(وَإِذَا أَذِنَ وَلِيُّ الصَّبِيِّ لِلصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ، فَهُوَ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَالعَبْدِ المَأْذُونِ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشَّرَاءَ حَتَّى يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ حَجْرَهُ لِصِبَاهُ فَيَبْقَى بِبَقَائِهِ، وَلِأَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَمْلِكَ الوَلِيُّ التَّصَرُّفَ عَلَيْهِ وَيَمْلِكَ حَجْرَهُ فَلَا يَكُونُ وَالِيًا لِلْمُنَافَاةِ وَصَارَ كَالطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛
فَصْلٌ
لما فرغ من بيان أحكام العبد في الإذن شرع في أحكام إذن الصغير، وقدم الأول لكثرة وقوعه.
قوله: (إذا كان يعقل البيع) أي: يعرف أن البيع سلب للملك، والشراء جالب للملك، ويعرف الغبن اليسير والفاحش لا نفس العبارة، فإن كل صبي لو لقن البيع والشراء يتلقنه، كذا في المغنى.
قوله: (وقال الشافعي: لا ينفذ) تصرفه بإذنه، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وقال أحمد في رواية، وبعض أصحاب الشافعي في وجه: كقولنا.
قوله: (فيبقى الحجر ببقائه) أي: ببقاء الصبا، ولا ينتقض بالرق، فإنه يصير مأذونا مع بقاء الرق؛ لما أن حجر الصبي لنقصان عقله لا لِحَقِّ غيره، بخلاف العبد فإن حجره لِحَقِّ مولاه لا لنقصان عقله، فبالإذن صار المولى راضيا بتصرفه وكسبه.
(حتى يملك الولي التصرف) أي: التصرف الذي أذن له فيه، (ويملك حجره) أي: حجر الصبي عن ذلك التصرف، فلا يكون واليا فيه إذ كونه موليا عليه في هذا التصرف سمة عجزه فيه، وكونه واليًا فيه سمة القدرة، وهما متضادان فلا يجتمعان في فعل واحد، ولأنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ [النساء: ٦] فقد شرط البلوغ وإيناس الرشد لدفع المال إليهم، فدل أنه ليس بأهل للتصرف؛ لأنه باع واشترى ثم بلغ فأجاز لم يجز، ولو صح كلامه لتوقف كالعبد يتزوج ثم يعتق، فإنه يصح، وكذا إذن الأب لو صح في حقه يملك الإقرار عليه بالدين، كما يملك في حق العبد، وكذا عدم وجوب الفرائض عليه يدل أنه غير أهل للتصرف، وأيضًا قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ [النساء: ٥]
[ ٧ / ٥٦٢ ]
لِأَنَّهُ لَا يُقَامُ بِالوَلِيِّ، وَكَذَا الوَصِيَّةُ عَلَى أَصْلِهِ، فَتَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ إِلَى تَنْفِيذِهِ مِنْهُ.
الآية، والمراد بها الصبيان والمجانين.
قوله: (على أصلي) (^١) فإن من أصله أن يكون كل تصرف يتحقق من الولي لا يصح كمباشرة الصبي؛ لأن تصرفه فيه بسبب الضرورة، ولا ضرورة فيما يتصرف فيه الولي، وكل تصرف (^٢) لا يتحقق بمباشرة الولي جعل عقله في ذلك معتبرًا، فلهذا تعتبر وصيته بأعمال البر واختيار الأبوين، ولا تتحقق الضرورة فيما يمكن تحصيله برأي الولي، ولهذا لم يصحح الشافعي إسلامه بنفسه لتحقق إسلامه بإسلام أحد أبويه، كذا في المبسوط.
قلنا: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ [النساء: ٦] الآية، والابتلاء: الاختبار، والامتحان.
واختباره بتفويض التصرفات إليه، فإن كان من أولاد التجار فوض إليه البيع والشراء، وإن كان من أولاد الدهاقين والكبراء يصان أمثالهم عن الأسواق، دفعت إليه نفقته مدة لينفقها في مصالحه، فإن صرفها في موقعه ويستقصي عليه فهو رشد.
فظاهر الآية يقتضي ابتلاءهم قبل البلوغ؛ لأنه مدة الابتلاء إلى البلوغ بلفظة ﴿حتى﴾ فيدل على أن الاختبار قبله، فعلم أن دفع المال إليه، وتمكينه من التصرفات جائز قبل البلوغ إذا صار عاقلا، ولأن التصرف المشروع صدر من أهله في محله فوجب تنفيذه، ولا خفاء في شرعية التصرف والمحلية.
وكذا في الأهلية؛ لأن الأهلية للتصرف في التكلم عن تمييز وبيان، لا عن تلقين وهذيان والكلام فيه فتثبت الولاية، وهذا لأن الصبي يقرب من المنافع، ويبعد من المضار؛ لأن الصبا سبب المرحمة، واعتبار كلامه في التصرف محض منفعة؛ لأن الآدمي باين سائر الحيوانات بالبيان، وهو من أعظم المنافع عند العقلاء، وهذه منفعة لا يمكن تحصيلها بمباشرة الولي فيجب أن يعتبر.
_________________
(١) هكذا بالأصول، وتقدم في المتن (أصله) ولعله الصواب.
(٢) في الأصل (صرف)، والمثبت من النسختين الثانية والثالثة.
[ ٧ / ٥٦٣ ]
أَمَّا بِالبَيْعِ وَالشَّرَاءِ: فَيَتَوَلَّاهُ الوَلِيُّ فَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا. وَلَنَا: أَنَّ التَّصَرُّفَ المَشْرُوعَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ عَلَى مَا عُرِفَ تَقْرِيرُهُ فِي الخِلَافِيَّاتِ. وَالصِّبَا سَبَبُ الحَجْرِ لِعَدَمِ الهِدَايَةِ لَا لِذَاتِهِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ نَظَرًا
قوله: (والصبا سبب الحجر لعدم الهداية) أي: إلى التصرفات لا لذاته، وهو جواب عن قول الشافعي: أن الصبا سبب الحجر فيبقى ببقائه، يعني الصبا سبب الحجر؛ لعدم هدايته إلى التصرفات لا لذاته، وبإذن الولي يستدل على ثبوت هدايته فيها؛ لأن الظاهر أن لا يأذن له حتى يعرف هدايته فيها، وبقاء ولاية الولي لنظر الصبي؛ لتوسع طريق النيل في الإصابة، فيستوفي المصلحة بطريق مباشرة الولي، وبمباشرة الصبي، ويمكنه من حجره؛ لاحتمال تبدل حاله من الهداية إلى غيرها، ومتى جعلنا وليا باعتبار أصل الأهلية لم نجعله فيه موليًا عليه، ومتى جعلناه موليًا عليه باعتبار قصور الأهلية لم نجعله وليا فيه، والحاصل أن الصبي مستحق النظر مصون عن الضرر.
والتصرفات ثلاثة أنواع:
ضار محض: كالطلاق والعتاق، والهبة، والصدقة، فلا يملكه الصبي، وإن أذن له الولي.
ونافع محض: كقبول الهدية، والصدقة، فيملكه بغير إذنه.
ودائر بين النفع والضرر كالبيع والشراء، والإجارة، والنكاح، فيملكه بإذنه؛ لأن الصبي العاقل يشبه البالغ من حيث إنه عاقل مميز، ويشبه الطفل الذي لا عقل له من حيث إنه لم يتوجه عليه الخطاب، وفي عقله قصور، وللغير عليه ولاية، فألحقناه بالبالغ في النافع المحض، وبالطفل في الضار المحض، وفي الدائر بينهما بالطفل عند عدم الإذن، وبالبالغ عند الإذن؛ لرجحان جهة النفع على الضرر بدلالة الإذن، ولكن قبل الإذن يكون منعقدا موقوفًا على إجارة الولي.
وأما الجواب عن قوله: إذا باع الصبي ثم بلغ فأجاز لم يجز؛ لأن عدم الجواز باعتبار أنه حين عقد بغير إذن الولي ملحق بالأطفال، فلا يقبل الجواز بعد بلوغه؛ لأن اشتراط توقف التصرف لأجل شيء يجب أن يكون ذلك الشيء
[ ٧ / ٥٦٤ ]
إِلَى إِذْنِ الوَلِيِّ، وَبَقَاءُ وِلَايَتِهِ لِنَظَرِ الصَّبِيِّ لِاسْتِيفَاءِ المَصْلَحَةِ بِطَرِيقَيْنِ وَاحْتِمَالِ تَبَدُّلِ الحَالِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ؛ لِأَنَّهُ ضَارٌّ مَحْضٌ فَلَمْ يُؤَهَّلْ لَهُ. وَالنَّافِعُ المَحْضُ كَقَبُولِ الهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ يُؤَهَّلُ لَهُ قَبْلَ الإِذْنِ، وَالبَيْعُ وَالشَّرَاءُ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ فَيُجْعَلُ أَهْلًا لَهُ بَعْدَ الإِذْنِ لَا قَبْلَهُ، لَكِنْ قَبْلَ الإِذْنِ يَكُونُ مَوْقُوفًا مِنهُ عَلَى إِجَازَةِ الوَلِيِّ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِ نَظَرًا، وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ، وَذِكْرُ الوَلِيِّ فِي الْكِتَابِ يَنْتَظِمُ الأَبَ وَالجَدَّ عِنْدَ عَدَمِهِ وَالوَصِيَّ.
موجودًا في نفسه على ما مر في مسائل تصرف الفضولي، أما لو أجاز الولي جاز؛ لأن الولي موجود فجاز أن يتوقف تصرفه إلى رأيه، وبإذنه يرفع الحاجز شرعًا، ثم تبين أنه كالبالغ.
ولكن ذكر في الكافي: لو بلغ فأجازه جاز عندنا، خلافا لزفر؛ لأنه توقف على إجازة وليه، وقد صار وليا بنفسه، بخلاف العبد إذا تزوج ثم عتق؛ لأن عدم الجواز كان لحق المولى لا لنقصان فيه، فإذا زال حقه بالعتق نفذ التصرف، وأما عدم وجوب الفرائض مع صحة النوافل على ما ذكرنا أن الصبي يقرب من المنافع، ويبعد من المضار، وفي توجه الخطاب إضرار عاجل؛ لأنه لو توجه عليه ثم لا يؤدي يبقى في وباله، بخلاف النوافل.
وأما الآية الأولى فحجة لنا كما ذكرنا، وكذا المراد من السفهاء الذين لا يعقلون البيع أو النساء، وهو أن الرجل يدفع المال إلى زوجته، ويجعل التصرف فيه إليها، وذلك منهي عنه.
قوله: (والجد عند عدمه والوصي) الواو هاهنا ليس للترتيب؛ لأن وصي الأب مقدم على الجد.
وفي المبسوط (^١): وليه أبوه، ثم وصيه، ثم الجد أب الأب، ثم وصيه، ثم القاضي أو وصي القاضي، فأما الأم أو وصيها فلا ولاية لهما عليه، فلا يصح الإذن منهما، ولا يقال وصي الأم لو باع العروض التي ورث الصغير من أمه يجوز؛ لأن ذلك من باب الحفظ على الأم الميتة وعلى الصغير، لا لأنه تجارة
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٥/¬٢٣).
[ ٧ / ٥٦٥ ]
وَالقَاضِي وَالوَالِي، بِخِلَافِ صَاحِبِ الشُّرَطِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهِ تَقْلِيدُ القُضَاةِ، وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْقِلَ كَوْنَ البَيْعِ سَالِبًا لِلْمِلْكِ جَالِبًا لِلرِّبْحِ، وَالتَّشْبِيهُ بِالعَبْدِ المَأْذُونِ لَهُ يُفِيدُ أَنَّ مَا يَثْبُتُ فِي العَبْدِ مِنْ الأَحْكَامِ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ الإِذْنَ فَكُّ الحَجْرِ وَالمَأْذُونُ يَتَصَرَّفُ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ عَبْدًا كَانَ أَوْ صَبِيًّا، فَلَا يَتَقَيَّدُ تَصَرُّفُهُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ.
وَيَصِيرُ مَأْذُونَا بِالسُّكُوتِ كَمَا فِي العَبْدِ.
حتى لو اشترى شيئًا آخر لليتيم لا يجوز، وليس في الآخر تحصين وحفظ، كذا في الذخيرة.
وعند الأئمة الثلاثة: وصي الصبي والمجنون: الأب، ثم الجد وإن عدما فالسلطان.
قوله: (بخلاف صاحب الشُّرَط) الشرطة بالسكون والحركة خيار الجند، وأول كتيبة تحضر الحرب، والجمع: شُرَط، وصاحب الشرطة يراد به أمير البلدة كأمير بخارى، كذا في المغرب.
فكان الوالي أكبر من صاحب الشرط، فإنه يتولى تقليد القضاء دون صاحب الشرط، بل فوض إليه أمر خاص لا تقليد القضاء، فلا يلي التصرفات على الناس.
قوله: (أن يعقل كون البيع) أي: عقد البيع والشراء إلى آخره، ويعرف الغبن الفاحش واليسير كما ذكرنا في رواية المغني.
(والتشبيه بالعبد) أي في قوله: (وهو في البيع والشراء كالعبد المأذون) بعقد.
(أن ما يثبت في العبد) إلى آخره، ولا يقال: لا يستقيم تعميم قوله: (أن ما يثبت في العبد) إلى آخره، فإن العبد المأذون متصرف في كسبه، ولا يتصرف فيه مولاه، أما ولي الصبي يتصرف في كسبه؛ لأنا نقول: تعميمه في تصرفات العبد وإعجازه، وعدم إعجازه، لا في إعجاز المولى وعدم إعجاز الولي، فلا يرد نقضا على العموم.
وفي المبسوط: إنما يملك وصي الصبي التصرف في كسبه، سواء كان على الصبي دين أو لا؛ لأن دين الحر في ذمته، لا تعلق له بماله بخلاف دن العبد
[ ٧ / ٥٦٦ ]
وَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِهِ، وَكَذَا بِمَوْرُوثِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، كَمَا يَصِحُّ إِقْرَارُ العَبْدِ وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ عَبْدِهِ و
المأذون، فإنه يتعلق بكسبه، ويصير المولى في التصرف كأجنبي آخر، إذا كان الدين مستغرقا (^١).
قوله: (ويصح إقراره) أي إقرار الصبي وإنما ذكر هذا بعد ما ذكره بطريق التعميم؛ ليتناول الدين والعين؛ لأنه صار منفك الحجر بالإذن، فصار كما لو كان منفك الحجر بالبلوغ.
فإن قيل: الولاية المتعدية فرع ولاية القائمة، ثم إقرار الولي عليه باطل، فكيف يستفيد هو بإذنه ما لم يملكه الولي؟
قلنا: إقراره بعد الإذن على نفسه من صنيع التجار ومما لا تتم التجارة إلا به؛ لأن الناس إذا علموا أن إقراره لا يصح يحترزون عن معاملته، أما إقرار وليه عليه قول على الغير وهو شهادة، وشهادة الفرد لا تكون حجة، إذ إقرار المرء على نفسه حجة لا على غيره، وبقوله في ظاهر الرواية يحترز عما روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله: أن إقراره فيما ورثه لا يصح؛ لأن إقراره في كسبه كحاجته إلى التجارة، وهذه الخاصة تنعدم في الموروث.
وجه الظاهر: أن انفكاك الحجر بالإذن عنه كانفكاكه بالبلوغ فيصح في الكل؛ لأنه لما التحق إلى رأيه رأي وليه صار هو كالبالغ، ولهذا جوز أبو حنيفة ﵀ تصرفه بعد الإذن بالغبن الفاحش كالبالغ.
قوله: (ولا يملك تزويج عبده) قيد بالعبد؛ لأن عدم جوازه تزويجه بالإجماع، أما عدم جواز تزويج أمته خلاف بين أبي حنيفة، ومحمد، وبين أبي يوسف فعنده: يملك تزويج أمته؛ لأن فيه تحصيل المال، فيملكه كالعبد المأذون.
وعندهما لا يملكه؛ لأن النكاح ليس من عقود التجارة كالعبد المأذون وقد مر.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٥/¬٢٦).
[ ٧ / ٥٦٧ ]
لَا كِتَابَتِهِ كَمَا فِي العَبْدِ وَالمَعْتُوهِ الَّذِي يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ يَصِيرُ مَأْذُونَا بِإِذْنِ الأَبِ وَالجَدِّ وَالوَصِيِّ دُونَ غَيْرِهِمْ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّبِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (ولا كتابته) أي: لا يملك كتابته عنده كما في العبد المأذون، أما تملك إذن عبده في التجارة كالعبد.
فإن قيل: الأب والوصي يملكان الكتابة في عبد الصبي فينبغي أن يملكها الصبي بعد الإذن أيضًا؛ لأن ولايته مستفادة منهما.
قوله: (والمعتوه الذي) إلى آخره، يعني الجواب فيه كالجواب في الصبي المميز، ولا يعلم فيه خلاف.
وفي الذخيرة: المعتوه الذي يعقل البيع والشراء كالصبي إذا بلغ معتوها، أما إذا بلغ عاقلا (^١) ثم عته، فأذن له الأب في التجارة هل يصح إذنه؟
فقال أبو بكر البلخي: لا يصح إذنه قياسًا، وهو قول أبي يوسف، ويصح استحسانًا، وهو قول محمد، وهذا بخلاف ما لو عته الأب أو جن، فإنه لا يثبت للابن الكبير ولاية التصرف في ماله، إنما تثبت له ولاية التزويج؛ لأن ولاية التصرف للقريب في مال القريب إنما تثبت إذا كان الولي كامل الرأي، وافر الشفقة، والأب كامل الرأي وافر الشفقة تثبت له ولاية التصرف في المال والنفس، أما إذا كان كامل الرأي تام الشفقة يثبت له الولاية في النفس دون المال كالأخ.
قوله: (وغيرهم) (^٢) من الأقارب كالابن والأخ، والعم، وقيد بقوله: (من الأقارب) لأن للقاضي ولاية في إذن المعتوه، ذكره في المبسوط (^٣).
وقوله: (على ما بينا) إشارة إلى قوله: (وذكر الولي في الكتاب ينتظم الأب والجد) (^٤) إلى آخره، ولو اشترى أب أو وصي أمةٍ للصغير أو المعتوه، وهي ذات رحم محرم من الصغير أو المعتوه لا ينفذ عليهما، وإنما ينفذ على الأب والوصي؛ لأنه لا نظر في هذا والله أعلم.
_________________
(١) في الأصل: (معتوها)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) هكذا بالأصول، وتقدم في المتن: (دون غيرهم).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢٥/¬٤٠).
(٤) انظر المتن ص ٥٦٥.
[ ٧ / ٥٦٨ ]