قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَ الحُرُّ عَنْ عَبْدِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ أَدَّى عَنْهُ عَتَقَ، وَإِنْ بَلَغَ العَبْدُ فَقَبِلَ: فَهُوَ مُكَاتَبٌ) وَصُورَةُ المَسْأَلَةِ: أَنْ يَقُولَ الحُرُّ لِمَوْلَى الْعَبْدِ: كَاتِبْ عَبْدَكَ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، عَلَى أَنِّي إِنْ أَدَّيْت إِلَيْكَ أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ، فَكَاتَبَهُ المَوْلَى عَلَى هَذَا:
التأجيل كما يصير ممنوعًا بنفس التبرع، وتبرع المريض يعتبر من ثلث المال، وجميع الثمن هنا بدل الرقبة؛ لجريان أحكام الإبدال من الأخذ بالشفعة إلى آخر ما ذكرنا.
وعند محمد الأجل فيما زاد فصح من رأس المال، ويعتبر في قدر القيمة من الثلث، ولو كان على العكس بأن كاتبه على ألف وقيمته ألفان كما ذكر في المتن يؤدي ثلثي القيمة وهو الألف حالا، أو يُرَدُّ رقيقا بالاتفاق؛ لأنه تبرع بإسقاط إحدى الألفين وتأخير الألف الأخرى، فيصح في الثلث ويبطل في الزيادة.
بَابُ مِنْ يُكَاتِبُ [عَنْ] (^١) الْعَبْدِ
لما فرغ من بيان أحكام تتعلق بالأصل في الكتابة شرع في بيان أحكام تتعلق بالنائب فيها.
قوله: (وإذا كاتب الحر عن عبد) أي: قبل الحر الأجنبي عقد الكتابة عن العبد فضوليا، وقيد بالحر؛ للاحتراز عن المسألة التي تليها.
قوله: يعتق بأدائه أي بأداء الحرّ وذا يصح من غير قبول العبد صار مكاتبا خلافا للأئمة الثلاثة إذ يبطل العقد ولا يتوقف عندهم.
_________________
(١) في الأصل: (على)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٣٩٦ ]
يُعْتَقُ بِأَدَائِهِ بِحُكْمِ الشَّرْطِ، وَإِذَا قَبِلَ العَبْدُ صَارَ مُكَاتَبًا، لِأَنَّ الكِتَابَةَ كَانَتْ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَارَتِهِ وَقَبُولُهُ إِجَازَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: عَلَى أَنِّي إِنْ أَدَّيْتَ إِلَيْكَ أَلْفًا: فَهُوَ حُرٌّ، فَأَدَّى، لَا يُعْتَقُ قِيَاسًا، لِأَنَّهُ لَا شَرْطَ، وَالعَقْدُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ العَبْدِ.
وَفِي الاسْتِحْسَانِ: يُعْتَقُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ لِلْعَبْدِ الغَائِبِ فِي تَعْلِيقِ العِتْقِ بِأَدَاءِ القَائِلِ، فَيَصِحُ فِي حَقِّ هَذَا الحُكْمِ، وَيُتَوَقَّفُ فِي حَقِّ لُزُومِ الأَلْفِ عَلَى العَبْدِ. وَقِيلَ: هَذِهِ هِيَ صُورَةُ مَسْأَلَةِ الكِتَابِ (وَلَوْ أَدَّى الحُرُّ البَدَلَ، لَا يَرْجِعُ عَلَى العَبْدِ)
قوله: (يعتق بأدائه) وهو قول للأئمة الثلاثة.
وفي الاستحسان: يعتق؛ لأن الكتابة نافذة فيما ينفع العبد، وهو أن يعتق عند أداء المشروط موقوفةً فيما يرجع إلى وجوب البدل عليه نظرا للعبد وتصحيحا للعقد بقدر الإمكان، وهذا بخلاف البيع، فإن في البيع يتوقف على إجازة المخير فيما له وفيما عليه، وهاهنا لا يتوقف فيما له؛ لأن المولى يملك إيجاب ما يثبت بعقد الكتابة وهو العتق بغير رضاه، والأجنبي أيضًا يملك إيجاب الحرية للمكاتب بأداء بدل الكتابة فيعتق بأدائه، فلذا اعتبر فعل الأجنبي فيما له دون فيما عليه.
أما في البيع القول بالنفاذ فيما يجب له دون ما يجب عليه غير ممكن؛ لأنه معاوضة من كل وجه، فيقتضي المساواة من الجانبين، فلذلك يوقف هنا فيما له وفيما عليه.
(وقيل: هذه) أي: بغير كلمة الشرط.
(صورة مسألة الكتاب) وقيل: المسألة مصورة بصورة التعليق كما ذكر في المتن.
وفي جامع التمرتاشي: لو قال العبد لا أقبله ثم أدى القابل الألف لم يعتق؛ لأنه ارتد العتق برده كذا روي عن محمد.
وكذا لو قال في صورة مسألة الكتاب: كاتب عبدك عني بألف فكاتبه، تصح الكتابة ويقع العتق عن المأمور في هذه الصورة كلها، بخلاف ما لو قال: أعتق عبدك عني بألف فأعتقه، فإن هناك يقع العتق عن الأمر، والفرق أن العتق
[ ٧ / ٣٩٧ ]
لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعُ.
أقوى من الملك حيث إن الملك يحتمل النقض بعد ثبوته، والعتق لا يحتمل، فأمكن إثبات الملك تبعا للعتق؛ لأن الأعلى يستتبع الأدنى، فأما الملك والكتابة فيستويان من حيث إن كل واحد منهما يحتمل النقض بعد ثبوته، ثم الملك يترجح عليه؛ لأنه يملك بحقيقة الملك من التصرف ما لا يملك بالكتابة، فكان الملك فوق الكتابة، فتعذر إثباته تبعا للكتابة؛ لأن الأدنى لا يستتبع الأعلى.
قوله: (لأنه متبرع) ولا مضطر في أدائه، وهل يرجع على المولى ويسترد منه ما أداه؟ إن أداه بحكم الضمان يسترده؛ لأن ضمانه كان باطلا، وصورته أن يقول: كاتب عبدَكَ على ألف على أني ضامن، يرجع عليه؛ لأن ضمانه كان باطلا؛ لأنه ضمن غير الواجب، فيكون أداؤه بالضمان الفاسد فيرجع، ألا ترى أنه لو ضمن المال في الكتابة الصحيحة فأدى يرجع بما أدى عليه؟ فهذا أولى، وإن أداه بغير ضمان لا يرجع؛ لأنه متبرع، فإنه تبرع لتحصيل العتق وقد حصل فتم أداؤه فلا يرجع، فلو أدى البعض له أن يرجع سواء أدى بضمان أو غير ضمان.
فإن أدى بضمان فلما مر، وإن أدى بغير ضمان فكذلك؛ لأنه لم يحصل غرضه وهو العتق، فكان حكم الأداء موقوفا فيرجع كمن تبرع بأداء الثمن في البيع الموقوف كان له أن يسترد من البائع.
أما لو أدى البعض بعد إجازة العبد لا يرجع؛ لأن ثم حصل مقصود آخر وهو براءة ذمة العبد عن بعض البدل، هذا إذا أراد أن يرجع على المولى قبل إجازة العبد فلو أراد الرجوع بعد إجازة العبد فلو أدى بحكم الضمان يرجع لما ذكرنا.
وإن أدى بغير الضمان لا يرجع، سواء أدى الكل أو البعض؛ لأن أداءه يكون مُبرِّنا ذمة المكاتب عن البدل فيحصل مقصوده فلا يرجع.
هذا إذا قال الحر للمولى: كاتب عبدك على ألف علي، فإن قال: أعتقه بألف فهو على أربعة أوجه، أما إن قال: أعتقه بألف ولم يرد عليه، أو قال: عني بألف، أو قال: أعتقه بألف عليّ، أو قال: أعتقه عن نفسك بألف علي.
[ ٧ / ٣٩٨ ]
قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَ العَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ عَبْدٍ آخَرَ لِمَوْلَاهُ وَهُوَ غَائِبٌ، فَإِنْ أَدَّى الشَّاهِدُ، أَوْ الغَائِبُ: عَتَقَا) وَمَعْنَى المَسْأَلَةِ: أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: كَاتِبْنِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى فُلَانٍ الغَائِبِ، وَهَذِهِ كِتَابَةٌ جَائِزَةٌ اسْتِحْسَانًا.
وَفِي القِيَاسِ: يَصِحُ عَلَى نَفْسِهِ، لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهَا، وَيُتَوَقَّفُ فِي حَقِّ الغَائِبِ، لِعَدَمِ
ففي الأول: لَا يجب على الفضولي شيء إذا أعتقه وَلَو أَدَّى يسترده مِنْهُ وَلَو استهلكه يضمنه؛ لِأَنَّ الإعتاق متردد بَين أَنْ يَقع عَنْ المأمور وَبَين أَنْ يَقع عَنْ الأمر، ووقوعه عَنْ المَالِك أصل وَعَنْ غَيره عَارض، فَإِذا وَقع العتق عَنْ المَالِك هُوَ المنتفع بملك نَفسه فَلَا يستوجب الْبَدَل على غَيره.
وَفِي الْوَجْه الثَّانِي: يَقع العتق عَنْ الأمر ويلزمه المَال عِنْد علمائنا الثَّلَاثَة استحسانا اقتضاء.
وفي الْوَجْه الثَّالِث: لَا يلزمهُ شيء من المَال؛ لِأَنَّ الْوَلَاء ثَبت للمأمور هُوَ المنتفع بملكه فَلَا يستوجب الْبَدَل على الأمر، بِخِلَاف مَا لَو قَالَ: طلقِ امرَأَتَكَ على ألف عليّ حَيْثُ يلْزم الْألف على الأمر؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَة للزَّوْج فِي إِيقَاع الطَّلَاق كَذَا ذكره شمس الْأَئِمَّة السرخسي وَالصَّدْر الشَّهِيد.
وَذكر شيخ الْإِسْلَام خَوَاهِر زاده: أَنْ المَال يلْزم الأمر بالإعتاق وَيَقع العتق عَنهُ؛ لِأَن قَوْله: عَليَّ، إِيجَاب ضمان على نَفسه، وَلَا صِحَة لَهُ إِلَّا بعد وُقُوع العتق عَنهُ، فيثبت الأمر بالعتق عَنْ نَفسه بمقتضى صِحَة إِيجَاب الضَّمَان عَلَيْهِ كَمَا لَو قَالَ: أعتق عبدك عني بِألف.
وَفِي الْوَجْه الرَّابِع: لَا يلزمهُ المَال وَلَهُ أَنْ يسترده إِذا أَدَّاهُ إِلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلك: كل طَعَامك بعوض عَليّ، بِخِلَاف قَوْله: طلق امرأتك عَنْ نَفسك بِألف علي، حَيْثُ يلْزمهُ الْألف لما ذكرنَا كَذَا فِي جَامع المحبوبي ومبسوط شيخ الْإِسْلَام.
قَوْله: (وَإِذا كَاتَبَ العَبْد عَنْ نَفسه وَعَنْ عبد آخر) أَي قبل العَبْد عقد الْكِتَابَة عَنْ مَوْلَاهُ وَعَنْ نَفسه وَعَنْ عبد غَائِب، يتَوَقَّف فِي حق الغائب قياسا؛ لعدم ولايته عَلَيْهِ كَمَا لَو جمع بَين عَبده وَبَين عبد غَيره فباعهما.
وَعِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة: لَا يَصح فِي حق العَبْد الغَائِب، وَهُوَ الْقيَاس.
[ ٧ / ٣٩٩ ]
الوِلَايَةِ عَلَيْهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الحَاضِرَ بِإِضَافَةِ العَقْدِ إِلَى نَفْسِهِ ابْتِدَاءً جَعَلَ نَفْسَهُ فِيهِ أَصْلًا وَالغَائِبُ تَبَعًا، وَالكِتَابَةُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ مَشْرُوعَةٌ، كَالأَمَةِ إِذَا كُوتِبَتْ دَخَلَ أَوْلَادُهَا فِي كِتَابَتِهَا تَبَعًا حَتَّى عَتَقُوا بِأَدَائِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ البَدَلِ شَيْءٌ، وَإِذَا أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ يَنْفَرِدُ بِهِ الحَاضِرُ،
وجه الاستحسان: أنه أمكن تصحيح تصرف المولى في حق الغائب بأن يجعل عتق الغائب معلقا بأداء الحاضر، كما لو كاتب الحاضر بألف ثم قال له: إن أديتها ففلان حر، فإنه يصح من غير قبول الغائب، وهذا لأن المولى خاطب الحاضر قصدا وجعل الغائب تبعا له.
والكتابة على هذا الوجه مشروعة، كما لو كاتب الأمة دخل أولادها في كتابتها تبعًا حتى يعتق بأدائها، فكذلك هاهنا، فإذا نفذ فلا يتوقف على قبول الغائب بشيء من بدل الكتابة ولا يعتبر رده الكتابة وإجازته، ولو اكتسب شيئًا لا يأخذه المولى من يده، وليس للمولى أن يبيعه من غيره ولو أبرأه المولى أو وهبه بدل الكتابة لا يصح إذ ليس عليه شيء من البدل، أما لو أبرأ الحاضر أو وهبه البدل عتقا جميعا كذا ذكر المحبوبي وغيره.
ولا يقال ينبغي على هذا أن المولى إذا أعتق الغائب لا تبطل حصته من بدل الكتابة كما في أولاد الجارية، والحال أنه تبطل وينبغي أن يعتق الغائب بعتق الحاضر كما في الأولاد، والحال أن الغائب لا يعتق لعتق الحاضر.
لأنا نقول في المسألة الأولى: إنما لا يسقط شيء من بدل الكتابة عند إعتاق الولد المولود في الكتابة؛ لأن الولد لم يكن مقصودا في العقد، إذ هو غير موجود وقت العقد بل دخل تبعًا، فلا يسقط بفواته شيء من البدل بخلاف العبد الغائب؛ لأنه تبع من وجه من حيث إنه لا ضرر على الغائب في انعقاد العقد وأصل من وجه من حيث إن العقد أضيف إليه مقصودًا فكان البدل منقسما عليهما بالنظر إلى أصل العقد، فلهذا سقطت حصته، وأما الأولاد فتبع من كل وجه فلا يسقط شيء من البدل بإعتاقهم؛ لأن البدل لا يقابل الإتباع، إليه أشار في المبسوط (^١)، وجامع المحبوبي.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٨/¬٢٤).
[ ٧ / ٤٠٠ ]
فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِكُلِّ البَدَلِ لِأَنَّ البَدَلَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا فِيهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الغَائِبِ من البَدَلِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ تَبَعٌ فِيهِ.
قَالَ: (وَأَيُّهُمَا أَدَّى عَتَقَا، وَيُجْبَرُ المَوْلَى عَلَى القَبُولِ) أَمَّا الحَاضِرُ فَلِأَنَّ البَدَلَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الغَائِبُ: فَلِأَنَّهُ يَنَالُ بِهِ شَرَفَ الحُرِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ البَدَلُ عَلَيْهِ وَصَارَ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ إِذَا أَدَّى الدَّيْنَ يُجْبَرُ المُرْتَهِنُ عَلَى القَبُولِ لِحَاجَتِهِ إِلَى اسْتِخْلَاصِ عَيْنِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ عَلَيْهِ. قَالَ: (وَأَيُّهُمَا أَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ) لِأَنَّ الحَاضِرَ قَضَى دَيْنَا عَلَيْهِ، وَالغَائِبُ مُتَبَرِّعٌ بِهِ غَيْرُ مُضْطَرٌ إِلَيْهِ.
قوله: (فله أن يأخذه) أي: للمولى أن يأخذ العبد الحاضر بكل البدل.
قوله: (ويجبر المولى على القبول).
في القياس: لا يجبر؛ لأن الغائب متبرع غير مطالب بشيء من البدل وهو قول الأئمة الثلاثة.
ولأن البدل يسقط بموت من عليه حين لم يترك وفاء، وينفسخ العقد ويبقى الغائب عبدًا قنا للمولى، ولكنا استحسنًا بأنه يجبر على القبول حتى يُعْتَقَا جميعا بأداء الغائب؛ لأن حكم العقد ثبت في حق الغائب فيما لا يصير به في جواب الاستحسان، ولكنه بمنزلة البيع بحكم العقد في حق الحاضر، كذا في المبسوط (^١).
وفي جامع المحبوبي: إلا أنه يقبل منه المال حالا ولا يمكن من السعاية على نجوم الحاضر، نص عليه محمد في المكاتب.
وذلك لأن الأجل كان ثابتًا للحاضر حقًا له فلا يثبت حقا لغيره، كمن اشترى دارا بثمن مؤجل، فالشفيع يأخذها بثمن حال لما أن الأجل وصف في الدين وليس في ذمة الغائب دين فلا يثبت الأجل في حقه أيضًا؛ لأن الحاضر قضى دينا عليه إذ بدل الكتابة عليه وذلك كالمكاتب إذا أدى البدل حتى عتق هو وأولاده المولود في الكتابة لم يرجع على ولده بشيء لما قلنا أن الدين عليه.
قوله: (متبرع غير مضطر) أي: من جهة الحاضر بل طلب نفعًا مبتدأ
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٨/¬١٥).
[ ٧ / ٤٠١ ]
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ العَبْدَ الغَائِبَ بِشَيْءٍ) لِمَا بَيَّنَّا (فَإِنْ قَبِلَ العَبْدُ الغَائِبُ، أَوْ لَمْ يَقْبَلْ: فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنهُ بِشَيْءٍ، وَالكِتَابَةُ لَازِمَةٌ لِلشَّاهِدِ) لِأَنَّ الكِتَابَةَ نَافِذَةٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَبُولِ الغَائِبِ، فَلَا تَتَغَيَّرُ بِقَبُولِهِ، كَمَنْ كَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ، حَتَّى لَوْ أَدَّى لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ، كَذَا هَذَا.
قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَتِ الأَمَةُ عَنْ نَفْسِهَا، وَعَنْ ابْنَيْنِ لَهَا صَغِيرَيْنِ: فَهُوَ جَائِزٌ، وَأَيُّهُمْ أَدَّى لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ، وَيُجْبَرُ المَوْلَى عَلَى القَبُولِ، وَيُعْتَقُونَ) لِأَنَّهَا
بخلاف مُغَيِّرِ الرهن؛ لأنه مضطر فيه لأنه يفوت ملكه الثابت.
قوله: (فإن قبل الغائب أو لم يقبل فليس ذلك منه بشيء) أي: يؤثر قبوله في لزوم بدل الكتابة عليه؛ لأنه ليس للمولى أن يأخذ الغائب أجاز الغائب أو لم يجز، وكذلك رده لا يؤثر في حق رده عقد الكتابة عن الحاضر بل العقد لازم.
(للشاهد) أي: الحاضر وإن رده الغائب.
قوله: (وإذا كاتبت الأمة عن نفسها وعن ابنين لها صغيرين) أي: قبلت عقد الكتابة على نفسها على أنها والحكم في العقد كذلك وليس في وضع المسألة في الأمة فائدة سوى ما ذكره في كشف الغوامض أن لرواية الجامع من الفائدة ما ليس في مكاتب المبسوط فإن هناك المسألة فيمن كاتب عبده على نفسه وأولاده الصغار فلولا رواية الجامع القائل بقول للأب على الصغير ولاية وليس للأم، فرواية الجامع الصغير تبين أن ذلك كله سواء.
وفائدة وضع المسألة في الصغيرين وإن كان في الكبيرين كذلك هي ترتيب ما ذكره من الجواب بقوله: (وأيهم أدى لم يرجع على صاحبه).
(ويعتقون)؛ لأنه لولا هذا الوضع لقائل أن يقول في مثل هذا الوضع: إذا أدى أحد الاثنين ينبغي أن لا يعتق الابن الآخر؛ لأنه لا أصالة بينهما ولا تبعية، بخلاف الأمة وابنها فإن أداء الأم كأداء ابنها بطريق أنها تستتبعه، وكذلك أداء الابن كأداء أمه؛ لدخوله في كتابتها تبعا، أما أداء هذا الابن ليس كأداء أخيه لما أنه لا تبعية بينهما.
[ ٧ / ٤٠٢ ]
جَعَلَتْ نَفْسَهَا أَصْلًا فِي الكِتَابَةِ وَأَوْلَادَهَا تَبَعًا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى وَهِيَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ الأَجْنَبِيِّ.