(وَيَجُوزُ قَضَاءُ المَرْأَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا فِي الحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) اعْتِبَارًا بِشَهَادَتِهَا. وَقَدْ مَرَّ الوَجْهُ.
قوله: (ولا يقبل كتاب القاضي في الحدود والقصاص)، وبه قال الشافعي (^١) في قول، وفي آخر (^٢): يقبل، وبه قال مالك (^٣) وأحمد (^٤)؛ لأن الاعتماد على الشهود.
وقلنا: (أن فيه) أي: في كتاب القاضي شُبهة البدلية، فصار كالشهادة على الشهادة فلا تقبل فيما يسقط بالشبهات.
فَصْلٌ آخَرُ
لما ذكر أن قضاء القاضي في المجتهدات ينفذ احتاج إلى بيان أصل يجمعها، وهذا الفصل لبيان ذلك.
قوله: (ويجوز قضاء المرأة في كل شيء) إلى آخره، وقال الشافعي (^٥)، ومالك (^٦) وأحمد (^٧): لا يجوز؛ لأن المرأة ناقصة العقل، غير أهل للحضور مع الرجال ومحافل الخصوم، وقال ﵇: «مَا أَفْلَحَ قومٌ وَلَّوْا أمرهم امرأةً»، رواه البخاري (^٨).
قوله: (وقد مرّ الوجه) وهو أن القضاء من باب الولاية، والمرأة من أهل
_________________
(١) انظر: الأم (٦/ ٢٢٩)، الحاوي الكبير (١١/ ١٤٧).
(٢) انظر: الأم (٦/ ٢٢٩)، الحاوي الكبير (١١/ ١٤٧).
(٣) انظر: المدونة (٤/¬١٤)، الذخيرة (١٠/ ٩٩).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٨)، المغني (١٠/ ٩٦).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٥٦).
(٦) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٣)، الذخيرة (١٠/¬٢٢).
(٧) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٢)، المغني (١٠/¬٣٦).
(٨) أخرجه البخاري (٦/¬٨) رقم (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة ﵁.
[ ٦ / ٤١٦ ]
(وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى القَضَاءِ، إِلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ قُلْدَ القَضَاءَ دُونَ التَّقْلِيدِ بِهِ فَصَارَ كَتَوْكِيلِ الوَكِيلِ، بِخِلَافِ المَأْمُورِ بِإِقَامَةِ الجُمُعَةِ حَيْثُ
الشهادة، فتكون من أهل الولاية، والحديث يدل على نقصان حال ذلك القوم لا عدم جواز توليتها، ولا يجوز في الحدود والقصاص؛ لعدم جواز شهادتها، فلا يكون فيها أهلا للقضاء؛ إذ حكم القضاء يستقى من حكم الشهادة؛ إذ كل منهما من باب الولاية (^١).
قوله: (وليس للقاضي أن يستخلف إلا أن يفوض إليه ذلك)، وبه قال الشافعي (^٢) ومالك (^٣) وأحمد (^٤)، ولو أذن له في الاستخلاف يجوز بلا خلاف، ولو نهاه عن الاستخلاف لا يجوز بلا خلاف، ولو ولاه وسكت عن النهي والإذن فعندنا لا يجوز، وبه قال الشافعي (^٥) ومالك (^٦) وأحمد (^٧).
وعن الإِصْطخري (^٨) من أصحاب الشافعي: يجوز إذا ولاه في عمل لا يقدر أن يتولاه بنفسه.
(لأنه) أي: القاضي (قلد القضاء دون التقليد به) أي: بالقضاء، وهو ينصرف عن تقليد وتفويض، والإمام إنما رضي بتصرفه لديانته وأمانته، والناس يتفاوتون في ذلك، ولهذا قلنا: إن الوكيل لا يملك التوكيل، فلا يكون مطلق التفويض إذنا له بالاستخلاف بخلاف المأمور بإقامة الجمعة، حيث يجوز له استخلاف غيره وإن لم يؤذن بالاستخلاف؛ لأنه لما فوض إليه إقامة الجمعة مع علمه أن العوارض المانعة من إقامتها من المرض والحدث في الصلاة مع ضيق الوقت وغيرهما قد تعتريه، ولا يمكن انتظار الإمام الأعظم؛ لأنها لا تحتمل
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/¬٤٦)، فتح القدير (٧/ ٢٩٨).
(٢) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٥٨٤)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١١٨).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٢٤)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٠٤).
(٤) انظر: المغني (١٠/ ٩٢)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٣٨٥).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢٣٣).
(٦) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٢٤)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٠٤).
(٧) انظر: المغني (١٠/ ٩٢).
(٨) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٣٣١)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٨٦).
[ ٦ / ٤١٧ ]
يَسْتَخْلِفُ، اسْتَخْلَفَ وَقَضَى. لِأَنَّهُ عَلَى شَرَفِ الفَوَاتِ لِتَوَقْتِهِ، فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ إِذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةٌ وَلَا كَذَلِكَ القَضَاءُ. وَلَوْ قَضَى الثَّانِي بِمَحْضَرٍ مِنْ الأَوَّلِ أَوْ قَضَى الثَّانِي فَأَجَازَ الأَوَّلُ: جَازَ كَمَا فِي الوَكَالَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ حَضَرَهُ رَأَيُّ الْأَوَّلِ وَهُوَ الشَّرْطُ، وَإِذَا فُوِّضَ إِلَيْهِ يَمْلِكُهُ، فَيَصِيرُ الثَّانِي نَائِبًا عَنْ الْأَصِيلِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الأَوَّلُ عَزْلَهُ، إِلَّا إِذَا فُوِّضَ إِلَيْهِ العَزْلَ هُوَ الصَّحِيحُ.
التأخير عن الوقت، فكان إذنًا له بالاستخلاف دلالة، وهنا تأخير سماع الخصومة إلى وجود الإذن من الإمام الأعظم ممكن؛ لأنه غير مؤقت بوقت، فلم يثبت الإذن صريحًا ولا دلالة بالاستخلاف، فلا يمكن التفويض إلى الغير، وهذا معنى قول الشيخ: (لأنه) أي: لأن أداء الجمعة (على شرف الفوات) إلى آخره.
وفي المبسوط (^١): والاستخلاف في الجمعة للغير إنما يجوز إن كان المأمور شهد الخطبة، فإذا لم يكن حضر الخطبة لا يجوز للخليفة إقامة الجمعة؛ إذ الخطبة من شرائط افتتاح الصلاة، أما لو سبقه الحدث فاستخلف من لم يشهد الخطبة - يجوز؛ لأن هناك المأمور ثانٍ وليس بمفتتح والخطبة شرط الافتتاح، وقد وجد ذلك في حق الأصل، وكذا لو أفسدها هذا الخليفة واستفتح يجوز وإن لم يشهد الخطبة؛ لأن شروعه فيها صح وبعد الشروع التحق بمن شهد الخطبة حكمًا.
قوله: (ولو قضى الثاني) أي: عند غير الأول (^٢).
قوله: (حتى لا يملك الأول عزله) لأنه صار قاضيًا من جهة الخليفة فلا يملك عزله، وقال أحمد (^٣) يملك عزله، وبه قال الشافعي (^٤)؛ لأنه نائبه فصار كوكيله، والموكل يملك عزل وكيله، وقلنا لما صح استخلافه من جهة الخليفة
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٢٢، ١٢٣).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٢٩٩٧)، البناية شرح الهداية (٩/¬٤٧).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٥)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (١١/ ١٧٢).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢٣٣).
[ ٦ / ٤١٨ ]
قَالَ: (وَإِذَا رُفِعَ إِلَى القَاضِي حُكْمُ حَاكِمٍ أَمْضَاهُ، إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ الكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الإِجْمَاعَ، بِأَنْ يَكُونَ قَوْلًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَا اخْتَلَفَ
فيكون هو نائبًا عن الخليفة، فلا يملك الأول عزله إلا أن يقول له الخليفة: ول من شئت واستبدل من شئت، فصار كالوكيل إذا قال له الموكل: اعمل برأيك، صح توكيله على الموكل، وصار الثاني وكيل الموكل، حتى لو مات الموكل الثاني لا ينعزل وكيله، فكذا إذا عزله الأول (^١).
قوله: (إلا أن يخالف الكتاب) كالحاكم بحل متروك التسمية عامدًا (أو السنة) أي: المشهورة، كالحكم بحل المطلقة ثلاثًا بمجرد نكاح الزوج الثاني بلا دخول على مذهب ابن المسيب وابن جبير، فإن اشتراط الدخول ثابت بالحديث المشهور، وهو حديث العسيلة (أو الإجماع) كالحكم ببطلان قضاء القاضي في المجتهدات على ما يجيء (^٢).
قوله: (وفي الجامع) إلى آخره، وإنما ذكر لفظ الجامع بهذا اللفظ المذكور؛ لأن فيه فائدتين: إحداهما: أنه قُيّد بالفقهاء؛ لأن القاضي إذا كان غير عالم بموضع الاجتهاد، فاتفق قضاؤه في موضع الاجتهاد، فعلى قول عامة المشايخ لا يجب على الثاني تنفيذه، كذا ذكره في فصول الأستروشني محالا إلى المحيط (^٣) والذخيرة، فقال: لو قضى في فصل مجتهد فيه وهو لا يعلم بذلك، قيل: ينفذ قضاؤه، وقال عامتهم: لا ينفذ، وإنما ينفذ إذا علم بكونه مجتهدا فيه. قال شمس الأئمة: هذا هو ظاهر المذهب.
والثانية: أنه قيد بقوله: يرى غير ذلك، ففي رواية القدوري لم يتعرض بذلك، فيحتمل أن قوله: أمضاه فيما إذا كان رأي القاضي موافقًا لحكم الأول، وإذا كان مخالفًا لا يمضيه، فأبانت رواية الجامع بأن ذلك الإمضاء عام فيما سوى المستثنيات، سواء كان يوافق رأيه أو يخالف؛ لأن الحكم لاقى سجلا مجتهدا فينفذ، ولا ينقض باجتهاد آخر.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٢٩٩٧)، البناية شرح الهداية (٩/¬٤٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٠٠)، البناية شرح الهداية (٩/¬٤٨).
(٣) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/¬٨، ٧٢، ٧٦).
[ ٦ / ٤١٩ ]
فِيهِ الفُقَهَاءُ فَقَضَى بِهِ القَاضِي، ثُمَّ جَاءَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ أَمْضَاهُ وَالأَصْلُ: أَنَّ القَضَاءَ مَتَى لَاقَى فَضْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ يُنْفِذُهُ وَلَا يَرُدُّهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّ اجْتِهَادَ الثَّانِي كَاجْتِهَادِ الأَوَّلِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ الأَوَّلُ بِاتِّصَالِ القَضَاءِ بِهِ فَلَا يُنْقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ.
(وَلَوْ قَضَى فِي المُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ، نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) وَوَجْهُ النَّفَاذِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأَ بِيَقِينِ،
وقد صح عن عمر أنه قلد القضاء لأبي الدرداء بعد كثرة أشغاله، فاختصم إلى أبي الدرداء رجلان في شيء، فقضى لأحدهما، ثم لقي عمر المقضي عليه، فسأله عن حاله فقال: قضى علي، فقال عمر: لو كنت مكانه لقضيت لك، فقال المقضي عليه: وما يمنعك عن القضاء، فقال عمر: ليس هنا نص والرأي مشترك.
وعن عمر أنه قضى في حادثة بقضية، ثم قضى فيها بخلاف ذلك، فقيل له في ذلك فقال: تلك كما قضينا، وهذه كما نقضي (ولأن اجتهاد الثاني) إلى آخره كما ذكر في المتن (^١).
قوله: (ففيه) أي: عن أبي حنيفة (روايتان)، في رواية: لا ينفذ، وبه يفتي شمس الأئمة الأورجندي؛ لأنه زعم فساد قضائه، فيعامل في حقه بزعمه، وفي رواية: ينفذ وبه يفتي الصدر الشهيد (^٢) والمرغيناني (^٣).
(لأنه ليس بخطأ بيقين)؛ لأن كل مجتهد يقطع القول بأن الصواب اجتهاده دون اجتهاد خصمه؛ بل الأمر محتمل عنده فتعين الصواب فيما اتصل به القضاء حملا لأمر القضاء على الصواب، وذكر في الذخيرة (^٤) الاختلاف في نفاذ القضاء.
وفي بعض المواضع ذكر الخلاف في حل الإقدام على القضاء، فقال من
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٠٠)، البناية شرح الهداية (٩/¬٤٩).
(٢) انظر: شرح أدب القاضي (١٩٧١).
(٣) انظر: بداية المبتدئ (١/ ١٥١).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٧٩).
[ ٦ / ٤٢٠ ]
وَعِنْدَهُمَا: لَا يَنْفُذُ فِي الوَجْهَيْنِ (*)، لِأَنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ خَطَأً عِنْدَهُ، وَعَلَيْهِ الفَتْوَى، ثُمَّ المُجْتَهَدُ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْنَا. وَالمُرَادُ بِالسُّنَّةِ: المَشْهُورَةِ مِنهَا، وَفِيمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ
وجه: من قال بالجواز أن القاضي مأمور بالمشاورة، ولو لم يجز له الأخذ برأي غيره إذا كان مخالفًا لرأيه - لم يكن للأمر بالمشاورة فائدة.
ووجه من قال بعدم الجواز قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] نهى القاضي عن اتباع هوى الغير إذا كان مخالفًا لرأيه اتباع هوى الغير.
قوله: (وعندهما لا ينفذ في الوجهين) أي: النسيان والعمد، وبه قال الشافعي (^١) ومالك (^٢) وأحمد (^٣) وعليه الفتوى؛ لأنه زعم فساد قضائه، والمرء مؤاخذ بزعمه. كذا في المحيط (^٤).
وذكر في الصغرى: الفتوى على قول أبي حنيفة في نفاذ القضاء على خلاف المذهب، وعندهما لا ينفذ، وفي فتاوى ظهير الدين إسحاق: للسلطان أن ينقض ذلك.
قوله: (والمراد بالسُّنَّةِ المشهورة)، فقوله: (المشهورة) رفع على أنه خبر للمبتدأ (^٥).
قوله: (اجتمع عليه الجمهور) في المغرب (^٦): جمهور الناس: جُلّهم وأكثرهم.
بمعنى الإجماع، ينعقد بإجماع أكثر أهل الإجماع فلا يعتبر مخالفة الأقل؛ لأن العبرة للأكثر.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: الأم (٧/ ٩٩)، الحاوي الكبير (١٦/ ١٧٣).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٢٥).
(٤) انظر: المغني (١٠/¬٤٧)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ٤٠١).
(٥) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٧٩).
(٦) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٠٥)، البناية شرح الهداية (٩/¬٥٠).
(٧) المغرب في ترتيب المعرب (١/ ٨٩).
[ ٦ / ٤٢١ ]
لَا يُعْتَبَرُ مُخَالَفَةُ البَعْضِ، وَذَلِكَ خِلَافٌ وَلَيْسَ بِاخْتِلَافٍ، وَالمُعْتَبَرُ الاخْتِلَافُ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ.
فإن قيل: ذكر في أصول شمس الأئمة والتقويم (^١) وغيره: أن الإجماع لا ينعقد بمخالفة البعض، ولهذا اختلفوا في إجماع سبقهم فيه مخالف، قال بعضهم: لا يكون إجماعًا.
قلنا: نعم كذلك، لكن ذلك فيما إذا سوغوا له الاجتهاد في ذلك الحكم، أما إذا لم يسوغوا له الاجتهاد فيه فلا تعتبر مخالفته فيه، وما ذُكر في الكتاب من ذلك القبيل، بدليل ما ذكر شمس الأئمة في أصوله (^٢).
وكان الكرخي يقول: شرط الإجماع أن يجتمع علماء العصر كلهم حتى لو خالفهم واحد لم يثبت حكم الإجماع، وبه قال الشافعي (^٣) إلى أن قال: والأصح عندي ما أشار إليه أبو بكر الرازي أن الواحد إذا خالف الجماعة، فإن سوغوا له الاجتهاد لا يثبت حكم الإجماع بدون قوله، كقول ابن عباس في زوج وأبوين وامرأة، للأم ثلث جميع المال، وإن لم يسوغوا له الاجتهاد، وأنكروا عليه فإنه ثبت حكم الإجماع بدون قوله، كقول ابن عباس في حل ربا النقد فإن الصحابة لم يسوغوا له هذا الاجتهاد؛ لأنه مخالف لظاهر الكتاب، حتى روى أنه رجع إلى قولهم، وكان الإجماع ثابتا دون قوله.
قوله: (الصدر الأول)، وهم الصحابة.
وفي الذخيرة (^٤): إنما اعتبر الخصاف الخلاف بين المتقدمين، والمراد من المتقدمين: الصحابة ومن معهم من السلف، ولم يعتبر الخلاف بيننا وبين الشافعي، والعبرة لحقيقة الاختلاف في صيرورة المحل مجتهدا فيه.
وفي المنتقى: يشير إلى أن العبرة لاشتباه الدليل لا لحقيقة الاختلاف، ألا ترى أن القاضي لو قضى بإبطال طلاق المكره نفذ قضاؤه؛ لأنه قضاء في مجتهد
_________________
(١) تقويم الأدلة في أصول الفقه (ص: ٢٦).
(٢) أصول السرخسي (١/ ١١٤).
(٣) انظر: جماع العلم للشافعي (ص: ٣٠).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٧١).
[ ٦ / ٤٢٢ ]
قَالَ: (وَكُلُّ شَيْءٍ قَضَى بِهِ القَاضِي فِي الظَّاهِرِ بِتَحْرِيمِ فَهُوَ فِي البَاطِنِ كَذَلِكَ
فيه؛ لأنه موضع اشتباه الدليل؛ إذ اعتبار الطلاق بسائر تصرفاته يبقى حكمه.
وكذا لو قضى في حد أو قصاص بشهادة رجل وامرأتين، ثم رفع إلى قاض آخر يرى خلاف ذلك، فإنه ينفذ قضاؤه ولا يبطله، وليس طريق نفاذ القضاء الأول في هذه الصورة حصوله في محل مختلف فيه؛ لأنه لا اختلاف فيه، وإنما طريقه أن القضاء الأول حصل في موضع اشتباه الدليل؛ لأن المرأة من أهل الشهادة، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يدل على شهادة النساء مع الرجال مطلقًا نظرًا إلى اللفظ، وإن ورد في باب المداينة إلا أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولم يرد نص قاطع في إبطال شهادة النساء مع الرجال في هذه الصورة.
فلو قضى بجواز نكاح بغير شهود نفذ قضاؤه؛ لأن مختلف فيها، فمالك وعثمان البتي يشترطان الإعلان لا الشهود، وقد مرَّ في النكاح، وقد اعتبر خلافهما؛ لأن الموضع موضع اشتباه الدليل؛ إذ اعتبار النكاح بسائر التصرفات أو بفسخه يقتضي ألا يشترط الشهادة.
قوله: (في الباطن) أي: عند الله تعالى.
ومن صورة التحريم: ادعت على زوجها أنه طلقها ثلاثا، وأقامت بينة كاذبة، وقضى القاضي بالفرقة، وتزوجت بآخر بعد انقضاء العدة؛ فعلى قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أوّلًا - لا يحل للزوج الأول وطؤها ظاهرًا وباطنا، ويحل للثاني ظاهرًا أو باطنا، علم بحقيقة الحال أم لا.
وعلى قول أبي يوسف آخِرًا ومحمد والشافعي (^١) ومالك (^٢) وأحمد (^٣) لا يحل للثاني وطؤها إذا كان عالما بحقيقة الحال.
ومن صورة التحريم أيضًا: صبي وصبية سبيا وهما صغيران، فكبرا وأعتقا ثم تزوج أحدهما الآخر، فجاء حربي مسلمًا وأقام بينة أنهما ولداه، فالقاضي
_________________
(١) انظر: الأم (٧/¬٤٢)، الحاوي الكبير (١١/¬١٧).
(٢) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٥)، الذخيرة (١٠/ ١٤٦، ١٤٧).
(٣) انظر: المغني (١٠/ ٥٣، ٥٤)، كشاف القناع على متن الإقناع (٦/ ٣٥٨).
[ ٦ / ٤٢٣ ]
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَكَذَا إِذَا قَضَى بِإِحْلَالٍ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ الدَّعْوَى بِسَبَبٍ مُعَيَّنِ (*)، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ قَضَاءِ القَاضِي فِي العُقُودِ وَالفُسُوخِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي النِّكَاحِ.
قَالَ: (وَلَا يَقْضِي القَاضِي عَلَى غَائِبٍ إِلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀:
يقضي بنسبهما ويفرق بينهما، فإن رجع الشهود أو تبين أنهم زور لا يسع للزوج وطؤها عنده؛ لأن القضاء بالحرمة نافذ ظاهرا وباطنا، وكذا عند محمد؛ لأنه لا يعلم حقيقة كذب الشهود.
ومن صورة الإحلال: ادعى رجل على امرأة نكاحًا وهي تجحد، وأقام بينة كاذبة، وقضى القاضي بالنكاح - حل للزوج وطؤها، وللمرأة التمكين عنده، وعندهما لا يحل لهما ذلك.
(وقد مرت في النكاح) أي: مرّ قضاء القاضي بشهادة الزور في النكاح بدلائلها (^١).
قوله: (وقال الشافعي) (^٢): يجوز إذا كان غائبا عن البلد، أو عن مجلس الحكم غير مستتر في البلد قولًا واحدًا، وبه قال مالك (^٣) وأحمد (^٤)، ولو كان غائبا عن مجلس الحكم غير مستتر في البلد - قولان: أصحهما أنه لا يحكم بدون حضوره، وبه قال أحمد (^٥) ومالك (^٦)؛ إذ في المستتر تضييع الحقوق، وفي غيره لا.
والثاني: أنه يجوز أن يحكم عليه؛ لوجود الحجة وظهور الحق، واحتج الشافعي (^٧) بقوله ﵇: «البَيِّنَةُ على المُدَّعِي» (^٨)، فاشتراط حضور الخصم لإقامة
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٠٦، ٣٠٧)، البناية شرح الهداية (٩/ ٥١، ٥٢).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٢٩٧)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٥٢٧).
(٤) انظر: المدونة (٤/¬١٤)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٥٥).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٤١)، المغني (١٠/ ٩٧، ٩٨).
(٦) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٤١)، المغني (١٠/ ٩٧، ٩٨).
(٧) انظر: الذخيرة (١٠/ ١١٤)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٦٣).
(٨) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٩٧)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٥٢٧).
(٩) أخرجه الترمذي (١٩٣) رقم (١٣٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٢٣ رقم ١٦٨٨٢) =
[ ٦ / ٤٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البينة زيادة عليه، ولما قالت هند: يا رسول الله! إن أبا سفيان شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال ﵇: «خُذِي مِنْ مَاله ما يَكفِيكِ وَولدَكِ بالمعروف» (^١) فقد قضى عليه بالنفقة وهو غائب.
ولنا قوله ﵊ لعلي: «لا تَقْضِ لِأَحدِ الخَصْمَينِ بشيءٍ حَتى تَسْمَعَ كَلَام الآخَرِ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي بِمَا يَقْضِي» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (^٢)، فعلم أن الجهالة تمنعه عن القضاء، وأنها لا ترتفع إلا بكلامهما.
وأما قوله ﵇: «البينة على المُدّعي» فدليلنا؛ لأن البينة اسم لما يحصل به البيان، وليس المراد البيان في حق المدعي؛ لأنه حاصل بقوله: ولا في حق القاضي؛ لأنه حاصل بقول المدعي إذا لم يكن له منازع، إنما الحاجة إلى البيان في حق الخصم الجاحد، وذلك لا يكون إلا بحضوره.
ألا ترى أنه ﵇ جعل البينة على المدعي في حال لو عدمها استحلف الخصم، فقال: «واليَمينُ عَلى مَنْ أَنْكَرَ»، ولا يكون ذلك إلا بمحضر منه، ولأن البينة حجة، ولا يكون حُجّة عليه ما لم يظهر عجزه عن الدفع والطعن، والقرآن صار حجة على الناس حين ظهر عجزهم عن المعارضة، وظهوره لا يكون إلا بحضوره.
ولا حجة له في حديث هند؛ لأنه ﵇ كان عالما بسبب استحقاق النفقة على أبي سفيان، وهو النكاح.
ألا ترى أنها لم تقم البينة ولا بأحد المتداعيين، فيكون حضوره شرطا للقضاء كحضور المدعي؛ بل أولى؛ فإن المدعي ينتفع بالقضاء.
_________________
(١) = من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال في خطبته: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه». قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، ومحمد بن عبيد الله العرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه، ضعفه ابن المبارك، وغيره.
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٧٩ رقم ٢٢١١)، ومسلم (٣/ ١٣٣٨ رقم ١٧١٤) من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه الترمذي (٣/¬١١ رقم ١٣٣١)، وأحمد (١/ ٩٠ رقم ٢٩٠).
[ ٦ / ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمدعى عليه يتضرر، فإذا شرط حضور من له النفع فحضور من له الضرر أولى أن يشترط، ولإن إنكار الخصم شرط للعمل بالبينة، حتى لا تسمع البينة على المقر، ولا يُقضى بها إذا اعترض الإقرار قبل القضاء، وبغيبة الخصم يفوت شرط العمل بالبينة، وهو الإنكار، وإنكاره، وإن كان ثابتا بطريق الظاهر.
أما الشرط بطريق الظاهر لا يثبت عندنا ما لم يتيقن به، ولهذا لو قال لعبده: إن لم أدخل اليوم الدار فأنت حر فمضى اليوم، وقال: دخلت، وقال العبد: لم يدخل؛ لم يعتق العبد، وإن كان عدم الدخول ثابتًا بطريق الظاهر.
وفي الأسرار: أسند الدخول إلى العبد بأن قال له: إن لم يدخل الدار فمضى اليوم ولا يدري أدخل أو لا، والعبد يدعي عدم الدخول؛ لم يعتق وإن كان الأصل هو العدم؛ لأنه جعله شرط العتق فما لم يثبت بدليله لا يعتق، فكذا فيما نحن فيه وإن كان الأصل عدم الإقرار؛ إذ الأصل في اليد يد ملك فلا يكون ذلك دليلا متى جعل شرطًا لغيره؛ لما عرف أن الاستصحاب يكون حجة دافعة لا موجبة، فلا تصير به البينة بالظاهر حجة، وهذا سر المسألة، فإن الاستصحاب عنده حجة موجبه.
فإن قيل: الخلاف ثابت فيما إذا حضر وأنكر ثم غاب.
قلنا: بقاء الإنكار إلى حين القضاء شرط؛ لأن البينة إنما تصير حجة بالقضاء، وبقاؤه محتمل.
فإن قيل: لو حضر وسكت تُسمع البينة مع أن سكوته محتمل للإقرار.
قلنا: يجعل القاضي سكوته إنكارًا؛ إذ الظاهر من حال المسلم أن لو كان عليه حق لما سكت. كذا في المبسوط (^١) والأسرار والذخيرة.
فإن قيل: وقف الحكم إلى حضور المدعى عليه بعد ثبوت البينة غير مفيد؛ لأن المدعى عليه لو حضر؛ فإما أن يُقر أو يُنكر، فعلى الوجهين كان الدعوى لازمة عليه.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٩٧).
[ ٦ / ٤٢٦ ]
يَجُوزُ لِوُجُودِ الحُجَّةِ وَهِيَ البَيِّنَةُ فَظَهَرَ الحَقُّ. وَلَنَا: أَنَّ العَمَلَ بِالشَّهَادَةِ لِقَطْعِ المُنَازَعَةِ، وَلَا مُنَازَعَةَ دُونَ الإِنْكَارِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الإِقْرَارَ وَالإِنْكَارَ مِنْ الخَصْمِ فَيَشْتَبِهُ وَجْهُ القَضَاءِ، لِأَنَّ أَحْكَامَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، وَلَوْ أَنْكَرَ ثُمَّ غَابَ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ قِيَامُ الإِنْكَارِ وَقْتَ القَضَاءِ، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ قَدْ يَكُونُ نَائِبًا بِإِنَابَتِهِ كَالوَكِيلِ أَوْ بِإِنَابَةِ الشَّرْعِ كَالوَصِيِّ مِنْ جِهَةِ القَاضِي،
قلنا: بل هو مفيد؛ لأنه يحتمل أن يطعن في البينة ويثبت طعنه بالحجة، ويحتمل أن يسلم الدعوى ثم يدعي الأداء إلى المدعي ويثبت بالحجة، ولأنه لو حضر يحتمل أنه أقر فيبطل حكم البينة؛ إذ لا حكم بالإقرار، فكان حكمه بالبينة في غير محله، ولأن حكم القضاء بالإقرار غير حكم القضاء بالبينة؛ لأن حكم القضاء بالبينة يقع على الناس كافة، وبالإقرار يختص بالمقر، ويظهر ذلك فيمن اشترى جارية فولدت عنده، فاستحقها رجل بالبينة - يأخذها وولدها، ولو أقر بها لرجل يأخذ ولدها ولا يرجع بالثمن على بائعها، وبالبينة يرجع الباعة بعضهم على بعض، والمسألة معروفة.
قوله: (خلاف أبي يوسف) فإنه قال: يحكم بها؛ لأن إنكاره سمع نصا، ووجد شرط حجتها، كما لو أقر ثم غاب يقضي بالإقرار.
وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: أنه لا يقضي بالبينة ويقضي بالإقرار، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن في البينة للمدعى عليه حق الطعن في الشهود، والقضاء عليه حال غيبته يبطل هذا الحق، أما ليس له حق الطعن في إقراره فالقضاء عليه حال غيبته لا يبطل عليه حقه.
وكان أبو يوسف يقول أولا: لا يقضي بالبينة والإقرار على الغائب جميعًا، ثم رجع حين ابتلي بالقضاء، وقال: يقضي فيهما جميعًا، واستحسن في ذلك حفظا لأموال الناس وحقوقهم. كذا في الذخيرة (^١) والمغني.
وقوله: (من يقوم مقامه) أي: مقام الغائب في أول المسألة.
(قد يكون نائبا بإنابته كالوكيل، أو بإنابة الشرع كالوصي من جهة القاضي)
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٨١).
[ ٦ / ٤٢٧ ]
وَقَدْ يَكُونُ حُكْمًا بِأَنْ كَانَ مَا يَدَّعِي عَلَى الغَائِبِ سَبَبًا لِمَا يَدَّعِيهِ عَلَى الحَاضِرِ،
قيد به احترازًا عن المسخر من جهة القاضي، فإن فيه اختلاف الروايتين. ذكره في الذخيرة (^١).
وتفسير المسخر: أن ينصب القاضي وكيلا عن الغائب ليسمع القاضي الخصومة عليه، والقاضي يعلم أنه ليس بخصم - لا يسمع الخصومة عليه ولا على المسخر، وإنما يجوز نصب الوكيل عن خصم اختفى في بيته، ولا يحضر مجلس الحكم، ولكن بعد بعث أمنائه إلى باب داره، ونادى على باب داره، وقال: احضر مجلس الحكم وإلا يحكم عليك، أما في غير ذلك الموضع فلا.
وذكر محمد في شهادات الجامع: رجل غاب، وجاء رجل، وادعى على رجل ذكر أنه غريم الغائب، والغائب وكله بطلب كل حق له على غرمائه بالكوفة وبالخصومة، والمدعى عليه ينكر وكالته، فأقام بينة على وكالته قضي عليه بالوكالة.
قال شيخ الإسلام فيه دليل على جواز الحكم على المسخر، فإنه قال: ادعى على رجل ذكر أنه غريم الغائب، ولم يقل: هو غريم الغائب.
قال الصدر الشهيد: هذا محمول على ما إذا لم يعلم القاضي بكونه مسخرًا.
قيل: وينبغي أن تكون المسألة على الروايتين؛ لأن هذا في الحاصل قضاء على الغائب، وفي القضاء على الغائب روايتان والمرغيناني (^٢) يفتي بعدم النفاذ في القضاء على الغائب؛ لئلا يتطرقوا إلى هدم مذهب أصحابنا.
قوله: (وقد يكون حكمًا) هذا معطوف على قوله: (قد يكون بإنابته)
قوله: (ما يدعي على الغائب سببًا لما يدعيه على الحاضر) أي: يكون سببًا لا محالة، أما إذا كان سببًا في وقت دون وقت لا ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، كما لو ادعى على امرأة أن زوجك وكلني أن أحملك إليه.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٨١).
(٢) انظر: بداية المبتدئ (١/ ١٥١).
[ ٦ / ٤٢٨ ]
وَهَذَا فِي غَيْرِ صُورَةٍ
فقالت: قد طلّقني ثلاثًا، وبرهنت - قبلت في حق قصر يد الوكيل عنها لا في حق إثبات الطلاق على الغائب، حتى لو حضر الغائب وأنكر الطلاق أعادت البينة؛ لأن المدعي على الغائب ليس بسبب لثبوت ما يدعي على الحاضر، وهو قصر يد الوكيل لا محالة، فإن تحقق الطلاق قد لا يجب قصر يد الوكيل بأن لم يكن وكيلًا بالحمل قبل الطلاق، وقد يوجب بأن كان وكيلًا قبل الطلاق، فكان ما ادعى على الغائب سببًا لما ادعى على الحاضر من وجه دون وجه، فقلنا: يقتضي قصر يده لا الطلاق. كذا في الذخيرة (^١).
قوله: (وهذا) أي: وما يدعى على الغائب سببًا لا محالة لما يدعيه على الحاضر (في غير صورة).
قال شيخ الإسلام وتفسير ذلك في مسائل:
منها: إذا ادعى دارًا في يد رجل أنها له، اشتراها من فلان الغائب وهو يملكها، وأنكر ذو اليد، وقال: إنها لي، وأقام المدعي بينة على دعواه قبلت، ويكون ذلك قضاء على الغائب، وينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب؛ لأن ما يدعى على الغائب، وهو الشراء منه، سبب لما يدعي على الحاضر؛ لأن الشراء من المالك سبب له لا محالة.
ومنها: ادعى على رجل أنه كفيل عن فلان بما يذوب له عليه، فأقر المدعى عليه بالكفالة وأنكر الحق، فبرهن المدعي أنه ذاب له على فلان ألف درهم، فإنه يقضي بها.
ومنها: ما إذا ادعى الشفعة في دار إنسان، وقال ذو اليد: ما اشتريتها من أحد والدار داري فبرهن المدعي أنه اشتراها بألف من فلان الغائب، وهو يملكها، وأنه شفيعها يقضي بالشراء في حق ذي اليد والغائب جميعًا، ومثال ما ادعى شيئين، وما يدعيه على الغائب سبب لثبوت ما يدعيه على الحاضر.
بيانه في مسائل منها: إذا شهد شاهدان على رجل بحق، فقال المشهود
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ١٥٠).
[ ٦ / ٤٢٩ ]
فِي الكُتُبِ، أَمَّا إِذَا كَانَ شَرْطًا لِحَقِّهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي جَعْلِهِ خَصْمًا عَنْ الغَائِبِ، وَقَدْ عُرِفَ تَمَامُهُ فِي «الجَامِعِ».
عليه: هما عبدان لفلان وأقام، وبرهن المشهود له أن فلانا الغائب أعتقهما وهو يملكهما؛ يقضى بالعتق في حق الحاضر والغائب جميعًا، والمدعى شيئان: المال والعتق على الغائب، وهو سبب لثبوت المدعى على الحاضر لا محالة؛ لأن ولاية الشهادة لا تنفك عن العتق بحال، فصارا كشيء واحد معنى.
ومنها: إذا قذف محصنًا حتى وجب عليه الحد، فقال القاذف: أنا عبد وعلي حد العبيد، وقال المقذوف: بل أعتقك مولاك، وعليك حد الأحرار وبرهن على الإعتاق من الغائب؛ يقضى بالعتق في حق الحاضر والغائب.
ومنها: إذا ادعت امرأة ضمان بقية مهرها على زوج غائب على حاضر عند وقوع الفرقة، فأقر المدعى عليه بالضمان وأنكر الفرقة، وبرهنت لوقوع الحرمة الغليظة - يقضى بالحرمة على الغائب، وبالمال على الحاضر.
قال صاحب الذخيرة (^١): فيه نظر؛ لأن المدعي على الغائب ليست بسبب للمدعي على الحاضر بل هو شرط، وفي مثل هذا لا ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، فينبغي أن يقضى بالمال على الحاضر، ولا يقضي على الغائب بالفرقة، ولو كان المدعى شيئين ما يدعيه على الغائب لا يكون سببًا، أو مترددًا لا ينتصب الحاضر خصمًا ولا يقضى في حق الغائب؛ بل يقضي في حق الحاضر.
قوله: (وقد عرف تمامه في الجامع)، وذكر في طلاق الجامع الصغير: رجل قال لامرأته: إن طلق فلان امرأته فأنت طالق، ثم برهنت امرأة الحالف أن فلانًا طلق امرأته، وفلان غائب - لا يقبل منها، ولا يحكم بوقوع الطلاق عند العامة، بخلاف ما لو قال: إن دخل فلان الدار فأنت طالق، وبرهنت على دخول فلان وهو غائب - يقبل، ويحكم بوقوع الطلاق؛ لأن ذلك ليس بقضاء على الغائب؛ إذ ليس فيه إبطال حق الغائب.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ١٥٠، ١٥١).
[ ٦ / ٤٣٠ ]
قَالَ: (وَيُقْرِضُ القَاضِي أَمْوَالَ اليَتَامَى، وَيَكْتُبُ ذِكْرَ الحَقِّ) لِأَنَّ فِي الإِقْرَاضِ مَصْلَحَتَهُمْ لِبَقَاءِ الأَمْوَالِ مَحْفُوظَةٌ مَضْمُونَةٌ، وَالقَاضِي يَقْدِرُ عَلَى الاسْتِخْرَاجِ وَالْكِتَابَةِ لِيَحْفَظَهُ (وَإِنْ أَقْرَضَ الوَصِيُّ ضَمِنَ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الاسْتِخْرَاجِ، وَالْأَبُ بِمَنْزِلَةِ الوَصِيِّ فِي أَصَحُ الرِّوَايَتَيْنِ لِعَجْزِهِ عَنْ الاسْتِخْرَاجِ.
وقد أفتى بعض المتأخرين بوقوع الطلاق في المسألة الأولى، منهم فخر الإسلام والأوزجندي، والأصح أنه لا يقبل، ولا ينتصب الحاضر، وبه يفتي المرغيناني (^١).
قوله: (ويكتب ذكر الحق) أي: يكتب كتابًا لأجل الحق وهو الصك، والحق هاهنا: الإقراض. (يقدر على الاستخراج) أي: تحصيل المال من المستقرض بلا شهود بعمله، بخلاف الأب والوصي حيث لا يقدران.
(لأنه) أي: الوصي (لا يقدر على الاستخراج) فربما يجحد المستقرض ولا يجد شهودًا يوافقونه في أداء الشهادة ولو وجد فلا كل بينة تعدل، ولا كل قاض يعدل.
وفي الجثو بين يدي القاضي ذل وصغار، فكان إضرارًا بالصغار على هذا الاعتبار.
والفرق أن القرض تبرع ابتداءً معاوضة انتهاءً؛ لما أنه قطع الملك عن العين ببدل في ذمة المفلس؛ إذ الاستقراض في العادات ممن هو مفلس، ولهذا حل محل الصدقة، وزاد عليها في الثواب؛ لزيادة الحاجة فاعتبر معاوضة في حق القاضي؛ لأن البدل مأمون عن التوى؛ لأنه يتمكن من الاسترداد متى شاء كما ذكرنا، وتبرعًا في حق الوصي والأب؛ لعدم تمكنهما من الاسترداد كما ذكرنا (^٢).
قوله: (في أصح الروايتين) قال شمس الأئمة (^٣): في الأب روايتان:
_________________
(١) انظر: بداية المبتدئ (١/ ١٥١).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ٥٦)، فتح القدير (٧/ ٣١٤).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢١/ ١٠٣).
[ ٦ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أظهرهما: أنه لا يملك كالوصي؛ لأنه لا يؤمن التوى بجحود المستقرض، وفي رواية: يملك؛ لأن ولاية الأب عامة في المال والنفس، كولاية القاضي، ونفقته تمنعه من ترك النظر له، والظاهر أنه يعرضه ممن يأمن جحوده، وأن أخذه الأب قرضًا لنفسه قالوا: يجوز، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجوز.
ثم فرع عليه الخصاف، وقال: ينبغي للقاضي أن يتفقد أحوال الذين أقرضهم مال اليتيم، حتى لو اختل أحد منهم يأخذ المال من يده؛ لأن القاضي وإن كان له ولاية الاسترداد شرعًا لكن يمكنه الاسترداد من الموسر دون المعسر، ألا ترى أنه لو كان المستقرض معسرًا في الابتداء لا يجوز له أن يقرض مال اليتيم، فكذا لا يترك ماله على المفلس أيضًا، وإنما يتمكن منه بالتفحص. كذا ذكره المحبوبي.
وهل للقاضي أن يحكم بعلمه؟
فعندنا له ذلك، وبه قال الشافعي (^١) في قول، وأحمد (^٢) في رواية، ومالك في رواية عبد الملك (^٣) منه إذا علمه بعد تقلد القضاء أنه يحكم بعلمه بأن شاء هذه فجاز، كما يحكم بعلمه بعد ثبوت البينة، يؤيده حديث هند فإنه ﵇ قال لها: «خُذِي مِنْ مَاله ما يَكفِيكِ وَولدَكِ بالمعروف» (^٤)، فقضى بعلمه.
وقال أحمد في ظاهر مذهبه (^٥)، ومالك في ظاهر مذهبه (^٦)، والشافعي (^٧) في قول: لا يجوز؛ لأنه يتهم في الحكم بعلمه، فلا يجوز كالحكم لولده، يؤيده ما روي عن عمر أنه تداعيا عنده رجلان، فقال له أحدهما: أنت شاهدي، فقال عمر: إن شئتما شهدت ولم أحكم، فقال: اشهد.
_________________
(١) انظر: الأم (٧/ ١١٩)، الحاوي الكبير (١٦/ ٣٢٢).
(٢) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٤٠)، المغني (١٠/¬٤٨، ٤٩).
(٣) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٥٣، ٢٥٤)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٢/ ١٠١٨).
(٤) أخرجه البخاري (٣/ ٧٩ رقم ٢٢١١)، ومسلم (٣/ ١٣٣٨ رقم ١٧١٤) من حديث عائشة ﵂.
(٥) انظر: المكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٤٠)، والمغني (١٠/¬٤٨، ٤٩).
(٦) انظر: المدونة (٤/¬١٦)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٥٣).
(٧) انظر: الأم (٧/ ١١٩)، الحاوي الكبير (١٦/ ٣٢٢).
[ ٦ / ٤٣٢ ]