قَالَ: (وَإِذَا وَلَدَتِ المُكَاتَبَةُ مِنْ المَوْلَى فَهِيَ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الكِتَابَةِ، وَإِنْ شَاءَتْ عَجَّزَتْ نَفْسَهَا، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهَا تَلَقَّتْهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ
قوله: (وهذا العقر)، أي: العقر الذي وجب على المكاتب بسبب وطء المشتراة من توابع التجارة، فإنه لو وطئها قبل الشراء عليه الحد، فعلم أن العقر وجب بسبب الشراء فيكون ضمان التجارة، وما يترتب عليه حكمه أيضًا حكم ضمان التجارة وإن كان مقابلا بما ليس بمال كالهدية اليسيرة، والضيافة اليسيرة فإنها من توابع التجارة وإن كانت تبرعًا حقيقة، كذا ذكره المحبوبي.
فَضْلٌ
لما كانت مسائل هذا الفصل نوعًا آخر من جنس مسائل الفصل الأول فصلها بفصل.
قوله: (وصارت أم ولد) سواء صدقته المكاتبة في ذلك أم كذبته؛ لأن للمولى في رقبتها حقيقة الملك، وللمكاتبة حق الملك؛ فترجحت الحقيقة على الحق، فثبتت من غير تصديق، بخلاف ما إذا ادعى ولد أمه المكاتبة، فإن ثمة لا يثبت النسب إلا بتصديق المكاتبة؛ لأن للمولى حق الملك في إكسابها دون
[ ٧ / ٣٨٦ ]
عَاجِلَةٌ بِبَدَلٍ وَآجِلَةٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَتُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، (وَنَسَبُ وَلَدِهَا ثَابِتٌ مِنْ المَوْلَى وَهُوَ حُرٌّ)، لِأَنَّ المَوْلَى يَمْلِكُ الإِعْتَاقَ فِي وَلَدِهَا وَمَا لَهُ مِنْ المِلْكِ يَكْفِي لِصِحَّةِ الاسْتِيلادِ بِالدَّعْوَةِ. وَإِذَا مَضَتْ عَلَى الكِتَابَةِ أَخَذَتْ العُقْرَ مِنْ مَوْلَاهَا لِاخْتِصَاصِهَا بِنَفْسِهَا وَبِمَنَافِعِهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا.
ثُمَّ إِنْ مَاتَ المَوْلَى: عَتَقَتْ بِالاسْتِيلادِ، وَسَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الكِتَابَةِ، وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ وَتَرَكَتْ مَالًا: تُؤَدَّى مِنهُ مُكَاتَبَتُهَا، وَمَا بَقِيَ مِيرَاثُ لِابْنِهَا
حقيقته، فيحتاج إلى التصديق، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
(وهو حر) أي: الولد حر ولا يعلم فيه خلاف.
(وما له) بفتح اللام، أي: والذي له من الملك في الجارية (يكفي لصحة الاستيلاد) أحدث العقر من مولاها، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد، ومالك.
وقوله: (لما قدمنا) إشارة إلى قوله في فصل الكتابة الفاسدة أنها صارت أخص بإجرائها.
قوله: (عتقت بالاستيلاد وسقط عنها بدل الكتابة) ولا خلاف فيه؛ لأنها التزمت المال لتسلم لها رقبتها بجهة الكتابة ولم تسلم بهذه الجهة فلم يجب البدل.
قوله: (وما بقي ميراث لابنها)، وقال أحمد: ما في يدها للسيد، وبه قال الشافعي؛ لبطلان الكتابة فيكون عتقه بالاستيلاد، فلا يكون ما في يدها ميراثا لابنها.
وقال مالك: من كان معه في كتابته من ورثته يؤدي ما بقي من كتابته، ويرث من ذكرنا ممن كان معه في الكتابة على قسمة الميراث، ولا يرث منه وارث حر.
قال ابن حزم: هذا قول لم يعرف من أحد وخلاف القرآن والسنة والمعقول.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢١٣).
[ ٧ / ٣٨٧ ]
جَرْيًا عَلَى مُوجَبِ الكِتَابَةِ، وَإِنْ لَمْ تَتْرُكْ مَالًا فَلَا سِعَايَةَ عَلَى الوَلَدِ لِأَنَّهُ حُرٌّ، وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا آخَرَ لَمْ يَلْزَمُ المَوْلَى، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ لِحُرْمَةِ وَطْئِهَا عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَدَّعِ وَمَاتَتْ مِنْ غَيْرِ وَفَاءٍ سَعَى هَذَا الوَلَدُ، لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ تَبَعًا لَهَا، فَلَوْ مَاتَ المَوْلَى بَعْدَ ذَلِكَ عَتَقَ وَبَطَلَ عَنْهُ السِّعَايَةُ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الوَلَدِ، إِذْ هُوَ وَلَدُهَا فَيَتْبَعُهَا.
قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَ المَوْلَى أُمَّ وَلَدِهِ: جَازَ) لِحَاجَتِهَا إِلَى اسْتِفَادَةِ الحُرِّيَّةِ قَبْلَ مَوْتِ المَوْلَى، وَذَلِكَ بِالكِتَابَةِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ تَلَقَّتْهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ (فَإِنْ مَاتَ المَوْلَى عَتَقَتْ بِالاسْتِيلادِ) لِتَعَلُّقِ عِتْقِهَا بِمَوْتِ السَّيِّدِ (وَسَقَطَ عَنْهَا بَدَلُ الكِتَابَةِ) لِأَنَّ الغَرَضَ مِنْ إِيجَابِ البَدَلِ العِتْقُ عِنْدَ الأَدَاءِ، فَإِذَا عَتَقَتْ قَبْلَهُ لَمْ يُمْكِنْ تَوْفِيرُ الغَرَضِ
قوله: (ولدا آخر لم يلزم)، وينبغي أن يلزم بدون الدعوة؛ لأن نسب ولد أم الولد يثبت بالسكوت لا بالنفي، ولكن لا يثبت هاهنا بالسكوت؛ لأن ذلك في أم ولد لا يحرم وطؤها، أما التي وطئها محرمة باعتبار بقاء الكتابة لا يلزم نسب ولدها إلا بالدعوة.
وفي مبسوط فخر الإسلام: هذا إذا مضت على الكتابة، أما لو عَجَزَت نفسها ولم تمض ثم ولدت فإنه يلزم المولى بدون الدعوة؛ لحل وطئها حينئذ.
قوله: (وإذا كاتب المولى أم ولده جاز) والقياس أن لا يجوز عند أبي حنيفة؛ لعدم تقومها، فكيف يؤخذ بمقابلته بدل الكتابة؟ لكن جوزه باعتبار أن عقد الكتابة يرد على المملوك ليتوسل به إلى ملك اليد والمكاسب في الحال والحرية في باقي الحال، وحاجة أم الولد إلى هذا كحاجة غيرها، ذكره في المبسوط (^١).
وقال ابن القاص من أصحاب الشافعي: لا تجوز كتابتها؛ لأن الشافعي قال: إذا استولد المكاتبة صارت أم ولد بحالها، وبه قال أحمد.
قوله: (ولا تنافي بينهما) أي: بين أمومية الولد والكتابة، فإن المولى إذا استولد المكتابة تبقى الكتابة حتى صارت مخيرة بين التعجيز والإمضاء على الكتابة عندنا ومالك وأحمد، وعند الشافعي تبطل الكتابة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٧/ ١٦٦).
[ ٧ / ٣٨٨ ]
عَلَيْهِ فَسَقَطَ وَبَطَلَتْ الكِتَابَةُ لِامْتِنَاعِ إِبْقَائِهَا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ، غَيْرَ أَنَّهُ تُسَلَّمُ لَهَا الْأَكْسَابُ وَالْأَوْلَادُ، لِأَنَّ الكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ فِي حَقِّ البَدَلِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ وَالْأَوْلَادِ، لِأَنَّ الفَسْخَ لِنَظَرِهَا وَالنَّظَرُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَوْ أَدَّتْ المُكَاتَبَةُ قَبْلَ مَوْتِ المَوْلَى: عَتَقَتْ بِالْكِتَابَةِ، لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ.
قَالَ: (وَإِنْ كَاتَبَ مُدَبَّرَتَهُ: جَازَ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الحَاجَةِ وَلَا تَنَافِي، إِذْ الحُرِّيَّةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ مُجَرَّدُ الاسْتِحْقَاقِ.
قوله: (غير أنه تسلم لها الأولاد والأكساب) أي: يعتق لها الأولاد وتخلص لها الأكساب كما إذا أعتقها المولى في حال بقاء الكتابة، وذلك لأن فسخ الكتابة في حق البدل للنظر لها، والنظر في انفساخها في حق سقوط البدل لا في حق الأولاد والاكتساب، وهذا لدفع شبهة ترد وهي أن استتباع الأولاد في الحرية والرِّقّيةِ بالأم إنما يكون أن لو كانت الأولاد متصلة بالأم حالة الحرية والرقية، وهاهنا الأولاد منفصلة عنها حال عتقها، فكيف يعتق الأولاد بعتقها عند موتها؟
فأجاب عنها بهذا وقال: عدم العتق للأولاد المنفصلة إنما يكون إذا لم تكن الأولاد داخلة في كتابة الأم بطريق التبعية، وهاهنا دخلت في كتابتها تبعا لها، فلهذا أعتقوا بعتقها وبطلت الكتابة بموتها في حق سقوط البدل نظرًا لها إلى آخر ما ذكرنا، إليه أشار في المبسوط.
وبه قال أحمد في رواية، وقال في رواية: ما في يدها لورثة سيدها، وبه قال الشافعي ومالك لبطلان الكتابة.
قوله: (ولو أدت) أي: أم الولد (المكاتبة) بالنصب أي: بدل الكتابة.
(لأنها) أي: الكتابة (باقية) وبه قال مالك وأحمد، وقال الشافعي: لا تعتق لبطلان الكتابة على ما ذكره ابن القاص.
قوله: (وإن كاتب مدبرة جاز) ولا يعلم فيه خلاف إلا ما روي عن الشافعي أن التدبير وصية والكتابة رجوع عنها، وإنما وضع المسألة في المدبرة لمناسبة أم الولد، وإن كانت هذه الأحكام في المدبر أيضًا كذلك.
[ ٧ / ٣٨٩ ]
(وَإِنْ مَاتَ المَوْلَى وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا: فَهِيَ بِالخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا، أَوْ جَمِيعِ مَالِ الكِتَابَةِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَسْعَى فِي أَقَلَّ مِنهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا وَثُلُثَيْ بَدَلِ الكِتَابَةِ (*)، فَالخِلافُ فِي الخِيَارِ وَالمِقْدَارِ، فَأَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي المِقْدَارِ، وَمَعَ مُحَمَّدٍ فِي نَفْيِ الخِيَارِ. أَمَّا الخِيَارُ فَفَرْعُ تَجَزُّةِ الإِعْتَاقِ عِنْدَهُ، لَمَّا تَجَزَّأَ بَقِيَ الثُّلُثَانِ رَقِيقًا وَقَدْ تَلَقَّاهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ بِبَدَلَيْنِ مُعَجَّلٌ بِالتَّدْبِيرِ وَمُؤَجَّلٌ بِالكِتَابَةِ فَتُخَيَّرُ. وَعِنْدَهُمَا: لَمَّا عَتَقَ كُلُّهَا بِعِثْقِ بَعْضِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَجَبَ عَلَيْهَا أَحَدُ المَالَيْنِ فَتَخْتَارُ الأَقَلَّ لَا مَحَالَةَ فَلَا مَعْنَى لِلتَّحْيِيرِ. وَأَمَّا المِقْدَارُ فَلِمُحَمَّدٍ تَلهُ: أَنَّهُ قَابَلَ البَدَلَ بِالكُلِّ، وَقَدْ سَلَّمَ لَهَا الثُّلُثَ بِالتَّدْبِيرِ، فَمِنْ المُحَالِ أَنْ يَجِبَ البَدَلُ بِمُقَابَلَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ لَهَا الكُلَّ بِأَنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ يَسْقُطُ كُلُّ بَدَلِ الكِتَابَةِ، فَهُنَا يَسْقُطُ الثُّلُثُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا تَأَخَّرَ التَّدْبِيرُ عَنْ الكِتَابَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ
قوله: (ولا مال له غيرها) قيد به؛ لأنه لو كان له مال غيرها يخرج من الثلث بعتق وسقط عنها بدل الكتابة كما لو أعتقها، ذكره في المبسوط.
وقد مر أن المدبر يعتق من الثلث عند أكثر أهل العلم إلا عند النخعي وابن جبير وداود.
قوله: (بقي الثلثان عبدًا) أي: على الرق، وفي بعض النسخ: (رقيقًا).
قوله: (فيخير) لأن في التخيير فائدة لجواز أن يكون أداء أكثر المالين أيسر باعتبار الأجل، وأداء أقل المالين أعسر لكونه حالا وإن كان جنس المال متحدا، كذا في مبسوط فخر الإسلام.
قوله: (قابل البدل بالكل) أي: بكل المدبرة؛ لأنه أضاف العقد إلى كلها وهو محل قابل لهذا العقد كالقن فتصير كلها مكاتبا، وقد سلم لها ثلث نفسها مجانا فيجب أن يسقط بقدره من ثلث البدل، وبه قال مالك.
قوله: (كما إذا تأخر التدبير عن الكتابة)، يعني لو كاتب عبده أولا ثم دبره
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٣٩٠ ]
جَمِيعَ البَدَلِ مُقَابَلٌ بِثُلُثَيْ رَقَبَتِهَا فَلَا يَسْقُطُ مِنهُ شَيْءٌ، وَهَذَا لِأَنَّ البَدَلَ وَإِنْ قُوبِلَ بِالكُلِّ صُورَةٌ وَصِيغَةً، لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا ذَكَرْنَا مَعْنَى وَإِرَادَةً، لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ حُرِّيَّةَ الثُّلُثِ ظَاهِرًا، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَلْتَزِمُ المَالَ بِمُقَابَلَةِ مَا يَسْتَحِقُّ حُرِّيَّتَهُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثِنْتَيْنِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ، كَانَ جَمِيعُ الْأَلْفِ بِمُقَابَلَةِ الوَاحِدَةِ البَاقِيَةِ لِدَلَالَةِ الإِرَادَةِ، كَذَا هَاهُنَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَقَدَّمَتْ الكِتَابَةُ وَهِيَ المَسْأَلَةُ الَّتِي تلِيهِ، لِأَنَّ البَدَلَ مُقَابَلٌ بِالكُلِّ، إِذْ لَا اسْتِحْقَاقَ عِنْدَهُ فِي شَيْءٍ فَافْتَرَقَا، قَالَ: (وَإِنْ دَبَّرَ مُكَاتَبَتَهُ: صَحَ التَّدْبِيرُ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَلَهَا الخِيَارُ، إِنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الكِتَابَةِ، وَإِنْ شَاءَتْ عَجَّزَتْ نَفْسَهَا
ثم مات ولا مال له سواه يسقط عنه ثلث بدل الكتابة بالاتفاق؛ لأنه عتق ثلثه بالتدبير، فكذا فيما سبق التدبير، كذا في المبسوط.
ولهذا لو عتق كلها بالتدبير بأن كان يخرج من الثلث بطل كل البدل، فكذا إذا عتق ثلثه عنه اعتبارًا للبعض بالكل، ولهذا لو أدى كل البدل في حياته يعتق كله، فلو كان ثلثه مستحقا بالتدبير ولم يرد عليه عند الكتابة لما عتق كله بالأداء.
قوله: (لأنها) أي المدبرة (استحقت الحرية ظاهرًا) بالتدبير ولكن الاستحقاق غير مقرر لجواز أن يموتا قبل المولى، والمدبر يخرج من الثلث تبطل الكتابة، وكذلك في أم الولد إذا مات المولى فقد تقرر استحقاقها جميع نفسها، فبطلت الكتابة فعلم أن بدل الكتابة بمقابلة ما وراء المستحق بالتدبير وهو الثلثان، وليس كما إذا أدى في حياته؛ لأن استحقاق الثلث قد بطل وبطل التقدير الذي قلنا.
قوله: (وإن دبر مكاتبته (^١) صح) ولا يعلم فيه خلاف لأنه يملك تنجيز العتق فيه، فيملك التعليق بشرط الموت أيضًا، وكذا الحكم في تدبير مكاتبته لكن ذكر لفظ التأنيث لما ذكرنا من المناسبة.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله (تلقتها جهتا حرية) (^٢).
_________________
(١) في الأصل: (مكاتبته)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر المتن ص ٣٩٠.
[ ٧ / ٣٩١ ]
وَصَارَتْ مُدَبَّرَةٌ) لِأَنَّ الكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ فِي جَانِبِ المَمْلُوكِ، فَإِنْ مَضَتْ عَلَى كِتَابَتِهَا فَمَاتَ المَوْلَى وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا: فَهِيَ بِالخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ سَعَتْ فِي ثُلُثَيْ مَالِ الكِتَابَةِ، أَوْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: تَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْهُمَا، فَالخِلَافُ فِي هَذَا الفَصْلِ فِي الخِيَارِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا. أَمَّا المِقْدَارُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ مَا بينا.
قَالَ: (وَإِذَا أَعْتَقَ المَوْلَى مُكَاتَبَهُ: عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِ) لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِيهِ (وَسَقَطَ بَدَلُ الكِتَابَةِ) لِأَنَّهُ مَا التَزَمَهُ إِلَّا مُقَابَلًا بِالعِتْقِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ دُونَهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ، وَالكِتَابَةُ وَإِنْ كَانَتْ لَازِمَةٌ فِي جَانِبِ المَوْلَى وَلَكِنَّهُ يُفْسَخُ بِرِضَا العَبْدِ، وَالظَّاهِرُ رِضَاهُ تَوَسُّلًا
قوله: (لأن الكتابة ليست بلازمة في جانب المملوك) وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وفي الذخيرة: هذا فصل اختلف المشايخ فيه، وهو أن المكاتب إذا أراد تعجيز نفسه وقال المولى لا أعجزك، هل تنفسخ الكتابة؟
قال محمد بن سلمة: إذا أبى المولى تعجيزه فله ذلك ولا تنفسخ الكتابة بتعجيزه.
قال أبو بكر البلخي: هذا خلاف ما ذكر أصحابنا في كتبهم، فإنهم قالوا للعبد أن يعجز نفسه.
قوله: (بناء على ما ذكرنا) وهو قوله: (أما الخيار ففرع يجري الإعتاق) إلى آخره.
أما المقدار وهو القول بالثلثين سواء كان ذلك في بدل الكتابة أو قيمتها على قول أبي حنيفة، وكذلك على قولهما.
وقوله: (ووجهه ما بينا إشارة إلى قوله لأن البدل مقابل بالكل) إلى آخره.
قوله: (لكنه) أي: عقد الكتابة، وفي بعض النسخ (لكنها) أي: الكتابة تفسخ برضا العبد كما إذا باعه أو أجره المولى برضاه، فإنه يجوز وتفسخ الكتابة والظاهر رضاه، وأنزل الظاهر مقام الواقع حتى انفسخت الكتابة وإن لم يوجد منه الرضا حقيقة.
[ ٧ / ٣٩٢ ]
إِلَى عِتْقِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ مَعَ سَلَامَةِ الأَحْسَابِ لَهُ لِأَنَّا نُبْقِي الكِتَابَةَ فِي حَقِّهِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إِلَى سَنَةٍ، فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ: فَهُوَ جَائِزُ) اسْتِحْسَانًا. وَفِي القِيَاسِ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ اعْتِيَاضُ عَنْ الْأَجَلِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَالدَّيْنُ مَالٌ، فَكَانَ رِبًا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الحُرِّ وَمُكَاتَبِ الغَيْرِ.
(لأنا نبقي الكتابة في حقه) أي في حق الإكساب بتأويل المكسوب أو المال نظرا للمكاتب وإنما ذكر هذا دفعا لشبهة ترد على قوله (مع سلامة الأكساب له) وهي أن يقال: ينبغي أن لا يسلم له الأكساب ويجب أن تكون للمولى، كما قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن الأكساب أكساب عبده كما لو عجز نفسه وعاد إلى الرق والأكساب في يده بجامع أن في كل منهما انفساخ الكتابة.
فأجاب عنها بقوله لأنا نبقي الكتابة في حق الأكساب نظرا للمكاتب كما أن انفساخ الكتابة في حق سقوط البدل نظرا له كذا في الذخيرة.
قوله: (وفي القياس لا يجوز) وبه قال الشافعي ومالك.
وفي الحلية: وبه قال أبو يوسف وزفر لأنه اعتياض عن الأجل وهو ليس بمال والدين مال وكان ربا.
قوله: (ولهذا لا يجوز مثله) أي: لو كان له دين على الحر أو مكاتب الغير مؤجلا فصالحه على بعضه مُعجَّلًا لا يجوز بالإجماع، فكذا هذا.
وجه الاستحسان وبه قال أحمد: أن الفساد في الحر ومكاتب الغير لمكان الربا، إذ الأصل ليس بمال مُتَقوَّم فلم يجز بمقابلة الحط به، وقد وجدنا سبيلا إلى الاحتراز، وهو أن يجعل ذلك فسخا منهما للكتابة وتجديد العقد على خمسمائة حالة؛ لأن بدل ذلك في معنى المعقود عليه، ألا ترى أن العجز عن أدائه يوجب حق الفسخ باعتبار الإضافة إليه بخلاف ثمن البيع؟
ولأن الأجل في حق المكاتب له شبه بالأموال؛ لأن المكاتب لا يقدر على أداء البدل إلا بأجل، فأعطي له حكم المال وبدل الكتابة مال من وجه وليس بمال من وجه بدلالة أنه لا يصلح نصابا للزكاة ولا يوصف باللزوم حقيقة، فأشبه الحقوق التي ليست بمال، ولهذا لا تصح الكفالة، فكان كل واحد منهما مالا من وجه فاعتدلا فلا يتحقق الربا.
[ ٧ / ٣٩٣ ]
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الأَجَلَ فِي حَقِّ المُكَاتَبِ مَالٌ مِنْ وَجْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الأَدَاءِ إِلَّا بِهِ فَأُعْطِيَ لَهُ حُكْمُ المَالِ، وَبَدَلُ الكِتَابَةِ مَالٌ مِنْ وَجْهِ، حَتَّى لَا تَصِحَ الكَفَالَةُ بِهِ فَاعْتَدَلَا فَلَا يَكُونُ رِبًا، وَلِأَنَّ عَقْدَ الكِتَابَةِ عَقْدٌ مِنْ وَجْهِ دُونَ وَجْهِ وَالأَجَلُ رِبًا مِنْ وَجْهِ فَيَكُونُ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ، بِخِلَافِ العَقْدِ بَيْنَ الحُرَّيْنِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ فَكَانَ رِبًا وَالأَجَلُ فِيهِ شُبْهَةٌ.
قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَ المَرِيضُ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ إِلَى سَنَةٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ، ثُمَّ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، وَلَمْ تُجز الوَرَثَةُ: فَإِنَّهُ يُؤَدِّي ثُلُثَيِ الأَلْفَيْنِ حَالًا، وَالبَاقِيَ إِلَى
فأما الدين الذي على الحر فيصلح نصابا للزكاة ويوصف باللزوم حقيقة وتصح الكفالة به والأجل في حقه لا يشبه المال لأنه قادر بدونه فبطل الاعتياض.
ولأن عقد الكتابة عقد من وجه دون وجه لما مر أن القياس يبقي هذا العقد لأن العبد وما في يده لمولاه، ولكن بالنظر إلى الأكساب ملك العبد يدا هو عقد، ولأنه يمين من وجه فإن فيه معنى اليمين في جانب اليمين لأنه تعليق العتق بشرط الأداء والربا يجري في العقود من كل وجه كالبيع والإجارة.
(والأجل ربا) أي: فضل من وجه دون وجه لكان شبهة فكشبهة الشبهة وهي غير معتبرة وعقده مع الحر أو مكاتب الغير عقد من وجه فكان ربا الأجل شبهة فيعتبر.
فإن قيل: فلو كان عقد الكتابة عقدا من وجه كما ذكرتم ينبغي أن يجوز بيع المولى من مكاتبه درهما بدرهمين وذا لا يجوز ذكره في المبسوط.
قلنا: المكاتب كالأجنبي من وجه فيجري بينهما صريح الربا دون شبهته لما ذكرنا، كذا ذكره المحبوبي.
قوله: (وَلَمْ تُجِزِ الوَرَثَةُ) أي: التأجيل؛ لأن المريض لم يتصرف في حق الورثة إلا في حق التأجيل، فكان لهم أن يردوه، إذ بتأجيل المال أخر حق الورثة وفيه ضرر عليهم، فلا يصح بدون إجازتهم كذا في المبسوط.
(فإنه) أي: العبد (يؤدي ثلثي الألفين) وهو ألف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث درهم.
[ ٧ / ٣٩٤ ]
أَجَلِهِ، أَوْ يُرَدُّ رَقِيقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُؤَدِّي ثُلُثَيْ الْأَلْفِ حَالًا، وَالبَاقِيَ إِلَى أَجَلِهِ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الزِّيَادَةَ بِأَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا، وَصَارَ كَمَا إِذَا خَالَعَ المَرِيضُ امْرَأَتَهُ عَلَى أَلْفِ إِلَى سَنَةٍ جَازَ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَلَهُمَا: أَنَّ جَمِيعَ المُسَمَّى بَدَلُ الرَّقَبَةِ حَتَّى أُجْرِيَ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الأَبْدَالِ وَحَقُّ الوَرَثَةِ مُتَعَلِّقُ بِالمُبْدَلِ فَكَذَا بِالبَدَلِ، وَالتَّأجِيلُ إِسْقَاطٌ مَعْنَى فَيُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِ الجَمِيعِ، بِخِلَافِ الخُلْعِ، لِأَنَّ البَدَلَ فِيهِ لَا يُقَابِلُ المَالَ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الوَرَثَةِ بِالمُبْدَلِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالبَدَلِ، وَنَظِيرُ هَذَا: إِذَا بَاعَ المَرِيضُ دَارِهِ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ إِلَى سَنَةٍ، وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ تُجِزُ الوَرَثَةُ فَعِنْدَهُمَا: يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: أَدْ ثُلُثَيْ جَمِيعِ الثَّمَنِ حَالًا وَالثُّلُثَ إِلَى أَجَلِهِ وَإِلَّا فَانْقُضُ البَيْعَ، وَعِنْدَهُ: يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بِقَدْرِ القِيمَةِ لَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ المَعْنَى،
(لأن له) أي: للمريض (أن يترك الزيادة).
(فله) أي: للمريض (أن يؤخرها) أي: الزيادة؛ لأنه لما جاز له ترك أصله جاز له ترك وصفه وهو التعجيل بالطريق الأولى، ألا ترى أنه يجوز له أن يكاتبه على قدر قيمته؟ فالزيادة على قيمته لا تعتبر من ماله، وإنما يعتبر من ماله الألف، فلا يصح في ذلك تأجيله في ثلثي الألف، ويصح في الزيادة.
قوله: (حتى أجري عليها) أي: على الزيادة (أحكام الأبدال) من حق الأخذ بالشفعة وجريان بيع المرابحة وحق الحبس في المطالبة، فإنه لو باع دارا قيمتها ألف بألفين فالشفيع يأخذها بألفين، وكذا لو باعها المشتري مرابحة يبيعها بألفين ولو أدى المشتري ألفا وماطل في ألف للبائع أن يحبسه.
قوله: (والتأجيل إسقاط معنى) أي: إسقاط حق الورثة معنى (فيعتبر) أي: التأجيل من ثلث الجميع أي جميع البدل؛ لتعلق حقهم بجميع البدل وقد تبرع بتأجيله فلا يصح في قدر الثلثين منه.
وقوله: (لما بينا من المعنى) إشارة إلى ما ذكر من الدليل في الطرفين.
وحاصله: أن المحاباة في جميع الثمن وصية من الثلث عندهما؛ لأن التأجيل تبرع من المريض من حيث إن الوارث يصير ممنوعًا من المال بسبب
[ ٧ / ٣٩٥ ]
قَالَ: (وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ إِلَى سَنَةٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ، وَلَمْ تُجِزُ الوَرَثَةُ يُقَالُ لَهُ: أَدِّ ثُلُثَيْ القِيمَةِ حَالًا، أَوْ تُرَدُّ رَقِيقًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّ المُحَابَاةَ هَاهُنَا فِي القَدْرِ وَالتَّأْخِيرِ فَاعْتُبِرَ الثُّلُثُ فِيهِمَا.