أنه وكيله؛ لما روينا، وينبغي ألا يرد سلام الخصمين؛ إذ لا يجب عليه ردّ سلامهما، ولو رد ينبغي ألا يزيد على قوله: وعليكم، ويرد السلام على الشاهد.
وينبغي أن يخرج القاضي في أحسن ثيابه، ولو كان فقيرا فالأولى أن يأخذ رزقه من بيت المال؛ بل يفترض عليه، وإن كان غنيًّا تكلموا فيه، والأولى ألا يأخذ من بيت المال.
وفي المحيط (^١): يكره للقاضي أن يفتي في مجلس حكمه، وفي غيره لا بأس به. وقيل: يكره أيضًا، وقال مالك (^٢): لا يفتي أحد الخصمين دون الآخر.
فَصْلٌ فِي الحَبْسِ
لما ذكر القضاء، والحبس من أنواعه، وله أحكام كثيرة أفرده بفصل على حدة.
والحبس مشروع بالكتاب، قال تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] والمراد: الحبس.
وبالسنة، لما روى أنه ﵇ «حَبَسَ رَجُلًا بِالتُّهمَةِ» (^٣) وروي أن رجلا من جهينة أعتق شقصًا له في مملوك حبسه حتى باع فيه غنمه.
وبالإجماع (^٤) أيضًا، وفي زمن النبي ﷺ وأبي بكر لم يكن سجن، يحبس في المسجد والدهليز أو حيث أمكن، حتى اشترى عمر دارًا بمكة بأربعة آلاف درهم، واتخذه محبسا.
وقيل: لم يكن في زمن عمر وعثمان أيضًا إلى زمن علي فاتخذ سجنا، وهو أول سجن حدث في الإسلام.
والمحبوس في الدين لا يخرج لرمضان، ولا لفطرة، ولا أضحى،
_________________
(١) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/¬٢٨).
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (١٣/ ١٠١٢)، ومواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١١٨).
(٣) أخرجه أبو داود (٣/ ٣١٤) رقم (٣٦٣٠)، والترمذي (٣/ ٨٠ رقم ١٤١٧)، والنسائي في الكبرى (٧/ ٧٣٢١٨)، والحاكم (٤/ ١٠٢) رقم (٧٠٦٣) من حديث معاوية بن حيدة ﵁. قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٤) انظر: الإقناع لابن المنذر (٢/ ٥٦٥)، نقد مراتب الإجماع لابن تيمة (١/ ٢٩٣).
[ ٦ / ٣٩٣ ]
قَالَ: (وَإِذَا ثَبَتَ الحَقُّ عِنْدَ القَاضِي، وَطَلَبَ صَاحِبُ الحَقِّ حَبْسَ غَرِيمِهِ، لَمْ يُعَجِّلْ بِحَبْسِهِ، وَأَمَرَهُ بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ) لِأَنَّ الحَبْسَ جَزَاءُ المُمَاطَلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا، وَهَذَا إِذَا ثَبَتَ الحَقُّ بِإِقْرَارِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ مُمَاطِلًا فِي أَوَّلِ الوَهْلَةِ، فَلَعَلَّهُ
ولا لجمعة، ولا لجماعة صلاة مكتوبة، ولا لحجة فريضة، ولا لحضور جنازة بعض أهله، وإن أعطى كفيلا بنفسه؛ لأن الحبس شُرِعَ ليضجر فيسارع إلى قضاء الدين، وإنما يلحقه الضجر إذا منع من الخروج أصلا؛ ولهذا قالوا: ينبغي أن يحبس في موضع خشن، ولا يبسط له فراش ولا وطاء، ولا يدخل عليه أحد ليستأنس به.
وسُئِلَ محمد عن المحبوس لو مات والده أو ولده، هل يخرج؟ قال: لا، إلا ألا يجد من يكفنه ويغسله فيخرج، فإذا وجد لا يخرج؛ لأن حق الميت يصير مقامًا بغيره، وحق الطالب في الحبس، وقيل: يخرج بكفيل لجنازة الوالدين والأجداد والجدات والأولاد، وفي غيرهم لا، وعليه الفتوى (^١).
ولو مرض في السجن فأَضْناهُ إن كان له خادم يخدمه ولا يخرج، حتى قال محمد: لو مات من المرض لا يخرج، وإن لم يكن له من يخدمه أخرجوه واحتسبوا عليه، ولا يمنع من الطعام والشراب، ولو احتاج إلى الجماع تدخل عليه زوجته أو جاريته فيطأها حيث لا يطلع عليه أحد.
وقيل: يمنع من دخول زوجته وجاريته عليه؛ لأن اقتضاء شهوة الفرج ليس من أصول الحوائج، ولا يُمنع من دخول أهله وجيرانه عليه؛ لأنه يحتاج إلى دخولهم ليشاورهم في قضاء الدين، ولكن لا يمكنون من أن يمكثوا طويلًا، والمال غير مقدر في الحبس، حتى يحبس في الدرهم وفي أقل منه؛ لأن المانع عما دونه ظالم. كذا في المبسوط (^٢) وأدب القاضي للصدر الشهيد (^٣) والذخيرة (^٤) والمغني.
قوله: (أول الوهلة) يقال: لقيته أول وهلة أي: أول شيء (فلعله) أي:
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/ ٩٠)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٤٢).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٠/ ٩٠).
(٣) انظر: شرح أدب القاضي (٢/ ٣٧٤).
(٤) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٤٢).
[ ٦ / ٣٩٤ ]
طَمِعَ فِي الإِمْهَالِ فَلَمْ يَسْتَصْحِبْ المَالُ، فَإِذَا امْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ حَبَسَهُ لِظُهُورِ مَطْلِهِ، أَمَّا إِذَا ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ حَبَسَهُ كَمَا ثَبَتَ لِظُهُورِ المَطْلِ بِإِنْكَارِهِ ..
المقرّ (طمع في الإمهال) يعني من حُجَّة المقرّ أن يقول: ظننت أنك تمهلني، فإن أبيت أوفيك حقك، أما لو جحد الدين حتى ثبت بالبينة فقد وجدت المماطلة.
وفي الفوائد الظهيرية: عن الإمام السرخسي: إن ظهر الدين بالبينة لا يحبسه أول مرة، وإن ظهر بالإقرار يحبسه فكان عكس مسألة الكتاب، والوجه فيه أن الدين يثبت بالبينة كان له أن يعتذر، فيقول: ما كنت علمت له عليّ دينا، فإذا علمت الآن أقضي ولا أتوانى في قضائه، ولا يمكنه مثل هذا الاعتذار في الإقرار (^١).
قال الصدر الشهيد (^٢): فإذا جاء أوان الحبس لا يسأل المديون: ألك مال؟ وقال الخصاف: الصواب عندي ألا يحبسه حتى يسأله: ألك مال؟ ويستحلفه على ذلك، فإن أقر أن له مالا حبسه، فإن قال: لا مال لي، قال للطالب: أثبت أن له مالا حتى أحبسه، وهو مذهب بعض القضاة.
ثم اعلم: إذا ثبت إعسار المديون لا يجوز حبسه بلا خلاف، ولا ملازمته؛ بل يمهل إلى أن يوسر، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وعندنا لا يحبس ولكن للغريم ملازمته، ولا يمنع من الكسب.
وهل يلزمه الكسب وإجارة نفسه ليصرف الأجرة والكسب إلى رب الدين؟ عندنا والشافعي (^٣): لا، وعند أحمد (^٤): يلزمه، وقال مالك (^٥): إن كان ممن يعتاد إجارة نفسه لزمه، وبه قال الشافعي في وجه، وعليه عمل القضاة لظهور المماطلة، قال ﵇: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (^٦) وفي وجه يبيع ماله الظاهر،
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٢٧٨)، فتح القدير (٧/ ٢٧٩).
(٢) انظر: شرح أدب القاضي (٢/ ٣٦١).
(٣) انظر: الأم (٣/ ٢٠٦)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٦/ ٤٠٧).
(٤) انظر: المغني (٤/ ٣٣٥)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (٥/ ٣١٧).
(٥) انظر: المدونة (٤/ ٦١).
(٦) أخرجه البخاري (٣/ ٩٤ رقم ٢٢٨٧) ومسلم (٣/ ١١٩٧ رقم ١٥٦٤) من حديث أبي هريرة.
[ ٦ / ٣٩٥ ]
قَالَ: (فَإِنْ امْتَنَعَ حَبَسَهُ فِي كُلِّ دَيْنٍ لَزِمَهُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ حَصَلَ فِي يَدِهِ، كَثَمَنِ المَبِيعِ، أَوْ التَزَمَهُ بِعَقْدٍ كَالمَهْرِ وَالكَفَالَةِ)؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ المَالُ فِي يَدِهِ ثَبَتَ غِنَاهُ بِهِ، وَإِقْدَامُهُ عَلَى التِزَامِهِ بِاخْتِيَارِهِ دَلِيلُ يَسَارِهِ، إِذْ هُوَ لَا يَلْتَزِمُ إِلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ، وَالمُرَادُ بِالمَهْرِ مُعَجَّلُهُ دُونَ مُؤَجَلِهِ.
وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد، أما لو امتنع من أداء الدين يُحبس بلا خلاف.
قوله: (بدلا عن مال حصل في يده) إلى آخره، وفي الذخيرة (^١) وشرح أدب القاضي للصدر الشهيد (^٢): لو قال المديون بعد ثبوت الدين: أنا معسر، وقال المُدّعي: موسر، ولا بينة له؛ فالقول للمديون مع يمينه، وهو رواية أصحابنا، واختيار الخصاف، وبه قال الشافعي (^٣) في وجه؛ لأن الأصل الفقر في بني آدم، فإنه يولد ولا مال له.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن في كل دين أصله مال، كثمن البيع والقرض فالقول للمدعي، وبه قال الشافعي (^٤) في وجه، فالمديون يحتاج إلى البينة؛ لأنه عُرِفَ دخول شيء في ملكه، وزوال ذلك محتمل، فالظاهر قول المدعي.
وفي كل دين لا يقابله مال، كالمهر وبدل الخلع وما أشبه ذلك - فالقول للمديون؛ لأنه لم يدخل شيء في ملكه، فبقى متمسكًا بالأصل، إليه أشار محمد في كتاب النكاح في مسألة (ادعاء المرأة نفقة الموسرين، وزعم الزوج أنه معسر) فقال: القول للزوج.
وقال بعضهم: كل دين لزمه بسبب معاقدته واختياره فالقول لرب الدين، وبه قال الشافعي في وجه؛ لأن اختيار لزومه بالعقد دليل اليسار.
[قوله: (والمراد بالمهر) إلى آخره، ذكر التمرتاشي: ذكر في النكاح: يحبس
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٣٤).
(٢) انظر: شرح أدب القاضي (٢/ ٣٦٢).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٣٣٢)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (٤/ ١٣٧).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٣٣٢)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (٤/ ١٣٧).
[ ٦ / ٣٩٦ ]
قَالَ: (وَلَا يَحْبِسُهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إِذَا قَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ، إِلَّا أَنْ يُثْبِتَ غَرِيمُهُ أَنَّ لَهُ مَالًا فَيَحْبِسَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ دَلَالَةُ اليَسَارِ فَيَكُونُ القَوْلُ قَوْلَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَعَلَى المُدَّعِي إِثْبَاتُ غِنَاهُ، وَيُرْوَى: أَنَّ القَوْلَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الأَصْلَ هُوَ العُسْرَةُ. وَيُرْوَى: أَنَّ القَوْلَ لَهُ إِلَّا فِيمَا بَدَلُهُ مَالٌ. وَفِي النَّفَقَةِ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إِنَّهُ مُعْسِرٌ، وَفِي إِعْتَاقِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ القَوْلُ لِلْمُعْتِقِ، وَالمَسْأَلَتَانِ تُؤَدِّيَانِ القَوْلَيْنِ الأَخِيرَيْنِ، وَالتَّخْرِيجُ عَلَى مَا قَالَ فِي الكِتَابِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِدَيْنٍ مُطْلَقٍ بَلْ هُوَ صِلَةٌ حَتَّى تَسْقُطَ النَّفَقَةُ بِالمَوْتِ عَلَى الاتِّفَاقِ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ضَمَانُ الإِعْتَاقِ، ثُمَّ فِيمَا كَانَ القَوْلُ قَوْلَ المُدَّعِي إِنَّ لَهُ مَالًا، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالبَيِّنَةِ فِيمَا كَانَ القَوْلُ قَوْلَ مَنْ عَلَيْهِ … … ..
في المهر، فقال البزدوي: أراد به المعجل؛ لأن العادة جرت في النكاح ألا يقوم به من لا وفاء به عنده بالمعجل، فكان إقدامه على النكاح دليل يساره] (^١).
قوله: (فيما سوى ذلك) أي: فيما سوى المذكور، كضمان المتلف والغصب وأرش الجناية.
قوله: (وعلى المدعي إثبات غناه) أي: غنى المديون بالبينة.
وفي الذخيرة (^٢): لو أقام المدعي بينة على يساره، وأقام المديون بينة على إعساره - فبينة رب الدين أولى؛ لأن شهود المديون شهدوا لشيء لم يعرفوه.
قوله: (ويروى أن القول لمن عليه في جميع ذلك) ويدخل تحته ثمن البيع وغيره.
قوله: (والمسألتان) أي: مسألة النفقة، ومسألة إعتاق عبد المشترك (تؤيدان القولين الآخرين)، وفي بعض النسخ: (الأخيرين)، وهما قوله: (ويروى أن القول لمن عليه)، (ويروى أن القول له إلا فيما)، أي: لمن عليه.
وتأييدهما لقول من قال: إن القول له في جميع ذلك، فظاهر.
وأما تأييدهما لقول من قال: (إن القول له إلا فيما بدله مال) فإنه لما يمكن
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٤٠).
[ ٦ / ٣٩٧ ]
يَحْبِسُهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ: فَالحَبْسُ لِظُهُورِ ظُلْمِهِ فِي الحَالِ، وَإِنَّمَا يَحْبِسُهُ مُدَّةٌ لِيَظْهَرَ مَالُهُ لَوْ كَانَ يُخْفِيهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَمْتَدَّ المُدَّةُ لِيُفِيدَ هَذِهِ الفَائِدَةَ فَقَدَّرَهُ بِمَا ذَكَرَهُ، وَيُرْوَى غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ التَّقْدِيرِ بِشَهْرٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ
بدل المهر وبدل ضمان الإعتاق مالًا جُعِل القول قول من عليه، علم بهذا أن الصحيح القولان الآخران.
وأما من نصر القول الأول، وهو قوله: (حبسه في كل دين) إلى آخره، فيجيب عن هاتين المسألتين بقوله: (أنه) أي: النفقة على تأويل الإنفاق، وضمان الإعتاق - ليسا بدين مطلق، بل هما صلة؛ بدليل سقوطهما بالموت، أما النفقة فتسقط بالاتفاق، وأما الإعتاق فعلى قول أبي حنيفة، وهذا هو معنى قوله: (والتخريج على ما قال في الكتاب) فلما كان كذلك لم ترد هاتان المسألتان نقضًا للقول الأول، وهو قوله: (حبسه في كل دين)، إلى آخره (^١).
قوله: (من التقدير بشهر) وهو اختيار الطحاوي، قال الحلواني: ما ذكره الطحاوي أرفق بالناس؛ لأن ما زاد على الشهر في حكم الأجل، وما دونه في حكم العاجل.
قوله: (أو أربعة إلى ستة أشهر) وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة.
قوله: (والصحيح) إلى آخره، في الذخيرة (^٢): كثير من المشايخ قالوا ليس هذا تقديرًا لازما، فقد روى هشام عن محمد مثل هذا؛ إذ الحبس للإضجار، وذلك يختلف فيه أحوال الناس فإن منهم من يضجر بمدة قليلة، ومنهم من لا يضجر بها، ففوض إلى رأي القاضي، فإن وقع عنده أنه يضجر بمدة قليلة أطلقه بعد ذلك، ومثله في شرح أدب القاضي للصدر الشهيد (^٣)، وعن الشافعي (^٤) وأحمد (^٥) ومالك (^٦) مثله.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٣٤).
(٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٣٨).
(٣) انظر: شرح أدب القاضي (٢/ ٣٦٨).
(٤) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (٦/ ٤٢١)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (٤/ ١٤٠).
(٥) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (٢٧٥٥)، كشاف القناع على متن القناع (٦/ ٣٢١)
(٦) انظر: الذخيرة (٨/ ٢٠٦)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٢/ ٧٩٠).
[ ٦ / ٣٩٨ ]
التَّقْدِيرَ مُفَوَّضُ إِلَى رَأي القَاضِي لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الأَشْخَاصِ فِيهِ (•). قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ خُلِّيَ سَبِيلُهُ) يَعْنِي: بَعْدَ مُضِيّ المُدَّةِ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّظِرَةَ إِلَى المَيْسَرَةِ فَيَكُونُ حَبْسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظُلْمًا.
وقال ابن الماجشون المالكي: لا يحبس في القليل أكثر من نصف الشهر، وفي الكثير يبلغ أربعة أشهر، وفيما بين ذلك الشهرين ونحوهما بالنسبة. ذكره في الجواهر (^١).
قوله: (فإن لم يظهر مال) أي: بعد مضي المدة التي رآها القاضي، أو بعد مضي مدة على ما اختار بعض المشايخ، يعني ينبغي أن يُسأل عن حاله بعد الحبس؛ فإن سأل عنه فقامت البينة على إفلاسه أخرجه وتقبل البينة في رواية، وبه قال الشافعي (^٢) وأحمد (^٣)، وعند عامة المشايخ: لا تُقبل، وبه قال مالك (^٤)، وقال الصدر الشهيد في شرح أدب القاضي (^٥): وهو الصحيح.
وفي الذخيرة (^٦): لو أخبر عن إعساره قبل الحبس واحد عدل أو اثنان، أو شهد بذلك شاهدان؛ فعن محمد روايتان في رواية: لا يحبسه، وبه يفتي الفضلى، وهو قول إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وهكذا قال نصير بن يحيى.
وقال الإسكاف وعامة مشايخ ما وراء النهر بحبسه، ولا تقبل هذه البينة؛ لأن البينة على العُسار بينة على النفي، فلا تقبل إلا إذا تأيدت بمؤيد، وقيل: الحبس ما أيدت بمؤيد وبعد مضي مدته تأيدت بمؤيد؛ لأن الظاهر أنه لو كان قادرًا على القضاء لما تحمل مرارة الحبس.
قال شيخ الإسلام: سؤال القاضي عن المحبوس بعد حبسه احتياط وليس بواجب؛ لأن بينته على عساره بينة على النفي، وهي ليست بحجة، قالوا: هذا إذا لم يكن حال منازعة، أما لو ادعى المديون أنه أعسر بعد ذلك، وقال
_________________
(١) (•) الراجح: هو أن التقدير مفوض إلى رأي القاضي.
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٢/ ٧٩٠).
(٣) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (٦/ ٤٢٠)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (٤/ ١٣٧).
(٤) انظر: المغني (٤/ ٣٤٠).
(٥) انظر: المدونة (٤/ ٥٩)، بداية المجتهد (٤/ ٧٦).
(٦) انظر: شرح أدب القاضي (٢/ ٣٦٩).
(٧) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٤١).
[ ٦ / ٣٩٩ ]
وَلَوْ قَامَتْ البَيِّنَةُ عَلَى إِفْلَاسِهِ قَبْلَ المُدَّةِ تُقْبَلُ فِي رِوَايَةٍ، وَلَا تُقْبَلُ فِي رِوَايَةٍ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: عَامَّةُ المَشَايِخ ﵏. قَالَ فِي الكِتَابِ: خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ فِي المُلَازَمَةِ وَسَتَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الحَجْرِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَجُلٌ أَقَرَّ عِنْدَ القَاضِي بِدَيْنِ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أَبَّدَ حَبْسَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا خَلَّى سَبِيلَهُ، وَمُرَادُهُ: إِذَا أَقَرَّ عِنْدَ غَيْرِ القَاضِي أَوْ عِنْدَهُ مَرَّةً، وَظَهَرَتْ مُمَاطَلَتُهُ وَالحَبْسُ أَوَّلًا وَمُدَّتُهُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فَلَا نُعِيدُهُ.
قَالَ: (وَيُحْبَسُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهُ ظَالِمُ بِالِامْتِنَاعِ وَلَا يُحْبَسُ وَالِدٌ فِي دَيْنِ وَلَدِهِ لِأَنَّهُ نَوْعُ عُقُوبَةٍ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ الوَلَدُ عَلَى الْوَالِدِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ (إِلَّا إِذَا امْتَنَعَ مِنْ الإِنْفَاقِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ فِيهِ إِحْيَاءٌ لِوَلَدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُتَدَارَكُ … …
الطالب: إنه موسر وشهد أنه معسر خلى سبيله، ولا تكون هذه شهادة على النفي؛ لأن الإعسار بعد اليسار أمر حادث، فكانت الشهادة على أمر حادث لا بالنفي، ولو طلب يمين الطالب أنه لا يعرف أنه معدم - يحلف، فإن نكل أطلقه، وإن حلف أيد الحبس.
قال أبو القاسم: كيفية الشهادة أن يقول: أشهد أنه مفلس، لا نعلم له مالا سو كسوته التي عليه وثياب ليلة، وقد اختبرنا أمره سرا وعلانية، وهذا أتم وأبلغ.
قوله: (وفي الجامع الصغير) إلى آخره، إنما ذكر لفظ الجامع؛ لأن رواية الجامع من حيث الظاهر بخلاف ما ذكر في أول الفصل من قوله: (إذا ثبت الدين بالإقرار لا يحبسه في أول الوهلة) وهنا قال: يحبسه متصلا بإقراره، فذكر لفظ الجامع ثم ذكر تأويله بقوله: (ومراده إذا أقر عنده وظهرت مماطلته) إلى آخره.
قال فخر الإسلام: معنى المسألة إذا كان جاحدًا فأقر عنده، وظهر للقاضي جحوده عند غيره ومماطلته، وأظهر له مماطلته بعدما أقر عنده غيره، فحينئذ يحبسه، فأما إذا أقر مرة فلا يحبسه؛ لما مر.
قوله: (إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه) فحينئذ يحبس، أما في دين المداينة لا يحبس بلا خلاف، وفي الامتناع من الإنفاق عليه يحبس بلا خلاف أيضًا.
[ ٦ / ٤٠٠ ]
لِسُقُوطِهَا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.