أمانة تحملها. إليه أشار في الأسرار والمبسوط (^١) والإيضاح.
قوله: (لأنه) أي: لأن الذمي (لا ولاية له) أي: للذمي، وفي النهاية: الضمير في (لأنه) للشأن، أي: لأن الشأن أن لا ولاية للذمي على المسلم.
(بالإضافة إليه) أي: بالنسبة إلى المسلم، هذا احتراز عن الإضافة إلى الكافر، فإن له ولاية على ذمي آخر أو حربي على ما ذكرنا.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٥).
[ ٦ / ٥٥٨ ]
وَلِأَنَّهُ يَتَقَوَّلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَغِيظُهُ قَهْرُهُ إِيَّاهُ، وَمِلَلُ الكُفْرِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فَلَا قَهْرَ فَلَا يَحْمِلُهُمُ الغَيْظُ عَلَى التَّقَوُّلِ.
قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الحَرْبِيّ عَلَى الذِّمِّيِّ) أَرَادَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: المُسْتَأْمَنُ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَهُوَ أَعْلَى حَالًا مِنهُ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ
(ولأنه) أي: ولأن الذمي (يتقول عليه) أي: يفتري على المسلم.
(لأنه) أي: لأن المسلم، وفي النهاية: الضمير للشأن، أي: لأن الشأن هو أن يُسخط الذمي.
(قهره) أي: قهر المسلم، (إياه) أي: الذمي (^١).
وقوله: (وملل (^٢) الكفر وإن اختلفت) إلى آخره: جواب سؤال يرد على أصل المسألة، وهو قوله: (وتقبل شهادة بعضهم وإن اختلفت مللهم) (^٣) بأن يقول: المعاداة ظاهرة بين اليهود والنصارى، وهم غير محقين في ذلك، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] فينبغي ألا تقبل، كما هو مذهب ابن أبي ليلى.
فأجاب عنه يقول: (وملل الكفر وإن اختلفت) إلى آخره، يعني وإن اختلفت مللهم لم [يصر] (^٤) بعضهم مقهور بعض ليحملهم ذلك على التقول، بل كلهم مقهورون تحت أيدي المسلمين، ويعطون الجزية (^٥).
قوله: (أراد به) أي: بالحربي (المستأمن) وإنما قيد به؛ لأن الحربي لو دخل بغير استئمان يؤخذ قهرا، ويُسترَقُ ويصير عبدًا، ولا تقبل شهادة العبد على أحد.
(وهو أعلى) أي: الذمي أعلى من المستأمن؛ لأنه قبل حِلْفِ الإسلام وهو الجزية فيكون أقرب الإسلام ولهذا يقتل المسلم بالذمي (^٦).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٥٤)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/ ٩٤).
(٢) في الأصل: (علل) والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر المتن ص ٥٥٥.
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤١٨)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٥٤).
(٦) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤١٩)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٥٤).
[ ٦ / ٥٥٩ ]
الذُّمِّيِّ عَلَيْهِ كَشَهَادَةِ المُسْلِمِ عَلَيْهِ وَعَلَى الذَّمِّيِّ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ المُسْتَأْمَنِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ دَارَيْنِ كَالرُّومِ وَالتَّرْكِ لَا تُقْبَلُ) لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدَّارَيْنِ يَقْطَعُ الوِلَايَةَ، وَلِهَذَا يَمْنَعُ التَّوَارُثَ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلَا كَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ.
(وَإِنْ كَانَتْ الحَسَنَاتُ أَغْلَبُ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَالرَّجُلُ مِمَّنْ يَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ … .
وقوله: (بخلاف الذمي) متصل بقوله: (وإن كانوا من دارين) يعني تقبل شهادته على المستأمن وإن كانا من أهل دارين مختلفين؛ لأن الذمي بعقد الذمة صار كالمسلم لما قلنا، وتقبل شهادة المسلم على المستأمن، فكذا شهادته، وإنما لا يجري التوارث بين الذمي والمستأمن؛ لأن المستأمن من أهل دارنا فيما يرجع إلى المعاملات، والشهادة منها، ومن أهل دار الحرب في الإرث والمال (^١).
قوله: (والرجل يجتنب الكبائر) أي: كلها، وقد مرَّ تفسير الكبيرة، يقال: أَلَمَّ بمعصية، أي: أذنب بمعصية صغيرة، مشتق من اللمم، وهو ما دون الفاحشة من صغار الذنوب.
وفي الذخيرة (^٢): والحاصل أن ارتكاب الكبيرة يوجب سقوط العدالة، وارتكاب الصغيرة لا يوجب سقوطها؛ لأن ارتكاب الكبيرة يدل على شهادة الزور؛ لأنها في الحرمة كالكبيرة، فيستدل بوجود الكبيرة على شهادة الزور، أما ارتكاب الصغيرة لا يدل على شهادة الزور؛ لأنها كبيرة، فلا يوجب سقوطها، إلا أن يُصِرَّ على الصغيرة؛ لأن الصغيرة تصير كبيرة بالإصرار، قال ﵇: «لا صَغِيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاسْتِغْفَارِ» (^٣)، ولأن أحدًا من الناس لا يخلو
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٢٠)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٥٥).
(٢) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١١).
(٣) قال العراقي: رواه أبو الشيخ ومن طريقه الديلمي في مسند الفردوس … .، قال ابن طاهر: أبو شيبة الخراساني قال البخاري: لا يتابع على حديثه، ومن هذا الوجه أخرجه العسكري في الأمثال، والقضاعي في مسند الشهاب وسنده ضعيف. تخريج أحاديث الإحياء (٥/ ٢١٠٤).
[ ٦ / ٥٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن صغيرة، ولهذا روى أنه ﵇ قال: «إِنْ تَغْفِرَ اللهُمَّ فَاغْفِرْ جَمًّا، وأيُّ عبد لك لا أَلَمَّا» (^١).
وقال شمس الأئمة: الناس لا تخلو عن إتيان ما هو مشروع له، وعن ارتكاب صغيرة، فيُعتبر في ذلك الغالب يريد به في حق الصغائر، فإن كان غالب أحواله الإتيان بما هو مأذون به شرعًا، وإن لم يخل عن الصغيرة كان جائز الشهادة بعد أن يجتنب الكبيرة، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ولا خلاف فيه للفقهاء.
وفي المحيط (^٢): وأحسن ما قيل في صفة العدل ما روي عن أبي يوسف أن الذي لا يأتي بالكبيرة، ولا يصر على الصغيرة، ويكون ستره أكثر من هتكه، وصوابه أكثر من خَطَائِهِ، ومروءته ظاهرة، ويستعمل الصدق ويجتنب الكذب ديانة ومروءة.
وقيل: المروءة في الدين الاجتناب عن الكبائر وعن الإصرار على الصغائر، ولو ترك الصلاة في الجماعة استخفافًا أو مهانة ترد شهادته، قيل: لم يُرد بالاستخفاف الاستهزاء؛ لأن الاستهزاء كفر، بل أراد التهاون والكسل، هذا إذا تركها بلا تأويل والتأويل أن يكون الإمام طامعًا، أو يؤخر الأداء وهو يعتقده في أول الوقت، والذي يبتلى بالكذب أحيانًا، ولا يكون مشهورًا به - تقبل شهادته.
وقيل: الكذب من أعظم الكبائر.
وقال الإسبيجابي: من أكل فوق الشبع سقطت عدالته عند الأكثر.
ومن خرج لنظر عند قدوم الأمير لا تقبل شهادته.
وعن شداد أنه رد شهادة شيخ صالح لمحاسبة ابنه في النفقة في طريق مكة.
قال الخصاف: ركوب البحر للتجارة والتفرج مسقط للشهادة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥٨٢٥٠) رقم (٣٢٨٤) من حديث ابن عباس ﵄. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١١).
[ ٦ / ٥٦١ ]
قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ أَلَمَّ بِمَعْصِيَةٍ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي حَدِّ العَدَالَةِ المُعْتَبَرَةِ، إِذْ لَا بُدَّ مِنْ تَوَقِّي الكَبَائِرِ كُلِّهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ الغَالِبُ كَمَا ذَكَرْنَا، فَأَمَّا الْإِلْمَامُ بِمَعْصِيَةٍ لَا تَنْقَدِحُ بِهِ العَدَالَةُ المَشْرُوطَةُ، فَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ المَشْرُوعَةُ، لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ اجْتِنَابِهِ الكُلَّ سَدَّ بَابِهِ، وَهُوَ مَفْتُوحٌ إِحْيَاءٌ لِلْحُقُوقِ.
قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَقْلَفِ)،
وكذا التجارة إلى أرض الكفار وقرى فارس وأشباهه؛ لأنه خاطر بدينه ونفسه لينال مالًا، [فلا] (^١) يؤمن أن يكذب ويأخذ المال، وقرى فارس يطعمونه الربا وهم يعلمون.
والفاسق قبلت شهادته بعد ستة أشهر، وقيل: بعد سنة، قال الفضلي: روى عن أبي يوسف أنه قال: تركته بعد ستة أشهر ثم رجع، وقال: بعد سنة، وعن محمد لا يسعه ما لم يمتحنه في العقود ويرى الأمانة، وقيل: لا يكفيه ذلك ما لم يمتحنه في كل الأمانات والصداقات مرارًا.
ولو عرف عدالته ثم انقطع عنه؛ إن لم يتطاول الوقت وسعه أن يزكيه بتلك المعرفة، وإلا فلا، ومدة التطاول قيل: ستة أشهر، وقيل: سنة، وقيل: من وقت في التزكية فهو مُخطئ، وهذا على ما يقع في القلب، فربما يعرف أحد في شهر، والآخر لا يعرف في سنة.
وقيل: من سمع الأذان وانتظر الإقامة سقطت عدالته.
ومن أخذ سوق النخاسين مقاطعة وأشهد على وثيقتها شهودًا، فلو شهدوا حل لهم اللعن؛ لأنه شهادة على الباطل، وكذا لو شهدوا على إقراره، وكذا لو شهدوا في كل إقرار بناء على باطل (^٢).
قوله: (وتقبل شهادة الأقلف) الذي لم يختن.
وفي فتاوى الولوالجي: قال ابن عباس: لا تُقبل شهادة الأقلف، ولا تقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته، وهو مذهبه.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٥٦، ١٥٧)، فتح القدير (٧/ ٤٢١).
[ ٦ / ٥٦٢ ]
لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالعَدَالَةِ، إِلَّا إِذَا تَرَكَهُ اسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِهَذَا الصَّنِيعِ عَدْلًا
(لأنه) أي: ترك الختان (لا يخل بالعدالة) إذا كان ذلك بعذر، والعذر في ذلك الكِبر وخوف الهلاك (^١).
ثم اختلف العلماء في الختان؛ فقال الشافعي (^٢) في ظاهر مذهبه وأحمد (^٣): إنه واجب؛ لأنه ﵇ أمر رجلا أسلم بالاختتان، وكذا يجب على النساء، وعندنا ومالك (^٤) سنة، وبه قال الشافعي (^٥) في قول؛ لقوله ﵇: «الخِتَانُ للرِّجال سُنّةٌ، والنِّساءِ مَكْرَمَةٌ» (^٦).
واختلفوا في مدته، فلم يقدر أبو حنيفة فيها بشيء؛ لأنه لم يرد في القرآن، ولا في الحديث، ولم ينقل فيه إجماع، وطريق معرفة المقادير: السماع.
واختلف المتأخرون؛ قيل: من سبع سنين إلى عشر، وقيل: اليوم السابع من ولادته أو بعد السابع إن احتمل الصبي ذلك ولم يهلك؛ لما روي أن الحسن والحسين ختنا اليوم السابع، أو بعد السابع، ولكنه شاذ. كذا في الذخيرة (^٧) وأدب القاضي للصدر الشهيد (^٨).
وعن بعض أصحاب الشافعي (^٩): لا يختن حتى يصير ابن عشر؛ لأنه حينئذ
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٥٨)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/ ٩٦).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٣/ ٤٣٠)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٤/ ١٦٤).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٥٤)، المغني (١/ ٦٤).
(٤) انظر: الذخيرة (١٣/ ٢٧٩)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٣/ ٢٥٨).
(٥) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (١٠/ ١٨٠)، إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (٤/ ١٩٨).
(٦) أخرجه أحمد (٣٤/ ٧٥ رقم ٢٠٧٣٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٢٥ رقم ١٨٠٢٢) من حديث أسامة بن عمير الهذلي ﵁. قال البيهقي: الحجاج بن أرطاة لا يحتج به، وقال ابن الملقن: هذا الحديث ضعيف بمرة. البدر المنير (٨/ ٧٤٣)، وقال ابن حجر: الحجاج مدلس، وقد اضطرب فيه. تلخيص الحبير (٤/ ٢٢٤).
(٧) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣٢١).
(٨) انظر: شرح أدب القاضي (٤/ ٤٢٢).
(٩) انظر: الحاوي الكبير (١٣/ ٤٣٣)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١٠/ ١٨١).
[ ٦ / ٥٦٣ ]
(وَالخَصِيِّ) لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ قَبِلَ شَهَادَةَ عَلْقَمَةَ الخَصِيِّ، وَلِأَنَّهُ قُطِعَ عُضْوٌ مِنهُ ظُلْمًا فَصَارَ كَمَا إِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ.
(وَوَلَدِ الزِّنَا) لِأَنَّ فِسْقَ الأَبَوَيْنِ لَا يُوجِبُ فِسْقَ الوَلَدِ كَكُفْرِهِمَا وَهُوَ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: لَا تُقْبَلُ فِي الزِّنَا، لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ كَمِثْلِهِ فَيُتَّهَمُ. قُلْنَا: العَدْلُ لَا يَخْتَارُ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَحِبُّهُ، وَالكَلَامُ فِي العَدْلِ.
قَالَ: (وَشَهَادَةُ الخُنْثَى جَائِزَةٌ) لِأَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَشَهَادَةُ الجِنْسَيْنِ مَقْبُولَةٌ بالنص.
قَالَ: (وَشَهَادَةُ العُمَّالِ جَائِزَةٌ) وَالمُرَادُ عُمَّالُ السُّلْطَانِ عِنْدَ عَامَّةِ المَشَايِخِ، لِأَنَّ نَفْسَ العَمَلِ لَيْسَ بِفِسْقٍ إِلَّا إِذَا كَانُوا أَعْوَانًا عَلَى الظُّلْمِ.
أمر بالضرب على ترك الصلاة، وقال أصحابه: ختانه يجب عليه بعد بلوغه، ويُستحب في اليوم السابع.
قوله: (والخصي) أي تُقبل شهادته.
في المغرب (^١): خصاه: نزع خصيته، يخصيه خصاء، على فعال، والمفعول: خَصِيٌّ، على فعيل، والجمع: خصيان.
قوله: (وقال مالك (^٢): لا تقبل في الزنا)، أما تقبل في غير الزنا. (لأنه رجل أو امرأة) يعني إذا ظهر علامة.
وفي الخزانة: في الخنثى المُشكل لا يشهد مع رجل أو امرأة واحدة، أما لو شهد مع رجل وامرأة تقبل.
قوله: (لأن نفس العمل ليس بفسق)، إنما الفسق هو الظلم، فإن العامل إذا كان عدلًا يستحق ثوابًا عظيمًا؛ لأنه رُوي أنه عليه الصلاة السلام قال: «سَبْعَةٌ يَظُلُّهم اللهُ يَومَ لَا ظِل إلَّا ظله» وذكر منها: «إمَامًا مُقْسِطًا» (^٣) ألا ترى أن كبراء
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب (١/ ١٤٧).
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٣٩)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٧٣).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ١٣٣ رقم ٦٦٠)، ومسلم (٢/ ٧١٥ رقم ١٠٣١) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦ / ٥٦٤ ]
وَقِيلَ: العَامِلُ إِذَا كَانَ وَجِيهَا فِي النَّاسِ، ذَا مُرُوءَةٍ لَا يُجَازِفُ فِي كَلَامِهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا مَرَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي الفَاسِقِ، لِأَنَّهُ لِوَجَاهَتِهِ لَا يَقْدُمُ عَلَى الكَذِبِ حِفْظًا لِلْمُرُوءَةِ، وَلِمَهَابَتِهِ لَا يُسْتَأجَرُ عَلَى الشَّهَادَةِ الكَاذِبَةِ.
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ الرَّجُلَانِ أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إِلَى فُلَانٍ، وَالوَصِيُّ يَدَّعِي ذَلِكَ، فَهُوَ جَائِزُ اسْتِحْسَانًا، …
الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ كانوا عُمَّالًا، ولو كان نفس العمل فسقًا لتنزهوا عن ذلك. كذا في الذخيرة (^١).
وذكر الإمام قاضي خان أراد به عامل السلطان الذي يعينه في أخذ الحقوق الواجبة شرعًا، أما الذي يعينه على أخذ الحرام لا تقبل شهادته، ثم قال: وقيل: أراد بالعمال الذين يعملون بأيديهم ويؤاجرون أنفسهم؛ لأن من الناس من لا يقبل شهادة أهل الصناعات الخسيسة، وإنما أورد هذه المسألة ردًّا لذلك القول؛ لأن كسبهم أطيب الكسب على ما جاء في الحديث: «أَفضَلُ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مَنْ يَأْكُل مِنْ كَسبِ يَده» (^٢) فلا يوجب ذلك جرحًا.
وذكر الصدر الشهيد (^٣): إن شهادة الرئيس، والجابي في السكة الذي يأخذ الدراهم، والضراب الذي تجمع عنده الدراهم ويأخذها طوعًا لا تقبل.
وذكر البزدوي في جامِعِهِ: من قام بتوزيع هذه النوائب على المسلمين بالقسط والمعادلة كان مأجورًا، وإن كان أصله من جهة الظلم، فعلى هذا ينبغي أن تقبل شهادة من قام بالتوزيع، ولو كان مجازفًا من العمال في كلامه لا تقبل شهادته.
قوله: (فهو جائز استحسانًا) هاهنا خمس مسائل، الغريمان لهما على الميت، والغريمان عليهما دين والموصى لهما، والموصى إليهما، والوارثان، ويشهد كل فريق أن الميت أوصى إلى هذا، وهو يدعي ذلك - جازت الشهادة، ولا تجوز قياسًا.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٥٧) رقم (٢٠٧٢) من حديث المقدام ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده».
(٣) انظر: شرح أدب القاضي (٨/ ٣١٨).
[ ٦ / ٥٦٥ ]
وَإِنْ أَنْكَرَ الوَصِيُّ لَمْ يَجُزْ) وَفِي القِيَاسِ: لَا يَجُوزُ إِنْ ادَّعَى، وَعَلَى هَذَا إِذَا شَهِدَ المُوصِي لَهُمَا بِذَلِكَ أَوْ غَرِيمَانِ لَهُمَا عَلَى المَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ أَوْ شَهِدَ الوَصِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى إِلَى هَذَا الرَّجُلِ مَعَهُمَا. وَجْهُ القِيَاسِ: أَنَّهَا شَهَادَةٌ لِلشَّاهِدِ لِعَوْدِ المَنْفَعَةِ إِلَيْهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ نَصْبِ الوَصِيِّ إِذَا كَانَ طَالِبًا
(وإن أنكر الوصي ذلك لم يجز) قياسًا، واستحسانًا.
(أنها شهادة للشاهد أي: لنفسه العود المنفعة إليه)، وهذا لأن الوارثين قصدا بهذه الشهادة نصيب من ينصرف لهما، ويقوم بإحياء حقوقهما، والغريمين قصدا نصيب من يستوفيان منه حقهما، ويَبرَءان بالدفع إليه، والوصيان قصدا نصيب من يعينهما على التصرف في مال الميت والموصى لهما قصدا نصيب من يدفع إليهما حقوقهما، فكان الكل يجران إلى أنفسهما نفعًا بشهادتهما، فيرد، وبه قالت الأئمة الثلاثة (^١)؛ لأن شهادة الجار لنفسه نفعا لا تقبل بالإجماع (^٢).
وجه الاستحسان أن بهذه الشهادة لا يثبت للقاضي ولاية لم تكن، فإن له أن ينصب الوصي إذا كان الوصي طالبًا، والموت معروف، فإنما أسقطا عنه مؤنة التعيين؛ لأن القاضي يلزمه أن يتأمل في هذا الوصي أنه: هل يصلح للوصاية لأمانته وديانته وهدايته أم لا؟ وهما بهذه الشهادة زكياه وأخبرا القاضي بأنه أهل لذلك، فكفيت عنه مؤنة التعيين، وصارت كالقرعة، فإنها ليست بحجة، ويجوز استعمالهما في تعيين الأنصباء؛ لدفع التهمة عن القاضي.
فإن قيل: إذا كان للميت وصيان، فالقاضي لا يحتاج إلى نصب وصي آخر عن الميت، وهو إحدى مسائل الخمس، فحينئذ يثبت للقاضي ولاية نصب وصي بشهادتهما.
قلنا: إذا أخبرا أن معهما ثالثًا ملك القاضي نصب ثالث معهما؛ لعجزهما عن القيام بأمور الميت بإقرارهما، إليه أشار الإمام المحبوبي.
_________________
(١) انظر: المدونة (٤/¬٢٨)، الذخيرة (١٠/ ٢٧٠)، الحاوي الكبير (١٧/ ١٦٠)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٤/ ٣٤٩)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٧)، المغني (١٠/ ١٦٧).
(٢) انظر: الإقناع (٢/ ٥٣١)، الإجماع (١/ ٦٧).
[ ٦ / ٥٦٦ ]
وَالمَوْتُ، مَعْرُوفٌ، فَيَكْفِي القَاضِي بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ مُؤْنَةَ التَّعْيِينِ لَا أَنْ يَثْبُتَ بِهَا شَيْءٌ فَصَارَ كَالقُرْعَةِ، وَالوَصِيَّانِ إِذَا أَقَرًّا أَنَّ مَعَهُمَا ثَالِثًا يَمْلِكُ القَاضِي نَصْبَ ثَالِثٍ مَعَهُمَا لِعَجْزِهِمَا عَنْ التَّصَرُّفِ بِاعْتِرَافِهِمَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَنْكَرَا وَلَمْ يَعْرِفْ المَوْتَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ نَصْبِ الوَصِيِّ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ هِيَ المُوجِبَةَ، وَفِي الغَرِيمَيْنِ لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ المَوْتُ مَعْرُوفًا، لِأَنَّهُمَا يُقِرَّانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَيَثْبُتُ المَوْتُ بِاعْتِرَافِهِمَا فِي حَقِّهِمَا (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ أَبَاهُمَا الغَائِبَ وَكَلَهُ بِقَبْضِ دُيُونِهِ بِالكُوفَةِ، فَادَّعَى الوَكِيلُ أَوْ أَنْكَرَهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا) لِأَنَّ القَاضِي لَا يَمْلِكُ نَصْبَ الوَكِيلِ عَنْ الغَائِبِ، فَلَوْ ثَبَتَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا وَهِيَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِمَكَانِ التَّهْمَةِ.
قَالَ: (وَلَا يَسْمَعُ القَاضِي الشَّهَادَةَ عَلَى جَرْحٍ … … … … .
وفي الكتاب أشار إليه بقوله: (والوصيان إذا أقرّا) إلى آخره (^١).
قوله: (وفي الغريمين) إلى آخره، يعني ليس للقاضي ولاية نصب الوصي عند عدم ظهور موت الوصي، فكانت في شهادة الغريمين للميت عليهما تهمة، وهو يقع الإبراء بالدفع إليه، فينبغي ألا تُقبل، فقال: تُقبل هذه الشهادة؛ إذ ليس فيها تهمة؛ لأن ضررهما في ذلك أكثر من نفعهما، فكانت الشهادة على أنفسهما، وشهادة الإنسان على نفسه مقبولة، وهي الإقرار.
وفي الكافي: وقيل: معنى القبول أمر القاضي إياهما بأداء ما عليهما [إليه؛ لإبرائهما عن الدين بهذا الأداء؛ لأن أداء الدين منهما حق عليهما] (^٢) فتقبل، والبراءة حق لهما، فلا تقبل فيهما (^٣).
قوله: (ولا يحكم بذلك) أي: بالجرح.
قيل: هذا تكرار؛ لأن بقوله: (لا يسمع الشهادة على جرح) يفهم.
أجيب بأنه ممكن ألا يسمع، ويحكم بعلمه في صورة، فجاز الانفكاك بينهما في الجملة أو رده؛ لنفي الاحتمال في هذه الصورة.
ومعنى قوله: (على جرح) أي: جرح مجرد متضمن لتفسيق الشهود من غير
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٠، ١٦١)، فتح القدير (٧/ ٤٢٤، ٤٢٥).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٢)، فتح القدير (٧/ ٤٢٥).
[ ٦ / ٥٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يتضمن إيجاب حق من حقوق الشرع، أو من حقوق العباد، نحو: أن يشهد أن الشهود فسقة أو زناة أو أكلة الربا أو شَرَبَة خمر، وعلى إقرارهم أنهم شهدوا بالزور، أو إقرارهم أنهم أجراء في أداء هذه الشهادة، أو على إقرارهم أن المدعي مبطل في هذه الدعوى، أو على إقرارهم أن لا شهادة على المدعى عليه في هذه الحادثة، ففي هذه الوجوه لا تُقبل شهادتهم؛ لأن الشهادة إنما تُقبل على ما يدخل تحت حكم القاضي، وفي وسعه إلزامه، والفسق مما لا يدخل تحت الحكم، وليس في وسع القاضي إلزامه؛ لأنه يدفعه بالتوبة.
ولأن فيه، أي: في الشهادة على الجرح، هذا وجه الثاني من الاستحسان، وعليه الاعتماد، يعني الشاهد بهذه الشهادة صار فاسقا؛ لأن فيه إشاعة الفاحشة، وهي حرام بالنص بلا ضرورة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩]، ولهذا قالوا: المزكي ينبغي ألا يصرح بفسقه، بل يقول: لا أعلم بحاله، ولا أدري: أهو عدل أم لا؟ (^١).
فإن قيل: أليس أنه ﵇ قال: «اذْكُر الفَاجِرَ بِمَا فِيهِ» (^٢)؟
قلنا: هو محمول على ما إذا كان ضرورة يتعدى إلى غيره، ولا يمكن دفع الضرر عنه إلا بعد الإعلام، ولا يقال: إن فيه ضرورة، وهي كف الظالم عن الظلم بأداء الشهادة الكاذبة، وقد قال ﵇: «انْصُر أخَاكَ ظالما أو مظلومًا» (^٣)؛ لأنه لا ضرورة إلى هذه الشهادة على ملأ من الناس، ويمكنه كفه عن الظلم بإخبار القاضي بذلك سرًا، إلا إذا شهدوا على إقرار المدعي أنهم فسقة، أو شهدوا بزور ونحوه؛ لأنهم شهدوا بإظهار الفاحشة عن غيرهم، فيثبت المشهود به.
وكذا الإقرار مما يدخل تحت الحكم، فيقدر القاضي على الإلزام؛ لأنه لا يرتفع بالتوبة.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٢، ١٦٣)، فتح القدير (٧/ ٤٢٦، ٤٢٧).
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٣٠) من حديث معاوية بن حيدة ﵁. وضعفه ابن عدي، وقال: قال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر.
(٣) أخرجه الباري (٣/ ١٢٨ رقم ٢٤٤٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٦ / ٥٦٨ ]
وَلَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الفِسْقَ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُكْمِ، لِأَنَّ لَهُ الدَّفْعَ بِالتَّوْبَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الإِلْزَامُ، وَلِأَنَّهُ هَتْكُ السِّرِّ، وَالسَّتْرُ وَاجِبٌ وَالإِشَاعَةُ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ ضَرُورَةَ إِحْيَاءِ الحُقُوقِ وَذَلِكَ فِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُكْمِ، إِلَّا إِذَا شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِ المُدَّعِي بِذَلِكَ تُقْبَلُ لِأَنَّ الإِقْرَارَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُكْمِ.
قَالَ: (وَلَوْ أَقَامَ المُدَّعَى عَلَيْهِ البَيِّنَةَ أَنَّ المُدَّعِيَ اسْتَأْجَرَ الشُّهُودَ لَمْ تُقْبَلْ) لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى جَرْحٍ مُجَرَّدٍ، وَالاسْتِنْجَارُ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَيْهِ فَلَا خَصْمَ فِي إِثْبَاتِهِ، لِأَنَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ، حَتَّى لَوْ أَقَامَ المُدَّعَى عَلَيْهِ البَيِّنَةَ أَنَّ المُدَّعِيَ اسْتَأْجَرَ الشُّهُودَ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ لِيُؤَدُّوا الشَّهَادَةَ وَأَعْطَاهُمْ العَشَرَةَ مِنْ مَالِي الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ تُقْبَلُ، لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يَثْبُتُ الجَرْحُ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا أَقَامَهَا عَلَى
(ولو أقام رجل) أي: المدعى عليه (البينة أن المدعي استأجر الشهود) لأداء الشهادة (لم تقبل؛ لأنه على جرح مجرد) (^١).
وقوله: (والاستئجار) إلى آخره: جواب سؤال مقدر، بأن يقال: قول المدعى عليه أن المُدّعي استأجرهم ليس بجرح مجرد؛ بل فيه إثبات أمر زائد وهو الاستئجار، وهو حق المدعي فيثبت الجرح في ضمنه.
فأجاب عنه بأن الاستئجار (أمرًا زائدًا عليه) أي: على الجرح المجرد؛ لكن لا خصم في إثباته إذ لا تعلق له بالأجرة، فيبقى جرحًا مجردًا.
فإن قيل: ينبغي ألا تقبل هذه الشهادة في هذه الصورة من وجه آخر بأن يجعل شهداء المدعى عليه مزكين لشهود المدعي، ولهذا لو شهد شاهدان أنهما عدلان وآخران على الجرح، فالجرح أولى.
قلنا: لما شهدا بأن الشهود أجراء كانوا قائلين بأنهم شهود زور، وهو نسبة الفسق؛ فوجب عليهم التعزير، فلم يصيروا معدلين والمعدل في زماننا يعلم القاضي في السر بفسق الشهود؛ احترازًا عن إشاعة الفاحشة وعن التعادي فيما بينهم، كما ذكرنا في مسائل التزكية (^٢).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٣)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/ ٩٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٣، ١٦٤)، فتح القدير (٧/ ٤٢٧).
[ ٦ / ٥٦٩ ]
أَنِّي صَالَحْتِ الشُّهُودَ عَلَى كَذَا مِنْ المَالِ. وَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا البَاطِلِ وَقَدْ شَهِدُوا وَطَالَبَهُمْ بِرَدِّ ذَلِكَ المَالِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَوْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أَنَّ الشَّاهِدَ عَبْدٌ أَوْ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ قَاذِفٌ أَوْ شَرِيكُ المُدَّعِي تُقْبَلُ.
قَالَ: (وَمَنْ شَهِدَ وَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى قَالَ: أُوهِمْتُ بَعْضَ شَهَادَتِي، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا جَازَتْ شَهَادَتُهُ) وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أُوهِمْتُ، أَيْ: أَخْطَأت بِنِسْيَانِ مَا كَانَ يَحِقُّ عَلَيَّ ذِكْرُهُ أَوْ بِزِيَادَةٍ كَانَتْ بَاطِلَةٌ. وَوَجْهُهُ، أَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يُبْتَلَى بِمِثْلِهِ لِمَهَابَةِ مَجْلِسِ القَضَاءِ فَكَانَ العُذْرُ وَاضِحًا فَتُقْبَلُ إِذَا تَدَارَكَهُ فِي أَوَانِهِ وَهُوَ عَدْلٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَامَ عَنْ المَجْلِسِ ثُمَّ عَادَ وَقَالَ: أُوهِمْتُ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ الزِّيَادَةَ مِنْ المُدَّعِي بِتَلْبِيسِ وَخِيَانَةِ
قوله: (ولهذا قلنا) أي: ولما قلنا أنه لو أقام البينة على جرح فيه حق من حقوق العباد أو من حقوق الشرع.
(إنه) أي: المدعى عليه (لو أقام بينة أن الشاهد عبد أو قاذف) والمقذوف يدعيه، (أو محدود في قذف أو شارب خمر أو سارق أو شريك المدعي) والمدعى مال (تقبل) لمكان الحاجة إلى إحياء هذه الحقوق، وفيما إذا قال: إنه محدود في قذف ليس إشاعة الفاحشة؛ لأن الإظهار حصل بقضاء القاضي، وإنما حكوا عن إظهار الفاحشة من الغير (^١).
قوله: (فإن كان عدلًا) أي: عدالته ظاهرة عند القاضي، وإن لم يكن فسأل عنه، فقيل: إنه عدل جازت شهادته كذا في جامع البرهاني.
بزيادة كانت أي: الزيادة (باطلة) والجملة الفعلية صفة للنكرة وهي (بزيادة) (^٢).
قوله: (إذا تداركه في أوانه)، وأوانه قبل البراح من مكانه.
قوله: (ثم عاد) إلى المجلس (وقال: أوهمت) حيث لا يقبل منه ذلك؛ لجواز أنه غرّه المُدّعِي أو المُدّعى عليه بأطماع حطام الدنيا، ثم قيل: يقضي بجميع ما شهد؛ لأن ما شهد به صار حقًا للمدعي على المدعى عليه؛ فلا يبطل
_________________
(١) انظر: فتح القدير (٧/ ٤٢٧، ٤٢٨)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/ ٩٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٤، ١٦٥)، فتح القدير (٧/ ٤٢٩، ٤٣٠).
[ ٦ / ٥٧٠ ]
فَوَجَبَ الاحْتِيَاطُ، وَلِأَنَّ المَجْلِسَ إِذَا اتَّحَدَ لَحِقَ المُلْحَقُ بِأَصْلِ الشَّهَادَةِ فَصَارَ كَكَلَامِ وَاحِدٍ، وَلَا كَذَلِكَ إِذَا اخْتَلَفَ. وَعَلَى هَذَا: إِذَا وَقَعَ الغَلَطُ فِي بَعْضِ الحُدُودِ أَوْ فِي بَعْضِ النَّسَبِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ مَوْضِعَ شُبْهَةٍ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ بِإِعَادَةِ الكَلَامِ أَصْلًا، مِثْلُ: أَنْ يَدَعَ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ، وَإِنْ قَامَ عَنْ المَجْلِسِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا.
بقوله: أوهمت، وقيل: يقضي بما بقي، حتى لو شهد بالألف، ثم قال: غلطت في خمسمائة، بل هو خمسمائة يُقضى عليه بخمسمائة؛ لأن ما حدث بعد الشهادة قبل القضاء يجعل كحدوثه عند الشهادة، ولو شهد بخمسمائة لم يقض بألف، كذا هنا، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي (^١).
قوله: (في بعض الحدود) بأن ذكر الجانب الشرقي مكان الجانب الغربي أو على العكس أو في بعض النسب بأن ذكر محمد بن أحمد بن عمر فكان محمد بن علي بن عمر مثلا يقبل شهادته إذا تداركه في المجلس ولا يقبل بعده (^٢).
قوله: (وهذا) أي: اعتبار اتحاد المجلس في عدم التلبيس.
(فأما إذا لم يكن) أي: موضع شبهة.
بأن يدع لفظة الشهادة، أو ما يجري مجرى ذلك بأن تدارك اسم المدعي أو المدعى عليه، أو يترك الإشارة إلى أحدهما (^٣).
فإن قيل: ففيما فيه يقبل التدارك في المجلس أو بعده، أي: وقت فرض صورة المسألة قبل القضاء أو بعده؟
قلنا: في حق ترك لفظة الشهادة قبل القضاء؛ لامتناع القضاء بدون لفظ: أشهد، وفي موضع شبهة التلبيس، وهو موضع الزيادة والنقصان.
ففي الذخيرة (^٤) وجامع المحبوبي: لا يتفاوت ذلك قبل القضاء وبعده فيما روى الحسن عن أبي حنيفة، وروى بسر عن أبي يوسف في رجل شهد ثم جاء بعد ذلك بيوم فقال: شككت في كذا وكذا في شهادتي، فإن كان القاضي يعرفه
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٥)، فتح القدير (٧/ ٤٣٠).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٣٠، ٤٣١)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٥، ١٦٦).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٦)، فتح القدير (٧/ ٤٣٠).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٤٤٣).
[ ٦ / ٥٧١ ]
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ المَجْلِسِ إِذَا كَانَ عَدْلًا، وَالظَّاهِرُ (*) مَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.