قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا وُكِّلَا بِهِ دُونَ الْآخَرِ) وَهَذَا فِي تَصَرُّفٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرَّأْيِ كَالبَيْعِ وَالخُلْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ المُوَكَّلَ رَضِيَ بِرَأْيِهِمَا لَا بِرَأْي أَحَدِهِمَا،
عندهما، وعندنا الوكيل بالبيع يقبض أصالة، فكان في ذلك كالمالك، ولهذا لم يعمل نهي الآمر، أي: عن قبض الثمن، ولو رد الوكيل الرهن جاز، ويضمن للموكل أقل من قيمته ومن الثمن، وعند أبي يوسف لا يصح رده. كذا ذكره التمرتاشي والمحبوبي.
قوله: (حَجْرَهُ) أي: حَجْر الوكيل (عنه) أي: عن قبض الثمن عندنا، وقالت الأئمة الثلاثة يملك؛ لأن الحقوق عندهم راجعة إلى الموكل، وإنما يملك الوكيل قبض الثمن باعتبار الإذن دلالة عندهم.
فَصْلٌ: [حُكْمُ وَكَالَةِ الاثْنَيْنِ]
لما ذكر وكالة واحد أعقبه بحكم وكالة رجلين؛ لما أن المثنى بعد الواحد.
قوله: فليس لأحدهما أن يتصرف فيما وُكِّلا (به) [وبه] (^١) قالت الأئمة الثلاثة.
وفي المبسوط (^٢): هذا الذي ذكره فيما إذا وكلهما بكلام واحد، فأما إذا وكلهما بكلامين فيجوز لكل منهما أن يتصرف بدون الآخر؛ لأنه إذا وكلهما بكلامين فقد رضي برأي أحدهما، بخلاف الوصيين إذا أوصى كل واحد منهما بكلام على حدة، حيث لا ينفرد أحدهما بالتصرف في أحد القولين؛ لأن وجوب الوصية بالموت، وعند الموت صارا وصيين جملة، وهاهنا حكم الوكالة ثبتت بنفس التوكيل، فإذا أفرد كل واحد بالعقد استبد بالتصرف.
قوله: (لأن الموكل رضي برأيهما) حتى لو باع أحدهما والآخر حاضر لا
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/ ٥١).
[ ٦ / ٧٠٨ ]
وَالبَدَلُ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا، وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ المُشْتَرِي. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يُوَكَّلَهُمَا بِالخُصُومَةِ) لِأَنَّ الاِجْتِمَاعَ فِيهَا مُتَعَذِّرٌ لِلْإِفْضَاءِ إِلَى
يجوز، إلا أن يجيز الآخر جاز، ولو كان الآخر غائبًا عنه فأجاز لم يجز عند أبي حنيفة. ذكره في الذخيرة.
وفي المبسوط (^١): ولو كان أحدهما صبيًا أو عبدًا محجورًا لم يجز للآخر أن ينفرد بالتصرف، ولو مات أحدهما أو ذهب عقله لم يجز للآخر أن يتصرف؛ لأنه ما رضي برأي أحدهما.
وقوله: (والبدل وإن كان مقدرًا) إلى آخره: جواب سؤال، وهو أن يقال: إنما يحتاج إلى الرأي في البيع إذا لم يكن الثمن مسمى في التوكيل به، فأما إذا كان فلا يحتاج إلى رأيهما، فينبغي أن ينفرد كل واحد منهما، كما في التوكيل بالطلاق والعتاق بغير عوض، فأجاب عنه بأن البدل وإن كان مقدرًا، ولكن تقدير الثمن يمنع النقصان لا الزيادة، وربما يزداد الثمن عند اجتماع الآخر؛ لذكاء أحدهما وهدايته، أو يختار الآخر مشتريًا لا يماطل في أداء الثمن.
قوله: (إلا أن يوكلهما بالخصومة) هذا استثناء من قوله: (ليس لأحدهما أن يتصرف فيما وكلا به دون الآخر) (^٢) يعني لو وكلهما بالخصومة جاز انفراد أحدهما بالتصرف، وقال زفر: لا يصح الانفراد فيها أيضًا، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأنه يحتاج فيها إلى الرأي؛ إذ رأي الاثنين لا يكون كرأي واحد، فرضاه بهما لا يكون رضًا بأحدهما، كما في البيع والشراء.
وقلنا: الاجتماع فيها متعذر لصيانة مجلس القضاء عن الشغب؛ لأن المقصود فيها إظهار الحق، وبالشغب لا يحصل، ولأن فيه ذهاب مهابة مجلس القضاء، فلما وكلهما بها - مع علمه بتعذر اجتماعهما - صار راضيا بخصومة أحدهما، ولكن على وجه لا يفوت فائدة توكيلهما، وذا بأن يسويا الأمر برأيهما، وينقل أحدهما بالتكلم ولا يشترط حضرة صاحبه في خصومته عند الجمهور، وإطلاق محمد يدل على هذا.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/¬٤٥).
(٢) انظر المتن ص ٧٠٨.
[ ٦ / ٧٠٩ ]
الشَّعْبِ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ، وَالرَّأيُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ سَابِقًا لِتَقْوِيمِ الخُصُومَةِ، قَالَ: (أَوْ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ بِرَدٌ وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الرَّأي بَلْ هُوَ تَعْبِيرٌ مَحْضُ، وَعِبَارَةُ المُثَنَّى وَالوَاحِدِ سَوَاءٌ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لَهُمَا: طَلَّقَاهَا إِنْ شِئْتُمَا، أَوْ قَالَ: أَمْرُهَا بِأَيْدِيكُمَا، لِأَنَّهُ تَفْوِيضُ إِلَى رَأْيِهِمَا؛
وقيل: يشترط، ولا يقبض أحدهما؛ لأن اجتماعهما على القبض والحفظ فائدة، فإنهما يقدران على دفع القاصد ما لا يقدر أحدهما عليه. كذا في الفوائد الظهيرية.
وبطلاق زوجته بغير عوض هذا عطف على المستثنى، وهو قوله: (بالخصومة).
وفي الذخيرة: لو وكلهما بطلاق امرأته فطلق أحدهما وأبي الآخر [جاز] (^١)؛ لأن الإيقاع المفرد لا يحتاج إلى الرأي، وكذا في إعتاق عبده، وعند الشافعي وأحمد لم يجز حتى يجتمعا، كما في البيع.
وفي الجامع: ولو وكلهما، وقال: لا يُطَلِّقَنَّ أحدكما دون صاحبه، فطلق أحدهما، ثم طلق الآخر أو أجاز [جاز] (^٢)، وكذا في الإعتاق، ولو قال: طلقاها جميعًا ثلاثا، فطلقها أحدهما واحدةً، ثم الآخر تطليقتين لم يقع شيء حتى يجتمعا على ثلاث تطليقات.
قوله: (أو برد وديعة) قيد بردها؛ لأنهما إذا كانا في قبضها لا ينفرد أحدهما، وعند الشافعي وأحمد الرد كالقبض.
وفي الذخيرة: قال محمد في الأصل: لو وكلهما بقبض وديعة، وقبضها أحدهما بغير إذن صاحبه يضمن؛ لأنه شرط اجتماعهما على القبض، ولم يوجد، فصار قابضًا بغير إذن المالك، فيصير ضامنًا.
ثم قال: فإن قيل: ينبغي أن يضمن النصف؛ لأنه مأمور بقبض النصف.
قلنا: مأمور بقبض النصف إذا قبض مع صاحبه، وبدونه لا.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧١٠ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُقْتَصِرٌ عَلَى المَجْلِسِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِهِمَا فَاعْتَبَرَهُ بِدُخُولِهِمَا.
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ) لِأَنَّهُ فُوِّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفُ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْآرَاءِ.
قوله: (ألا ترى أنه تمليك مقتصر على المجلس) وقد مر أنه لو قال: (طَلِّقِ امرأتي إن شئتَ) تمليك يقتصر على المجلس، وكذا في الأمر باليد، تمليك يقتصر على المجلس، وإذا كان التطليق مملوكًا لهما لا يجوز لأحدهما التصرف بغير إذن صاحبه.
فإن قيل: ينبغي أن يقدر أحدهما على إيقاع نصف تطليقة.
قلنا: فيه إبطال حق الآخر؛ [إذ] (^١) بإيقاع النصف تقع تطليقة كاملة.
فإن قيل: إبطال ضمني.
قلنا: لا حاجة إلى ذلك الإبطال؛ لقدرتهما على الاجتماع. كذا قيل.
قوله: (فاعتبره بدخولهما) أي: اعتبر تعليق الطلاق بفعلهما، وهو المشيئة، أو اختيار الطلاق بتعليق الطلاق بدخولهما، بأن قال: إن دخلتما الدار فامرأتي طالق، فدخل أحدهما لا تطلق، فكذا هذا.
قوله: (وليس للوكيل أن يوكل) إلى آخره.
المسألة على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يوكله ولم يأذن له في التوكيل، ولم يَنْهَه عن التوكيل فليس له أن يوكل غيره عندنا وأحمد.
وقال الشافعي ومالك: إن كان الوكيل ممن يلي ذلك بنفسه عادة فليس له أن يوكل غيره، وإن كان يعجز عنه، أو ممن لم يباشر ذلك الفعل بنفسه لوجاهته له أن يوكل، وبه قال أحمد في رواية.
وهذا الخلاف فيما إذا أطلق، أما لو أَذِنَهُ في التوكيل يوكل غيره بلا خلاف، أو نهاه عن توكيل غيره لا يوكل بلا خلاف، وأما لو قال له: اصنع ما شئت، أو اعمل برأيك فله التوكيل عندنا وأحمد.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧١١ ]
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ المُوَكَّلُ) لِوُجُودِ الرِّضَا (أَوْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ) لإِطْلَاقِ التَّفْرِيضِ إِلَى رَأْيِهِ، وَإِذَا جَازَ فِي هَذَا الوَجْهِ يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلًا عَنْ المُوَكِّلِ، حَتَّى لَا يَمْلِكَ الأَوَّلُ عَزْلَهُ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَيَنْعَزِلَانِ بِمَوْتِ الأَوَّلِ، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِي أَدَبِ القَاضِي.
قَالَ: (فَإِنْ وَكَّلَ بِغَيْرِ إِذْنِ مُوَكِّلِهِ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ بِحَضْرَتِهِ جَازَ) لِأَنَّ المَقْصُودَ حُضُورُ رَأْيِ الأَوَّلِ وَقَدْ حَضَرَ، …
وقال أصحاب الشافعي: له التوكيل في أحد الوجهين؛ لأن التوكيل يقتضي تصرفًا يتولاه بنفسه، وقوله: (اصنع ما شئت) أو (اعمل برأيك) يرجع إلى ما يقتضيه التوكل من تصرفه بنفسه.
وقلنا: اللفظ عام، فيدخل في عمومه التوكيل، ولأن بقوله: (اعمل برأيك) أثبت له صفة المالكية؛ إذ المالك هو الذي يتصرف برأيه ومشيئته، وللمالك ألا يوكل غيره، فكذا للوكيل؛ لأنه صار كالمالك.
قوله: (حتى لا يملك) أي: الوكيل (الأول عزله، ولا ينعزل) أي: الوكيل الثاني (بموته) أي: بموت الوكيل الأول، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد، وقال في الأصح: ينعزل بعزله وبموته، وله بموت الموكل قولان، وكذا بعزله، والأصح الانعزال كما قلنا وأحمد.
(وينعزلان بموت الأول) أي: الموكل الأول (وقد مر نظيره في أدب القاضي) وهو ما ذكره: ([وليس] (^١) للقاضي أن يستخلف على القضاء إلا أن يفوض إليه ذلك) إلى أن قال: (جاز كما في الوكالة).
قوله: (فَعَقَدَ وَكيلُهُ) أي: وكيل الوكيل (بحضرته) أي: بحضرة الوكيل الأول (جاز) عندنا استحسانًا، وقال زفر: لا يجوز، وبه قال الشافعي وأحمد، كما في حال غيبته، ولأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد، وإنما رضي الموكل الأول تعلق الحقوق بالوكيل الأول دون الثاني، فلو جاز يقع الثاني بحضرته؛ لتعلق حقوق العقد به دون الأول.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧١٢ ]
وَتَكَلَّمُوا فِي حُقُوقِهِ.
وقلنا: مقصود الموكل أن يكون تمام العقد برأي الوكيل الأول، فإذا كان هو حاضرًا فقد حصل إتمام العقد برأيه، فكان مقصوده حاصلا على أنه إذا كان حاضرًا صار كأنه باشر العقد، كما لو زوج بنته البالغة بشهادة رجل بحضرتها جُعِل كأنها باشرت العقد، حتى صلح الأب أن يكون شاهدًا.
فإن قيل: يشكل بما لو باشر أحد الوكيلين بحضرة الآخر، حيث لا يكتفى بحضوره، ولا بد من الإجازة، ذكره في الذخيرة، وهاهنا اكتفى بحضوره من غير إجازة، والمعنى يشملهما.
قلنا: ما ذكر في الجامع محمول على ما إذا أجاز الوكيل الأول لا مطلق الحضرة، هكذا ذكر في الذخيرة، وقال: إن محمدًا ذكر في الجامع: فعقد الثاني بحضرة الأول، ولم يشترط للجواز إجازة الأول، وهكذا ذكر في وكالة الأصل، وفي موضع آخر من وكالة الأصل شرط إجازته، سواء كان الوكيل الأول حاضرًا أو غائب.
وعن الكرخي: ليس في المسألة روايتان، ولكن ما ذكر مطلقا في بعض المواضع محمول على ما إذا أجاز، وإليه ذهب عامة المشايخ، وهذا لأن عقد الثاني كعقد فضولي؛ لعدم إذن الموكل الأول، وفي الفضولي تشترط الإجازة، فكذا هاهنا.
ومنهم من قال: في المسألة روايتان.
وجه رواية الجواز من غير إجازة الأول: أن عقد الثاني حال غيبته إنما يصح لتعري العقد عن رأي الأول، فمتى عقد بحضرته فقد حضر هذا العقد رأيه، وعلى هذا أحد وكيلي البيع أو الإجارة إذا باع بحضرة صاحبه، في رواية: لا يجوز إلا بإجازته، وفي رواية: يجوز من غير إجازة.
(وتكلموا في حقوقه) أي: حقوق عقد الثاني بحضرة الأول.
في الذخيرة: لم يذكر محمد في هذا الفصل في الصغير: العهدة على مَنْ؟ وذكر البقالي في رواية: ترجع إلى الأول، وفي حيل الأصل والعيون: ترجع إلى الثاني، وهو الصحيح، كما لو باعه أجنبي فأجاز الوكيل، فإنه يجوز، وتتعلق الحقوق بالمباشر غير الوكيل، أي: الفضولي.
[ ٦ / ٧١٣ ]
(وَإِنْ عَقَدَ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهُ فَاتَ رَأيَهُ إِلَّا أَنْ يُبْلِغَهُ فَيُجِيزَهُ (وَكَذَا لَوْ بَاعَ غَيْرُ الوَكِيلِ فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُ) لِأَنَّهُ حَضَرَ رَأيُهُ وَلَوْ قَدَّرَ الأَوَّلُ الثَّمَنَ لِلثَّانِي فَعَقَدَ بِغِيبَتِهِ يَجُوزُ لِأَنَّ الرَّأْيَ فِيهِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ ظَاهِرًا وَقَدْ حَصَلَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ وَقَدَّرَ الثَّمَنَ، لِأَنَّهُ لَمَا فَوَّضَ إِلَيْهِمَا مَعَ تَقْدِيرِ الثَّمَنِ ظَهَرَ أَنَّ غَرَضَهُ اجْتِمَاعُ رَأيِهِمَا فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ المُشْتَرِي عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُقَدِّرْ الثَّمَنَ وَفَوَّضَ إِلَى الأَوَّلِ كَانَ غَرَضُهُ رَأْيَهُ فِي مُعْظَمِ الْأَمْرِ وَهُوَ التَّقْدِيرُ فِي الثَّمَنِ.
قَالَ: (وَإِذَا زَوَّجَ المُكَاتَبُ أَوْ العَبْدُ أَوْ الذِّمِّيُّ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى لَهَا لَمْ يَجُزْ) مَعْنَاهُ: التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا، لِأَنَّ الرِّقَّ وَالكُفْرَ يَقْطَعَانِ الولاية؛
قوله: (ولو قدر الأول) أي: الوكيل (الثمن) بأن قال للوكيل الذي وكله بغير إذن موكله بعه بكذا، فباعه الثاني به بغيبة الأول جاز في رواية كتاب الرهن كما ذكرنا من حصول المقصود بحضور رأيه.
وفي رواية كتاب الوكالة: لا يجوز؛ لأن تقدير الثمن يمنع النقصان ولا يمنع الزيادة، فربما يزيد الأول على هذا الثمن لو كان هو المباشر للبيع؛ لذكائه وهدايته.
قوله: (وفَوَّضَ) أي: الموكل الأول (إلى الأول) أي: الوكيل الأول (كان غَرَضُه) أي: عرض الموكل الأول (رَأْيَه) أي: رأي الوكيل الأول (في معظم الأمر) وهذا لأن المقصود من البياعات الاسترباح، وذلك إنما يكون بالبيع بتقدير ثمن كان مصلحة في تحصيل زيادة الربح، وقد حصل ذلك بتقدير الوكيل الأول ثمن المبيع، ورأيه إنما يُطلب لهذا.
قوله: (معناه التصرف في مالها) وإنما احتاج إلى هذا التأويل؛ لأن قوله: (أو باع أو اشترى لها لم يجز) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يشتري لها شيئًا بمال نفسه، والآخر أن يشتري لها بمالها، والثاني هو المراد هنا، ولذلك قال: معناه كذا.
قوله: (لأن الرق والكفر يقطعان الولاية) وقد مرت المسألة في النكاح ببيان الاختلافات.
[ ٦ / ٧١٤ ]
أَلَا يَرَى أَنَّ المَرْقُوقَ لَا يَمْلِكُ إِنْكَاحَ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَمْلِكُ إِنْكَاحَ غَيْرِهِ، وَكَذَا الكَافِرُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى المُسْلِمِ حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْرِيضِ إِلَى القَادِرِ المُشْفِقِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى النَّظَرِ، وَالرِّقُّ يُزِيلُ القُدْرَةَ، وَالكُفْرُ يَقْطَعُ الشَّفَقَةَ عَلَى المُسْلِمِ فَلَا تُفَوَّضُ إِلَيْهِمَا (قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: وَالمُرْتَدُّ إِذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَالحَرْبِيُّ كَذَلِكَ) لِأَنَّ الحَرْبِيَّ أَبْعَدُ مِنْ الدِّمِّي فَأَوْلَى بِسَلْبِ الوِلَايَةِ، وَأَمَّا المُرْتَدُّ فَتَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ نَافِذًا عِنْدَهُمَا لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى وَلَدِهِ وَمَالِ وَلَدِهِ بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ المِلَّةِ وَهِيَ مُتَرَدِّدَةٌ، ثُمَّ تَسْتَقِرُّ جِهَةُ الانْقِطَاعِ إِذَا قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ فَيَبْطُلُ وَبِالإِسْلَامِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا فَيَصِحٌ.
قوله: (إلى العاقد) أي: العاقد القادر المشفق، وفي بعض النسخ: (إلى القادر) مكان (العاقد).
قوله: (والرق يزيل القدرة) قال تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥].
(لأن الحربي أبعد من الذمي) فإن الذمي صار منا دارًا وإن لم يكن منا دينا، أو تحقق في حق الذمي ما هو خَلَف عن الإسلام، وهو الجزية، ولم يثبت في حق الحربي شيء من الأصل والخلف، ولهذا لا تقبل شهادته على الذمي.
وقوله: (قال أبو يوسف ومحمد: المرتد إذا قُتِل على ردته) إلى آخره، يشير إلى دفع شبهة ترد على قولهما، مع أن هذا الحكم مجمع عليه، وهي أن تصرفات المرتد بالبيع والشراء نافذة وإن قُتِل على ردته عندهما؛ بناءً على الملك، ولكن تصرفاته على ولده موقوفة بالإجماع.
وفي جامع المحبوبي: زوج المرتد ابنته، ثم أسلم جاز نكاحه؛ لأن هذا نكاح له مجيز في الحال، حتى لو رفع إلى قاض فأجاز يجوز، وكان سبيله التوقف، فإذا توقف وعادت ولايته نفذ؛ لوجود الإجازة منه.
وإن تزوج هو بنفسه لم يجز؛ لأن جواز النكاح يعتمد الملة، ولا ملة للمرتدين، فإن أسلم بعد هذا لم يحل له إلا بإنشاء النكاح؛ لأن هذا نكاح لا مجيز له حال وقوعه، فلم يتوقف على إسلامه؛ لأن ما يجيز له لا يتوقف، ألا
[ ٦ / ٧١٥ ]