قَالَ: (وَالوَكِيلُ بالبَيْعِ والشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنهُمْ بِمِثْلِ القِيمَةِ إِلَّا مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ) (*)
شيء بعينه إذا خالف في الثمن لا إلى خير، أو خالف إلى جنس آخر غير الذي سماه الموكل يقع الشراء لنفسه لا للموكل.
فَصْلٌ فِي الْبَيْعِ
لما فرغ من بيان أحكام التوكيل بالشراء، وهو للإثبات، شرع في بيان أحكام التوكيل بالبيع، وهو للإزالة؛ لما أن الإزالة بعد الإثبات وجودًا بالنظر إلى كونه إثباتًا، وفيه نوع تأمل.
قوله: (ومن لا تقبل شهادته له من أقاربه عند أبي حنيفة) وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في وجه. (وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد (يجوز بيعه منهم) أي: من الأقارب التي لا تقبل شهادته لهم (بمثل القيمة) وبه قال الشافعي في الأصح، ومالك وأحمد.
وقوله: (إلا من عبده ومكاتبه) فإنه لا يجوز عندهما أيضًا؛ لأن البيع إلى هؤلاء كالبيع من نفسه، فلا يجوز.
وقيد في المبسوط بقوله: إلا من عبده الذي لا دين عليه؛ لأن كسبه ملك مولاه، فبيعه منه كبيعه من نفسه، فكان فيه إشارة إلى أنه إذا كان عليه دين يجوز في تعميم المشيئة.
ثم الوكيل بالبيع لا يجوز أن يبيعه من نفسه عندنا والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه، وعن أحمد في رواية: يجوز، وبه قال مالك والأوزاعي إذا لم يُحابِ؛ لعدم التهمة، وقلنا: لو جاز يؤدي إلى تضاد الأحكام، فإنه يكون مُستزيدًا ومُستنقصًا، أيضًا ومُخاصِمًا في العيب ومُخاصَمًا، وفيه من التضاد ما لا يخفى.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٦٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المبسوط (^١): المراد من عدم الجواز في البيع إلى هؤلاء عند أبي حنيفة في مطلق الوكالة، أما لو قيد الوكالة بتعميم المشيئة، بأن قال: بع ممن شئتَ يجوز بيعه من هؤلاء بلا خلاف، بخلاف البيع من نفسه أو من ابن صغير له، حيث لا يجوز وإن قيد بتعميم المشيئة؛ لما ذكرنا أنه يؤدي إلى التضاد.
فإن قيل: يشكل على أبي حنيفة بيع المضارب من هؤلاء بمثل القيمة، حيث يجوز، سواء ظهر الربح أو لا، والمضارب قبل ظهور الربح وكيل. ذكره في مضاربة المبسوط.
قلنا: قال بعض مشايخنا: عدم الجواز عنده مطلقًا على ما إذا باعه بالعين، أما البيع بمثل القيمة فجائز في الفصلين، أي: الوكالة والمضاربة. وبعضهم قالوا: لا يجوز في الوكالة، ويجوز في المضاربة بمثل القيمة من هؤلاء.
والفرق أن المضارب كالمتصرف لنفسه من وجه، ألا ترى أنه لا يجوز نَهْيُهُ عن التصرف بعدما صار المال عُروضًا، وأنه شريكه في الربح، فلا تلحقه التهمة في البيع بمثل القيمة من هؤلاء؛ لأنه إيثار في العين دون المالية، وفي العين هو كالمتصرف لنفسه.
بخلاف البيع بالغبن؛ لأنه إيثار في شيء من المالية، وهو في ذلك نائب محض، أما الوكيل فنائب في العين والمالية جميعًا، فلا يجوز بيعه من هؤلاء بمثل القيمة؛ للتهمة.
وحاصله: أن المضارب أَعَمُّ تصرفًا، فإنه قد يستبد بالتصرف على وجه لا يملك رب المال نَهْيَهُ، وقد يكون نائبًا محضًا؛ فلشبهه بالمستبد بالتصرف جَوَّزْنا بيعه من هؤلاء بمثل القيمة، ولشبهه بالنائب لا يجوز بيعه من هؤلاء بغبن يسير. أما الوكيل نائب محض، فيكون متهما في تصرفه. كذا في المبسوط (^٢).
وتخصيص قولهما بمثل القيمة إشارة إلى أنه لا يجوز بغبن يسير، وإلا لم يكن للتخصيص بمثل القيمة فائدة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٩/¬٣٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢٢/ ٥٨).
[ ٦ / ٦٩١ ]
لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ وَلَا تُهْمَةَ، إِذْ الأَمْلَاكُ مُتَبَايِنَةٌ وَالمَنَافِعُ مُنْقَطِعَةٌ، بِخِلَافِ العَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ العَبْدِ لِلْمَوْلَى وَكَذَا لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي كَسْبِ المُكَاتَبِ وَيَنْقَلِبُ حَقِيقَةٌ بِالعَجْزِ. وَلَهُ: أَنَّ مَوَاضِعَ التَّهْمَةِ مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ الوَكَالَاتِ، وَهَذَا مَوْضِعُ التَّهْمَةِ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ المَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ فَصَارَ بَيْعًا مِنْ نَفْسِهِ مِنْ وَجْهِ،
ولكن ذكر في الذخيرة أنه يجوز بيعه من هؤلاء بالغبن اليسير؛ لأن اليسير ملحق بالقيمة، وقال فيها: لو باع من هؤلاء بأكثر من القيمة يجوز بلا خلاف، وبالغبن الفاحش لا يجوز بلا خلاف، وبالغبن اليسير يجوز عندهما، ولا يجوز عنده، وبمثل القيمة عن أبي حنيفة روايتان في رواية الوكالة والبيوع: لا يجوز، وفي رواية المضاربة: يجوز.
وبيع المضارب وشراؤه منهم بأقل من القيمة لا يجوز بلا خلاف، وبأكبر من القيمة يجوز بلا خلاف، وبمثل القيمة يجوز عندهما، وكذا عند أبي حنيفة باتفاق الروايات، فأبو حنيفة فرق بين المضارب والوكيل، وقد ذكرناه.
قوله: (ولا تهمة) أي: في البيع بمثل القيمة، نفي التهمة من حيث المالية. وقوله: (والأملاك متباينة والمنافع منقطعة) [نفي لتهمة إيثار العين، وكان هذا جوابًا عن قول أبي حنيفة: إن في البيع بمثل القيمة تهمة إيثار العين، فلما كانت المنافع منقطعة] (^١) لم يكن الوكيل منتفعا بذلك العين، فلا يورث التهمة، ولما انتفت التهمة في بيعه بمثل القيمة من حيث إيثار العين، ومن حيث المالية، فيجوز، كالبيع من الأجنبي.
والدليل على تباين الأملاك حل وطء الابن جاريته، ولو لم يكن ملكه متباينا عن ملك أبيه لما حل، كوطء جارية مشتركة، ولا يحل له وطء جارية أبيه؛ لتباين ملك أبيه عن ملكه.
قوله: ولهذا (لا تقبل الشهادة) أي: فيما بينهم؛ لتهمة الانتفاع بمال
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٦٩٢ ]
وَالإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ عَلَى هَذَا الخِلَافِ. قَالَ: (وَالوَكِيلُ بِالبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ وَالعَرَضَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنُقْصَانِ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) (*)؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالمُتَعَارَفِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ لِدَفْعِ الحَاجَاتِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَوَاقِعِهَا، وَالمُتَعَارَفُ البَيْعُ بِثَمَنِ المِثْلِ وَبِالنُّقُودِ، وَلِهَذَا:
الآخر، فصار مال كل واحد منهما كمال صاحبه من وجه، وفي البيع إخراج وإدخال من الجانبين، وفي البيع من هؤلاء إخراج إلى نفسه من وجه، فلا يجوز. وأما قولهما: إن الأملاك متباينة.
قلنا: قدر ذلك التباين لما لم يؤثر في قبول الشهادة علمنا أن ذلك القدر وجوده كعدمه في مواضع التهمة.
قوله: (والإجارة والصرف على هذا الخلاف) وإنما خصهما بالذكر؛ لأن شرعية الإجارة مخالفة للقياس؛ لأنه بيع معدوم، فيزداد انتفاء شرعيتهما مع هؤلاء، وكذا عقد الصرف على شرائط كان يجب ألا يجوز مع هؤلاء، فتبين أنهما على الاختلاف كذا قيل، والسلم على هذا الاختلاف أيضًا.
وفي الكافي: ولو اشترى من هؤلاء عينًا بثمن معلوم، وأراد بيعه مرابحة لم يجز بلا بيان عنده خلافًا لهما، بناءً على هذا الأصل.
قوله: (والوكيل بالبيع) إلى قوله: (عند أبي حنيفة)، لقب هذه المسألة الوكيل بالبيع مطلقًا يملك البيع بما عزَّ وهان، وبأي ثمن كان، وأي أجل كان، متعارفًا وغير متعارف.
وقالا: يجوز بالغبن اليسير، وبالدراهم والدنانير، وبالأجل المتعارف.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: بثمن المثل، وبنقد البلد، فإن كان النقود مختلفة يعتبر الأغلب، ولا بيع إلا حالا؛ لأن المطلق يتقيد بالمتعارف الغالب، وهو البيع حالًا وبنقد البلد، وإن استويا باع بما هو أنفع للموكل، وإن استويا يخير على المشهور.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ٦ / ٦٩٣ ]
يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الفَحْمِ وَالجُمْدِ وَالأَضْحِيَّةِ بِزَمَانِ الحَاجَةِ، وَلِأَنَّ البَيْعَ بِغَيْنِ
وقال صاحب التهذيب: ينبغي ألا يصح التوكيل ما لم يبين، كما لو باع وفي البلد نقدان مستويان، لا يصح حتى يقيد بأحدهما. كذا في شرح الوجيز (^١).
وفي الذخيرة: إذا باع بأجل متعارف فيما بين الناس في تلك السلعة، بأن باع مثلًا إلى خمسين سنة وما أشبه ذلك؛ فعند أبي حنيفة يجوز، وعندهما لا يجوز، ثم قال: إنما يجوز البيع بالنسيئة إذا لم يكن في اللفظ ما يدل على البيع بالنقد، أما إذا كان لا يجوز، وذلك نحو أن يقول: بِعْه واقض ديني، أو قال: بعه فإن الغرماء يلازمونني، أو قال: بعه فإني أحتاج إلى نفقة عيالي، ففي هذه الصور لا يجوز بيعه نسيئة بالاتفاق.
قوله: (يتقيد بشراء الفحم) وفي بعض النسخ: (اللحم) ولكن الفحم أليق؛ لقران قوله: (بزمان الحاجة) إذ كل الأزمان زمان الحاجة [إلى] (^٢) اللحم.
والحَمْدُ، بسكون الميم لا غير: هو ما جمد من الماء، فكان فيه تسمية للاسم بالمصدر. كذا في الصحاح (^٣) والديوان.
وفي فتاوى قاضي خان: وكله بشراء الأضحية والفحم والجمد يتقيد بشراء الأضحية في تلك السنة لا السنة الثانية، وكذا شراء الجمد يتقيد بأيام الصيف في تلك السنة لا السنة الثانية، وقيل: هذا قولهما، أما على قول أبي حنيفة لا يتقيد؛ لأنه يعتبر لإطلاق اللفظ (^٤).
ولو وكله بشراء اللحم يدخل لحم الضأن والإبل والبقر، وقيل: إن كان الأمر غريبًا ينصرف إلى المطبوخ، ولا تدخل الكرش والبطون والأكباد والرؤوس والأكارع ولحم القديد ولحم الطيور والوحوش، وكذا لا تدخل الشاة حية، أو مذبوحةً غير مسلوخة، ولو اشترى مسلوخة تلزم الأمر إلا أن يكون المدفوع قليلا.
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٢٢٤).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٢/ ٤٥٩).
(٤) فتاو قاض خان (٣/¬١٧).
[ ٦ / ٦٩٤ ]
فَاحِشُ بَيْعٍ مِنْ وَجْهِ، هِبَةٌ مِنْ وَجْهِ، وَكَذَا المُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهِ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهِ فَلَا
يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اسْمِ البَيْعِ، وَلِهَذَا: لَا يَمْلِكُهُ الأَبُ وَالوَصِيُّ. وَلَهُ: أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالبَيْعِ
مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إِطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّهْمَةِ،
وفي الإيضاح: فاللحم يقع على لحم الضأن والمعز وما يشترى، ويدخل لحم البقر والإبل إذا جرت العادة بذلك، ولا يدخل اللحم القديد؛ لأنه لا يباع في الأسواق عادة، وعند الأئمة الثلاثة يقع على ما يباع في العادة في الأكل.
قوله: (وهبة من وجه) ألا ترى أنه [لو باع] (^١) المريض بالغبن الفاحش يعتبر من الثلث، والأب والوصي لا يملكان البيع بالغبن الفاحش، وهو وكيل بالبيع دون الهبة، (وكذا المقايضة) أي: البيع بالعرض (بيع من وجه شراء من وجه) وهو وكيل بالبيع لا بالشراء.
قوله: (وله) أي: لأبي حنيفة أنه مأمور (بالبيع المطلق) وقد أتى به خاليًا من التهمة، وهذا لأن البيع مبادلة مال بمال، وذا موجود في البيع بالعرض، كما في البيع بالنقد، وبتضمنه الشراء لا يخرج من كونه بيعًا مطلقًا؛ لأن تضمن الشراء في جانب العرض لا في جانب المبيع، وأمره كان باعتبار المبيع، والعقد فيه مطلق.
وكذا البيع بالغبن الفاحش بيع من كل وجه، فما من جزء من المبيع إلا ويقابله جزء من الثمن، ولهذا يستحق الكل بالشفعة، والشفعة في الهبة لا تثبت، ولهذا لو حلف لا تبيع فباع بالغبن الفاحش يحنث، وكما يراعى العرف في الوكالات يراعى في الأيمان، ثم جعل هذا بيعًا مطلقا في الثمن، فكذا في الوكالة.
فإن قيل: لا يلزم من جريان العرف في اليمين في [نوع] (^٢) جريانه في الوكالة، فإنه لو حلف لا يأكل لحما فأكل اللحم القديد يحنث، وفي الشراء لا يقع من الأمر، فعلم أن العرف قد يختلف بين اليمين والوكالة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٦٩٥ ]
وَالبَيْعُ بِالغَيْنِ أَوْ بِالعَيْنِ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الحَاجَةِ إِلَى الثَّمَنِ وَالتَّبَرُّمِ مِنْ العَيْنِ، وَالمَسَائِلُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا هُوَ المَرْوِيُّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ يَحْنَثُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَبَ وَالوَصِيَّ لَا يَمْلِكَانِهِ مَعَ أَنَّهُ بَيْعٌ؛ لِأَنَّ وِلَا يَتَهُمَا نَظَرِيَّةٌ وَلَا نَظَر فِيهِ، وَالمُقَايَضَةُ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ لِوُجُودِ حَدٌ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قلنا: التوكيل بشراء اللحم يقع على لحم يباع في الأسواق، والقديد لا يباع، أما الأكل متعارف في الكل.
وأجاب في الأسرار عما تمسكا بمحاباة المريض: أن المحاباة لا تعتبر هبة بشيء من المبيع الذي تعلق الأمر به، بل يعتبر بالثمن، ألا ترى أنه لو حابي ومات ولا يخرج من الثلث قيل: للمشتري إما أن يرتد إلى الثلث وإما أن يَرُدَّه (^١)، ولا يلزمه رد (^٢) المبيع حتمًا، والأب والوصي مأمور أن يبيع بصفة النظر لا بمطلق البيع.
وقوله: (والبيع بالغبن أو العين) إلى آخره: جواب عن قولهما، فلما كان متعارفًا كان العرف مشتركًا، فلا يصلح حجة لأحدهما.
في المبسوط: العرف مشترك، فقد يبيع الشيء بالغبن الفاحش للتبرم (^٣) منه، وفي هذا لا يبالي بقلة الثمن وكثرته، وقد يبيعه للاسترباح قصدًا، فعند الإطلاق لا يترجح أحد المقصودين من غير دليل.
قوله: (والمسائل ممنوعة) يعني هذه المسائل مروية عن أبي يوسف، فأما عند أبي حنيفة فيعتبر الإطلاق، ولئن سلم فهذا مطلق في حق الوقت لا عام، فلا يتناول إلا واحدًا، وقد صار المتعارف مرادًا فلم يبقَ غيره مرادًا، فأما هذا عام.
قوله: (والمقايضة شراء من كل وجه وبيع من كل وجه) جواب عن قولهما أيضًا.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٤/ ٧٤).
(٢) بعدها في النسخة الثانية: (بعض).
(٣) في المبسوط (١٢/ ٢١٤): تَبَرِّيًا.
[ ٦ / ٦٩٦ ]
قَالَ: (وَالوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَجُوزُ عَقْدُهُ بِمِثْلِ القِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا، وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ) لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَعَلَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ،
فإن قيل: فمن المحال أن يوصف الشيء الواحد بصفة وبضدها في حالة واحدة.
قلنا: إنما كان محالا إذا كان ذلك بجهة واحدة، وليس كذلك، فإنه بيع من كل وجه بالنسبة إلى غرض نفسه، وشراء بالنسبة إلى غرض صاحبه.
ولا يقال: بدخول البائعين الثمنية؛ لأن الباء تدخل الأثمان، لأنا نقول: هذا في المكيلات والموزونات من غير الدراهم والدنانير؛ إذ الدراهم والدنانير يتعينان للثمنية حلت الباء عليهما أو لا، أما المكيلات والموزونات إذا كانت غير متعينة تتعين للثمنية، سواء حلت الباء على أحدهما أو لا. إليه أشار في الذخيرة.
فإن قيل: لو كان بيع المقايضة شراء من كل وجه، فمن أي وجه رجح أبو حنيفة جانب البيع؟
قلنا: ذكر في المبسوط (^١): جانب البيع يرجح على جانب الشراء في البيع بالعرض، ألا ترى أن أحد المضاربين إذا اشترى بغير إذن صاحبه كان مشتريا لنفسه، ولو باع بغير إذن صاحبه شيئًا من مال المضاربة توقف على إجازة صاحبه! فإنه باعه بعرض يتوقف أيضًا، حتى لو أجاز صاحبه كان تصرفه على المضاربة والشراء لا يتوقف، ولأنه بنسبة ذاته مبيع، وتصرف الوكيل يقع بالنسبة إلى ذاته.
قوله: (ولا يجوز بما لا يتغابن [الناس] (^٢) في مثله) أي: بالغبن الفاحش، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة.
قوله: (لأن التهمة فيه) أي: في هذا الشراء (متحققة) كما ذكر في المتن، والتهمة معتبرة في باب الوكالة، ألا ترى أن الوكيل بالبيع لا يبيع من أبيه أو ابنه؛ للتهمة!
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٢١٥).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٦٩٧ ]
فَإِذَا لَمْ يُوَافِقْهُ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى مَا مَرَّ، حَتَّى لَوْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالُوا: يَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا الوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ إِذَا زَوَّجَهُ امْرَأَةً بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا جَازَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الإِضَافَةِ إِلَى المُوَكِّلِ فِي العَقْدِ فَلَا تَتَمَكَّنُ هَذِهِ التَّهْمَةُ، وَلَا كَذَلِكَ الوَكِيلُ بِالشَّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلِقُ العَقْدَ.
وفي المبسوط (^١): والفرق لأبي حنيفة أن الشراء يستوجب الثمن في ذمة الوكيل، ويوجب لنفسه مثله في ذمة الأمر، والإنسان متهم في حق نفسه، فلا يملك أن يلزم الأمر بالثمن ما لم يدخل في ملكه بإزائه ما يَعْدِلُهُ، ولهذا لو قال: اشتريت وقبضت وهلك في يدي فهات الثمن لم يقبل قوله، بخلاف الوكيل بالبيع، فإنه لو قال: بعت وقبضت الثمن فهلك - كان القول قوله.
ولأن الأمر بالشراء يلاقي ملك الغير، وليس للإنسان ولاية مطلقة في ملك الغير، فلا يعتبر إطلاق أمره فيه، بخلاف البيع، فإن أمره يلاقي ملك نفسه، وله في ملك نفسه ولاية مطلقة.
ولأن اعتبار العموم والإطلاق غير ممكن؛ لأنه لو اعتبر ذلك له أن يشتري ذلك المتاع بجميع ما يملكه الأمر وبما لا يملكه من المال، ونحن نعلم أنه لا يقصد ذلك، فحملناه على أخص الخصوص، وهو الشراء بالنقد بغبن يسير، وفي جانب البيع اعتبار العموم والإطلاق ممكن؛ لأنه لا يسلط به على شيء من ماله سوى المبيع الذي رضي ببيعه.
قوله: (قالوا: ينفذ) الشراء على الأمر وإن كان بغبن فاحش؛ لعدم التهمة؛ إذ لا يملك الوكيل أن يشتريه لنفسه، على ما مر.
ثم قوله: (قالوا) يحتمل أن يريد به عامة المشايخ، فإنه ذكر في الذخيرة: أما الوكيل بشراء شيء بعينه فلا نص فيه، وقد اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: يُتحمَّل فيه اليسير دون الفاحش، وقال بعضهم: لا يتحمل فيه اليسير أيضًا.
قوله: (لأنه) أي: الوكيل (يطلق العقد) أي: لا يضيفه إلى الأمر فيقول: اشتريت، ولا يقول: اشتريت لفلان.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٢١٥).
[ ٦ / ٦٩٨ ]
قَالَ: (وَالَّذِي لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ المُقَوِّمِينَ، وَقِيلَ: في العُرُوضِ دَه نيم " وَفِي الحَيَوَانَاتِ دَهْ يازده " وَفِي العَقَارَاتِ دَه دوازده ") لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي الأَوَّلِ، وَيَقِلُّ فِي الأَخِيرِ، وَيَتَوَسَّطُ فِي الْأَوْسَطِ، وَكَثْرَةُ الغَبْنِ لِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ.
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ له، فَبَاعَ نِصْفَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ
قوله: (وقيل في العروض) إلى آخره، هذا بيان الغبن اليسير، فكان قوله: (وقيل) معطوفًا على ما تَضَمَّنَ.
قوله: (ما لا يدخل تحت تقويم المقومين) يعني إذا كان الغبن الفاحش ما لا يدخل؛ كان ما يدخل تحت تقويمهم يسيرًا.
وإنما وقع التفاوت؛ لأن التصرف يكثر وجوده في العروض، ويقل في العقار، فما وقعت المعاملة فيه كثيرة كانت التجربة فيها أوقع فيما يرجع إلى الغبن والربح، فكان التاجر بحالها أَعْرَفَ، فيقل الغبن فيها كذلك، وفي الحيوان بين الأمرين، وكلما كثر التصرف قل الغبن، وكلما قل التصرف كثر الغبن؛ لقلة الممارسة.
وفي الذخيرة: قال شيخ الإسلام في جامعه: تكلموا في الحد الفاصل بين اليسير والفاحش، والصحيح عن محمد في النوادر: كل ما يدخل تحت تقويم المقومين فهو يسير، وما لا يدخل فهو فاحش، ثم قال شيخ الإسلام هذا التحديد فيما لم يكن له قيمة معلومة في البلدة، كالعبيد والدواب وغيرهم، فأما ما له قيمة معلومة، كالخبز واللحم وغيرهما، فزاد الوكيل بالشراء لا ينفذ على الموكل وإن كانت الزيادة قليلا، كالفلس ونحوه؛ لأن هذا مما لا يدخل تحت تقويم المقومين، وإنما يدخل تحت تقويمهم ما يحتاج فيه إلى تقويمهم، وهاهنا لا يحتاج، فلا يدخل.
قوله: (وكله ببيع عبد له) أي: مطلقا.
وإنما وضع المسألة في العبد ليرتب عليه هذا الاختلاف المذكور؛ لأنه إذا باع نصف ما وُكِّل ببيعه، وليس في تفريقه ضرر، كالحنطة والشعير يجوز بالاتفاق، ذكره في الإيضاح؛ لأنه ليس في تفريقه ضرر.
[ ٦ / ٦٩٩ ]
مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِافْتِرَاقِ وَالاجْتِمَاعِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الكُلَّ بِثَمَنِ النِّصْفِ يَجُوزُ عِنْدَهُ، فَإِذَا بَاعَ النِّصْفَ بِهِ أَوْلَى وَقَالَا: لَا يَجُوزُ (*)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ (إِلَّا أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا)؛ لِأَنَّ بَيْعَ النِّصْفِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةٌ إِلَى الامْتِثَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِيهِ جُمْلَةٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُفَرِّقَ، فَإِذَا بَاعَ البَاقِيَ قَبْلَ نَقْضِ البَيْعِ الأَوَّلِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ وَسِيلَةٌ، وَإِذَا لَمْ يَبِعْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ وَسِيلَةٌ فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا اسْتِحْسَانُ عِنْدَهُمَا.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ لَزِمَ
(إذا باع الكل بثمن النصف يجوز عنده) أي: عند أبي حنيفة، قيد بقوله: (عنده) لأنه لا يجوز عندهما؛ لأنه غبن فاحش.
فإن قيل: إنما يجوز بيع الكل بثمن النصف؛ لعدم الشركة، أما في بيع النصف بنصف الثمن تلزم الشركة، وهي عيب في الأعيان، فكان هذا مخالفة إلى الشراء لا الأول.
قلنا: ضرر الشركة أهون من ضرر بيع الكل بنصف الثمن، فلما جاز ذلك على قوله، لأن يجوز هذا - وهو أهون - أولى، وبقولهما قال الشافعي.
قوله: (وهذا) أي: كون البيع موقوفا إلى أن يبيع النصف الآخر قبل الخصومة (استحسان عندهما) إذ القياس ألا يتوقف لثبوت المخالفة ببيع النصف.
قوله: (فالشراء موقوف) أي: بالاتفاق، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، وقالا في قول ورواية: لا ينفذ على الأمر؛ لأنه مخالف، ثم عند أبي يوسف؛ إذا أعتقه الأمر جاز والإعتاق إجازة منه، ولو أعتقه الوكيل لم يجز، وعند محمد لو أعتقه الوكيل جاز، ولو أعتقه الموكل لم يجز؛ لأنه خالف فيما أمر به، والتوقف عليه من حيث إن الخلاف يتوهم رفعه بأن يشتري باقيه فيرتفع الخلاف، فقيل: شراء الباقي يكون مخالفًا، فلا ينفذ إعتاق الأمر. كذا في الإيضاح.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
[ ٦ / ٧٠٠ ]
المُوَكَّلَ)؛ لِأَنَّ شِرَاءَ البَعْضِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةٌ إِلَى الامْتِثَالِ بِأَنْ كَانَ مَوْرُوثًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى شِرَائِهِ شِقْصًا شِقْصًا، فَإِذَا اشْتَرَى البَاقِيَ قَبْلَ رَدِّ الْآمِرِ البَيْعَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ وَسِيلَةٌ فَيَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ، وَهَذَا بِالاتِّفَاقِ. وَالفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ فِي الشِّرَاءِ تَتَحَقَّقُ التَّهْمَةُ عَلَى مَا مَرَّ. وَآخَرُ أَنَّ الأَمْرَ بِالبَيْعِ يُصَادِفُ مِلْكَهُ فَيَصِحُ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ إِطْلَاقُهُ، وَالْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ صَادَفَ مِلْكَ الغَيْرِ فَلَمْ يَصِحَّ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقْبِيدُ وَالإِطْلَاقُ.
قوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله: (لأن التهمة فيه متحققة) (^١) إلى آخره. وفي المبسوط (^٢): توضيح الفرق على قوله أن صحة الأمر بالشراء بتسمية العبد، ونصف العبد ليس بعبد، فلا يصير ممتثلا أمر الأمر، إلا أن يشتري ما بقي قبل الخصومة.
فأما في جانب البائع فصحة التوكيل باعتبار ملك العين، وذلك موجود في العين، فيعتبر فيه إطلاقه، فلما اعتبر إطلاق أمره في بيع العبد بملك الوكيل بيع كُلُّه وبعضه؛ لأن الإطلاق يتناولهما، بخلاف الأمر بشراء العبد، حيث لم يعتبر في إطلاق الآمر؛ لمصادفته ملك الغير، فيقيد بالمتعارف، والمتعارف فيه شراء العبد جملةً.
وأما وجوب الثمن في ذمة المشتري فذلك بيع في البياعات، فلم يعتبر إطلاق أمره بسبب الثمن في الشراء؛ لأن الثمن تابع وليس بمقصود في البياعات على ما عرف، ولو وكله بالشراء فاشترى بكيلي ووزني في الذمة لا ينفذ على الأمر؛ لأن الأمر بالشراء يتقيد بالمتعارف، وهو الشراء بالأثمان المطلقة، وهي الدراهم والدنانير، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وقال زفر: ينفذ على الأمر؛ لأنه شراء من كل وجه.
ولو وكله بشراء أمة، وسمى جنسها وثمنها، فاشترى شَلاءً أو عمياء نفذ على الأمر عند أبي حنيفة، وعندهما لا، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن شراء العمياء والشلاء غير متعارف، وله أن العرف مشترك، فقد يشتري العمياء ترحما عليها وطلبا لرضا الله تعالى.
_________________
(١) انظر المتن ص ٦٩٧.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٩/¬٤٤).
[ ٦ / ٧٠١ ]
قَالَ: (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، أَوْ لَمْ يَقْبِضُ، فَرَدَّهُ المُشْتَرِي عَلَيْهِ بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثْ مِثْلُهُ بِقَضَاءِ القَاضِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى الْآمِرِ) لِأَنَّ القَاضِيَ تَيَقَّنَ بِحُدُوثِ العَيْبِ فِي يَدِ البَائِعِ، فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إِلَى هَذِهِ الحُجَجِ وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِهَا فِي الكِتَابِ: أَنَّ القَاضِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا
ولو وكله بشراء هذا العبد بخمسمائة فاشتراه وآخر بضعفه يكون مخالفًا، ويضمن ما دفعه الأمر، وعندهما نفذ على الأمر؛ لأنه لما اشتراهما بألف، وقيمتهما سواء - انقسم الثمن على قيمتهما نصفين، فيكون مشتريا للعبد المأمور بخمسمائة، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة، وله أن القيمة تعرف بالحزر والظن، فلم تثبت الموافقة بيقين، فلا ينفذ على الأمر؛ لوقوع الشك في الامتثال.
ولو أمره بالنكاح ولم يُسَمِّ مهرًا، فزوجه بمهر فيه غبن فاحش - جاز عنده؛ لإطلاق الأمر، ولم يجعله كالوكيل بالشراء حتى يتقيد بالعرف؛ لأن في الشراء بالأكثر تهمة كما ذكرنا، ولا تتحقق ذلك التهمة في النكاح؛ لما أنه لا بد في النكاح من إضافة العقد إلى الموكل.
ولو زوج بنته الكبيرة من الآمر لم يجز عنده خلافًا لهما، وهي كعقد الوكيل مع من ترد شهادته.
قوله: (بعيب لا يحدث مثله) كالإصبع الزائدة، والسن الشاغية (^١).
قوله: (فإنه) أي: الوكيل (يرده على الأمر) من غير خصومة؛ إذ الرد [على الوكيل ردّ] (^٢) على الأمر، وإنما يحتاج في صورة الإقرار إلى القضاء؛ لأنه ممكن أن يقر بالعيب ويمتنع عن القبول، فالقاضي يجبره على القبول.
وقوله: (فلم يكن قضاؤه مستندا) إلى آخره جواب سؤال، يعني لما كان العيب لا يحدث مثله لم يتوقف القضاء إلى هذه الحجج، بل ينبغي أن يقضى بدونها؛ لعلمه قطعا بوجود العيب عند البائع، فقال: (لم [يكن] (^٣) قضاؤه مستندا إلى هذه الحجج، وتأويل اشتراطها في الكتاب) إلى آخره.
_________________
(١) والشَّغَا: اختلاف نبتة الأسنان بالطول والقصر، والدخول والخروج. القاموس (١/ ١٣٠٠).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٧٠٢ ]
يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مَثَلًا، لَكِنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ تَارِيخُ البَيْعِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ الحُجَجِ لِظُهُورِ التَّارِيخِ، أَوْ كَانَ عَيْبًا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا النِّسَاءُ أَوْ الأَطِبَّاءُ، وَقَوْلُهُنَّ وَقَوْلُ الطَّبِيبِ حُجَّةٌ فِي تَوَجُهِ الخُصُومَةِ لَا فِي الرَّدِّ، فَيَفْتَقِرُ إِلَيْهَا فِي الرَّدِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ القَاضِي عَايَنَ البَيْعَ وَالعَيْبُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنهَا، وَهُوَ رَدُّ عَلَى المُوَكِّلِ فَلَا يَحْتَاجُ الوَكِيلُ إِلَى رَدٌ وَخُصُومَةٍ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ)؛ لِأَنَّ البَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَالوَكِيلُ مُضْطَرٌ فِي النُّكُولِ لِبُعْدِ العَيْبِ عَنْ عِلْمِهِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ مُمَارَسَتِهِ المَبِيعَ فَلَزِمَ الآمِرَ.
قوله: (لا يعرفه إلا النساء) كالقرن في الفرج ونحوه (أو الأطباء) كالدق والسعال القديم.
(فيفتقر) أي: القاضي يفتقر إلى الحجج، وهي البينة والإقرار والإباء.
قوله: (لأن البينة حجة مطلقة) أي: مثبتة عند الناس كافة، فيثبت بها قيام العيب عند الموكل، فنفذ الرد على الموكل.
وقوله: (والوكيل مضطر) إلى آخره جواب عن قول زفر، ذكره في المبسوط، فعند زفر لو رده بنكوله لم يكن له أن يرده على الموكل، كمن اشترى شيئًا وباعه من غيره، ثم المشتري الثاني رده على المشتري الأول بنكوله لم يكن له أن يرده على بائعه.
وقلنا: الوكيل مضطر في هذا النكول؛ لأنه لا يمكنه أن يحلف كاذبًا إذا كان عالما بالعيب، وإنما اضطر إلى ذلك بعمل باشره للآمر، يعني أنه لم يباشر أحوال العبد، فلا يعرف بعيب ملك الغير، والأمر هو الذي أوقعه فيه، فكان الرد عليه ردًّا على الموكل بخلاف ما إذا أقر، فإنه مختار فيه لا مضطر، وبخلاف المشتري فإنه مضطر في النكول، ولكن بعمل باشره لنفسه، فلا يرجع على غيره. كذا في المبسوط (^١) والفوائد الظهيرية.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٣/ ١١٩).
[ ٦ / ٧٠٣ ]
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ: لَزِمَ المَأمُورَ) لِأَنَّ الإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرَّ إِلَيْهِ، لِإِمْكَانِهِ السُّكُوتَ وَالنُّكُولَ، إِلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ المُوَكَّلَ فَيُلْزِمَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِنُكُولِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءِ وَالعَيْبُ يَحْدُثُ مِثْلُهُ، حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ بَائِعَهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقٌّ ثَالِثٍ وَالبَائِعُ ثَالِثُهُمَا، وَالرَّدُّ بِالقَضَاءِ فَسْخٌ لِعُمُومِ وِلَايَةِ القَاضِي، غَيْرَ أَنَّ الحُجَّةَ قَاصِرَةٌ وَهِيَ الإِقْرَارُ، فَمِنْ حَيْثُ الفَسْخُ كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ، وَمِنْ حَيْثُ القُصُورُ لَا يَلْزَمُ المُوَكَّلَ إِلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَوْ كَانَ العَيْبُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، وَالرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاء بِإِقْرَارِهِ يَلْزَمُ المُوَكَّلَ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ لِمَا ذَكَرْنَا
قوله: (والرد بالقضاء فسخ إلى آخره جواب سؤال، وهو أن يقال: ينبغي ألا يكون له حق الخصومة مع الموكل؛ إذ قد حصل الرد بإقرار الوكيل، فكان بيعًا جديدًا في حق الموكل، فقال: الرد بالقضاء فسخ؛ لعموم ولاية القاضي) فلا يحتمل أن يكون عقدًا مبتدأ؛ لفقد التراضي؛ لأن القاضي يرده على كره منه، فجعل فسخًا، ولكن فسخ استند إلى دليل قاصر، وهو الإقرار، فعملنا بهما، فمن حيث إن الرد بالقضاء فسخ كان للوكيل أن يخاصم الموكل، ومن حيث إنه استند إلى دليل قاصر لا يلزم الموكل إلا بحجة، وهي إقامة البينة على الموكل.
بخلاف ما لو رده بإقرار الموكل من غير قضاء، والعيب مما يحدث مثله لزم الموكل ولا يكون له أن يخاصم الموكل؛ لأن هذا فسخ بالتراضي، فيكون بيعًا جديدًا في حق غيرهما، والموكل غيرهما، وصار في حق الموكل كأن الوكيل اشترى من المشتري، ولو اشترى منه لم يكن له مخاصمة الموكل، فكذا هذا.
فإن قيل: ينبغي أن تكون له ولاية الرد على الموكل وإن قبله بإقراره من غير قضاء، كما في الوكيل بالإجارة إذا أجر وسلم ثم طعن المستأجر فيه بعيب وقبل الوكيل بغير قضاء؛ فإنه يلزم الموكل ولم يعتبر إجارة جديدة، وكذا هذا.
قلنا: من أصحابنا من قال: لا فرق بينهما في الحقيقة؛ لأن المعقود عليه في إجارة الدار لا يصير مقبوضًا بقبض الدار، ولهذا لو تلف بانهدام كان في
[ ٦ / ٧٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضمان المؤجر، فيكون هذا بمنزلة ما لو قبله الوكيل بالعيب قبل القبض بغير قضاء، وهناك يلزم الأمر، فكذا في الإجارة.
قال شمس الأئمة: وفي الكتاب عَلَّل في الفرق بين المسألة، وقال: إن فسخ الإجارة ليس بإجارة معنى؛ لأن على إحدى الطريقتين: الإجارة عقود متفرقة يتجدد انعقادها بحسب ما يحدث من المنافع، فبعد الرد بالعيب يمتنع الانعقاد لا أن يجعل ذلك عقدًا مبتدأ.
وعلى طريقة إقامة الدار مُقامَ المنافع: المعقود عليها حكم ثبت بالضرورة، فلا يعدو موضعها، ولا ضرورة إلى أن يجعل الرد بالعيب عقدًا مبتدأ؛ لتقام فيه الدار مقام المنفعة، هذا إذا كان عيبًا يحدث مثله.
أما إذا كان عيبًا لا يحدث مثله، فرده بإقراره بقضاء يكون ردًا على الموكل باتفاق الروايات؛ لأن القاضي فسخ البيع بينهما بعلمه بقيام العيب عند البائع لا بإقراره، فيلزم الأمر، كما لو رده بالبينة.
وإن رده عليه بإقراره بغير قضاء يلزم الموكل بلا خصومة في رواية كتاب البيوع؛ لأنهما فعلا ما يفعله القاضي لو رُفع الأمر إليه، فإن القاضي يرده في عيب لا يحدث أصلًا، أو لا يحدث في تلك المدة، ولا يكلفه إقامة الحجة، فيكون ردًا على الموكل.
وفي عامة روايات المبسوط: ليس أن يخاصم الموكل لما ذكرنا أنه بمنزلة البيع المبتدأ، ولو اشتراه منه حقيقة لا يرده.
وقوله: فعلا عين ما يفعله القاضي.
قلنا: هذا الرد حصل تمليكا وتملكا بالتراضي، وليس باستيفاء لعين الحق؛ لأن حق المشتري في الجزء الفائت لا في الرد، فكان بيعًا ما أمكن، وإنما يجعل فسخًا إذا تعذر جعله بيعًا في حق الثالث فيما إذا كان بقضاء؛ لعدم التراضي، كذا ذكره قاضي خان والمرغيناني، وهذا هو الذي أحال بيانه إلى الكفاية.
[ ٦ / ٧٠٥ ]
وَالحَقُّ فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الرَّدِّ، ثُمَّ إِلَى الرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الرَّدُّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الكِفَايَةِ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا.
قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَمَرْتُكَ بِبَيْعِ عَبْدِي بِنَقْدٍ، فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ، وَقَالَ المَأْمُورُ: أَمَرْتَنِي بِبَيْعِهِ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا فَالقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ)؛ لِأَنَّ الآمِرَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الإِطْلَاقِ. قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ المُضَارِبُ) وَرَبُّ المَالِ: فَالقَوْلُ قَوْلُ المُضَارِبِ لِأَنَّ الأَصْلَ فِي المُضَارَبَةِ العُمُومُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِذِكْرِ لَفْظِ المُضَارَبَةِ فَقَامَتْ دَلَالَةُ الإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ادَّعَى رَبُّ المَالِ المُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ، وَالمُضَارِبُ فِي نَوْعٍ آخَرَ حَيْثُ يَكُونُ القَوْلُ لِرَبِّ المَالِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ الإِطْلَاقُ
وقوله: (والحَقُّ في وصف السلامة) لى آخره، جواب من قال: (إن الرد متعين) يعني حكم الأصل المطالبة بوصف السلامة، وإنما يصار إلى الرد لضرورة العجز، فإذا نقلاه إلى الرد لم يصح في حق غيرهما، ولهذا لو امتنع الرد وجب الرجوع بحصة العيب، وفي تلك المسائل الحق متعين لا يحتمل التحول إلى غيره.
قوله: (فالقول قول الآمر) وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وعن مالك: إن كانت السلعة قائمة فالقول للموكل، وإن كانت هالكة فالقول للوكيل؛ لأن الضمان يلزمه بالهلاك، والأصل عدم الضمان، وعن أحمد في رواية: القول للوكيل؛ لأنه أمين؛ لثبوت أصل الوكالة بإقرارهما.
قوله: (ولا دلالة على الإطلاق)؛ إذ الأمر بالبيع قد يكون مقيدًا وقد يكون مطلقا، ولا دليل على أحد الوجهين، والأمر يستفاد من جهته، فكان القول له، كما لو أنكر أصل الوكالة.
بخلاف ما لو قال رب المال: أمرتك بالنقد، وقال المضارب: بل دفعت مضاربة، ولم يبين شيئًا فالقول للمضارب؛ لأن الأصل في المضاربة الإطلاق والعموم، ألا ترى أن له أن يودع ويبضع ويوكل، وتصح المضاربة عند الإطلاق، ويثبت الإذن عامًا فكان القول للمضارب متمسك بالأصل، أما الوكالة فإن الإطلاق والعموم فيها ليس بأصل، حتى لا يودع ولا يوكل.
[ ٦ / ٧٠٦ ]
بِتَصَادُقِهِمَا فَنَزَلَ إِلَى الوَكَالَةِ المَحْضَةِ ثُمَّ مُطْلَقُ الأَمْرِ بِالبَيْعِ يَنْتَظِمُهُ نَقْدًا وَنَسِيئَةٌ إِلَى أَي أَجَلٍ كَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا: يَتَقَيَّدُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ وَالوَجْهُ قَدْ تَقَدَّمَ.
قَالَ: (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ، وَأَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنَا، فَضَاعَ فِي يَدِهِ، أَوْ أَخَذَ بِهِ كَفِيلًا فَتَوَى المَالَ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الوَكِيلَ أَصِيلٌ فِي الحُقُوقِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ مِنهَا، وَالكَفَالَةُ تُوثَقُ بِهِ، وَالِارْتِهَانُ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ فَيَمْلِكُهُمَا، بِخِلَافِ الوَكِيلِبِقَبْضِ الدِّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ نِيَابَةً وَقَدْ أَنَابَهُ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ دُونَ الكَفَالَةِ
قوله: (والوجه قد تقدم) أي: الوجه من الجانبين تقدم في مسألة الوكيل بالبيع، وخلاف الأئمة قد بينا فيها.
قوله: (وأخذ به) أي: بالثمن (كفيلا فتوى المال) على الكفيل.
قيل: المراد من الكفالة هاهنا الحوالة؛ لأن التَّوَى لا يتحقق في الكفالة.
وقال التمرتاشي: الوكيل بالبيع لو احتال بالثمن لم يجز عند أبي يوسف؛ لأن الحوالة تتضمن إبراء الأصيل، والوكيل لا يملك ذلك عنده، وقيل: بل على حقيقتهما، والتَّوَى يتحقق في الكفالة، بأن مات الكفيل والمكفول عنه مفلسا.
وفي جامع المنهاجي: التَّوَى على الكفيل بأن يموت مفلسا.
وفي الكافي: التَّوى على الكفيل بأن رفع الأمر إلى قاض يرى براءة الأصيل بنفس الكفالة، كما هو مذهب مالك، فيحكم ببراءة الأصيل، فتَوِيَ المال على الكفيل.
(فلا ضمان عليه) أي: على الوكيل؛ لأنه يزداد بالكفالة والرهن معنى الوثيقة من غير أن يبرأ الأصيل من الثمن، فيؤكدان حق الوكيل، وهو الاستيفاء.
(فيملكهما) أي: الوكيل يملك الكفالة والرهن، فإذا ضاع الرهن في يده فقد صار استيفاء، وذا مملوك له، ألا ترى أنه لو استوفى الثمن حقيقةً، وضاع في يده كان الهلاك على الموكل فكذا في الرهن.
(بخلاف الوكيل بقبض الدين) إذا أخذ رهنا أو كفيلا، فإن التَّوَى لا يكون على رب الدين، وهو قياس قول الشافعي وأحمد في الوكيل؛ لأنه كالمأمور بقبض الثمن، ولا يقبض أصالة؛ لأن الحقوق ترجع إلى الموكل
[ ٦ / ٧٠٧ ]
وَأَخْذِ الرَّهْنِ وَالوَكِيلُ بِالبَيْعِ يَقْبِضُ أَصَالَةٌ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمُوَكَّلُ حَجْرَهُ عَنْهُ.