قَالَ: (وَإِذَا عَجَزَ المُكَاتَبُ عَنْ نَجْمٍ: نَظَرَ الحَاكِمُ فِي حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ يَقْبِضُهُ، أَوْ مَالٌ يَقْدُمُ عَلَيْهِ: لَمْ يُعجِّلْ بِتَعْجِيزِهِ، وَانْتَظَرَ عَلَيْهِ اليَوْمَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةَ) نَظَرًا
بالتدبير، بخلاف الأول فإن هناك نصيبه كان مدبرًا حين أعتق فلا يكون شرط التضمين تمليك العين منه كذا ذكره المحبوبي.
وهو نظير ما إذا غصب قنا فدبره المالك لم يبق الغاصب ضامنا؛ لأن ضمانه في الابتداء انعقد بشرط التملك، فلم يبق ذلك الشرط فلا يبقى المشروط بخلاف ما لو غصب مدبرًا ابتداء حيث يضمن؛ لأن ضمانه انعقد لا بشرط التملك فيبقى كذلك.
بَابٌ: مَوْتُ الْمُكَاتَبِ وَعَجْزُهُ وَمَوْتُ الْمَوْلَى
تأخير الباب ظاهر التناسب إذ الموت والعجز بعد العقد.
قوله: (عن نجم) النجم هو الطالع، ثم سمي به الوقت المضروب، ومنه قول الشافعي: أقل التأجيل نجمان أي: شهران، ثم سمي به ما يؤدى فيه من الوظيفة، ومنه حديث عمر أنه حط عن مكاتب أول نجم حل عليه أي: أول وظيفة من وظائفه بدل الكتابة، ومنه قولهم: نجم الدية أي: أداها نجوما، كذا في الصحاح والمغرب.
قوله: (وانتظر عليه اليومين والثلاثة).
وقال أصحاب الشافعي وأحمد فإن [كان] (^١) ماله أو دينه غائبا على مسافة القصر لم يلزم التأخير؛ لطول المدة، وإن كان ما دون السفر لزمه التأخير إلى أن يحضره، ودينه على إنسان إن كان حالا ومن عليه مليء وجب التأخير إلى استيفائه كما لو كانت له وديعة عند غيره، وإن كان مؤجلا أو على معسر فلا
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٤١٥ ]
لِلْجَانِبَيْنِ، وَالثَّلَاثُ هِيَ المُدَّةُ الَّتِي ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ، كَإِمْهَالِ الخَصْمِ لِلدَّفْعِ وَالمَدْيُونِ لِلْقَضَاءِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ، وَطَلَبَ المَوْلَى تَعْجِيزَهُ: عَجَّزَهُ وَفَسَخَ الْكِتَابَةَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُعَجِّزُهُ حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهِ نَجْمَانِ) (*) لِقَوْلِ عَلِيٌّ ﵁: إِذَا تَوَالَى عَلَى المُكَاتَبِ نَجْمَانِ رُدَّ فِي الرِّقٌ عَلَّقَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ حَتَّى كَانَ أَحْسَنُهُ مُؤَجَّلَهُ، وَحَالَةُ الوُجُوبِ بَعْدَ حُلُولِ نَجْمٍ، … .
يجب التأخير، ولو حل نجم وهو نقد وله عروض يلزمه التأخير إلى بيعه.
وفي التهذيب: مدة التأخير للبيع ثلاثة أيام ولا يلزم أكثر من ذلك، كذا في شرح الوجيز.
وعند مالك إذا عجز عن نجم تفسخ الكتابة بعد أن تتلوم الأيام ويجتهد الإمام في أمل التلوم فيمن يرجى له، ذكره في الجواهر.
قوله: (كإمهال الخصم للدفع) فإن المدعى عليه إذا توجه عليه الحكم فادعى الدفع وقال: لي بينة حاضرة يؤخر يوما أو يومين أو ثلاثة ولا يزاد عليه، وجعلوا هذا التقدير من باب التعجيل دون التأخير فكذا هاهنا، كذا ذكره المحبوبي.
والأصل فيه قصة موسى مع معلمه حيث قال في الثالثة ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] وكذا قدر صاحب الشرع مدة الخيار بالثلاثة.
قوله: (علقه) أي: على هذا الشرط، والمعلق بالشرط معدوم قبله، وهذا لا يعرف قياسا فكان المروي عنه عن النبي ﷺ، وبقول أبي يوسف قال أحمد، وابن أبي ليلى، وابن عيينة، والحسن بن حي.
كان أحسنه مؤجله فالتأجيل والتنجيم لازم عند الشافعي وأحمد، وعندنا ومالك سنة، فكان التيسير فيه مقصودا.
قوله: (وحالة الوجوب بعد حلول نجم …) إلى آخره يعني الفسخ للعجز،
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
[ ٧ / ٤١٦ ]
فَلَا بُدَّ مِنْ إِمْهَالِ مُدَّةٍ اسْتِيسَارًا، وَأَوْلَى المُدَدِ مَا تَوَافَقَ عَلَيْهِ العَاقِدَانِ.
وَلَهُمَا: أَنَّ سَبَبَ الفَسْخِ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ العَجْزُ، لِأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ وَاحِدٍ، يَكُونُ أَعْجَزَ عَنْ أَدَاءِ نَجْمَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَقْصُودَ المَوْلَى الوُصُولُ إِلَى المَالِ عِنْدَ حُلُولِ نَجْمِ، وَقَدْ فَاتَ، فَيُفْسَخُ إِذَا لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِدُونِهِ، بِخِلَافِ اليَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنهَا لِإِمْكَانِ الأَدَاءِ فَلَمْ يَكُنْ تَأْخِيرًا، وَالْآثَارُ مُتَعَارِضَةٌ، فَإِنَّ المَرْوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ مُكَاتَبَةٌ لَهُ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ وَاحِدٍ فَرَدَّهَا فَسَقَطَ الاحْتِجَاجُ بِهَا.
ولا يتحقق العجز إلا بتوالي نجمين فلا يثبت حق الفسخ قبل دليله، وهذا لأنه لما مضى نجم صار حالا، والعجز عن البدل الحال لا يوجب الفسخ، ولا يتحقق إلا بعد الإمهال وإيلاء العذر.
(وأَوْلَى المُدَد) أي: أحقُّ الآجال (ما أجمع عليه العاقدان) وهو النجم الثاني، فإذا مضى الثاني تحقق العجز فوجب الفسخ.
ولنا ما روي عن ابن عمر أن مكاتبا له عجز عن نجم فرده في الرق وما ذكر من المعقول في المتن.
قوله: (إذا لم يكن راضيا به) أي: فيفسخ المولى الكتابة إذا لم يكن راضيا لبقاء الكتابة بعد ذلك النجم الذي شرطه، أو فيفسخ القاضي إذا لم يكن المولى راضيا به بدون ذلك النجم على ما ذكرنا من اختلاف الروايتين من الذخيرة إذا أراد المولى الفسخ عند العجز، وإن لم يرض المكاتب بالفسخ يفسخ المولى العقد بنفسه.
في رواية لا يصح فسخه ويحتاج إلى قضاء القاضي، وفي رواية يصح.
وقوله: (والآثار متعارضة) جواب عما تمسك به أبو يوسف بقول علي، فإن الأثر المروي عن ابن عمر يعارضه ما ذكره في الكتاب.
(فسقط الاحتجاج بها) أي: بالآثار للتعارض، فإن الأثرين إذا تعارضا وجهل التاريخ تساقطا فيصار إلى ما بعدهما من الحجة، فبقي ما قالا من الدليل بقوله: (أن سبب الفسخ …) إلى آخره، أو بقول حديث علي بيان أن أحق الفسخ
[ ٧ / ٤١٧ ]
قَالَ: (فَإِنْ أَخَلَّ بِنَجْمِ عِنْدَ غَيْرِ السُّلْطَانِ، فَعَجَزَ فَرَدَّهُ مَوْلَاهُ بِرِضَاهُ: فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ الكِتَابَةَ تُفْسَخُ بِالتَّرَاضِي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَبِالعُذْرِ أَوْلَى (وَلَوْ لَمْ يَرْضَ بِهِ العَبْدُ لَا بُدَّ مِنْ القَضَاءِ بِالفَسْخِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ تَامٌ فَلَا بُدَّ مِنْ القَضَاءِ أَوْ الرِّضَا كَالرَّدُ بِالعَيْبِ
بكسر النجمين وليس فيه نفي جواز الفسخ عند كسر نجم واحد، بل هو مسكوت على ما عرف من مذهبنا، فنقول به إذا قام الدليل، وقد قام الدليل وهو حديث ابن عمر؛ لأنه يحمل على السماع؛ لأنه لا يدرك بالقياس، إليه أشار الإمام المحبوبي.
قوله: (أخل بنجم) يقال: أخلَّ الفارس بمركزه إذا ترك موضعه الذي عينه الأمير، ثم استعمل هاهنا في ترك أداء وظيفة بدل الكتابة (عند غير السلطان) أي: عند غير القاضي.
قوله: (ولو لم يرض به العبد لا بد من القضاء بالفسخ).
وفي المبسوط: حديث علي وابن عمر يدلان على أن للمولى فسخ الكتابة عند العجز من غير القضاء فيكون حجة على ابن أبي ليلى، فإنه يقول: لا يرد في الرق إلا بالقضاء؛ لأن العجز عنده لا يتحقق بدون القضاء؛ لأن مال الله غاد ورائح وصار نظير عجز العنين.
وقلنا: العقد تم بتراضيهما، والمولى ما رضي بلزوم العقد إلا بشرط، فإذا فات الشرط تمكن من فسخه؛ لانعدام رضائه، وقد ذكرنا اختلاف الروايتين من الذخيرة.
وجه الرواية التي لا تشترط القضاء أن هذا عيب تمكن في أحد العوضين قبل تمام العقد؛ لأن تمام الكتابة بالأداء فيشبه بهذا الوجه بما لو وجد المشتري عيبا قبل القبض، وهناك ينفرد المشتري بالفسخ فكذا هاهنا، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد.
وجه الرواية الأخرى أن هذا عيب تمكن في أحد العوضين بعد القبض؛ لأن المكاتب بالعقد صار في يده، فأشبه من هذا الوجه ما لو وجد المشتري عيبا بعد القبض فلا ينفرد بالفسخ ويحتاج إلى القضاء فكذا هذا وبه قال الشافعي في قول، ومالك.
[ ٧ / ٤١٨ ]
بَعْدَ القَبْضِ. قَالَ: (وَإِذَا عَجَزَ المُكَاتَبُ: عَادَ إِلَى أَحْكَامِ الرِّقْ) لِانْفِسَاخِ الكِتَابَةِ (وَمَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ الأَكْسَابِ فَهُوَ لِمَوْلَاهُ) لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى مَوْلَاهُ، وَقَدْ زَالَ التَّوَقُفُ.
قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ المَكَاتِبُ وَلَهُ مَالٌ: لَمْ تَنْفَسِخِ الكِتَابَةُ وَقُضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَحُكِمَ بِعِثْقِهِ فِي آخَرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ، وَمَا بَقِيَ، فَهُوَ مِيرَاتٌ لِوَرَثَتِهِ وَيَعْتِقُ أَوْلَادُهُ) وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٌّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا ﵏.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَبْطُلُ الكِتَابَةُ، وَيَمُوتُ عَبْدًا وَمَا تَرَكَهُ لِمَوْلَاهُ، وَإِمَامُهُ فِي
قوله: (موقوفا عليه أو على مولاه) لأنه إن أدَّى البدل فكسبه له، وإن لم يُؤدِّهِ فكسبه لمولاه.
قوله: (ويعتق أولاده) أي: المولودون أو المشترون في حال الكتابة.
قوله: (وبه أخذ علماؤنا) ومالك أيضًا.
إن كان له ولد مملوك دخل في كتابته معه، ويجبر الولد على الاكتساب والأداء، وإن لم يترك وفاء عنده وإن كان له ولد حر انفسخت الكتابة.
قال ابن حزم: هذا قول لم يقل به أحد من خلق الله قبله، ولم يأت به نص قط ولا رواية فاسدة ولا قياس، ولا يعقل.
وقيل في جوابه: لما كان المكاتب ليس له حكم العبيد ولا حكم الأحرار وجب أن يكون لميراثه حكم آخر غير حكم العبيد وغير حكم الأحرار، نظرا إلى الجهتين أو عملا بالأثرين.
قوله: (وقال الشافعي تبطل الكتابة ويموت عبدًا)، وبه قال أحمد والنخعي والشعبي وقتادة وأبو سليمان وأصحابه وعمر بن عبد العزيز.
(وإمامه) أي: إمام الشافعي في ذلك زيد وابن عمر أيضًا، وروي أن عمر بن الخطاب قضى بذلك، وله ظاهر قوله ﵊: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/¬٢٠، رقم ٣٩٢٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٢٤ رقم ٢١٤٢٧).
[ ٧ / ٤١٩ ]
ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁، وَلِأَنَّ المَقْصُودَ مِنْ الكِتَابَةِ عِتْقُهُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إِثْبَاتُهُ فَتَبْطُلُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَثْبُتَ بَعْدَ المَمَاتِ مَقْصُودًا أَوْ يَثْبُتَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مُسْتَنِدًا، لَا وَجْهَ إِلَى الأَوَّلِ، لِعَدَمِ المَحَلِّيَّةِ، وَلَا إلَى الثَّانِي، لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْأَدَاءُ، وَلَا إلَى الثَّالِثِ لِتَعَذُّرِ الثُّبُوتِ فِي الحَالِ وَالشَّيْءُ يَثْبُتُ ثُمَّ يَسْتَنِدُ.
وَلَنَا: أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ وَهُوَ المَوْلَى فَكَذَا بِمَوْتِ الْآخَرِ، وَالجَامِعُ بَيْنَهُمَا الحَاجَةُ إِلَى إِبْقَاءِ العَقْدِ لِإِحْيَاءِ الحَقِّ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ حَقَّهُ أَكَدُ مِنْ حَقِّ الْمَوْلَى حَتَّى لَزِمَ العَقْدُ فِي جَانِبِهِ،
قوله: (لعدم المحلية) إذ الميت ليس بمحل لإنشاء العتق ولا لتعليقه.
قوله: (لفقد الشرط) وهو الأداء؛ لأن المعلق بالشرط لا يسبق الشرط، وهذا بخلاف موت المولى، فإن العقد يبقى ويعتق بالأداء إلى ورثته؛ لأن المولى ليس بمعقود عليه بل هو عاقد والعقد يبطل بهلاك المعقود عليه لا بموت العاقد، والميت يجوز أن يكون معتقا، ولا يجوز أن يكون معتقا. ألا ترى أنه لو قال لعبده: أنت حر بعد موتي، يصح؟
ولو قال: أنت حر بعد موتك، يلغو؟ وكذا لو أوصى أن يعتق عنه عبده بعد موته يصح ويكون المولى هو المعتق حتى يكون الولاء له.
قوله: (ولنا أنه) أي: عقد الكتابة (عقد معاوضة)، ويحترز به عن النكاح والوكالة وغيرهما ولا يبطل بموت المتعاقدين، وقيد به احترازا عن الإجارة فإنها عقد معاوضة، ويبطل بموت أحد المتعاقدين والكتابة لا تبطل بموت المولى، فكذا بموت الآخر وهو العبد كالمبيع، وهذا لأن قضية المعاوضة المساواة بين العاقدين، فإذا جاز إبقاء العقد بعد موت المولى لحاجته إليه ليصل إلى مقصوده وهو الولاء، فكذا يجوز إبقاء العقد بعد موت المكاتب لحاجته ليصل إلى مقصوده وهو شرف الحرية، بل أولى؛ لأن الذي استحق المولى قبله ليس بلازم حتى لو عجز نفسه يبطل حقه، والذي استحقه المكاتب لازم حتى لو أراده المولى أن يبطله، ليس له ذلك، فإذا لم يبطل حق المولى بموته فحق المكاتب وأنه ألزم أولى أن يبطل.
[ ٧ / ٤٢٠ ]
وَالمَوْتُ أَنَفَى لِلْمَالِكِيَّةِ مِنْهُ لِلْمَمْلُوكِيَّةِ فَيَنْزِلُ حَيًّا تَقْدِيرًا، أَوْ تَسْتَنِدُ الحُرِّيَّةُ بِاسْتِنَادِ سَبَبِ الأَدَاءِ إِلَى مَا قَبْلَ المَوْتِ وَيَكُونُ أَدَاءُ خَلَفِهِ كَأَدَائِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ عَلَى مَا عُرِفَ تَمَامُهُ فِي الخِلَافِيَّاتِ.
(ولأن الموت أنفى للمالكية منه) أي من الموت (للمملوكية) لأن المملوكية عبارة عن المقدورية والمقهورية.
والمالكية: عبارة عن القادرية والقاهرية، ولهذا يوصف الجماد بكونه مملوكا، ولا يوصف بكونه مالكا.
والموت أنفى للقادرية والقاهرية، فإذا كان أنفى ولم ينف القادرية والقاهرية فأولى، وجاز إبقاء العقد مع أقوى المنافيين لأدنى الحاجتين، فلأن يبقى العقد مع أدنى المنافيين لأعلى (^١) الحاجتين أولى وأحرى. وأما ما ذكر من الترديد فنقول: إنه يعتق بعد الموت عند البعض حتى يصرف ماله إلى قضاء حوائجه أولا من تجهيزه وتكفينه وقضاء دينه وتنفذ وصيته.
والجمهور على أنه يعتق في آخر جزء من أجزاء حياته، إما لأن سبب الأداء وهو عقد الكتابة - موجود قبل الموت، فيستند الأداء إليه ويجعل أداء خلفه كأدائه بنفسه.
فإن قيل: الأداء فعل حسي والإسناد إنما يكون في التصرفات الشرعية.
قلنا: نعم فعل النائب مضاف إلى المنوب، وهذه الإضافة شرعية، أن لا ترى أن من رمى صيدا فمات الرامي قبل أن يصيب ثم أصاب صار مالكا له، ويورث عنه؟ والميت ليس بأهل ولكن لما صح السبب، والملك يجب بعد تمام السبب، وتمامه بالإضافة إلى آخر جزء من أجزاء حياته فكذا هاهنا؛ لما كان السبب منعقدًا، وهو عقد الكتابة، والعتق موقوف على الأداء، والأداء جائز بعد الموت، والحكم - وهو وقوع العتق - مما يمكن إثباته من حين الموت كالملك، ثم حكمنا بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته إما بأن يقام (^٢) الترك الموجود في آخر حياته مقام التخلية بين المال والمولى وهو الأداء المستحق عليه أو يكون أداء خَلَفِهِ كأدائه، وهذا معنى قوله: (على ما عرف تمامه في الخلافيات).
_________________
(١) تكررت مررتين في الأصل.
(٢) في الأصل: (يقال)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٤٢١ ]
قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءٌ، وَتَرَكَ وَلَدًا مَوْلُودًا فِي الكِتَابَةِ، سَعَى فِي كِتَابَةِ أَبِيهِ عَلَى نُجُومِهِ، فَإِذَا أَدَّى حَكَمْنَا بِعِتْقِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَعِتْقِ الوَلَدِ) لِأَنَّ الوَلَدَ دَاخِلٌ فِي كِتَابَتِهِ، وَكَسْبُهُ كَكَسْبِهِ فَيَخْلُفُهُ فِي الأَدَاءِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا تَرَكَ وَفَاءٌ (وَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا مُشْتَرَى فِي الكِتَابَةِ قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُؤَدِّيَ بَدَلَ الكِتَابَةِ حَالَّةٌ، أَوْ تُرَدَّ رَقِيقًا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا: يُؤَدِّيهِ إِلَى أَجَلِهِ اعْتِبَارًا بِالوَلَدِ المَوْلُودِ فِي الكِتَابَةِ (*)، وَالجَامِعُ: أَنَّهُ يُكَاتِبُ عَلَيْهِ تَبَعًا لَهُ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ المَوْلَى إِعْتَاقَهُ بِخِلَافِ سَائِرِ أَكْسَابِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الفَرْقُ بَيْنَ الفَصْلَيْنِ: أَنَّ الأَجَلَ يَثْبُتُ شَرْطًا فِي العَقْدِ، فَيَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ دَخَلَ تَحْتَ العَقْدِ وَالمُشْتَرَى لَمْ يَدْخُلْ لِأَنَّهُ، لَمْ يُضِفْ إِلَيْهِ العَقْدَ وَلَا يَسْرِي حُكْمُهُ إِلَيْهِ لِانْفِصَالِهِ، بِخِلَافِ المَوْلُودِ فِي الكِتَابَةِ، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَقْتَ الكِتَابَةِ فَيَسْرِي الحُكْمُ إِلَيْهِ، وَحَيْثُ دَخَلَ فِي حُكْمِهِ سَعَى فِي نُجُومِهِ (فَإِنْ اشْتَرَى ابْنَهُ، ثُمَّ مَاتَ وَتَرَكَ وَفَاءٌ: وَرِثَهُ ابْنُهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ، يُحْكَمُ بِحُرِّيَّةِ ابْنِهِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأَبِيهِ فِي الكِتَابَةِ فَيَكُونُ هَذَا حُرًّا يَرِثُ عَنْ حُرِّ
فإن قيل: لو قذفه قاذف بعد أداء بدل الكتابة في حياته يحد قاذفه: ولو حكم بحريته في آخر حياته ينبغي أن يحد قاذفه، والحال أنه لا يحد.
قلنا: تثبت الحرية في آخر حياته؛ لضرورة حاجته إليها، والثابت بالضرورة لا يعدو موضعها، فلا يظهر في حق إحصانه، فلا يحد قاذفه مع أن الحدود تدرأ بالشبهات، والحرية هاهنا تثبت مع الشبهة، وما يثبت بالإسناد يثبت من وجه.
قوله: (أما عندهما) أي: عند أبي يوسف ومحمد (يؤديه إلى أجله) كالولد المولود في الكتابة وبه قال مالك، وهذا لأنه صار ابنه حتى ملك المولى إعتاقه كإعتاق أبيه بخلاف سائر أكساب المكاتب فإنه لا يملك إعتاقه.
قوله: (لأنه) أي: لأن المشتري لم يضف إليه العقد، ولم يسر حكم العقد إليه؛ لكونه منفصلا وقت العقد، وكان ينبغي أن يباع بعد موته؛ لفوات المتبوع ولكن إذا عجل صار كأنه مات عن وفاء، بخلاف المولود فإن العقد سرى إليه
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٤٢٢ ]
(وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ هُوَ وَابْنُهُ مُكَاتَبَيْنِ كِتَابَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ الوَلَدَ إِنْ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ تَبَعُ لِأَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا جُعِلَا كَشَخْصِ وَاحِدٍ، فَإِذَا حَكَمَ بِحُرِّيَّةِ الأَبِ يَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهِ فِي تِلْكَ الحَالَةِ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَإِنْ مَاتَ المُكَاتَبُ، وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ حُرَّةٍ، وَتَرَكَ دَيْنًا وَفَاءً بِمُكَاتَبَتِهِ، فَجَنَى الوَلَدُ فَقُضِيَ بِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الأُمِّ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءً بِعَجْزِ المُكَاتَبِ) لِأَنَّ هَذَا القَضَاءَ يُقَرِّرُ حُكْمَ الكِتَابَةِ، لِأَنَّ مِنْ قَضِيَّتِهَا
حكمه؛ لكونه متصلا به وقت الكتابة؛ لأنه ماؤه فيدخل في حكمه ويسعى في نجومه.
قوله: (كتابة واحدة) قيد به لأنه لو كانا مكاتبين بعقد على حدة لا يرثه ابنه كذا ذكره المحبوبي.
لأنه لما كان مقصودا بالكتابة فإنما يعتق من وقت أداء البدل مقصورا عليه؛ لأن الإسناد للضرورة، ولا ضرورة في حقه هاهنا، فكان عبدا عند موت أبيه فلا يرثه جعلا كشخص واحد؛ لاتحاد العقد فيهما فيعتقان معا ويُردان في الرق معًا.
قوله: (وإذا مات المكاتب وله ولد من حرة …) إلى آخره يريد به الفرق بين هذه المسألة والتي تليها وهي قوله: (فإن اختصم موالي الأم …) (^١) إلى آخره.
والمكاتب إذا مات عن ولد ووفاء يرثه الحر أيضًا عندنا، خلافا لمالك وقد مر.
فإذا مات وترك دينا فيه (وفاء بمكاتبته فجنى الولد …) إلى آخره (فقُضي به) أي: بأرش الجناية.
(لأن من قضيتها) أي: من قضية الكتابة أن يكون الولد ملحقا بموالي الأم؛ لقيام الكتابة لما أن له من المال ينتظر؛ لأن الدين مال باعتبار ماله، فلا يحكم بعتقه إلا عند أداء بدل الكتابة، وما لم يحكم بعتقه لم يظهر لولده ولاء في جانب أبيه، فيكون مولى لموالي الأم، وبعدما أدى البدل ظهر له ولاء في جانب الأب فيجر ولاؤه إلى موالي الأب، فلم يكن قضاء القاضي بموجب الجناية على عاقلة الأم فسخا للكتابة.
_________________
(١) انظر المتن ص ٤٢٤.
[ ٧ / ٤٢٣ ]
إِلْحَاقُ الوَلَدِ بِمَوَالِي الأُمِّ وَإِيجَابِ العَقْلِ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ عَلَى وَجْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَقَ فَيَنْجَرَّ الوَلَاءُ إِلَى مَوَالِي الأبِ، وَالقَضَاءُ بِمَا يُقَرِّرُ حُكْمَهُ لَا يَكُونُ تَعْجِيزًا (وَإِنْ اخْتَصَمَ مَوَالِي الأُمِّ وَمَوَالِي الأَبِ فِي وَلَائِهِ، فَقَضَى بِهِ لِمَوَالِي الأُمِّ: فَهُوَ قَضَاءٌ بِالعَجْزِ) لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي الوَلَاءِ مَقْصُودًا، وَذَلِكَ يَبْتَنِي عَلَى بَقَاءِ الْكِتَابَةِ وَانْتِقَاضِهَا، فَإِنَّهَا إِذَا فُسِخَتْ مَاتَ عَبْدًا وَاسْتَقَرَّ الوَلَاءُ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ، وَإِذَا بَقِيَتْ وَاتَّصَلَ بِهَا الأَدَاءُ مَاتَ حُرًا، وَانْتَقَلَ الوَلَاءُ إِلَى مَوَالِي الأَبِ، وَهَذَا فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ مَا يُلاقِيهِ مِنْ القَضَاءِ فَلِهَذَا كَانَ تَعْجِيزًا.
أما في المسألة الثانية الاختلاف وقع في الولاء مقصودا؛ فيكون القضاء بالولاء لموالي الأم قضاء بعجز المكاتب وفسخ الكتابة ضرورة واقتضاء، وهذا القضاء صحيح بالإجماع؛ لأنه صادف محلًا مجتهدا فيه.
فإن عند بعض الصحابة يموت عبدًا وإن ترك وفاء كما ذكرنا فينفذ القضاء بالإجماع فتنفسخ الكتابة اقتضاء كذا ذكره شمس الأئمة وقاضي خان والمحبوبي.
ثم في مسألة الأرش إذا ظهر للولد ولاء من قبل الأب عند أداء البدل فموالي الأم لا يرجعون بما عقلوا من جناية الولد في حياة المكاتب على مولى الأب؛ لأنه إنما حكم بعتقه في آخر جزء حياته فلا يستند عتقه إلى أول عقد الكتابة، فكان موالي الأم عند جناية مواليه حقيقة، فلم يرجعوا بما عقلوا إما يرجعون بما عقلوا عن جنايته بعد موت الأب قبل أداء البدل؛ لأن عتق الأب لما استند إلى حال حياته بين أن ولاءه كان لموالي الأب من ذلك الوقت وموالي الأم يجبرون على الأداء فيرجعون بما أدوا، كالملاعن إذا كذب نفسه بعدما جنى الولد، وقوم أمه عقل جنايته، فإنهم يرجعون بظهور النسب من وقت الجناية فكذا هذا، كذا في شرح الجامع لشمس الأئمة، وقاضي خان والمحبوبي.
وذكر التمرتاشي: هذا الذي ذكرنا فيما إذا مات عن وفاء، فإن مات لا عن وفاء قال الإسكاف: تنفسخ الكتابة حتى لو تطوع إنسان بأداء بدل الكتابة لا يقبل منه.
[ ٧ / ٤٢٤ ]
قَالَ: (وَمَا أَدَّى المُكَاتَبُ مِنْ الصَّدَقَاتِ إِلَى مَوْلَاهُ، ثُمَّ عَجَزَ: فَهُوَ طَيِّبٌ لِلْمَوْلَى لِتَبَدُّلِ المِلْكِ) فَإِنَّ العَبْدَ يَتَمَلَّكُهُ صَدَقَةٌ وَالمَوْلَى عِوَضًا عَنْ العِتْقِ، وَإِلَيْهِ وَقَعَت الإِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ ﵂: «هِيَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا أَبَاحَ لِلْغَنِيِّ وَالهَاشِمِيّ، لِأَنَّ المُبَاحَ لَهُ يَتَنَاوَلُهُ عَلَى مِلْكِ المُبِيحِ، وَنَظِيرُهُ المُشْتَرِي شِرَاءٌ فَاسِدًا إِذَا أَبَاحَ لِغَيْرِهِ لَا يَطِيبُ لَهُ وَلَوْ مَلَكَهُ يَطِيبُ، وَلَوْ عَجَزَ قَبْلَ الأَدَاءِ إِلَى المَوْلَى فَكَذَلِكَ الجَوَابُ، وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ بِالعَجْزِ يَتَبَدَّلُ المِلْكُ عِنْدَهُ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ بِالعَجْزِ يَتَقَرَّرُ مِلْكُ المَوْلَى عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ لَا خُبْثَ فِي نَفْسِ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا الخُبْثُ فِي فِعْلِ الْآخِذِ لِكَوْنِهِ إِذْلَالًا بِهِ.
قوله: (لتبدل الملك) فإن قيل: ملك الرقبة كان للمولى فكيف يتحقق تبدله؟ قلنا: ملك الرقبة كان للمولى مغلوبا في مقابلة ملك اليد، ولهذا التصرف للمكاتب لا للمولى، وله أن يمنع المولى من التصرف، وبالعجز يصير الأمر على العكس فكان تبدلا.
(وإليه وقعت الإشارة) أي: إلى التبدل والحل بعد التبدل وقعت الإشارة النبوية في حديث بريرة مع أن بريرة كانت مكاتبة.
وذكر المحبوبي وقاضي خان هذه المسألة على وجهين: إما أن يعجز قبل أداء الصدقة إلى مولاه أو بعده.
فإن عجز بعد الأداء طاب المقبوض بالإجماع؛ لتبدل الملك كما ذكره في المتن.
أما إذا أخذ المولى مال الصدقة بعد عجزه وهو غني أو هاشمي فعلى قول محمد يطيب؛ لأن المذهب عنده أن المولى يملك أكسابه عند عجزه ملكا مبتدأ فيتبدل الملك ولهذا أوجب نقض الإجارة في المكاتب إذا أجر أمته ظئرا.
وأما عند أبي يوسف فكذلك في الصحيح، وإن كان قياس مذهبه يقتضي أن لا يحل؛ لأنه لا يتبدل الملك بالعجز عنده بل يتقرر، وصار كأن الصدقة وقعت من الأصل للمولى، لكن الحنث عنده في فعل الأخذ لا في غير المال كما ذكر في المتن.
[ ٧ / ٤٢٥ ]
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْغَنِيِّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلِلْهَا شِمِي لِزِيَادَةِ حُرْمَتِهِ، وَالأَخْذُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ المَوْلَى فَصَارَ كَابْنِ السَّبِيلِ إِذَا وَصَلَ إِلَى وَطَنِهِ، وَالفَقِيرِ إِذَا اسْتَغْنَى، وَقَدْ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمَا مَا أَخَذَا مِنْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ يَطِيبُ لَهُمَا، وَعَلَى هَذَا إِذَا أُعْتِقَ المُكَاتَبُ وَاسْتَغْنَى يَطِيبُ لَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّدَقَةِ فِي يَدِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا جَنَى العَبْدُ فَكَاتَبَهُ مَوْلَاهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالجِنَايَةِ، ثُمَّ عَجَزَ: فَإِنَّهُ يَدْفَعُ أَوْ يُفدَى) لِأَنَّ هَذَا مُوجِبُ جِنَايَةِ العَبْدِ فِي الأَصْلِ، وَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالجِنَايَةِ عِنْدَ الكِتَابَةِ حَتَّى يَصِيرَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ إِلَّا أَنَّ الكِتَابَةَ مَانِعَةٌ مِنْ الدَّفْعِ، فَإِذَا زَالَ عَادَ الحُكْمُ الأَصْلِيُّ (وَكَذَلِكَ إِذَا جَنَى المُكَاتَبُ وَلَمْ يُقْضَ بِهِ حَتَّى عَجَزَ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ زَوَالِ المَانِعِ وَإِنْ قَضَى بِهِ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ ثُمَّ عَجَزَ: فَهُوَ دَيْنٌ يُبَاعُ فِيهِ لِانْتِقَالِ الحَقِّ مِنْ
قوله: (يطيب لهما) أي: للفقير إذا استغنى وابن السبيل، وكذا لو مات الفقير وابن السبيل يحل لوارثهما الغني الصدقة.
قوله: (وإذا جنى العبد فكاتبه) اعلم أن المولى لما كاتب العبد ولم يعلم بجنايته لا يكون عقد الكتابة اختيارًا للفداء، كما لو باعه وهو لا يعلم بجنايته، فإذا لم [يكن] (^١) اختيارًا يغرم قيمته كما في البيع؛ لامتناع الدفع بالكتابة والبيع، فإذا زال المانع قبل انتقال الحق عن الرقبة عاد الحكم الأصلي، وهو إما الدفع أو الفداء.
(وكذا إذا جنى المكاتب ولم يقض به) أي: بأرش الجناية حتى عجز لما بينا من زوال المانع ولا يعلم فيه خلاف.
وفي جناية المكاتب يجب الأقل من قيمته، ومن أرش الجناية كما في المدبر وأم الولد، كذا في المبسوط.
قوله: (وإن قضى به) أي: بموجب الجناية على المكاتب (في حال كتابته ثم عجز فهو) أي: قدر قيمته دينا عليه يباع فيه.
وعند الأئمة الثلاثة: بالعجز يُرَدُّ إلى الرق فخير (^٢) سيده.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) في النسخة الثانية: (بجبر).
[ ٧ / ٤٢٦ ]
الرَّقَبَةِ إِلَى قِيمَتِهِ بِالقَضَاءِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَدْ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلا: يُبَاعُ فِيهِ وَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ القَضَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، لِأَنَّ المَانِعَ مِنْ الدَّفْعِ وَهُوَ الكِتَابَةُ قَائِمٌ وَقْتَ الجِنَايَةِ، فَكَمَا وَقَعَتْ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةٌ لِلْقِيمَةِ كَمَا فِي جِنَايَةِ المُدَبَّرِ وَأُمِّ الوَلَدِ.
وَلَنَا: أَنَّ المَانِعَ قَابِلٌ لِلزَّوَالِ لِلتَّرَدُّدِ، وَلَمْ يَثْبُتْ الانْتِقَالُ فِي الحَالِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى القَضَاءِ، أَوْ الرِّضَا، وَصَارَ كَالعَبْدِ المَبِيعِ إِذَا أَبَقَ قَبْلَ القَبْضِ، يَتَوَقَّفُ الفَسْخُ عَلَى القَضَاءِ لِتَرَدُّدِهِ وَاحْتِمَالِ عَوْدِهِ، كَذَا هَذَا، بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ، لِأَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ الزَّوَالَ بِحَالٍ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ مَوْلَى المَكَاتَبِ: لَمْ تَنْفَسِخِ الكِتَابَةُ) كَيْ لَا يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ المُكَاتَبِ، إِذْ الْكِتَابَةُ سَبَبُ الحُرِّيَّةِ وَسَبَبُ حَقِّ المَرْءِ حَقَّهُ (وَقِيلَ لَهُ: أَدِّ المَالَ
وعند زفر - وهو قول أبي يوسف: - أولا يباع في قيمته في الفصلين إلا أن يقضي المولى عنه؛ لأن المكاتب ليس بمحل للدفع، وجنايته لا تتعلق برقبته، فوجب أن تصير جنايته موجبة للقيمة بنفس الوقوع كما في المدبر وأم الولد.
وقلنا: الأصل في جناية العبد وجوب الدفع: إلا أن يتعذر التسليم بوجود المانع من الانتقال من ملك إلى ملك، والمانع هاهنا قابل للفسخ والزوال، فلما كان المانع مترددا لم يثبت الانتقال عن الموجب الأصلي إلا بالقضاء والرضا كالعبد المبيع إذا أبق قبل القبض لا ينتقض البيع إلا بالقضاء؛ لتردده واحتمال عوده، بخلاف التدبير والاستيلاد؛ لأن المانع ثابت متقرر لا يقبل الزوال، فوجب القيمة بلا توقف، إليه أشار قاضي خان والمحبوبي.
قوله: (كيلا تؤدي إلى إبطال حق المكاتب) بفتح التاء وهو العبد المكاتب.
قوله: (وسبب حق المرء حقه) يعني الحرية حق العبد والكتابة سببها، فتكون الكتابة حقه، والحق لا يبطل بالموت كما لو كان على آخر دين ومات الآخر.
(وقيل له) أي: للمكاتب (أد المال) إلى آخره ولا يعلم فيه خلاف.
[ ٧ / ٤٢٧ ]
إِلَى وَرَثَةِ المَوْلَى عَلَى نُجُومِهِ) لِأَنَّهُ اسْتِحْقَاقُ الحُرِّيَّةِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ، وَالسَّبَبُ انْعَقَدَ كَذَلِكَ فَيَبْقَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا يَتَغَيَّرُ، إِلَّا أَنَّ الوَرَثَةَ: يَخْلُفُونَهُ فِي الاسْتِيفَاءِ (فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُ الوَرَثَةِ لَمْ يَنْفُذُ عِتْقُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكُهُ، وَهَذَا لِأَنَّ المُكَاتِبَ لَا يَمْلِكُ بِسَائِرِ أَسْبَابِ المِلْكِ فَكَذَا بِسَبَبِ الوِرَاثَةِ.
وَإِنْ أَعْتَقُوهُ جَمِيعًا عَتَقَ وَسَقَطَ عَنْهُ بَدَلُ الكِتَابَةِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِبْرَاءً عَنْ بَدَلِ الكِتَابَةِ فَإِنَّهُ حَقَّهُمْ وَقَدْ جَرَى فِيهِ الإِرْثُ، وَإِذَا بَرِئَ المُكَاتَبُ عَنْ بَدَلِ الكِتَابَةِ يُعْتَقُ
وهذا بخلاف ما لو كاتب المريض عبده على ألفين إلى سنة، وقيمته ألف ثم مات ولا مال له غيره فإنه يؤدي ثلثي القيمة حالًا، وكذا ذكر فيما بعده أدى ثلثي القيمة حالًا أو يرد رقيقا، وهاهنا يؤديه على نجومه مؤجلا لا حالا؛ لما أن وضع المسألة هاهنا مطلقا فيكون محمولًا على حال الصحة؛ لأن ذلك هو المطلق من الأحوال؛ وهناك وضع في المريض، والمرض من العوارض، وبه صرح في المبسوط.
وحاصله: أن يصرف المريض؛ لما انحصر بثلث المال في حق الإسقاط فكذا انحصر تصرفه في حق الثلث في حق التأجيل؛ فإن أعتقه أحد الورثة لم ينفذ عتقه؛ لأن المكاتب يورث؛ لأنه مملوك؛ والمملوك يورث فصار كإعتاق الكل.
وقلنا: أضاف التصرف إلى ما لا يملكه فيلغو كأحد الشريكين إذا أعتق نصيب شريكه فإنه يلغو، وهذا لأن المكاتب لا يورث؛ لأنه سبب الملك ولا يملك المكاتب سببًا من أسباب الملك، فكذا بسبب الوراثة.
والقياس في إعتاق الكل أن لا ينفذ عتقهم ولا يسقط حقهم في بدل الكتابة؛ لإضافتهم التصرف إلى ما ليس بملكهم، وإنما حكمنا بعتقه استحسانا؛ لأن إعتاق كله مسقط لبدل الكتابة عنه فيمكن أن يجعل إعتاقه إسقاطا لبدل الكتابة إذ هو حقهم، وقد جرى فيه الإرث صونا للكلام عن الإلغاء، وبراءته عن البدل سبب لعتقه كما لو أبرأه المولى، وكما لو قال صريحا: أبرأناك عن البدل.
[ ٧ / ٤٢٨ ]
كَمَا إِذَا أَبْرَأَهُ المَوْلَى، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُ الوَرَثَةِ لَا يَصِيرُ إِبْرَاء عَنْ نَصِيبِهِ، لِأَنَّا نَجْعَلُهُ إِبْرَاءَ اقْتِضَاءِ تَصْحِيحًا لِعِتْقِهِ. وَالعِتْقُ لَا يَثْبُتُ بِإِبْرَاءِ البَعْضِ أَوْ أَدَائِهِ فِي المُكَاتَبِ لَا فِي بَعْضِهِ وَلَا فِي كُلِّهِ، وَلَا وَجْهَ إِلَى إِبْرَاءِ الكُلِّ لِحَقِّ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ألا ترى أنه إذا أعتق بعضه بالتدبير بموت المولى لا يسقط عنه شيء من بدل الكتابة، ولا يصير إبراء عن نصيبه؟ لأنا نجعلها إبراء اقتضاء تصحيحا لإعتقاهم، والعتق بإبراء البعض كأداء بعض البدل ولا جائز أن يثبت الإبراء عن الكل، لأن الكل حق الكل لا حقه إليه أشار في مكاتب المبسوط.
شرط الخيار جائز في عقد الكتابة عندنا.
وقالت الأئمة الثلاثة: لا يجوز؛ لأن الخيار شرع لدفع العين عن المال، والسيد دخل على بصيرة، وأن له الحط لعبده فلا معنى للخيار.
وقلنا هو عقد معاوضة، فيجوز فيه الخيار كما في البيع، وقد بينا الخلاف في بيع المكاتب في البيوع.
[ ٧ / ٤٢٩ ]