(وَمَنْ غَصَبَ عَيْنًا، فَغَيَّبَهَا، فَضَمَّنَهُ المَالِكُ قِيمَتَهَا:
فالأول: لا يخلو إما أن يكون بفعل صاحب الثوب أو صاحب الصبغ أو غيرهما، وذلك الغير إما أن يكون حاضرًا أو غائبًا، فالأقسام كلها مذكورة في الإيضاح.
ثم الذي ذكر في الكتاب هو الذي ذكرنا فلا يحتاج إلى إعادته، وأما الذي لم يذكره في الكتاب فهو أن صاحب الثوب لو غصب العصفر، وصبغ به ثوبه فهو ضامن لمثل ما أخذ؛ لأنه استهلكه إن قدر عليه، وإن لم يقدر عليه فهو مسألة المثلي إذا انقطع من أيدي الناس، وليس لصاحب العصفر أن يحبس الثوب؛ لأن الثوب أصل، فصار الصبغ كالهالك، والسواد في هذا الوجه بمنزلة العصفر على قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن صاحب الثوب مستهلك للسواد، فلا فرق بين أن يزيد قيمة الثوب أو ينقص.
والثاني: ما لو وقع في صبغ أحد فانصبغ وقد ذكرناه، ولو غصب ثوبًا وصبغه بعصفر آخر ثم ذهب الفعل ولا يعرف، فالقول فيه كما لو انصبغ بغير فعل أحد استحسانًا.
فالقياس: أن لا يكون لصاحب الصبغ على صاحب الثوب سبيل؛ لأنه وجب الضمان على الغاصب وانقطع حقه عن الصبغ.
وفي الاستحسان: لما تقدر إيجاب الضمان على أحد صار كأنه حصل من غير فعل أحد، ومما يتصل بالمسائل فتح رأس تنور حتى برد فعليه قيمة الحطب، مقدار ما يسجر به التنور، ويمكن أن يقال: بكم يستأجر التنور المسجور للانتفاع؟ فيضمن ذلك القدر، أو ينظر إلى أجرته مسجورًا وغير مسجور فيضمن تفاوت ما بينهما.
فَصْلٌ غَصَبَ عَيْنًا فَغَيَّبَهَا
لما ذكر مقدمات الغصب وكيفية ما يوجب الضمان شرع في مسائل متفرقة تتصل بمسائل الغصب كما هو دأب المصنفين.
قوله: (فَضَمَّنَهُ المالِكُ قيمتها)، يعني للمالك الخيار في تضمين قيمتها
[ ٧ / ٦١١ ]
مَلَكَهَا) وَهَذَا عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَمْلِكُهَا لِأَنَّ الغَصْبَ عُدْوَانٌ مَحْضُ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَمَا فِي المُدَبَّرِ. وَلَنَا: أَنَّهُ مَلَكَ البَدَلَ بِكَمَالِهِ، وَالمُبَدَّلُ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكِ إِلَى مِلْكِ، فَيَمْلِكُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ،
والصبر إلى أن يوجد، فإذا ضمنه المالك (مسكها) (^١) أي: العين المغصوب (عندنا) وبه قال مالك.
وقال الشافعي وأحمد لا يملكها، حتى لو ظهرت يستردها، ويرد القيمة. فائدة الخلاف في الكسب ونفوذ البيع، ووجوب الكفن على الغاصب؛ لأنه ملكه عندنا، كذا ذكره البرغري.
فلا يصلح سببًا للملك؛ لأن الملك مشروع والغصب عدوان محض، فلا يكون مفضيًا إلى الملك، إذ أدنى درجات السبب أن يكون مباحًا، فلا يملكه كما في ضمان المدبر.
يؤيده قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فالله تعالى جعل أكل مال الغير قسمين: قسما بالتجارة عن تراض، وقسما بالباطل، وهذا ليس بتجارة عن تراض؛ فيكون بالباطل، ولأن هذا الضمان جبران فيكون بمقابلة الفائت، والفائت اليد لا الملك.
ولهذا لو هشم قلب فضة للغير، وقضي عليه بالقيمة، ثم افترقا من غير قبض لا يبطل القضاء، ولو كان بدلًا عن العين كان صرفًا، فيبطل بالافتراق.
(وكما في المدبر) فإنه لا يقبل الفعل عندكم.
ولنا أنه أي: المالك (ملك البدل) وهو القيمة.
(بيده) (^٢) أي: يدا ورقبة فوجب أن يزول ملكه عن البدل، فإذا زال ملكه عنه ملكه من وجب عليه بدله إذا كان البدل محتملا للنقل من ملك إلى ملك.
(دفعا للضرر عنه) أي: الغاصب، وتحقيقا للعدل كما في سائر المبادلات، إذ الأصل في الضمان أن يجب بقدر ما فوَّتَ؛ لأن العدل إنما يتحقق بإيجاب مثل الفائت، فإذا ملك المالك البدل بكماله فيزول ملكه عن المغصوب شرطًا؛
_________________
(١) هكذا بالأصل، وفي النسختين الثانية والثالثة (ملكها).
(٢) هكذا بالأصل، وفي النسختين الثانية والثالثة (بكماله).
[ ٧ / ٦١٢ ]
بِخِلَافِ المُدَبَّرِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلِ لِلنَّقْلِ لِحَقِّ المُدَبَّرِ، نَعَمْ قَدْ يُفْسَخُ التَّدْبِيرُ بِالقَضَاءِ، لَكِنَّ البَيْعَ بَعْدَهُ يُصَادِفُ القِنَّ.
لحكم شرعي وهو الضمان؛ لأنه شرع جبرًا، ولا جبر في بقاء الأصل على ملكه؛ إذ الجبر يعتمد الفوات فصار حسنًا بحسنه، ولهما قبح أن لو ثبت الملك بالغصب مقصودا، كذا في الأسرار، والأصول.
وفي المبسوط: بعض أصحابنا من المتقدمين يقول: سبب الملك بقدر الضمان على الغاصب كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد، وهو معنى قولهم: المضمونات تملك بالضمان، وهذا غلط؛ لأن الملك عندنا يثبت من وقت الغصب، ولهذا نفذ بيع الغاصب، وسلم الكسب له (^١).
وبعض المتأخرين قال: الغصب سبب موجب للملك عند أداء الضمان، وهذا أيضًا وهم، فإن الملك لا يثبت للغاصب عند أداء الضمان حقيقة، ولهذا لا يسلم له الولد، ولو كان كذلك ينبغي أن يملك الزوائد المتصلة والمنفصلة، كما في البيع الموقوف إذا تم بالإجارة، ومع [هذا] (^٢) في العبارة بعض الشنعة، إذ الغصب عدوان محض، والملك مشروع مرغوب، فلا يصلح أن يجعل العدوان سببًا له، فإنه ترغيب للناس فيه، ولا يجوز إضافة مثله إلى الشرع، فالأسلم أن نقول: الغصب موجب لرد العين، ورد القيمة عند تعذر العين بطريق الجبران مقصود بهذا السبب، ثم يثبت الملك للغاصب شرطًا للقضاء بالضمان لا حكمًا ثابتًا مقصودًا بالغصب، ولهذا لا يملك الولد إلى آخر ما ذكرنا.
قوله: (نعم قد يفسخ التدبير) جواب إشكال مقدر، وهو أن يقال: لا نسلم أن المدبر غير قابل للنقل بل قابل؛ لأن المولى لو باعه وقضى القاضي بجواز بيعه يجوز ويفسخ التدبير: فأجاب عنه وقال: نعم، إلا أن هناك انفسخ التدبير؛ لأن القضاء في فصل مجتهد؛ فينفذ ويفسخ التدبير، فحينئذ البيع يصادف القن لا في المدبر، وهاهنا الضمان يجب بمقابلة تفويت يد المالك عن المدبر لا بمقابلة الرقبة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ٦٧).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦١٣ ]
قَالَ: (وَالقَوْلُ فِي القِيمَةِ قَوْلُ الغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ المَالِكَ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ (إِلَّا أَنْ يُقِيمَ المَالِكُ البَيِّنَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ بِالحُجَّةِ المُلْزِمَةِ.
قَالَ: (فَإِنْ ظَهَرَتِ العَيْنُ، وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ، وَقَدْ ضَمِنَهَا بِقَوْلِ المَالِكِ،
وفي أصول فخر الإسلام: وهذا طريق جائز، ولكن لا يصار إليه إلا عند العجز عن المقابلة بالرقبة؛ لأن فيه اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد، وهو عدول عن سنن العدل، وقد عجزنا في المدير عن المقابلة بالرقبة صيانة لحق المدبر، فجعلناه خلفًا عن النقصان الذي حل بيده.
وفي المبسوط: ونظيره فصلان:
أحدهما: ضمان العتق فإنه بمقابلة العين في كل محل يحتمل اتحاد شرطه، وهو ملك العين، وفيما لا يحتمل اتحاد الشرط كالمدبر وأم الولد عندهم، لا يجعل بدلا عن العين بل عن اليد.
والثاني: ضمان الصلح، فإنه إذا أخذ بالتراضي كان المأخوذ بدلا عن العين في كل محل يحتمل بملك العين، يجعل المأخوذ بمقابلة الجناية التي حلت بيده.
وأما الجواب عن الآية أنها تدل على أن الأكل بالتجارة عن تراض جائز، لا أن يكون الجواز مقصورًا عليه بالإجماع، مع أن معنى التجارة عن تراض هاهنا يوجد؛ لأن المالك يتمكن من أن يصبر حتى تظهر العين فيأخذ، فحين طالب بالقيمة مع علمه أن من شرطه انعدام ملكه في العين فقد صار راضيًا بذلك، كذا قيل.
والجواب عن المعنى الذي ذكر أن الضمان بمقابلة ما هو المقصود، ومقصود صاحب الدراهم عين الدراهم لا امتلاء كيسه، ولهذا يسمى قيمة العين.
وأما الجواب عن مسألة القلب أنه إنما لا يبطل بالافتراق هاهنا؛ لأنه ثبت شرطًا للضمان كما ذكرنا.
[ ٧ / ٦١٤ ]
أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا، أَوْ بِنُكُولِ الغَاصِبِ عَنْ اليَمِينِ: فَلَا خِيَارَ لِلْمَالِكِ، وَهُوَ الغَاصِبُ)؛ لِأَنَّهُ تَمَّ لَهُ المِلْكُ بِسَبَبِ اتَّصَلَ بِهِ رِضَا المَالِكِ حَيْثُ ادَّعَى هَذَا المِقْدَارَ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ ضَمِنَهُ بِقَوْلِ الغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ:
والجواب عن المدبر قد مر، ومما يؤيد قولنا قوله ﷺ: «أَطْعِمُوهَا الأَسَارَى» (^١) فأمرهم بالتصدق ولو لم يملكوها لما أمرهم بالتصدق؛ لأن التصدق بملك الغير إذا كان مالكها معلومًا لا يجوز، بل يحفظ عليه عين ملكه، فإن تعذر يباع فيحفظ عليه ثمنه، كذا في المبسوط (^٢).
قوله: فالقول قول الغاصب مع يمينه ولا يعلم فيه خلاف إلا أن يقيم المالك منه والقول له.
وفي المبسوط، والذخيرة في دعوى المغصوب ذكر الجنس والصفة ليس بشرط كما في سائر الدعاوى؛ لأن محمدًا ذكر في الأصل: أقام البينة على رجل أنه غصب جارية، لم يحبس المدعى عليه حتى يجيء بها ويردّها.
قال الحلواني: في هذه المسألة مما تحفظ؛ لأنه قال: أقام بينة ولم يذكر جنسها وصفتها وقيمتها.
قال بعض المشايخ: تأويل المسألة أنه ذكر الجنس والصفة والقيمة.
وقال أبو بكر الأعمش: تأويلها أن الشهود شهدوا على إقرار الغاصب بذلك، فأما الشهادة على فعل الغصب فلا تقبل مع جهالة المغصوب، لأن القضاء بالمجهول غير ممكن، ولكن الأصح أن هذه الدعوى والشهادة مقبولة بدون ذكر الجنس والصفة للضرورة؛ لأن الغاصب ممتنع عن إحضار المغصوب عادة، وحين يغصب إنما يتأتى من الشهود معاينة فعل الغصب دون العلم بأوصاف المغصوب، فسقط اعتبار علمهم للتعذر، فصار ثبوت ذلك الغصب بالبينة؛ لثبوته بإقراره فيحبس، ولأن وجوب الرد عليه ثابت بنفس الفعل، وهذا
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٤٤ رقم ٣٣٣٢)، وأحمد (٥/ ٢٩٣) رقم (٢٢٥٦٢)، والدارقطني (٥/ ٥١٤ رقم ٤٧٦٣) عن رجل من الأنصار ﵁. قال ابن حجر: أخرجه أحمد وأبو داود بسند قوي. فتح الباري (٩/ ٦٣٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (١١/ ٦٧).
[ ٧ / ٦١٥ ]
فَهُوَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَمْضَى الضَّمَانَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ العَيْنَ وَرَدَّ العِوَضَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ بِهَذَا المِقْدَارِ، حَيْثُ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَأَخَذَهُ دُونَهَا لِعَدَمِ الحُجَّةِ. وَلَوْ ظَهَرَتْ العَيْنُ وَقِيمَتُهَا مِثْلَ مَا ضَمَّنَهُ، أَوْ دُونَهُ فِي هَذَا الفَصْلِ الأَخِيرِ، فَكَذَلِكَ الجَوَابُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الكَرْخِيُّ ﵀: أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ حَيْثُ لَمْ يُعْطِ لَهُ مَا يَدَّعِيهِ وَالخِيَارُ لِفَوَاتِ الرِّضَا.
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ فَضَمَّنَهُ المَالِكُ قِيمَتَهُ: فَقَدْ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِنْ أَهْتَقَهُ، ثُمَّ ضَمِنَ القِيمَةَ، لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ) لِأَنَّ مِلْكَهُ الثَّابِتَ فِيهِ نَاقِصُ،
معلوم بشهادتهم، فيتمكن القاضي من القضاء به، أما بينة الغاصب على القيمة لا تقبل لو كذبه المالك؛ لأنها على نفي الزيادة.
وقيل: ينبغي أن تقبل بينته لإسقاط اليمين عنه، إذ البينة تقبل لإسقاط اليمين كما لو ادعى المودع رد الوديعة يقبل.
قوله: (فلا خيار للمالك) (^١) وبه قال مالك، وعند الشافعي، وأحمد: له الخيار؛ لعدم زوال ملكه عندهما عنه.
قوله: (وأخذه) أي: أخذ المالك دونها؛ لعدم البينة لا بالرضا.
قوله: (فكذلك الجواب) أي: للمالك الخيار، وقال الكرخي: لا خيار له، لأنه توفر عليه بدل ملكه بكماله.
وقوله: (لأنه لم يتم رضاه) (^٢) دليل الأصح، فإنه لم يعطه ما يدعيه، إذ جاز أن يكون قيمته مثل ما ضمنه عند المقومين، فلا يكون مثله عنده، فلا رض به بدلا، وقد لا يرضى الإنسان بزوال ملكه عن العين بقيمته أو أكثر، فلم يتم رضاه، فإذا اختار المالك أخذ المغصوب للغاصب أن يحبسه حتى يأخذ القيمة التي دفعها إليه؛ لأنها مقابلة بخلاف المدبر؛ لأنه ليس بمقابل به.
قوله: (جاز) بيعه وبه قال أحمد في رواية، وقال في رواية: لا يجوز بيعه كالإعتاق، وبه قال الشافعي ومالك كتصرفات الفضولي. ولنا: الفرق أن الملك الثابت للغاصب ناقص.
_________________
(١) انظر المتن ص ٦١٥.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦١٦ ]
لِثُبُوتِهِ مُسْتَنِدًا أَوْ ضَرُورَةٌ، وَلِهَذَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الأَكْسَابِ دُونَ الْأَوْلَادِ، وَالنَّاقِصُ يَكْفِي لِنُفُودِ البَيْعِ دُونَ العِتْقِ كَمِلْكِ المُكَاتَبِ.
(لثبوته مستندًا) والثابت بالاستناد ثابت من وجه حكما لا حقيقة، فيكون ناقصا يكفي نفوذ البيع دون العتق كملك المكاتب، فإنه يجوز بيعه لا عتقه.
(أو ضرورة) يعني ثبت الملك للغاصب ضرورة، إذ الدليل يأبى ثبوت الملك له لكونه عدوانًا والملك نعمة، وإنما ثبت ضرورة القضاء بالضمان كما ذكرنا، والثابت ضرورة ثابت من وجه دون وجه.
(ولهذا يظهر في حق الأكساب دون الأولاد) لأن الملك ثبت شرطا للقضاء بالقيمة والولد غير مضمون عليه بالقيمة، وهو بعد الانفصال ليس بتبع لأمه، ولا يثبت هذا الحكم فيه بخلاف الكسب؛ لأنه بدل المنفعة؛ فيكون تبعًا محضًا، وثبوت الحكم في التبع بثبوته في المتبوع، سواء ثبت في المتبوع ضمنا أو قصدًا، ولأن ملك الكسب أسرع نفوذًا من ملك الولد بدليل أن الغاصب إذا آجر المغصوب يملك الأجر، ولا يملك كسب الولد والملك.
(الناقص يكفي لنفوذ البيع دون العتق) فالمكاتب يملك البيع ولا يملك العتق، وإنما قيد بإعتاق الغاصب ثم تضمنيه احترازًا عن إعتاق المشتري من الغاصب، ثم تضمن الغاصب، فإن فيه روايتين: يصح قياسًا على المشتري شراء موقوفا، فإن إعتاقه يصح إذا أجاز المالك، فكذا هاهنا؛ لأن عتقه ينفذ بعد نفوذ سبب الملك، وهو الشراء.
وقياسًا على وقفه، فإنه لو وقفه ثم ضمن الغاصب يصح وقفه، بخلاف الغاصب إذا أعتق؛ لأن المستند له حكم الملك لا حقيقة الملك.
وفي رواية: يصح على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله - خلافا لمحمد، وزفر.
أما لو أجاز المالك إعتاق المشتري من الغاصب، أو إعتاق الغاصب قبل أداء الضمان ينفذ الإعتاق بلا خلاف.
والفرق لأبي حنيفة، وأبي يوسف بين إعتاق المشتري من الغاصب مع التضمين، وبين إعتاق المشتري من الغاصب مع إجازة المالك أن المشتري هناك
[ ٧ / ٦١٧ ]
قَالَ: (وَوَلَدُ المَغْصُوبَةِ وَنَمَاؤُهَا، وَثَمَرَةُ البُسْتَانِ المَغْصُوبِ: أَمَانَةٌ فِي يَدِ الغَاصِبِ، إِنْ هَلَكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُتَعَدَّى فِيهَا، أَوْ يَطْلُبَهَا مَالِكُهَا فَيَمْنَعَهَا إيَّاهُ). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: زَوَائِدُ المَغْصُوبِ مَضْمُونَةٌ مُتَّصِلَةٌ كَانَتْ أَوْ مُنْفَصِلَةٌ، لِوُجُودِ الغَصْبِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ اليَدِ عَلَى مَالِ الغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا فِي الظَّبْيَةِ المُخْرَجَةِ مِنْ الحَرَمِ إِذَا وَلَدَتْ فِي يَدِهِ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ. وَلَنَا: أَنَّ الغَصْبَ إِثْبَاتُ اليَدِ عَلَى مَالِ
يملكه من جهة الغاصب، وملك الغاصب ناقص؛ لأنه مستند على ما بينا، فكيف يستند لمن ملكه من جهته؟ فلهذا لا ينفذ إعتاقه.
أما في الإجازة يستند الملك له إلى وقت العقد من جهة المجيز، والمجيز كان مالكا حقيقةً؛ فيمكن إثبات حقيقة الملك للمشتري من وقت العقد فينفذ عتقه، كذا في المبسوط.
قوله: (وولد المغصوبة ونماؤها) كالسِّمَن والجمال، سواء غصبها حاملا أو ولدت عنده أو حبلت في يد الغاصب أمانة في يد الغاصب لا يضمنها إلا بالتعدي أو بالمنع بعد الطلب، وبقولنا قال مالك.
أما الكسب الحاصل باستغلال الغاصب ليس بنماء، وغير مضمون على الغاصب؛ لأنه بدل المنفعة، وهي غير مضمونة على الغاصب ويجيء.
وقال الشافعي: زوائد الغصب مضمونة، وبه قال أحمد متصلة كانت كالسمن والجمال، أو منفصلة كالولد والثمر؛ لأنها حصلت من أصل مضمون عليه بالتعدي؛ فيكون مضمونه كولد ظبية مخرجة من الحرم، وهذا لأن ضمان الأصل باعتبار يد مبطلة عليه، وهذه اليد ثابت بعينها على الزيادة؛ لحدوثها في ملك اليد؛ فتصير مضمونة ضرورة.
والدليل عليه أن العرف في الجاهلية يقبضون ويتملكون، قال بعضهم: بالاستيلاء عليها، فنقل الشرع حكم الغصب من الملك إلى الضمان، فأما الغصب فعلى ما كانوا يعتقدون ويباشرون الاستيلاء سببًا، فعلم أن حده هذا لا قطع يد المالك، ولهذا يضمن غاصب الغاصب، وقد عدم قطع يد المالك؛ لأن يده انقطعت بالغصب الأول.
[ ٧ / ٦١٨ ]
الغَيْرِ عَلَى وَجْهِ يُزِيلُ يَدَ المَالِكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَيَدُ المَالِكِ مَا كَانَتْ ثَابِتَةٌ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يُزِيلَهَا الغَاصِبُ، وَلَوْ اعْتُبِرَتْ ثَابِتَةٌ عَلَى الوَلَدِ لَا يُزِيلُهَا، إِذْ الظَّاهِرُ عَدَمُ
قوله: (على ما ذكرنا) إشارة إلى ما ذكره في أول الغصب أنه في الشريعة أخذ مال محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده.
قوله: (لأن يد المالك ما كانت ثابتة على هذه الزيادة)، فإن قيل: إذا غصب حاملا ينبغي أن يضمن ولدها؛ لأن الغصب ورد على الجارية بجميع أجزائها، والولد جزء منها؛ فيجب أن يكون الولد مضمونا وليس كذلك، والرواية في الأسرار.
ولأنه إذا لم تزل يد المالك عن الولد ينبغي أن لا يضمنه بعد الطلب؛ لأنه لم يكن في يده حتى يزيله مع ذلك، ولأن غاصب الغاصب يضمن مع أنه لا يزيل يد المالك؛ لأنه زال بالغصب الأول، ولأن الملتقط إذا لم يشهد يضمن معه أنه لا يزيل يد المالك، ولأن المغرور يضمن الولد وإن لم يوجد منه إزالة يد المالك في حق الولد، ولأن المال قد يضمن بالتسبيب على طريق التعدي في حفر البئر على قارعة الطريق.
وإمساك الأم هاهنا سبب حصول الزيادة لا محالة، فإن أهل السوائم يمسكون السوائم للزيادة خصوصا إذا غصبها حاملًا، فكان الإمساك بطريق التغلب سببًا لإتلاف ملك المالك فيضمن، ولا الأوصاف القارة في الأمهات تسري إلى الأولاد كالحرية، والأم هاهنا مضمونة؛ فيجب أن يحدث الولد على هذه الصفة.
قلنا: أما الجواب عن المسألة الأولى إنما لم يضمن ولدها لعدم تحقق الغصب في حقه؛ لأنه عبارة عن أخذ مال محترم متقوم بغير إذن المالك على وجه يزيل يد المالك، والولد قبل الانفصال لا يعدّ مالًا متقوما، ولهذا يعد عيبًا في الأم قبل الولادة، فلم يتحقق الغصب فيه كما لو حبلت في يد الغاصب وولدت.
وعن المسألة الثانية والثالثة والرابعة: أن المنع بعد الطلب أو الفعل الذي يقوم مقام المنع كترك الإشهاد في اللقطة بمنزلة الغصب حقيقة؛ لأن المالك ولاية استرداده في كل وقت، فإذا منعه كان مزيلًا ليده
[ ٧ / ٦١٩ ]
المَنْعِ، حَتَّى لَوْ مَنَعَ الوَلَدَ بَعْدَ طَلَبِهِ يَضْمَنُهُ، وَكَذَا إِذَا تَعَدَّى فِيهِ كَمَا قَالَ فِي الكِتَابِ: وَذَلِكَ بِأَنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ ذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ، أَوْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ، وَفِي الظَّبْيَةِ المُخْرَجَةِ لَا يَضْمَنُ وَلَدَهَا إِذَا هَلَكَ قَبْلَ التَّمَكَّنِ مِنْ الإِرْسَالِ لِعَدَمِ المَنْعِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ إِذَا هَلَكَ بَعْدَهُ لِوُجُودِ المَنْعِ بَعْدَ طَلَبِ صَاحِبِ الحَقِّ وَهُوَ الشَّرْعُ، عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا.
وَلَوْ أَطْلَقَ الجَوَابَ، فَهُوَ ضَمَانُ جِنَايَةٍ،
تقديرًا، فوجد الغصب.
والجواب عن التسبيب كما في حافر البئر؛ لأن الإتلاف في البئر حقيقي، أما بمجرد الأيدي في المال لا يحصل التلف بل المال يحصل بالأيدي ويحفظ بها، فالضمان للمالك هاهنا على من أزال يده عن ماله بالإتلاف، ولم توجد إزالة اليد في حق الزيادة، فلا يضمن.
وأما الجواب عن فصل السراية فقلنا: الملك يسري؛ لأنه ثابت في رقبة الأم، فيكون صفة لها فيسري إلى الولد، أما الضمان عبارة عن لزوم الحق، واللزوم في ذمة الغاصب، وصفة له لا للمال، وإنما يوصف المال به مجازا كما يقال: فلان، مغصوب والغصب صفة للغاصب، بخلاف الملك فإنه وصف للمحل حيث يوصف بأنه مملوك حقيقة، فلذلك تعدى دون كونه مضمونًا إليه أشار في الأسرار، ولكن فيه نوع تأمل.
قوله: (أو باعه وسلمه) وقيد بالتسليم؛ لأن بمجرد البيع لا يتحقق التعدي، بل بالبيع والتسليم، كما لو باع المودع الوديعة وسلمها ويحصل بها تفويت يد المالك؛ لأنه كان متمكنا من أخذه من الغاصب، وقد زال ذلك بالبيع والتسليم، كذا في المبسوط.
قوله: (ولو أطلق الجواب) يعني لما قلنا بوجوب الضمان في ولد الظبية
قبل التمكن من الإرسال وبعده.
قوله: (فهو ضمان جناية) [أي] (^١) الضمان في صيد الحرم ضمان إتلاف
_________________
(١) في الأصل (إلى)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٢٠ ]
وَلهَذَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا،
معنى الصيدية به؛ لأنه بالحرم آمن صيدا وذا في تنفره وبعده عن أيدينا، فإثبات اليد عليه يكون إتلافا لمعنى الصيدية حكما، وقد تحقق ذلك في الولد بإثبات اليد عليه، فأما الأموال فمحفوظ بالأيدي، فإنما يجب الضمان فيها بتفويت الأيدي لا بإثبات اليد عليها، كذا في الأسرار.
(ولهذا يتكرر) أي: الجزاء بتكرر الجناية، ثم لو أدى ضمانه، ثم أرسله في الحرم، ثم أخرجه من الحرم يجب ضمان آخر، ويحتمل أن يكون معناه حتى يتكرر وجوب الإرسال بتكرر هذه الجناية، التي هي الإخراج من الحرم، وهذا الوجه موافق لرواية المبسوط.
ولو كانت الزوائد متصلة كالسمن والجمال فهو أمانة أيضا عندنا، ومالك، حتى لو هلكت الجارية بعد الزيادة ضمن قيمتها وقت الغصب، ولا يضمن الزيادة، وعند الشافعي، وأحمد يضمن كما في المتصلة.
وكذا لو زادت قيمته بتعلم الصناعة أو بالشعر ثم هلكت لم يضمن إلا قيمتها يوم الغصب عندنا، ومالك.
وعند الشافعي: يضمن قيمتها يوم الهلاك؛ لأن الزوائد عندهما مضمونة بغير المنع، وعند الضمان بالتعدي أو المنع ولم يوجد، أما لو باع الجارية بعدما ازدادت قيمتها بالزيادة المتصلة، أو زاد خيرا في يد الغاصب وسلمه فإن كان قائما في يد المشتري أخذه صاحبه بالإجماع، وإن كان هالكا فهو بالخيار إن شاء ضمن المشتري قيمة يوم الغصب، وإن شاء ضمن المشتري قيمة يوم القبض، ولا يضمن البائع قيمة الزيادة عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف، ومحمد: يضمن الزيادة بالبيع والتسليم، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
هذا رواية ابن سماعة عن محمد ﵀.
وفي ظاهر الرواية إن اختار تضمين البائع له ذلك إن شاء ضمنه قيمتها وقت البيع والتسليم، وبه قال مالك، وعند الشافعي وأحمد: قيمتها يوم الهلاك.
وجه قولهما: أنه تعدى في الزيادة بالبيع والتسليم فيضمن كما لو قبلها بعد
[ ٧ / ٦٢١ ]
وَيَجِبُ بِالإِعَانَةِ وَالإِشَارَةِ، فَلَأَنْ يَجِبَ بِمَا هُوَ فَوْقَهَا وَهُوَ إِثْبَاتُ اليَدِ عَلَى مُسْتَحِقٌ الْأَمْنِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
قَالَ: (وَمَا نَقَصَتْ الجَارِيَةُ بِالوِلَادَةِ فِي ضَمَانِ الغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الوَلَدِ وَفَاءً بِهِ: انْجَبَرَ النُّقْصَانُ بِالوَلَدِ، وَسَقَطَ ضَمَانُهُ عَنْ الغَاصِبِ).
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَنْجَبِرُ النُّقْصَانُ بِالوَلَدِ؛ لِأَنَّ الوَلَدَ مِلْكُهُ، فَلَا يَصْلُحُ جَابِرًا لِمِلْكِهِ كَمَا فِي وَلَدِ الظَّبْيَةِ، وَكَمَا إِذَا هَلَكَ الوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ أَوْ مَاتَت الأُمُّ
الزيادة، وكما في الزيادة المتصلة.
وجه قول أبي حنيفة: أن ضمان البيع والتسليم ضمان غصب، والغصب لا يتحقق في الزيادة، وإنما قلنا ضمان البيع والتسليم ضمان غصب؛ لأن ملك المالك في المغصوب باق بعد بيع الغاصب، ولا يمكن تضمين الزيادة مع الأصل؛ لأن ضمان الأصل ضمان واجب بالغصب، وذا لا يتصور إيجابه بالتسليم؛ لأن إثبات الثابت محال ولا يمكن تضمينها بدون الأصل؛ لأنها تبع للأصل فلا يفرد عن الأصل بضمان الغصب بخلاف القتل لأنه استهلاك لا غصب.
ألا ترى أن الحر لا يضمن بالبيع والتسليم، ويضمن بالإتلاف، وبخلاف الزيادة المنفصلة؛ لأن بالبيع والتسليم قصدًا يصير غاصبا، ولهذا لا يدخل في البيع بدون الذكر؛ لأنه كان المالك متمكنا من أخذه من الغاصب، وقد زال ذلك البيع والتسليم فصار غاصبا كما في الوديعة بعد، كذا في المبسوط والإيضاح.
قوله: (وما نقصت الجارية في ضمان الغاصب) فقوله: (في ضمان الغاصب) خبر ما يتم به حكم المسألة، وبقولنا قال مالك، إذا حبلت بعد الغصب، أما لو غصب حاملا نقصان الولادة ولا ينجبر بالولد، وعندنا ينجبر.
قوله: (وقال زفر والشافعي: لا ينجبر) وبه قال أحمد؛ لأن الفائت ملكه، والولد ملكه، وملكه لا يكون جابرًا لملكه، إذ الضمان يجبر ما فات عنه أو (ماتت الأم) أي: بسبب الولادة، هكذا نص في الأسرار والإيضاح.
[ ٧ / ٦٢٢ ]
وَبِالوَلَدِ وَفَاءٌ، وَصَارَ كَمَا إِذَا جَزَّ صُوفَ شَاةِ غَيْرِهِ، أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ شَجَرِ غَيْرِهِ، أَوْ خَصَى عَبْدَ غَيْرِهِ، أَوْ عَلَّمَهُ الحِرْفَةَ فَأَضْنَاهُ التَّعْلِيمُ.
وَلَنَا: أَنَّ سَبَبَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الوِلَادَةُ أَوْ العُلُوقُ عَلَى مَا عُرِفَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ نُقْصَانًا فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا، وَصَارَ كَمَا إِذَا غَصَبَ جَارِيَةٌ سَمِينَةٌ فَهَزَلَتْ، ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ سَقَطَتْ ثَنِيَّتُهَا، ثُمَّ نَبَتَتْ أَوْ قُطِعَتْ يَدُ المَغْصُوبِ فِي يَدِهِ وَأَخَذَ أَرْشَهَا وَأَدَّاهُ مَعَ العَبْدِ يُحْتَسَبُ عَنْ نُقْصَانِ القَطْعِ، وَوَلَدُ الظَّبْيَةِ مَمْنُوعٌ،
(وبالولد وفاء) أي: بقيمته وفاء، وكما إذا جز صوف شاة أو قطع قوائم شجر غيره، يعني ثم نبت مكانها أخرى فإن بقيمتها لا ينجبر ما نقص بما نبت، أو خَصَى عبد غيره يعني فيه قطع جزء منه، وهو نقصان فيه، ولكن ازدادت فللمالك أن يضمنه نقصان الخصية، كما لو لم يردد قيمته أو علمه الحرفة فأضناه بسبب التعليم، فلا ينجبر ما أضناه بالتعليم بما ازدادت قيمته بسبب علم الحرفة.
(ولنا أن سبب الزيادة والنقصان واحد وهو الولادة) أي: عندهما والعلوق عند أبي حنيفة على ما يجيء، وهذا لأن الولادة أوجبت فوات جزء من مالية الأصل وحدوث مالية الولد لأن الولد وإن كان موجودًا قبل الانفصال فلم يكن مالا حتى لم يجز بيعه وهبته، وإنما صار مالا مقصودًا بالانفصال، وإذا اتحد سببهما امتنع ظهور النقصان، فامتنع الضمان كالبيع، فإنه يزيل المبيع عن ملكه، ويدخل الثمن فلا يعد نقصانا حتى لو شهدا عليه ببيع شيء بمثل قيمته ثم رجعا لم يضمن شيئًا.
فإن قيل: سلمنا أن الزيادة حصلت بالولادة ولا نسلم حصول النقصان بها بل بعلوق سابق؛ لأن حال الولادة حالة استراحة، وحال العلوق حالة مشقة فيضاف النقصان إلى المشقة.
قلنا: حالة الاستراحة بعد الولادة، أما حالة الولادة حالة خروج الولد، فحالة مشقة فيحصل به النقصان على أنا نقول: النقصان مضاف إلى العلوق والزيادة مضافة إليه أيضًا؛ لأن به يحصل أصل الولد، ويصير مقصوده عند الولادة، كذا في طريقة مجد الأئمة.
قوله: (وولد الظبية ممنوع) يعني لا نسلم أنه لا ينجبر به بل ينجبر، وكذا
[ ٧ / ٦٢٣ ]
وَكَذَا إِذَا مَاتَتْ الأُمُّ. وَتَخْرِيجُ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الوِلَادَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِمَوْتِ الأُمِّ، إِذْ الوِلَادَةُ لَا تُفْضِي إِلَيْهِ غَالِبًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتَ الوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَدّ أَصْلِهِ لِلْبَرَاءَةِ، فَكَذَا لَا بُدَّ مِنْ رَدّ خَلَفِهِ، وَالخِصَاءُ لَا يُعَدُّ زِيَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَرَضُ بَعْضٍ الفَسَقَةِ، وَلَا اتِّحَادَ فِي السَّبَبِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ المَسَائِلِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ النُّقْصَانِ القَطْعُ وَالجَرُّ، وَسَبَبَ الزِّيَادَةِ النُّمُوُّ، وَسَبَبَ النُّقْصَانِ التَّعْلِيمُ، وَالزِّيَادَةُ سَبَبَهَا الفَهْمُ. قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَزَنَى بِهَا فَحَبِلَتْ ثُمَّ رَدَّهَا، وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا: يَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ عَلِقَتْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الحُرَّةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ فِي الأَمَةِ أَيْضًا) (*) لَهُمَا: أَنَّ الرَّدَّ قَدْ صَحَّ، وَالهَلَاكُ بَعْدَهُ بِسَبَبٍ حَدَثَ فِي
لو ماتت الأم وبقيمة الولد وفاء ينجبر، فلا يرد نقصا وإن لم يكن وفاء ينجبر، تقدر قيمة الولد ويضمن ما زاد ذلك من قيمة الأم.
قوله: (وتخريج الثانية) أي: الرواية فيما إذا ماتت الأم لا تنجبر بالولد، وهو ظاهر الرواية؛ لاختلاف السبب كما ذكر في المتن فلا يرد نقصا؛ لأن كلامنا فيما إذا اتحد سببهما، وذلك لأنه لما ماتت من الولادة كانت موتا من أصله، كالجرح إذا اتصل به زهوق الروح تبين أنه كان قتلا لا جرحًا فمن حيث إن الولادة موت لا تكون موجبة للزيادة، فلا يتحد السبب.
قوله: (وكذا لا بد من رد خلفه) وهو الولد الذي خلف عن النقصان ولم يوجد.
قوله: (والخَصْي) والأَوْلَى: خِصاءٌ، على فعالٍ، لأن مصدر خَصْي على فعل: قياس وإن لم يسمعه كذا في المُغْرِب.
وفيه الهزال: خلاف السِّمَن، وقد هُزِلَ، بضم الهاء، فهو مهزول، والجمع مهازيل.
(وسبب النقصان: التعليم)؛ لأن المشقة تحصل به (وسبب الزيادة الفهم)، ألا ترى أنه قد يشترك اثنان في التعلم والتعليم ويسبق أحدهما لحذاقته.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٧ / ٦٢٤ ]
يَدِ المَالِكِ وَهُوَ الوِلَادَةُ، فَلَا يَضْمَنُ الغَاصِبُ. كَمَا إِذَا حُمَّتْ فِي يَدِ الغَاصِبِ، ثُمَّ رَدَّهَا فَهَلَكَتْ، أَوْ زَنَتْ فِي يَدِهِ، ثُمَّ رَدَّهَا فَجُلِدَتْ فَهَلَكَتْ مِنْهُ، وَكَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةٌ قَدْ حَبِلَتْ عِنْدَ البَائِعِ فَوَلَدَتْ عِنْدَ المُشْتَرِي وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، لَا يَرْجِعُ عَلَى البَائِعِ بِالثَّمَنِ. وَلَهُ: أَنَّهُ غَصَبَهَا وَمَا انْعَقَدَ فِيهَا سَبَبُ التَّلَفِ وَرُدَّتْ وَفِيهَا ذَلِكَ فَلَمْ يُوجَدْ الرَّدُّ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي أَخَذَ فَلَمْ يَصِحَ الرَّدُّ،
وقوله: (إن ملكه لا ينجبر بملكه) قلنا: نحن نسعى بمنع ظهور النقصان، فلا يحتاج إلى الجبر، إليه أشار في الأسرار، والمبسوط، والإيضاح.
قوله: (فزني بها) (^١) ثم وطئ المغصوبة يوجب الحد قبل الضمان بلا خلاف للأئمة، وبعد الضمان لا يوجب الحد عندنا وقد مر في حد الزنا.
قوله: (وقالا: لا ثمن (^٢) في الأمة) (^٣) إلا نقصان الحبل، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن الرد قد صح مع الحبل، ولكنها معيبة بعيب الحبل، وذلك موجب ضمان النقصان، وهلاكها بعد الرد سبب حادث في يد المالك وهو الولادة، إذ الولادة إنما تفضي إلى الهلاك بسبب كبر الولد وضيق المحل، وبهذا يقل الهلاك في النساء بالولادة، فلا يكون الهلاك مضافًا إلى العلوق، والعلوق لا يفضي إلى الهلاك.
قوله: (أو زنت في يده) أي: في يد الغاصب (فجلدت فهلكت منه) أي: من الجلدة، ففي هذه المسائل الثلاث يرجع بالنقصان عندهما.
قوله: (فلم يصح الرد) فلم يبرأ؛ لأن الرد إنما يصح إذا فسخ فعله الأخذ من جميع الوجوه، ولم يكن كذلك؛ لأنه أخذها (^٤) فارغة عن الحبل، والرد وجد (^٥) وهي حامل، قد انعقد سبب الهلاك في حقها، فكان الرد حين وجد مترددًا إن سلمت من الولادة ظهر أن الرد وقع صحيحًا، وإن اتصل به الهلاك ظهر أن الرد لم يصح، وكأنها هلكت عند الغاصب.
_________________
(١) انظر المتن ص ٦٢٤.
(٢) هكذا بالأصل، وفي النسختين الثانية والثالثة (يضمن).
(٣) انظر المتن ص ٦٢٤.
(٤) في الأصول: (أخذه).
(٥) في الأصول: (وجده).
[ ٧ / ٦٢٥ ]
وَصَارَ كَمَا إِذَا جَنَتْ فِي يَدِ الغَاصِبِ جِنَايَةٌ فَقُتِلَتْ بِهَا فِي يَدِ المَالِكِ، أَوْ دُفِعَتْ بِهَا بِأَنْ كَانَتْ الجِنَايَةُ خَطَأَ يُرْجَعُ عَلَى الغَاصِبِ بِكُلِّ القِيمَةِ. كَذَا هَذَا بِخِلَافِ الحُرَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالغَصْبِ لِيَبْقَى ضَمَانُ الغَصْبِ بَعْدَ فَسَادِ الرَّدِّ. وَفِي فَصْلِ الشِّرَاءِ الوَاجِبُ ابْتِدَاءً التَّسْلِيمُ مَا ذَكَرْنَاهُ شَرْطُ صِحَّةِ الرَّدِّ، وَالزِّنَا سَبَبٌ لِجَلْدٍ مُؤْلِم لَا جَارِحٍ وَلَا مُثْلِفٍ، فَلَمْ يُوجَدُ السَّبَبُ فِي يَدِ الغَاصِبِ.
قوله: (بخلاف الحرة) بأن كانت مكرهة على الزنا لا يضمن بالغصب والأخذ، ولهذا لو هلكت عنده بدون الزنا لا يضمن بالإجماع، وفي فصل الشراء قيل: هو ممنوع، ولئن سلم فالواجب على البائع ابتداء تسليم المبيع إلى المشتري على الوجه الذي تناوله العقد، وهو أنه مال متقوم وقد وجد ذلك باعتبار ظاهر الحال، إذ الغالب في الولادة السلامة، فأما على الغاصب يجب فسخ فعله - وهو الغصب- بالرد كما قبضها ولم يوجد ذلك، ألا ترى أن البائع لو قطع يده ثم باعه وسلمه إلى المشتري فمات من ذلك في يده لم يرجع بجميع الثمن، بخلاف الغاصب إذا قطع يدها ثم ردها فمات من ذلك يلزمه جميع قيمته، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (وما ذكره شرط صحة الرد) أي: حاصل ما ذكرنا، وهو أن يردها كما غصبت سالمًا عن الحبل شرط صحة الرد، ولا تتحقق صحة الرد إلا بفسخ فعله.
وقوله: (والزنا سبب موجب) جواب عن قولهما، يعني أن الزنا سبب لحد مؤلم لا جارح ولا متلف، ولهذا [يختار] (^٢) سوطًا لا ثمرة له، فلم يكن الهلاك مضافًا إلى السبب الذي كان عند الغاصب، بل كان بسبب حادث في يد المالك فلا يضمنه الغاصب.
وكذا الجواب عن مسألة الحمّى، فإن الهلاك لضعف الطبيعة عن دفع آثار الحمى المتوالية، وذلك لا يحصل بأول الحُمَّى الذي وجد في يد الغاصب وهي غير موجبة لما كان بعده.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٠٨).
(٢) بياض بالأصل مقدار كلمة، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٢٦ ]
قَالَ: (وَلَا يَضْمَنُ الغَاصِبُ مَنَافِعَ مَا غَصَبَهُ، إِلَّا أَنْ يَنْقُصَ بِاسْتِعْمَالِهِ فَيَغْرَمَ النُّقْصَانَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُهَا، فَيَجِبُ أَجْرُ المِثْلِ، وَلَا فَرْقَ فِي المَذْهَبَيْنِ بَيْنَ مَا إِذَا عَطَّلَهَا أَوْ سَكَنَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ سَكَنَهَا يَجِبُ أَجْرُ المِثْلِ، وَإِنْ عَطَّلَهَا لَا
أما الحمل فيوجب انفصال الولد، وذلك يوجب ألم الولادة فما يحدث به يكون مضافًا إلى السبب الأول، كذا في شرح الجامع.
وذكر التمرتاشي مسألة تحتاج المعرفة إليها، فقال: جامع امرأته فماتت منه أو أفضاها لم يضمن عندهما، وقال أبو يوسف ﵀ يضمن؛ لأنه مأذون بالجماع على وجه لا يتلف كالرمي إلى صيد، ولهما أن المجامع يعمل لها يقضي شهوتها ويؤكد حقها في المهر، فكان عمله كعملها بخلاف الرمي، ولو انكسرت فخذها أو يدها من الوطء أو ذهب عينها فأرش ذلك في ماله بالإجماع.
قوله: (ولا فرق في المذهبين بين ما إذا عطلها أو سكنها) فإن عند الشافعي: يضمن، وبه قال أحمد، وعندنا: لا يضمن، واختلف أصحاب مالك ونصروا أنها لا يضمن كقولنا في صورة الغصب، وكذا في صورة الإتلاف.
وعن ابن القاسم: يضمن علة الرباع والإبل والغنم، ولا يغرم غلة العبيد والدواب.
وقال بعضهم: إن سكنها يجب أجر المثل، وإن عطلها لا، ونصروا أنها لا تضمن على الإطلاق كقولنا.
للشافعي: أنها أموال متقومة، أما كونها (أموال) فإنها تصلح صداقًا، والمشروع هو الابتغاء بالمال، وألا ترى أن الإجارة من التجارة، وهي مبادلة مال بغير مال، والأعيان إنما كانت أموالا باعتبار منافعها، فلأن تكون المنافع أموالا بنفسها أولى.
وهي متقومة؛ لأن التقوم عبارة عن العزة والمنافع عزيزة عند الناس، ولهذا يبذلون الأعيان لأجلها وتُقَوَّم فالأعيان بالعقد، فاستحال أن لا تكون متقومة بنفسها، ولا اعتياض المال عن المنفعة صحيح شرعًا، والاعتياض عما ليس بمتقوم لا يجوز كالخمر وحبة سمسم.
[ ٧ / ٦٢٧ ]
شَيْءٍ عَلَيْهِ. لَهُ: أَنَّ المَنَافِعَ أَمْوَالٌ مُتَقَوَّمَةٌ حَتَّى تُضْمَنَ بِالعُقُودِ فَكَذَا بِالغُصُوبِ. وَلَنَا: أَنَّهَا حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الغَاصِبِ لِحُدُوثِهَا فِي إِمْكَانِهِ إِذْ هِيَ لَمْ تَكُنْ حَادِثَةٌ فِي يَدِ المَالِكِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى فَيَمْلِكُهَا دَفْعًا لِحَاجَتِهِ، وَالإِنْسَانُ لَا يَضْمَنُ مِلْكَهُ، كَيْفَ وَأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ غَصْبُهَا وَإِتْلَافُهَا؛
ولنا قوله ﵇ «الخَرَاجُ بِالضَّمانِ» (^١) وضمانها على الغاصب، وما روي أن عمر وعليا حكما في ولد المغرور بالقيمة، وأوجبا على المغرور ردَّ الجارية مع عقرها، ولم يوجبا قيمة الخدمة مع علمهما أن المغرور كان يستخدمها، ومع طلب المدعي جميع حقه، ولو كان ذلك واجبًا لما حل لهما السكوت عن بيانه، وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكرهما أحد من الصحابة، فصار ذلك إجماعًا سكوتيًّا.
ولأن المنافع حدثت على ملك الغاصب، فلا تكون مضمونة عليه، إذ الإنسان لا يضمن ملك نفسه، وهذا لأنها حدثت بفعله وكسبه وفي يده، والكسب للكاسب لقوله ﷺ: «كُلُّ الناس أحقُّ بكَسْبِهِ»، وهذا بمعنى قوله: (لحدوثها في إمكانه) أي: في تصرفه وقدرته، ولئن سلمنا حدوثها على ملك المالك فلا يتصور غصبها وإتلافها، فلا يجب عليه ضمان الغصب والإتلاف؛ لأنها أعراض لا تبقى، وما لا يبقى لا يتصور غصبه وإتلافه، إذ إتلاف الشيء وغصبه إنما يرد في حال بقائه، وهذا معنى قوله (كيف ولا يتحقق غصبها وإتلافها) إلى آخره.
وفي المبسوط: إتلاف المنفعة لا يتصور إما أن يكون قبل وجودها أو مقارنا للوجود وبعد الوجود لا وجه للأول؛ لأنها معدومة، والمعدوم غير قابل الإتلاف، ولا وجه للثاني؛ لأنه إذا قارن الوجود يمنع الوجود، والإتلاف يرد على الموجود ولا وجه للثالث؛ لأنها إذا وجدت فنيت، فكانت بعد الوجود زمان الفناء، وزمان الفناء زمان العدم، فلا يتصور الإتلاف.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٨٤ رقم ٣٥٠٨)، والترمذي (٢/ ٥٧٢ رقم ١٢٨٥)، وابن ماجه (٢/ ٧٥٤ رقم ٢٢٤٣)، والحاكم (٢/¬١٥) رقم (٢١٨٠) من حديث عائشة ﵂. وصححه الترمذي، والحاكم.
[ ٧ / ٦٢٨ ]
لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لَهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تُمَائِلُ الأَعْيَانَ لِسُرْعَةِ فَنَائِهَا وَبَقَاءِ الْأَعْيَانِ، وَقَدْ عُرِفَتْ هَذِهِ المَآخِذَ فِي المُخْتَلِفِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مُتَقَوَّمَةٌ فِي ذَاتِهَا، بَلْ تُقَوَّمُ ضَرُورَةٌ عِنْدَ وُرُودِ العَقْدِ وَلَمْ يُوجَدُ العَقْدُ، إِلَّا أَنَّ مَا انْتُقِصَ بِاسْتِعْمَالِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِاسْتِهْلَاكِهِ بَعْضَ أَجْزَاءِ العَيْنِ.
(ولأنها) أي: ولو سلمنا تصور غصبها وإتلافها فلا يمكن تضمينها، إذ المماثلة شرط في ضمان العدوان لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولا مماثلة بين العين والعرض كما بين في الأصول وفي المختلف.
وقوله: (ولا نسلم أنها متقومة) جواب عن قول الشافعي، يعني لا نسلم أنها مالية، إذ مال الشيء إنما يثبت بالتمول، وهو صيانة الشيء للحاجة، وذا لا يتصور فيها، ولا تكون متقومة في ذاتها أيضًا؛ لأن التقويم لا يسبق الوجود والإحراز، وذا لا يتصور فيما لا يبقى زمانين، وإنما يثبت حكم التقويم لها شرعًا عند ورود العقد عليها باعتبار إقامة العين مقام المنفعة للضرورة والحاجة، وبطلت المقايسة؛ لأن للرضا أثرا في إيجاب الأصول في الفصول جميعًا، فالمال يجب بالشرط مقابلا (^١) بغير مال، ولهذا يجوز بيع عبد قيمته ألف بألوف، وشيء من ذلك لا يثبت بالعدوان، وكل قياس لا يقوم إلا بوصف (^٢) يقع الفرق بين الفرع [والأصل] (^٣) فهو باطل.
قوله: إلا بما انتقص باستعماله مضمون عليه، وقيد باستعماله بحسب الغالب، لكن الحكم ثابت فيما إذا انتقص بدون استعماله؛ لفوات جزء العين في يد الغاصب.
قال مشايخنا: هذا إذا لم يكن معدًا للاستغلال، فإن كان معدا له يضمن المنافع بالغصب والإتلاف.
وفي فتاوى الكبرى: منافع عقار الموقوفة مضمونة سواء كان معدا
_________________
(١) في الأصل بياض مقدار كلمة، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) كذا بالأصل، وفي النسخة الثانية: (بفصل).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٧ / ٦٢٩ ]